الخديعة
(منظّمة الفساد الفلسطينيّة)
يوميّات غسّان أبو العلا
عقيد متقاعد
في حركة فتح
طبعة ثانية منقحة ومحدّثة
2025
صدرت الطبعة الأولى في 2015قائمة المحتويات
- تقديم ———————————————- 4
- أرض الخسارة ————————————- 7
- أمراء ليالي بيروت الحمراء ————————– 41
- جمهورية الطوطم وأفرانه الذريّة ———————- 74
- طرابلس 1982 ————————————– 118
- سنوات السخرة ————————————— 145
- الطريق إلى الله ————————————— 224
- حروب غبّ الطلب ———————————– 261
- النقيب بتاع كلّو ————————————– 299
- في بلاط راسبوتين ———————————– 343
- إسدال الستارة —————————————- 406
- النهوض من الرماد ———————————– 453
- قائمة المراجع —————————————- 493
- نبذة عن الكاتب ————————————— 495
إلى روح أبي الشهيد
روبين أبو العلا
وأرواح عشرات الآلاف من الشهداء الفلسطينيّين
الذين صبّت دماؤهم جميعاً
في أرصدة الزعماء المصرفيّة
تقديم
خلف الشعارات والخطابات والبيانات السياسيّة والأناشيد الحماسيّة, وفوق عشرات الآلاف من الشهداء ومئات الآلاف من الأيتام وملايين الّلاجئين في مخيّمات الفقر والجهل والحرمان من أبسط الحقوق الإنسانيّة, وعبر مئات الحروب والمعارك الصغيرة والكبيرة التي خيضت بأغلبها بعيداً عن الحدود الإسرائيليّة, تقبع منظمة تحرير فلسطينيّة أخرى حقيقيّةٌ, مغايرةٌ تماماً للتوصيف الإعلاني المتداول.
منظمةً لا تشغلها “حرب التحرير الشعبيّة” ولا “أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين” ولا “إقامة دولة ديمقراطيّة على كامل الأراضي الفلسطينيّة” ولا حق العودة وتقرير المصير للاجئي “شعب الجبّارين” في الداخل والشتات.
منظمّةٌ ظلّ لا علاقة لها بالمجالس التشريعيّة والثوريّة ولا باللجان التنفيذيّة والمركزيّة و“الرقابيّة“, ويبلغ حجم ثروتها أكثر من 50 مليار دولار لا يعلم مصادرها ومصبّاتها إلّا حفنةً من “الموثوقين” الذين سلّمتهم قيادة م.ت.ف أسرارها وائتمنتهم على إستثماراتها. وأشهر هؤلاء المستثمرين وأكبرهم هم الدكتور رمزي الخوري مدير مكتب ياسر عرفات السابق وأحمد آغا مستشاره السابق, ومستشارٌ سابقٌ آخر هو الكردي العراقي أحمد, رشيد وبيار رزق المدير السابق لجهاز المخابرات في مليشيا “القوّات اللبنانيّة” إضافةً إلى يوسي غينوسار أحد القادة السابقين في جهازالأمن الداخلي الإسرائيلي (الشاباك) وعزراد ليف الضابط السابق في شعبة الإستخبارات العسكريّة الإسرائيليّة (أمان).
كيف استطاع القادة المشغولون بالنضال جمع هذه الثروات الضخمة وأين تستثمر ومن هم أصحابها والمنتفعون بها؟ لما أشهرت م.ت.ف إفلاسها مباشرةً بعد غزو العراق بسبب توقّف دول الخليج العربي عن دعمها ماليّاً إثر موقفها الداعم لصدّام حسين وغزوه للكويت؟
كيف استطاعت القيادة الفلسطينيّة رغم إفلاسها وتوقّفها عن دفع رواتب المقاتلين وأسر الشهداء والجرحى, تأمين راتب السيّدة الأولى سهى الطويل المقيمة ما بين تونس و باريس, بشكلٍ دوريٍّ ومنتظم رغم أنّه يبلغ 100 ألف دولار شهريّاً ويفوق راتب الرئيس الأمريكي باراك أوباما الذي يتلقّى 400 ألف دولار سنويّاً؟
كم بلغ حجم الصفقة التي نقلت سهى الطويل من موقع الهجوم على وفد قيادات السلطة الفلسطينيّة إلى مستشفى بيرسي الباريسي حيث يقبع ياسر عرفات في غيبوبةٍ تامّة, إلى موقع المرافعة عنه وتبجيل “أخوة السلاح” الذين رافقوا زوجها وشاركوه نضالاته بعد أن كانت قد وصفتهم عبر قناة الجزيرة قبل يومين من سفرهم ب“حفنة من المستورثين الذين يريدون دفن ياسر عرفات حيّاً” ؟. من هو صديقها المقرّب الذي يدير أعمالها الإقتصاديّة؟ ولماذا رفضت تسليم ملف ياسر عرفات الطبّي إلى قادة السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة؟
كيف استطاع أفراد الصفّ الأوّل من القيادة الفلسطينيّة الحفاظ على مناصبهم لفترةٍ أطول من فترة حكم الأسدين معاً في سوريا, ومن فترة حكم القذافي, وحسني مبارك وعلي عبدالله صالح وبقيّة الإخوة الديكتاتوريّين؟ وكيف خاضوا كلّ هذه الحروب ولم يسقط على جبهات القتال أحدٌ منهم أو من أبنائهم أو أقربائهم أو أنسبائهم أو أصدقائهم؟ (عدا الذين قدمت الحرب إلى منازلهم لتغتالهم رمياً بالرصاص أو تفجيراً بالعبوات المتفجّرة).
أين أقام أبناء هؤلاء القادة حين كان آبائهم مشغولين بالنضال بأرواح فقراء المخيّمات الفلسطينيّة؟ وإذا قبلنا جدلاً فرضيّة أن ولديّ محمود عبّاس ليسا لصّين متكسّبين من سلطات والدهما, أفلا يخجل الرئيس الفلسطيني من حقيقة أن ولديه هذين قد عاشا طوال حياتيهما في الخليج العربي وأكملا دراساتهما في الولايات المتّحدة الأمريكيّة بينما كان هو يبني مجده وسلطته على حساب أرواح أبناء الفلسطينيّين الفقراء في الأردن ولبنان وسوريا وفلسطين وأنهما لم ينضمّا إلى هذا “النضال” إلّا بعد أن ولّى عهد القتال وأتى عهد الإستثمار؟ وما هو حجم ثروتيهما وما علاقة شركاتهما بأموال الدول المانحة ؟
إلى أيّ مدىً يمكن للفساد المالي والهبوط الأخلاقي إن يتفشّى في مؤسسات تزعم “ثوريّتها” وقادةٍ لبسوا على الدوام صفة “مقاتلي الحريّة“؟ أين أقام هؤلاء القادة زمن الحروب وكم هو عدد الذين أقاموا منهم داخل المخيّمات الفلسطينيّة في لبنان والأردن وسوريّا؟
وكيف انتقلوا من أحضان زعماء الدول الخليجيّة ليتقلّبوا بعدها في أَسرّة معمّر القذافي وصدّام حسين ثم ينتهوا خصياناً في حرملك الوليّ الفقيه شاه فارس الجديد؟
لما نشبت معركة ميسلون وما حقيقة الصراع البريطاني – الفرنسي على سوريا بعيد الحرب العالميّة الأولى؟ وكيف ولماذا تحوّلت متصرفيّة جبل لبنان إلى دولة لبنان الكبير ثم جمهوريّة لبنان؟
لم اندلعت الحرب اللبنانيّة وكيف انتقلت م.ت.ف من خندق الحركة الوطنيّة إلى خندق القوّات اللبنانيّة وجيش الجنرال ميشال عون؟
من هو القيادي الفلسطيني الذي حمل الإسم الكوديّ ” MJTRUST/2 ” في سجلاّت العملاء لدى وكالة المخابرات الأمريكيّة؟ ومن من القادة عمل لصالح المخابرات اليوغسلافيّة ؟ ومن عمل لصالح المخابرات السعوديّة والأردنيّة والسوريّة والعراقيّة والليبيّة؟
ما هو دور النظام السوري في الحروب الفلسطينيّية الداخلية؟ وما الذي فجّر حرب المخيّمات وما هي الأسباب الحقيقيّة لإنتهائها؟ هل حقّاً فكّ نبيه برّي الحصار عن المخيمات تضامناً مع الإنتفاضة الفلسطينيّة؟
ولماذا قفز الفلسطينيّون في لمح البصر من خنادقهم العسكريّة في مواجهة حركة أمل إلى خنادق حركة أمل ليواجها حزب الله معا؟
كيف بنى حافظ الأسد إمبراطوريّته وهل يمكن حقّاً تحويل شعبٍ بأكمله إلى قطيعٍ من الخرفان؟ ولماذا خشي بطل الحرب والسلام كلاً من السلام والحرب في آنٍ معا ؟ كيف ولماذا تسلّلت إيران إلى الفصائل المسلحّة اللبنانيّة والفلسطينيّة؟
كيف آل المآل بالشعب الفلسطينيّ الذي بذل نهراً من دماء أبنائه على مدى أكثر من قرنٍ إلى قسر طموحاته في حدود هذا المستوى الهزيل من الكيانيّة المتمثلّة بإمارتيّ الموز في جزءٍ من قطاع غزّة والضفّة الغربيّة؟
هذا الكتاب هو خلاصة تجربتي الشخصيّة داخل حركة فتح والتي امتدّت منذ شباط 1978 حتى نيسان 2005 تنقّلت خلالها بين لبنان والباكستان وسوريا ثم لبنان من جديد.
لا صياغات أدبيّة أو شعريّة ولا جُمل شعارتيّة ولا تعابير نحويّة ولا محسنات بديعيّة لفظيّة أو معنويّة في متن هذه الصفحات بل مجرد سردٍ مرسلٍ على عواهنه باسلوبٍ “حكواتيٍّ” بسيط لأحداثٍ يتداخل فيها الخاصّ بالعامّ ويختلط فيها التاريخيّ بالإجتماعيّ وبالسياسيّ ولا يجمع بينها سوى رابطٍ واحد هو صلتي الشخصيّة بها.
لا تداخلني أيّة أوهام بخصوص كتابي هذا وأعلم علم اليقين بأنّه سيحظى بالكثير من اللعنات والشتائم ويجري رمي كاتبه بالخيانة والعمالة لإسرائيل والولايات المتحدّة الأمريكيّة ومعهما على الأرجح المؤامرة الكونيّة!. لكنّني أؤمن كلّ الإيمان بأن على أحدٍ ما أن يرمي حجراً في هذه المياه الراكدة الآسنة وانّه يستحيل تحويل شعبٍ بأكمله إلى قطعان خراف, أو على الأقلّ ليس إلى الأبد.
غسان أبو العلا
لندن
19/10/2015
الفصل الأوّل
أرض الخسارة
شدني بيمناه نحوه, كمن يحاول مصارعتي ممازحاً, فصارعته بدوري ممازحاُ ايضاٌ, وإذ بيسراه تتسلل اسفل معدتي, مخترقةٌ بنطالي و لباسي الداخلي لتتحسس ذكورتي. صعقت و دفعته بشدّه وإنما بالحد الأدني من العنف الذي تجيزه حقيقة انه قائد القوّة البحريّة التي انا أحد ضبّاطها. أدهشتني وقاحته انما لم يفاجئني شذوذه الجنسيّ فقد كان سراً معلناً يعرفه الجميع, فأغلب كوادر حركة فتح في لبنان وجزءٌ كبيرٌ من أعضاء دورتنا, بل وقيادة الساحة اللبنانيّة والقيادة العليا المركزيّة المتواجدة وقتها في العاصمة التونسيّة إضافةً إلي قيادة القوّة البحريّة المركزيّة, جميعاً كانوا يعلمون بهذا الأمر. كما انه كان قد فُصل في السبعينات من إحدي الدورات العسكريّة في روسيا ثم سُجن وطُرد من الحركة إثر ضبطه متلبساً بإتيان اللواط. كان أحد المحققين معه يومها هو زكي الناصح أحد قدماء الكوادر الفتحاويّة والمتواجد في عين الحلوة منذ عشرات السنين والمعروف عنه انه إذاعة متنقلة للإخبار وأجزم ان لا أحداً يعرف زكي الناصح يمكن ان يجهل هذه المعلومة عنه, لكنه عاد بعدها ونُسّب منتصف العام 1978 “بقدرة قادر“ إلى دورة الكليّة البحريّة في كراتشي, الباكستان. والأرجح ان المناطقيّة, كونه من مدينة الرملة التي هي أيضاً مسقط رأس المرحوم خليل الوزير أبو جهاد, هي “قدرة القادر” التي ساعدته بالعودة.
قلت موضحاً: انا مختص بالنساء. رفع كفّه نحو انفه واشتمها بشبق, ثم قال بصوتٍ متهدّجٍ, محاولا التغطية على حرجه بصفاقته: ألا تستحمّ يا رجل!؟ الصيف قائظٌ وحزيران شديد الحرارة, والرطوبة عاليةٌ بشكلٍ إستثنائيٍّ, حتى بالنسبة لمدينة ساحليّة كصيدا. ثم انني لم أحسب حساب ان تصل يد سيادته إلى هناك! صمتَ هنيهةً ثم غادر حجرة الإستقبال نحو إحدى الحجرات الداخليّة دون ان يدعوني للجلوس وعاد بعد دقيقتين حاملاً بضعة أوراق ماليّة بيده, بدل مهمّتي الشهريّة كضابط. ناولني إياها وهو يقول:
لم انت في عجلة للحصول على مهمتك؟
هل صرفت مخصصك الشهري بهذه السرعة؟
قلت ساخراً: لا يجد المرء الكثير من الصعوبة في صرف مئة دولار, حين يكون قد أمضى الشهر الفائت مستديناً. قال بأسلوب من يلقي بحقيقةٍ توصل إليها بعد تفكير عميق:
على المرء ان يقسم دخله إلى ثلاثة أقسام, ثلثٌ لمصاريف أكله و شربه وثلثٌ للباسه, و ثلثٌ ثالثٌ يدّخره للمستقبل.
تبسّمت بسخرية، كان قوله ذاك منطقيّاٌ وعمليّاٌ فقط إذا تعلق الأمر بثلاثة أثلاث دخلٍ بحجم دخله هو!
ذاك كان النقيب ( انذاك, وهو الان برتبة عميد ) أكرم أحمد هوّاري, قائد القوّة البحريّة التابعة لمنظّمة التحرير الفلسطينيّة في الساحة اللبنانيّة. في الأربعين من عمره, مربوع القامة متين البنية, تخلو ملامح وجهه دائماً من أية تعبيرات كمثل مقامرٍ محترف. متحذلقٌ, سريع البديهة أحياناً, خصوصاً عندما يتعمّد الذهاب بالحديث إلى حيث يكون قد جهّز مسبقاً جملةً رنّانةً ليلقيها. تلك مهارةٌ يتقنها. يحترف الرصانة ويتعمّد الغموض بل يهوى السريّة قولاً وعملاً وقد اعتاد الترديد بأن الشخصيّة الغامضة هي الشخصيّة الأكثر إثارةً للجدل. ولإن يعتبر الكتمان بشكلٍ عام خصلةً محمودةً ذات فائدةٍ جليّةٍ في العمل العسكريّ والتنظيميّ فإن كتمان أكرم كان مصيريّاً وباهر النتائج على صعيد نشاطاته الشخصيّة! إذ ان المقرّات والمواقع التابعة له كانت أشبه ما تكون ببلاط القيصر الروسيّ زمن راسبوتين. جوٌّ من الغموض والتربّص, مشحونٌ برائحة الشذوذ والجنس والتآم . كانت العلاقات التنظيميّة داخل القوّة البحريّة مبنيّةً على أساس رغباته الشخصيّة. يقرّب فلاناً أو علّاناً لإغاظة آخر ثم يعود بعد أسابيع ليبعد المُقرّب ويقرّب المُبعد على طريقة ناديا الجندي في أغلب أفلامها. أذكر انني جئت مرّةً إلى المقرّ الواقع في شقةٍ في الطابق الثاني من أحد المباني السكنيّة في منطقة الهمشري, لأجد أحد غلمانه (إسمه الحركيّ أبو ماجد ولم أعد أذكر أسمه الحقيقيّ) وهو سوريٌ كرديٌّ من ريف حلب, يكتب له على اللوح المعلّق على حائطٍ بقاعة الإستقبال بيتاً من الشعر الرومانسيّ ليطّلع عليه عند حضوره ويقول البيت:
إذا انت عاتبتَ الملولَ كانما .. تخطُّ على صفحةٍ من الماءِ أحرفا
هبه ارعوى بعد العتابِ ألم تكن .. مودّته طبعاً فصارت تكلّفا !
تحضرني هنا محادثةٌ جرت بيني وبين المرحوم العقيد أبو فادي مهاجر العام 2003 وكنت وإياه نشرب الشاي في حجرة الإستقبال في مكتب جهاز التسليح بينما أكرم في مكتبه في الغرفة المجاورة يلعب الشدّة على الكومبيوتر. كان “علي العراقيّ” اليافع الأملط وآخر غلمان أكرم قد غادر المكتب للتوّ على مرآى من مهاجر فبادرني بالقول:”كنّو هادا بينيكو؟” فقلت: انت أدرى. كان جوابي جافاً لعلمي ان مهاجر هو أحد المتحمّسين لأكرم والمدافعين عنه في كثير من المناسبات بل انه زادني من الشعر بيتاً بعد ان سألني عن هذا “العلي العراقي” قائلاً:” بتعرف, صحيح هوّي هيك, بس شاطر بشغله, وانا اللي زكّيته عند سلطان أبو العينين ليعيّنه قائداً لجهاز التسليح”.
بعد صراعٍ طويلٍ داخل القوّة البحريّة في لبنان (سآتي على تفصيله لاحقاً) إستقرّ عِداد ضبّاط القوّة على خمسة ضبّاط إضافةً إلى أكرم نفسه وذلك بعد ان التحق النقيب بحري جمال كايد (حالياً برتبة لواء) بقوّات ال17 حيث أسّس كتيبةً بقيادته, والتحق النقيب بحري المرحوم محمود زكي بجهاز “المنطقة الوسطى” الذي كان على رأسه المرحوم اللواء كمال مدحت والذي أغتيل لاحقاً في آذار 2009 بلغمٍ زُرع على مدخل مخيم الميّة وميّة في إطار صراعٍ داخليٍّ آخرعلى المال والسلطة في حركة فتح كانت أطرافه تتشكّل من عبّاس زكّي وفاروق القدّومي وكمال مدحت وسلطان أبو العينين (والآخير على الأرجح هو الذي أصدر الأمر بقتله). وكان النقيب بحري جواد جادالله قد اختار منذ البدء وقبل اشتداد الصراع, أي منذ لحظة قدومه إلى لبنان ان يشكّل وحدةً عسكريّة لا علاقة لها بالقوّة البحريّة بل تابعةً لأبي ياسر (عبد المعطي السبعاوي) نائب أمين سرّ الساحة اللبنانيّة. أما الضبّاط الباقون في البحريّة فهم النقيب بحري ثائر حجّو والنقيب بحري غسّان طايش والنقيب بحري علي الخليل والملازم بحري عمر تركية وانا, ثم التحق بنا لاحقاً النقيب بحري نبيل غنيم.
توزّع عديد القوّة البحريّة على ثلاثة مواقع عسكريّة, إثنان منهم يقعان في قريتين مسيحيّتين فارغتين من أهلهما ومهدّمتين (بفعل الحرب الأهليّة) هما القْرَيّة والميّة وميّة وفيهما يداوم الجنود الإعتياديّون غير المتخصّصين الذين إلتحقوا بالقوّة (وبينهم شقيقي ياسر أبو العلا), ويتعرّضون يوميّاً لخطر الغارات الجويّة الإسرائيليّة التي تُشنّ على مواقع الحركة بوتيرةٍ شبه يومية. أما الموقع الثالث فهو شقةٌ تقع في مبنىً محميٍّ بسكانه المدنيّين فلسطينيّين ولبنانيّين (فالغارات الإسرائيليّة نادرا ما استهدفت مواقع مدنيّة) وهذه الشقّة مخصّصةٌ لمكتب أكرم وأيضاً لإقامة بضعة غلمان وسيمين, سآتي على ذكر أسمائهم لاحقاً, اصطفاهم ليقضي معهم شهوته مستغلاً نفوذه وأموال موازنته التي بلغت أحياناً عشرات الألاف من الدولارات شهريّا. من الطريف انه رغم كون مكاتب حركة فتح معروفة مشهورٌ عنها اكتظاظها بشاربي الشاي والقهوة والزهورات كما لو انها ديوانيّاتٌ بدويّة, إلّا ان مكتب أكرم هو الوحيد الذي لم يوظّف أبداً عاملاً لإعداد وتقديم الشاي في يومٍ من الأيام, حتى لا يتلصّص عليه مداعباً غلمانه أو إلى ما هنالك. هؤلاء الغلمان كانوا عمليّاً وفي الوقت ذاته, نوّابه القيّمين على مستودعات التموين والوقود والزوارق المطاطيّة والسيّارات بينما يفتقد ضبّاطه لأية صلاحيّات ولو حتّى لصرف علبة لحمة او علبة سردين, ولا يعلمون عن مصير الموازنة الشهريّة سوى الخمسين دولاراً التي يتعطّف بها على كلٍّ منّهم تحت بند “مهمّة” وسأعود إلى موضوع هذه ” المهمّة” إضافةً إلى شقيقتها “الموازنة” في أكثر من موقعٍ في هذا الكتاب وشرح قواعد صرفهما كونهما يشكّلان معاً مصفاةً للمناضلين الشرفاء – وهم قلّة – ثم الأقلّ شرفاً وهكذا صعوداً إلى رأس الهرم التنظيميّ فلا يبقى عالقاً في شباكها إلّا المتزلّفين الأكثر مهارةً واللصوص الأكثر غنىً والقادرين بالتالي على شراء ولاء هؤلاء المتزلّفين وذممهم.
المشهد المعتاد في مقرّ قيادة القوّة يبدو على الشكل التالي : يُستدعى الجندي أبو حديد (كبير غلمانه) واسمه الحقيقيّ احمد فرعتاوي, أو أيٌّ من الغلمان الآخرين إلى مكتب الأخ قائد القوّة البحريّة في الحجرة الأخرى لمناقشة أمرٍ خطيرٍ ما (عادةً ما يكون الأمر الخطير هو تسليمه مهمّته أو هبةٍ ماليّةٍ أخرى أو تذكيره بأن لا يضع في حصّة الملازم غسّان أبو العلا التموينيّة من اللحوم سوى الجلاميط!). ويُغلق الباب بالمفتاح من الداخل على مسمع ومرأى الحضورفي الغرفتين المجاورتين الذين يبدون غير مبالين, ويستمرّ الإغلاق لفترة قد تطول أو تقصر حسب خطورة الموضوع ثم تُفتح الأقفال ويخرج المناضلَين محمرّيّ الوجه.
من المحظور على أيٍّ من العناصر ان يخبر عنصراً آخر عن حجم ” مهمّته ” الماليّة الشهريّة التي لا تتساوي أُعطياتهم منها ولا ناظماً قانونيّاً لها بل تخضع لإعتبارات القائد, وتتحدّد قيمتها بمدى الحدّ الذي يقبل به العنصر من التحرش الجنسي الذي يمارسه عليه وتتراوح أشكاله بين المداعبة والقبل وصولاً إلى ممارسة العمليّة الجنسيّة كاملةً معه.
في العام 1987 وبعد انتهاء معركة “مغدوشة” (التي دارت بين حركة أمل والفصائل الفلسطينيّة) ببضعة أسابيع طلبنا لقاء المرحوم أبو ياسر (عبدالمعطي السبعاوي) نائب قائد قوّات منظّمة التحرير الفلسطينيّة (م.ت.ف) في الساحة اللبنانيّة ومدير غرفة العمليات وقتها واجتمعنا به ذات مساء, جمال كايد وغسّان طايش ومحمود زكي وانا وطالبناه بعزل أكرم من قيادة القوّة البحريّة كونه لوطيٌ سيّئ السمعة والسلوك اعتاد ان يستغلّ سلطاته لتحقيق شهواته الجنسيّة فقال لنا أبو ياسر بالحرف الواحد: “والله العظيم انتو المنايك مش أكرم .. يعني ما بتستحو واحدكو قدّ الحيط وجايين تقولولي انو منيك بدل ما تحطّولو طلقة براسو وبعدين تيجو لعندي!”.
كان لدى أبي ياسر طريقة وحيدة للتعامل مع خصومه, طلقةٌ في الرأس ثم يوضع الخصم في صندوق سيّارته الخلفيّ التي تركن إلى جانب طريقٍ فرعيٍّ ما أو يدفن في جبل الحليب وهو تلّةٌ صغيرةٌ بيضاء التربة على الحدود الجنوبية لمخيّم عين الحلوة. لم يكن بيننا قاتلٌ وكان أكرم متحالفاً مع علاء الأفندي قائد الساحة ومعه يقتسم أموال موازنة القوّة البحريّة ممّا جعل القوّة وغلمانها من نصيبه وسبحان العاطي.
الحقّ أقول, لم ينقصنا في القوّة البحريّة سوى بعض الخصيان الذين يطوفون حول قائدها أكرم هوّاري (الذي اختار لنفسه اسماً حركيّاً ذا دلالةٍ دينيّة هو الشيخ أكرم!) لنصبح صفحةً من صفحات رواية ألف ليلة وليلة.
—————————————
عندما تخرّجت من الأكاديميّة البحريّة الباكستانيّة أواخر العام 1981 كنت واحداً من دفعةٍ تعدادها 25 ضابطاً فلسطينيّاً وقد سبقنا إلى التخرج 25 ضابطاً آخرون, ومثلهم عدداً ألتحقت أيضاً دفعةٌ ثالثةٌ بالأكاديميّة بعد التحاق دفعتنا بستة أشهر. تواجد في كراتشي أيضاً العشرات من الضبّاط وضبّاط الصفّ المتدرّبين في الكليّة الجويّة الباكستانيّة والمدارس التقنيّة العسكريّة, وكذلك عشرات الضبّاط في الكليّات العسكريّة. كان هناك أيضاً المئات من التلاميذ الضبّاط التابعين لحركة فتح في كثيرٍ من الدول الأخرى كالصين وروسيا والهند وبلغاريا والمانيا الشرقيّة وتشيكوسلوفاكيا والجزائر. هذه المنح الدراسيّة العسكريّة (وألافٌ أخرى جامعيّة مدنيّة) تأتّت من مصدرين أولهما الإتحاد السوفياتيّ ومنظومة حلف وارسو المنغمسة في الحرب الباردة مع الولايات المتّحدة وبقيّة دول حلف الناتو الرابضة على مخزون النفط الإستراتيجي في منطقة الخليج العربيّ, والتي سعت إلى مدّ نفوذها في منطقة الشرق الأوسط أولاً عبر دول العسكرتاريا القومجيّة واليسارويّة مثل ليبيا وسوريا واليمن الجنوبيّ ومصر (قبل انتقال السادات إلى المحور الآخر). وكذلك عبر دعم منظّمات عسكريّة مسلّحةٍ أغلبها فلسطينيّة وبعضها لبنانيّ وكثيرٌ منها ينتمي عقائديّاً إلى الفكر الماركسيّ اللينينيّ, وتخدم هذه المنظّمات العسكريّة المؤدلجة, وأحياناً الدول القومجية, كأوراقِ ضغطٍ إستراتيجيّةٍ, وفي نفس الوقت كأذرعٍ ضاربةٍ بالوكالة للمصالح والأهداف الغربيّة حين يحتدم الصراع الصامت بين القطبين الأكبرين. إضافة إلى دورها في مواجهة النفوذ الأميركيّ في المنطقة فإن هذه الميليشيات والدول العسكرتاريّة شكّلت سوقاً ضخماً لمصانع السلاح السوفياتيّ وحلفائه في أوروبا الشرقيّة بلغ حجمه عشرات المليارات سنوياً ناهيك عن عشرات المليارات الأخرى هي حجم التبادل التجاري من السلع والبضائع غير العسكريّة, وكانت هذه المنح الدراسيّة العسكريّة هي ناتج ثانوي لهذه المعادلة السياسيّة/الإقتصاديّة. أمّا المصدر الآخر للمنح الدراسيّة فكان جامعات وكليّات الهند والباكستان وبنغلادش التي تتلقّى أثماناً باهظةً لهذا الغرض من قبل زعماء الدول النفطيّة العربيّة التي أتقن زعماء الفصائل المسلّحة الفلسطينيّة استحلابها ان عبر الإبتزاز السياسيّ أو حتى العسكريّ كما حصل مثلاً في العام 1975 يوم أقدمت الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين على أختطاف 11 وزيراً للنفط مع 70 شخصاً آخرين أثناء اجتماع للدول المصدّرة للنفط (أوبك) في فيينا ضمن عمليّةٍ أشرف عليها وديع حداد ونفّذها كارلوس مع خمسة أفراد آخرين. عدا ثروات الخليج العربيّ كان هناك ايضا ثروات العراق وليبيا و زعيميهما السايكوباثيّين الطامحين إلى المجد والعظمة.
بينما راحت الدول الثورجيّة تهدر المليارات من الدولارات على حساب قوت شعوبها لبناء ترساناتٍ عسكريّة لن تستخدمها سوى بعد أربعين عاما وضد شعوبها بالذات, انشغل زعماء المنظّمات الفلسطينيّة المسلّحة أيضاً بإستثمار جزءٍ من الأموال النفطيّة في بناء جيوشٍ خاصةٍ بهم تضمن لهم استمرار تدفّق المزيد من هذه الأموال وتحمي في الوقت نفسه مصالحهم واستثماراتهم الإقتصاديّة التي وضعوا فيها الجزء الأكبر من أموال النضال. وكلما أزداد حجم ثروة أحد الزعماء أزدادت معها سطوته ونفوذه وغالباً شعبيّته المشتراة وزعامته المسوّقة تحت نفس الشعار الذي دجّنت به الطغاة شعوبها واستعبدتهم: تحرير فلسطين ومواجهة الهيمنة الأمريكيّة.
ان الكمّ الهائل من الضبّاط الإحترافيين الذي راكمته الميليشيات الفلسطينيّة لم يفلح قطّ في بناء جيوشٍ قويّةٍ وصلبةٍ كما اعتقد المستثمرون بل ان حال هؤلاء الضبّاط خرّيجي الكليّات والأكاديميّات المعروفة أصبحت عند عودتهم للخدمة في صفوف هذه الميليشيات المتواجدة في لبنان, أشبه ما تكون بحال خرّيجي الثانويّات العامّة الذين ينتدبون إلى الدول الأوروبيّة لدراسة الطبّ البشري في جامعاتها ثم إرسالهم بعد التخرج إلى الأرياف ليقوموا بعلاج العجول والأبقار والأغنام والداجن باستخدام التعاويذ والعسل وحبّة البركة وبول البعير. ليس لدى أيّ من المنظّمات الفلسطينيّة أية ضوابطٍ أو منظوماتٍ قانونيّةٍ تضبط التسلسل العسكريّ أو الإداريّ للصلاحيّات والأوامر كما في الجيوش النظاميّة الأعتياديّة, كما ان النفوذ الذي يستمدّه الضابط العامل عادةً من نفوذ المؤسّسة العسكريّة التي يمثّلها, ويحتاجه للقيام بمهامه, منعدمٌ في الميليشيات حيث تعتمد التشكيلات والمهام والتسلسل المراتبيّ على الولاء الشخصيّ للقائد المباشر والقدرة على المداهنة والنفاق والتزلّف. كما تعتمد أيضاً على علاقات القربى والمصاهرة مع ذوي النفوذ (كأن تتزوج إبنة المسؤول العام للماليّة كما فعل زميلي مروان ناصر) أو ان يكون القائد العام للساحة اللبنانيّة هو زوج شقيقتك (كحال عبد معروف مسؤول إدارة منطقة صيدا وابن حمي العقيد سلطان أبو العينين) أو مثلا ان تتزوج ابنة أخت جمعة اللئيم قائد القوّة البحريّة في م.ت.ف (كحال أكرم هوّاري قائد القوّة البحريّة في لبنان) أو ان يكون والدك هو القائد العام للساحة اللبنانيّة (كحال رياض أبو العينين الذي ما أنْ تخرّج من كليّة الطب في الباكستان حتى عُيّن مديراً لمستشفى الهمشري أكبر مستشفيات م.ت.ف ورئيساً للهلال الأحمر الفلسطينيّ في لبنان والذي يشرف على العديد من المستشفيات ومئات الأطباء الذين تخرّج أغلبهم من الكليّات الطبيّة قبل ان تحبل أم رياض برياض).
ثمة عناصر أخرى تحكم التشكيلات والتسلسلات العسكريّة مثل المناطقيّة والمحسوبيّة والإستزلام. أما العنصر الأكثر تأثيراً وإفساداً فهو انعدام الشفافيّة الماليّة إضافةً إلى عدم وجود لوائح تنظم الصرف الماليّ للمنتسبين ضبّاطاً وصّف ضبّاطٍ وجنود. صحيحٌ ان هناك سلّم رواتبٍ إعتياديٍّ لكن الجزء الأكبر من الصرف الماليّ في م.ت.ف يتمّ عبر حقلي الصرف الذين يطلق عليهما إسم “موازنات العمل” وهي تمنح للضبّاط الامراء و“المهمّات” (بدل مهمّة ضابط), وهي مبالغٌ ماليّة شهريّة تصرف للضبّاط العاملين وأحياناً لصفّ الضبّاط بصورةٍ تقديريّةٍ إستنسابيّةٍ ويحدّد قيمتها القائد المباشر للضابط وهي تعتمد على الولاءات الشخصيّة وبقيّة العناصر المذكورة أعلاه. فبينما بلغ حجم مهمّتي مثلا في فترةٍ من الفترات وانا برتبة ملازم أول 100$, بلغتّ مهمّة قائدي وابن دورتي النقيب والمسؤول عن القوّة البحريّة في الساحة اللبنانيّة 1000$. كانت الرواتب الشهريّة الممنوحة للضبّاط والجنود هزيلةً أمّا “الركّ فهو على البرّاني” على حد قول إحدىشخصيّات مسرحيّة زياد الرحباني “بالنسبة لبكرا شو”. والبرّاني في الحالة الفلسطينيّة يأتي على أكثر من شكل, فعدا عن المهمّة مثلاً هناك باب صرفٍ إسمه الرسمي هو “مساعدة زواج” وحاله بالزبط كحال ”المهمّة”. فعندما تزوجتُ في العام 1989و تقدّمت بطلب “مساعدة زواج” وأُرسل طلبي عبر الفاكس إلى المرحوم ياسر عرفات الذي أمضاه بتوقيعه كاتباً عليه:”يُصرف حسب الأصول“, أراد مسؤول الماليّة أحمد المدهون ان يصرف لي مبلغ 300$ زاعماً ان هذه هي القوانين الماليّةالمعمول بها, وحين رفضت استلام المبلغ وذهبت للقاء المرحوم الرائد (توفيّ برتبة عميد) مهاجر قائد جهاز “العمل خلف الخطوط” وصاحب الحظوة والنفوذ, وأبلغته بالأمر وطلبت وساطته, إتّصل هاتفيّاً بأحد “القادة ” ثم عدتُ بعدها إلى مكتب الماليّة واستلمت مبلغ 1000$ بدلاً من ال 300$ المعروضة عليّ سابقاً. بعد عامٍ وأحد أو أكثر قليلا تزوّج النقيب أكرم هوّاري وكانت مساعدة الزواج السريّة له تبلغ آلاف الدولارات مع سيّارة مرسيدس 280 حديثة مهداةٍ له شخصيّاً من قائد الساحة اللبنانيّة “علاء الأفندي“. هذه “الهبات” الماليّة ترتفع طبعاً كلّما ارتقى الضابط المعنيّ على درجات سلّم المحسوبيّات واقترب بالتالي من عليّة القوم وقاداتهم الكبار, فالمرحوم علي سلامة قائد الأمن الرئاسيّ والمسؤول عن أمن ياسر عرفات, تزوّج في العام 1976 من الممثّلة اللبنانيّة جورجينا رزق الحائزة على لقب “ملكة جمال الكون” والتي تعرّف عليها أثناء سهرةٍ حميمةٍ دعاه إليها صديقه بشير الجميّل (قائد القوّات العسكريّة المناوئة ل م.ت.ف) وهي من نخبة الطبقة الثريّة في لبنان ويحتاج الشخص إلى صرف مئات الآلاف من الدولارات حتى يتسنّى له أنْ يخترق مجتمعها المخمليّ ومحيطها العائليّ بالغ الثراء ناهيك عن الزواج منها.
إنّ الفساد الماليّ والإداريّ ناهيك عن الفساد الأخلاقيّ جعل البُنى التنظيميّة والإداريّة أشبه ما تكون بالبُنى التنظيميّة لعصابات المافيا كما تصوّرها الأفلام الأميركيّة حيث قائد العصابة “العائلة” هو المسؤول المباشر عن كلّ أفرادها دون وجودٍ لأيّة تراتبيّة. ان الفيصل الأكيد في موقعك العسكريّ أو الإداريّ كما في حجم دخلك الشهريّ هو قدرتك على مداهنة شاغلي المواقع العليا, ومدى إلتزامك بالمحسوبيّة وإدراكك لتوازن القوى بين جموع القادة الأعلى منك واصطفافك إلى جانب الطرف الأقوى بينهم. عدا ذلك فإن الهدف الأوّل للوصوليّين الذين نجحوا في ركوب التيّار “النضالي” وحلبه هو تحجيم بقيّة الضبّاط والعمل على ضمان عدم قيام ايّ تسلسلٍ رُتبيٍّ او عسكريّ حقيقيّ وجعل الأفراد كلهم الذين تحت أمرتك يرون فيك مرجعيتهم الوحيدة, وكذلك تقريب الانتهازيّين من الأفراد في المراتب الدنيا كحرسك الشخصيّ أو بواب مكتبك او العامل الذي يقدّم القهوة والشاي ومنحهم نفوذا أكبر من نفوذ الضبّاط, خصوصا منهم الضبّاط الذين ترى فيهم خطراً على موقعك أو منصبك, وبالتحديد منهم نائبك.
ذات مرّة أقدم بوّاب العقيد خالد عارف (حالياً سفير منظّمة التحرير في البحرين) والذي عملتُ تحت أمرته بضع سنوات, على طرد نائبه المقدّم مطيع أبوالليل ورفض السماح له بدخول مكتب عارف والجلوس على كرسيه رغم ان الآخير لم يكن موجوداً والنائب لا مكتب له. وحين عملت في العام 2002 في جهاز التسليح تحت أمرة الرائد أكرم هواري وكنت انا برتبة رائد ايضاً كان الشخص الأكثر نفوذا في الجهاز بعد أكرم هو ولدٌ عراقيٌ يافعٌ أملطٌ مرتزق يتخذ لنفسه عملا مدنيّاً في النهار ويعود عصراً للإستحمام والأكل والنوم في “فندق مكتب التسليح” المجّاني ويتلقّى فوق هذا آخر راتباً من الحركة عند آخر كلّ شهر. وكان هذا الولد دافعاً للتخلّص منّي من قبل أكرم هواري والعمل على نقلي إلى خارج الجهاز بعد ان حاولت وضعه عند حدّه وإفهامه انني ضابطٌ برتبة رائد ولست زميله أو رفيقه وإذا لم يستطع احترام رتبتي وسنوات نضالي فعليه ان يتوقع ما لا يسرّه. بعد أسبوعين من حديثي هذا مع عشيقه العراقي (واسمه علي العراقي) ذهب أكرم إلى مخيم الرشيديّة لإحضار رواتبنا الشهريّة من الماليّةالمركزيّة هناك. ورغم انه قد اعتاد ان يترك راتبي مع ضابطٍ آخر يسكن في الموقع إذا لم أكن متواجداً (حيث ان لا تاريخ محدد لصرف الرواتب) إلّا أنه هذه تعمّد هذه المرة ان لا يتركه بل أخذه معه إلى البيت. حين لحقت به إلى منزله للمطالبة بالراتب (وكان من عادتي زيارته أحياناً) قال لي احضر إلى المكتب غدا فأسلّمك أياه هناك, ولمّا أبلغته بحاجتي الفوريّة لراتبي, حيث كان قد مضى أكثر من ثلاثة اسابيع على موعده قال:”بعطيك عشرة ألاف تمشي حالك فيها“, فأصرّيت على استلام راتبي كاملاً لعدم وجود أيّ مسوغ لإرجائه, قام بتسليمي إياه مفتعلاً غضباً لا مبرّر له. في اليوم الثاني استدعاني إلى غرفته وقال لي: “عليك ان تبحث عن وحدةٍ أخرى تعمل فيها فأنت غير مرغوبٍ بك هنا بعد الآن“. كان ذلك منتظراً عندي منذ اللّحظة التي قرّرت فيها ان أضع حدّاً لصبيّه وكنت موقناً بأنه سيجترح إشكالاً ما قريباً في محاولةٍ مكشوفةٍ لإخفاء السبب الحقيقيّ لنقلي إلى خارج الجهاز.
هناك أسلوبٌ آخر يتبعه دهاقنة “العمل النضاليّ” في حماية مناصبهم ألا وهو التجسّس الدائم على مرؤوسيهم عبر الضغط “الماليّ والمعنويّ” عليهم وإرغام كلّ فردٍ منهم ضابطاً كان أم جنديّاً على التحول إلى مخبرٍ صغيرٍ لديهم يعمل على نقل كل شاردةٍ وواردةٍ أو كلامٍ يتفوّه به أيٌّ من زملائه فترى الناس جميعا مخبرين يتجسّسون على بعضهم بعضاً متقربين من القائد بالنميمة, طامحين بلقمةٍ من الوليمة.
عام 2003 عملت في جهاز “منطقة صيدا التنظيميّة” التي كان أمين سرّها العقيد خالد عارف المذكور قبل قليل وقد فرزني للدوام في غرفة الإدارة والماليّة مع عبد معروف (صهر العميد سلطان أبو العينين قائد الساحة) ومروان حمزة (زوج إبنة مدير جهاز الماليّة العامّة منذر حمزة) وطلب منّي تلميحاً نقل كل ما يدور من حديثٍ هناك إليه. لم أفعل ابداً كوني اعتبر هكذا أمرٍ عملاً دنيئاً ووضيعاً لكنّه دأب على التلميح ودأبتُ انا على “التطنيش”.
ذات يومٍ, أثناء جلوسي في مكتبه وكان يقف بجانبه بوّابه, وأسمه الحركيّ ” النوري” لسببٍ بسيطٍ هو انه في الأصل نوريٌّ والتحق “بالعمل النضاليّ” الفلسطينيّ بعد زواجه من سيّدةٍ فلسطينيّة. وجّه عارف كلامه إلى البوّاب شبه ممازحٍ وقال له:” أفهِمْه, أفهمه“, مومئاً نحوي. لاحقاً قال لي البواب ان عارف يقصد ان عليّ نقل كل ما أسمعه إليه فأجبته بأنني عرفت ماذا يقصد منذ المرّة الأولى التي ألمح لي فيها عن هذا الموضوع لكنني لست نذلاً ولا أستطيع ان أكون نذلاً فبلّغه ان ذلك أمرٌ فوق قدراتي. بعد هذه الرسالة بدأ خالد عارف بإستبعادي تدريجيّاً, ومحاولة الضغط عليّ ان بالتضيّيق عليّ في مسألة التواجد الدائم في المكتب أو بالتضييقات الماليّة كحجب بعض المستحقّات مثل ثمن الأدوية وما شابه, بل انه في أحد المرّات هدّد بطردي من م.ت. ف. وكأنّ المنظّمة هي مزرعة أبيه وقد أورثه إيّاها, وسيأتي تفصيل هذه الواقعة لاحقاً في الفصل الذي يعنى بمرحلة أوائل الألفيّة الثالثة. بعد فترة وحين وجد انه لا يمكن إستخدامي في مهامٍ وضيعة عاد وائتمنني على إدارة مخاطباته مع بعض قيادات المنظّمة في رام الله وغزّة والتي كانت تتم سرّاً ودون الرجوع إلى قائد الساحة اللبنانيّة العميد أبو العينين. بعد أشهرٍ من تكليفي بهذا العمل أرسل الأخير ضابطاً ليبلّغني ان عليّ ان أتجسّس على خالد عارف وأزوّده بنسخٍ عن جميع المراسلات التي تمرّ عبري مما اضطرّني للغوص وسط هذه الفضلات العضويّة المسمّاة نضالاً لكنّني غادرت لحسن حظّي هذه الأوساط وهاجرت بعد فترةٍ قصيرةٍ من هذا التكليف إلى بريطانيا مصطحباً ولديّ لأعيش هناك وإيّاهم على المعونة الإجتماعيّة تاركاً خلفي زملاء وقادة وصوليّين أثرياء أحدهم “قائدي ورفيق دربي” أكرم هوّاري الذي تحتوي أرصدته البنكيّة على ما لا يعلم به إلّا الله من الأموال و يمتلك شقتين في ضواحي مدينة صيدا ومبنىً ضخماً مكوّناً من ثلاثة طوابق أقيم على انقاض بيتٍ متواضعٍ لي لم يكتمل بناؤه إذ كنت قد بدأت بتشييده قبل بضعة شهورٍ من قدومه من اليمن مع ضبّاط أصدقاءٍ آخرين, على أرضٍ مشاع في منطقة بستان اليهودي في عين الحلوة بعد ان أقنعني انه سيعطيني مقابله شقةً في المبنى العتيد. لاحقاً كان نصيبي من هذا المبنى مبلغ 1000$ لا غير, قبلتها على مضضٍ لانني كنت مفلساً.
———————————————————
عصر أحد ايام نيسان 1978 كنت جالساً في المقعد الأمامي إلى جانب والدي في سيّارته نوع فولفو المتّجهة نحو مخيّم عين الحلوة لزيارة أحد مكاتب الحركة الواقعة تحت أمرته ويديره الملازم سلطان أبو العينين. لاحظت أثناء سيرنا ان أبي يكثر من النظر في المرآة وهو مغرقٌ في الصمت وقد بدا عليه التحفّز. وصلنا إلى مدخل مخيم عين الحلوة حيث يقع المكتب على الجهة اليساريّة من الطريق فخفّف ابي سرعة السيّارة, ثم اوقفها بشكلٍ مفاجئ, دون ان يركنها على أحد جانبيّ الطريق, مانعاً بذلك السيّارات التي خلفه من تجاوزه, ثمّ فتح باب السائق فجأة, وانطلق راكضاً بإتجاه الخلف. إرتبكت ونظرت عبر الزجاج الخلفي للسيارة حيث كان أبي قد وصل إلى سيّارة المرسيدس 200 بيضاء اللون التي هي خلفنا مباشرةً وفتح باب سائقها وشدّه بيسراه من ياقة قميصه ثم جرّه إلى خارج السيّارة بينما يمناه تصفعه وتلكمه بشدّة. بعد ثوانٍ إلتحق المقاتل المكلّف بحراسة مكتب الأمن العسكريّ الذي توقّفنا بقربه بوالدي وقاما سويّةً بجرّ الرجل تحت الضرب والصفع إلى داخل المكتب وهناك قام أبي يساعده بعض العناصر بالتحقّيق معه فاعترف بسهولة انه كان يقوم بمهمّة مراقبة أبي وانه تابع لحركة أمل الشيعيّة ولكنه أصرّ على انكار واقعة انه كان بصدد التحضير لإغتياله. أصدر والدي أمراً بتوقيفه لإستكمال التحقيق لكنه إضطر إلى الإفراج عنه بأمرٍ من قائد جهاز الأمن العسكريّ.
في تلك الليلة, أيقن والدي أنّ قراراً في مكان ما قد أُتخذ بقتله, ولم يعد الأمر سوى مسألة وقتٍ و تفاصيل, فبدأ يعمل على هذا الأساس ليضمن مستقبل عائلته. إلتقى بأبي جهاد (خليل الوزير), عضو اللجنة التنفيذيّة لحركة فتح, والرجل الثاني في الحركة بعد ياسر عرفات وإستصدر منه قرارا بترشيحي إلى إحدىالدورات العسكريّة التي تقوم فتح بإرسال اتباعها إليها. في الشهر التالي, أصبحت مقيماً في المعسكر المستخدم لتجميع الطلاب المبتعثين إلى منح و دورات في الخارج ريثما يحين موعد سفرهم. أقيم مخيّم التجمّع على قطعة أرضٍ رمليّة في مخيم شاتيلا وقد سكنت في إحدىخيمه العسكريّة, بإنتظار أمر فرزي إلى إحدىالدورات رغم كوني لم اتجاوز الخامسة عشر من عمري. فارق السنّ بيني وبين بقيّة الطلاب كان واضحاً فأنا اصغر بثلاث سنوات على الأقل من أيّ طالبٍ آخر في المعسكر ورغم انني لم أصل سنّ التخرّج من الثانويّة العامّة بعد, فقد كان بحوزتي شهادة تخرّجٍ لبنانيّة مشتراةٌ من أحد مكاتب التزوير المزدهرة في لبنان. فإن المرء يستطيع مقابل حفنةٍ من الدولارات, شراء ايّة وثيقة تخطر على البال بدءاً من شهادة الثانويّة وصولاً إلى شهادات الماجستير والدكتوراه, مروراً برخص قيادة السيّارات (او الطائرات!) وجوازات السفر وبطاقات الهويّة الشخصيّة من مختلف الجنسيات. كلّ شيءٍ كان يباع على البسطات في لبنان, الشهادات والشعارات والسيّارات المعدّة للتفجير.
حمل والدي رتبة نقيب وعمل في جهاز الأمن العسكريّ وكان رئيساً لفرع اسرائيل فيه, والمختص بمكافحة التجسّس. وقد رأس في نفس الوقت دائرة المعلومات واكتسب نفوذاً وسطوةً جاوزت رتبته العسكريّة ولم يكن ذلك أمراً إعتياديّاً لضابط من ال 48, وهذه التسمية (ال48) هي من غرائب الفرز المناطقيّ في بنية حركة فتح التنظيميّة وكذلك في بقيّة الفصائل الفلسطينيّة. فالشعب الفلسطينيّ هو من أكثر شعوب المنطقة تجانساً إنْ دينيّاً أو طائفيّاً أو عرقيّاً ممّا جعل الفرز الإجتماعيّ/السياسيّ فيه يتمّ اعتماداً على أسسٍ مناطقيّة لإنعدام وجود أسسٍ أخرى. وفق هذا الفرز اصبح التحزّب داخل الفصائل المسلّحة الفلسطينيّة يندرج في فئاتٍ ثلاثة: فئة المنحدرين من قطاع غزّة, وفئة المنحدرين من الضفّة الغربيّة, وفئة المنحدرين من شمال فلسطين والذين اصطلح على تسميتهم باهل ال48 والمقصود بهذه التسمية الإشارة إلى عام إحتلال مناطقهم في فلسطين من قبل إسرائيل أي عام 1948. كما يشير البعض أحياناً إلى أهالي قطاع غزّة والضفّة الغربيّة بعبارة “أهل ال67″ التي هي أيضاً السنة التي احتلت فيها مناطقهم. على هذا الأساس المناطقيّ لا على أساس أيّة خلافاتٍ سياسيّةٍ أو منهجيّةٍ أخرى معلنه, سيتمّ الإنشقاق الرئيس في الحركة, و الذي سينتج لاحقاً بمباركة سورية في العام 1983.
جاء التحاقي بمعسكر شاتيلا أواخر العام 1977 وضمّ المعسكر عند وصولي إليه حوالي مائتي شاب, كلّهم طبعا, كما تبيّنت لاحقاً يمتّون بصلةٍ ما, عائليّةٍ أو اجتماعيّةٍ أو ماديّةٍ أو ما شابه الى أحد المتنفذين في حركة فتح. وانطلقت من هذا المعسكر دفعاتٌ شبه يوميّة متوجّهً عبر مطار بيروت إلى إحدىالبلدان التي تقدّم منحاً دراسيّةً للطلّاب الفلسطينيّين عن طريق م.ت.ف. كان توزيع الطلاب على مختلف البلدان والإختصاصات المتوفّرة يتمّ حسب كبر نفوذ الشخص الذي رشّح الطالب فالمحظوظون منهم يذهبون مثلاً إلى روسيا أو ألمانيا الشرقية لدراسة الطبّ والأقل حظاً ونفوذاً يذهبون لدراسة علم الإجتماع في الباكستان او الهند أو بنغلادش. ثلث المبتعثين تقريباً يذهبون إلى كلّيّاتٍ ومعاهدٍ عسكريّة وكنت انا من ضمن هذا الثلث باْعتبار ان صغر سنّي وتجاوزي للعديد من الصفوف المدرسيّة حدّا من قدرتي على النجاح فيما لو التحقت بصفوف كلّيّةٍ علميّة.
بعد مرور إسبوعين أو ثلاثة على إقامتي في المعسكر, حضرت لجنةٌ فاحصة برئاسة حسين الأجرب (الذي كان سابقاً مدير مدرستي الإبتدائية في سوق الغرب في جبل لبنان والمملوكة لحركة فتح وأغلب طلابها هم من أبناء شهداء أو منتسبي الحركة) ومهمّتها التأكّد من جهوزيّة الطلاب التامّة وحيازتهم على شهادات الثانويّة العامّة ووثائق السفر. وايضاً تعبئة استمارات حول خيارات الطالب في الإختصاصات والجامعات المتوفّرة. كلّ هذا طبعاً هو مجرد تدبيراتٍ شكليّةٍ إذ ان التنسيب الحقيقيّ يتمّ في مطابخ الأشخاص الذين يديرون هذا المعسكر ويديرون معه كيفيّة توزيع المنح على الطلاب فيه, وعلى رأس هؤلاء الطبّاخين قريبٌ لنا من الأردن يدعى حسين أبو العلا. عندما جاء دوري في الطابور لمقابلة اللجنة طلب مني الأجرب عرض شهادتي, فلمّا عرضتها عليه بأن عليه التشكّك فتولّى أحد أعضاء اللجنة إبلاغه بأنني ابن النقيب روبين أبو العلا فتابع عملة دون “عصلجة” وتمّ فرزي إلى معسكر القوّة البحريّة في بلدة الدامور لأنتظر مع المنتظرين جهوزيّة منح الأكاديميّة البحريّة الباكستانيّة. والدامور بلدة ساحليّةٌ سيطر عليها الفلسطينيّون أبّان حرب السنتين بعد معركةٍ شرسةٍ خاضوها ضدّ تنظيم النمور الأحرار التابع لكميل شمعون أحد اهم قادة المسيحيّين في لبنان بعد بيار الجميّل, ولا يفوتني ان أذكر ان والدي كان أحد قادة الهجوم على هذه المدينة يومها.
إلتحقت في اليوم التالي بالمعسكر المذكور الذي يقوده النقيب أبو المهادي ويشرف على التدريب فيه ملازمٌ حديث السن والتخرّج اسمه نزيه سلّام ويكنّى حركياً باسم أبو ربيع. يبلغ عدد الطلاب في المعسكر خمسةً وعشرين طالباً منسّبين جميعاً للكليّة البحريّة الباكستانيّة وهم بانتظار السفر وابتداء الدراسة في حزيران ويخوضون في فترة الإنتظار تلك, دورةً عسكريّة تمهيديّة تتضمّن التدريب على الأسلحة الخفيفة والإنضبّاط والرياضة وبعض الأسس العسكريّة الإبتدائيّة. هناك هدفٌ آخرٌ للتجمع ايضاً وهو ان يتعرف الطلّاب على بعضهم البعض قبل السفر والخوض في غمار التدريب الأكبر في الباكستان.
مرّت النهارات سريعا, ركضٌ صباحيٌ فدرسٌ عن السلاح وتدريبٌ على “النظام منضم” او الإستعراض العسكريّ. بعد الظهر, عادةً ما كنّا نستغلّ شمس الصيف وموقع البلدة الساحليّ, في السباحة على شاطئ هذه البلدة الهادئة والفارغة من سكانها المسيحيّين الذي فرّوا إلى المنطقة الشرقيّة من بيروت معقل القوّات المسيحيّة. أشدّ ما كرهت في معسكرّ البحريّة كان الصحو المبكر قبل بزوغ الفجر بهدف الإنتشار خارجه تحسباً لغارات جويّة إسرائيليّة معتادة تحبّذ ساعات الفجر الأولى حين يكون الجميع نيام بهدف إيقاع أكبر قدر من الخسائر البشريّة. هذا يعني ان يحمل كلّ شخصٍ بطانيّة ويتوجه إلى الحقول والبراري المجاورة ويلقي بجسده على الأرض ليستكمل نومه متدثراً بالبطانية حتى تجبره شمس الصيف الحارقة على الصحو ثم العودة إلى القاعدة لتناول طعام الإفطار. تأتي مواقع القوّة البحريّة على رأس قائمة بنك الأهداف لسلاح الجوّ الإسرائيليّ. وقد أسّس أبو جهاد الوزير نائب عرفات والمسؤول عن أغلب العمليّات العسكريّة داخل إسرائيل والمناطق المحتلّة, هذه القوّة وقام بالإشراف عليها شخصيّاً. وكان الهدف من تشكيلها, تمكين المقاتلين الفلسطينيّين من التسلّل بحراً لتنفيذ عملياتهم العسكريّة بعد ان أصبحت مسألة إختراق التحصينات العسكريّة والإلكترونية على الحدود البريّة اللبنانيّة – الإسرائيليّة شبه مستحيلة.
إن الإستفار الشديد في المواقع والقواعد البحريّة الذي كان مفروضاً أثناء تواجدنا في معسكر الدامور, كان مردّه إلى انه لم تكد تمرّ بضعة أسابيع على العمليّة العسكريّة الجريئة والنوعيّة والتي تضمّنت تسلّل 14 مقاتلاً على رأسهم دلال المغربي على متن سفينةٍ تجاريّةٍ القت بهم على مقربةٍ من المياه الإقليميّة الإسرائيليّة ومعهم زوارقٍ مطاطيّة استقلّوها حتى الساحل الفلسطينيّ. وهناك نجحوا في إختطاف حافلةٍ ملآى بالركّاب في منطقةٍ غير مأهولة بالقرب من تل أبيب ثمّ حاولوا اقتيادها إلى عمق المدينة ولكنّ الجيش الإسرائيليّ شنّ هجوماً على الحافلة فقتلت دلال ومعها أحد عشر فدائياً وأسر إثنان من المجموعة بعد إصابتهما. كما قتل ايضا ركّاب الحافلة المختطفة وعددهم ثلاثون شخصاً وجرح العديد من الإسرائيليّين. كانت الغارات الجويّة الإسرائيليّة إذن قادمةً بشكلٍ مؤكّد انما بتوقيتٍ ومكانٍ لا يمكن التنبؤ بهما.
في أحد الصباحات وبعد حوالي إسبوعين من إلتحاقي بالمعسكر, تمّ وضعنا في حالة إستنفارٍ قصوى بعد ان قامت قوةٌ من الكوماندوس الإسرائيليّ بتنفيذ انزالٍ بحريّ على قاعدةٍ تابعةٍ للقّوة البحريّة الفلسطينيّة مقامةٍ على شاطيء مدينة الصرفند الساحليّة جنوب مدينة صيدا. تمكّنت القوّة المهاجمة من قتل جميع من في الموقع من الفدائيّين بعد استهداف الحرس بكواتم الصوت ثم تفخيخ المبنى الرئيس حيث ينام عناصر الموقع وتفجيره على من فيه وعددهم 9 مقاتلين. عند الظهر تمّ نقلنا في حافلاتٍ خاصّة ومعنا أسلحتنا الفرديّة (بنادق كلاشينكوف) إلى موقع الانزال في الصرفند لحراسته وتأمين حماية أبو جهاد أثناء تفقدّه للقاعدة ولقائه مع الصحفيّين الفلسطينيّين واللبنانيّين الذين هرعوا إلى المكان. إعتدت منذ الصغر رؤية ياسر عرفات الذي كان يزور مدرسة أبناء الشهداء في بلدة سوق الغرب الجبليّة التي تلقّيت تعليمي الإبتدائيّ فيها, بشكلٍ دوريّ, أمّا أبو جهاد فتلك هي المرّة الأولى التي رأيته فيها وقد علق في ذهني قوله حين سأله أحد الصحافيّين عن نوعيّة الرد المحتمل على ذلك الهجوم:”ننتظر ونرى“. هذه جملةٌ نموذجيةٌ تلخّص شخصيّة هذا الرجل الصامت غالباً وشديد الخطورة.
في الثاني والعشرين من حزيران 1978 وصلت وطلاب دفعتي الأربعة وعشرين (حديثي التخرّج من صفوف الثانويّة العامّة بمعظمهم) إلى مطار كراتشي ومن هناك نقلنا رسميّون باكستانيّون بباص متوسّط الحجم إلى مرفأ كَماري الصغير وسط أغنيّات “انا صامد صامد” و “غلّابة يا فتح” نزجي بها الوقت ونرفع بها معنويّاتنا. عند وصولنا إلى المرفأ, وجدنا بانتظارنا زورقاً حربيّاً من النوع المخصّص للانزال البحريّ وهو مغلقٌ بمجمله ممّا لا يسمح للراكب بمشاهدة المياه في الخارج. بعد ثلث ساعة أو أقلّ قليلاً وصل الزورق الذي حملنا إلى وجهته في شبه الجزيرة الصغيرة “مانورا” (التي تتحوّل إلى جزيرة في فترات المدّ البحري) حيث وحدتنا العسكريّة, القطعة البحريّة “رَهبر” مقرّ الأكاديميّة البحريّة الباكستانيّة.
خمسةٌ و عشرون شاباً من بلدان و مناطق جغرافيّة مختلفة, و خلفيّاتٍ اجتماعيّةٍ متباينة ولهجاتٍ متعدّدةٍ ومتباينةٍ انما يجمع بيننا انتماؤنا السياسيّ, او بالأحرى انتماء أحد اقربائنا, لحركة فتح. بعضنا جاء من الاردن و يحمل جنسيّتها و بعضنا من فلسطينيّي سوريا و لبنان وآخرون من داخل الضفّة الغربيّة المحتلّة ويحملون أيضاً جوازات سفرٍ أردنيّة أمّا الشباب القادمون من قطاع غزّة المحاذي للحدود المصريّة فوثائق سفرهم كانت صادرةً عن الدولة المصريّة.
كانت م.ت.ف في تلك المرحلة في أوجّ ازدهارها وتضخّمها, وقد تأتّت لها السيطرة على مجمل المناطق اللبنانيّة في الجنوب والبقاع والشمال وأحكمت نفوذها على الحياة السياسيّة فيها. وشكّلت ما أُطلق عليه اسم “القوّات المشتركة” التي ضمّت جميع الأحزاب اللبنانيّة اليساريّة والعلمانيّة بل والطائفيّة المتحالفة معها. كما تمكّنت المنظّمة من فرض وجودها على الساحة الدوليّة, فأصبحت عضواً (مراقباً) في هيئة الأمم المتّحدة, وعضواً في منظّمة عدم الإنحياز وعضواً أساساً وفعّالاً في جامعة الدول العربيّة. وشكّلت مركز نفوذٍ سياسيٍّ يحسب له حساب وصار لها سفارات أو ممثليّات في معظم دول العالم خصوصاً منها دول المعسكر الإشتراكيّ, وامتلكت إمبراطوريّة ماليّة ذات شأن, أسّست لها المبالغ الضخمة التي قدّمتها دول الخليج العربيّ كمساعداتٍ أو كأموالٍ إخرى مُجتباة من نسبة ال 5% التي تستقطعها هذه الدول من مداخيل الفلسطينيّين العاملين فيها لصالح م.ت.ف. ولقد كانت ليبيا ايضاً ممولاً رئيساً لتلك الإمبراطوريّة الماليّة في الأوقات التي كان فيها العقيد القذافي في المزاج المناسب.
في نفس تلك الفترة قاد الجنرال الباكستانيّ ضياء الحقّ انقلاباً عسكريّاً ضد ذو الفقّار علي بوتو وأعلن الأحكام العرفيّة وعمل على إقامة قانونٍ اسلاميٍّ في البلاد وتقرّب من المملكة العربيّة السعوديّة التي كانت مدعوّةً من حليفتها الولايات المتّحدة الأمريكيّة للمشاركة في مواجهة المدّ الشيوعيّ الذي أصبح على الحدود الباكستانيّة بعد الانقلاب الشيوعيّ في أفغانستان الذي جرى في نيسان 1978, وتبعه الغزو السوفياتيّ لها في كانون الأوّل 1979 وتعيين بابراك كارمل على سدّة الحكم . قامت السعوديّة بدعم نظام ضياء الحقّ وكنّا نحن الطلبة العسكريّين العرب أحد مؤشّرات ذلك التقارب الباكستانيّ – السعوديّ وأصبحت الكليّات والمدارس الحربيّة الباكستانيّة مؤلاً لآلاف الضبّاط وصفّ الضبّاط المبتعثين على مدى سنواتٍ من الدول الخليجيّة وليبيا والأردن وم.ت.ف.
—————————————————–
– كم معك من المال؟
– حواليّ 500 روبيّة.
– هل تريد المشاركة إذن أم لا
– طبعاً أريد!
– عليك ان تعد بان لا تخبر أحداً عن هذا الموضوع.
– أعدك . فقط دعنا نذهب على الفور.
– ستكلّف المسألة حوالي 400 روبيّة, يدفع كلٌّ منّا نصفها.
– هاك إليك 200 روبيّة.
– لنذهب إذن.
راح خفقان قلبي يزداد سرعةً كلمّا اقتربنا من مقر العيادة الطبيّة التابعة للكليّة والواقعة على بعد بضعة مبانٍ من مبنى إقامتنا. حين وصلنا وجدنا الباب مفتوحاً فدخلنا, زميلي رائد سلامة وأنا.
إستقبلنا رجلٌ باكستانيٌّ ملتحٍ يرتدي مثلنا زيّ سلاح البحريّة الباكستانيّة ويعلّق على ساعديه رتبة صفّ ضابط مهللاً بترحاب. بدا واضحاً أنّه على علاقةٍ وثيقةٍ بزميلي ولكنّني شخصيّاً لم أكن اعرفه. أخبرني رائد لاحقا بان معرفته به قد توطدت في الصالة الرياضيّة للكليّة, حيث يواظب الإثنان على ممارسة رياضة بناء الاجسام. بعد المصافحة, اتّجهنا فورا نحو بوابة رهبر البريّة التي تطلّ على بلدة مانورا الصغيرة التي يشكل افراد القوّات المسلحة الباكستانيّة وعائلاتهم معظم سكانها. وصلنا بعد عشر دقائق إلى منزلٍ هو جزءٌ من سلسلةٍ طويلةٍ من المنازل بيضاء اللون المتشابهة والمبنيّة على نسقٍ واحد. طرق مرافقنا أحد الأبواب, ففتحه رجلٌ يرتدي اللباس الباكستانيّ التقليديّ (سروالي كميص) حليق الشعر على الطريقة العسكريّة وعلى محيّاه نفس اللحيّة المعتادة عند أغلب ضبّاط االصفّ, إذ ان القوّات المسلحة الباكستانيّة تدفع علاوة او منحة شهريّة لضبّاطها وجنودها الملتحين, تسمّى علاوة اللحية ويفترض أن تصرف على تشذيبها والعنايّة الدائمة بها. يفتح باب الدار على بهوٍ صغير الحجم نسبيا يؤدي إلى غرفتين على جهتين متقابلتين وبابٍ ثالثٍ في صدره ويقع خلفه المطبخ والمنافع الصحيّة. وسط البهو توجد كنبةٌ شبه نظيفةٍ وبضعة كراسٍ خشبيّة وعلى إحدىالكراسي جلست فتاةٌ جميلةً ذات ملامح أسيويّة (من الشرق الأقصى) في العشرين من عمرها تقريباً وترتدي ثوباً باكستانيا تقليدياً أحمر اللون يكشف عن بطنها. وقفت تستقبلنا باسطةً يدها لمصافحتنا وعلى ثغرها ابتسامةٌ لوزيةٌ وهي تقول باللهجة الباكستانيّة: السلام آليكم.
– من يبدأ إذن؟ سأل مرافقنا.
– أدخل انت.
– سأنتظر انا هنا, قال صاحبي بحكمة بعد ان رأى لهفتي على وجه!
أومأت بالموافقة و لحقت بالفتاة التي بدأت بالتوجه إلى إحدىالغرفتين, وأغلقت الباب خلفي.
- تعال اجلس بجانبي, قالت بدلالٍ ولغةٍ إنكليزيّة ركيكة.
كانت الغرفة عاريةً إلّا من سريرٍ وحيدٍ تغطيه ملاءاتٌ بيضاء. توجهت نحوها وجلست على السرير ملاصقاً لها, ملامساً بفخذي فخذها ومنتشياً بنعومة حرير ردائها الأحمر الدافيء وقد بدأت اشعر ببعض الالم في خصيتيي من فرط الانتعاظ. خلعَت من قدميها صندلاً تقليدياً وفكّت ببطءٍ دكة بنطالها الشعبيّ الواسع الذي يشبه “الشروال” في بلاد الشام واستلقت على ظهرها فوق السرير و حثّتني بيسراها على الصعود. خلعت حذائي و بنطالي بسرعة البرق ثم رميت نفسي فوق جسدها بخفةٍ وشغف. كان الجزء العلوي من جسدها لا يزال مغطّىً بالملابس المتدليّه حتى أعلى فخذيها لكنّني لم أبالي أو أسعى للمزيد من الإستكشاف بسبب عجلتي من أمري بل بحثت بيدي عن فرجها مباشرةً ووضعت عضوي فوقه وبدأت بالضغط العصبيّ محاولاً التخلّص من هيجاني مركّزاً ضغطي في لجّة الشعيرات التي على اسفل بطنها متوجهاً نحو ظهرها. كنت في الخامسة عشرة من عمري وتلك أوّل تجربةٍ جنسيةٍ لي وقد تهيّأ لي ان عضو المرأة التناسلي يقع في أسف بطنها من الجهة الأمامية ويمتدّ حتى ظهرها! (ولست أدري من أين استقيت معلوماتي) ممّا جعلني اضغط في المكان الخطأ والإتجاه الخطأ. مدّت كفّها الصغيرة وأرشدتني بخفّة ثم أمسكت بردفيّ ودفعتني أماماً ثم خلفا مرّتين أو ثلاثاً كمن يخطّ مساراً ثم انطلقت أنا بكل فتوتي و جنوني وبشبق ثورٍ هائجٍ, حضنت كتفيها الصغيرين ورحت أعتصرها نحوي بينما أسفل جذعي يخبط بها بشدةٍ وتوق.
– أنت تقول هم أنت ما فعلت.
– ماذا؟ لم أفهم ما قلتِ.
– أنت تخرج ثم أنت تقول لم تفعل. عادت تقول بإنكليزيتها الركيكة.
فهمت بعد لأيّ انها ارادتني أن أقول عند خروجي انني لم أتمّ مضاجعتها بعد, لأنني لم اعرف الطريقة, كي أعود إليها مباشرةً من جديد. ثمة سببان محتملان لطلبها الغريب, لا أرّجح أحدهما على الآخر. إمّا أنها قد خافت من حجم زميلي الضخم الذي يمارس رياضة بناء الأجسام, فأشفقت على جسدها الضئيل أن ينكسر تحت ثقله وحاولت تأجيل دوره ما أمكن, أو أن مضاجعتي الأولى كانت ممتعةً لها إلى درجةٍ أرادت تكرارها مباشرة. أرجو ان أكون انا هو السبب.
دخل رائد بعدي, ثم جاء دوري ثانية فدخلت. عاتبتني, فلم أجرؤ على الإعتراف بانني لم أستطع قول ما أرادت مني زعمه لأنّ في ذلك انتقاصٌ من ذكورتي واكتفيت بالتظاهر بعدم فهم ما كانت قد قالته لي. عدت فدخلت ثالثةً لمرة أخيرة. بعد ساعاتٌ ثلاث على وصولنا ودّعنا الجميع وعدنا الى الكليّة.
إن المجتمع الباكستانيّ مجتمعٌ مغلقٌ شديد المحافظة و يشبه في تزمّته المجتمعات العربيّة, الخليجية منها على وجه الخصوص. بإعتبار ان هامش الحرية المتاح في لبنان و سوريا مثلا, أو في تونس والمغرب العربيّ يعد أكبر بكثير منه في الخليج. خلال السنوات الأربع التي قضيناها في الباكستان, لم يفلح معظمنا في إختراق النسيج الإجتماعيّ المحليّ , و اقتصرت خبرة معظمنا بالنساء الباكستانيات على نساء القطاع العام, أيّ المومسات. كان الأمر بالنسبة لي سيّان, شرط ان يتوفر لديك المال الكافي .
——————————————————–
توجّب علينا طوال فترة التي أمضيناها في “رهبر“, النهوض يوميّاً في الساعة الخامسة والنصف والإصطفاف في طوابير, إستعداداً للعدّ الصباحي ومن ثم الجري في ساحة الكليّة الداخليّة لمدّة نصف ساعة وكان الجري يتمّ أحياناً خارج مجمّع الكليّة, أيّ في شوارع بلدة مانورا التي دائما ما تكون نائمةً في مثل ذلك الوقت. لم أحب الرياضة ابداً وأمقتُ اكثر ما أمقت الصحو المبكّر. ساهم الصحو المبكّر, إضافةً إلى عدم الإهتمام, في انعدام تركيزي على المحاضرات أثناء ساعات الدراسة التي تمتدّ من الثامنة صباحاً حتى الثانية بعد الظهر. ليست مسألة التحصيل العلمي بذات أهميةٍ كبرى في المدارس والكليّات العسكريّة على كل حال ولقد إعتاد زميلي جمال لافي, تكرار القول المسجوع بان “الخاري والقاري واحد“, حتى ذهبت مثلاً بيننا. أطلق أكرم هواري على جمال كّلما تنابذا اسم تروتسكي, كان يقولها بقرفٍ و اشمئزاز.
– ماذا تعني كلمة تروتسكي التي دائماً ما يرميك بها؟
– تروتسكي هو أحد قادة الثورة الشيوعيّة التي قادها لينين ضد القيصر الروسي في العام 1914.
– وماذا عن بلانكي؟ أحياناً يناديك بلانكي.
– بلانكي ثوريٌّ روسيٌّ نادى بإلإغتيال السياسيّ كمنهجٍ وحيدٍ لتقويض أسس الدولة الرأسمالية. كان إرهابيّا بالمعنى الدارج حاليا.
– وما معني شيوعيّة؟
– إنها ثورة الفقراء على الأغنياء, ودعوتهم لبناء مجتمع تعمّه الحرية ويخلو من الإستغلال.
جمال لافي كان النقيض التام لأكرم هوّاري و عدوّه اللدود. حانقٌ , مشاكسٌ, معارضٌ لكلّ ما هو سلطةٌ او نظام. دائم التذمر من كلّ شئ و يحمل في داخله غضباً و حلماً وفكرة, مبادراً مبذّراً لا مبالياً و يدخّن بشراهة. رغم كلّ هذه الصفات ورغم مشاعر الثورة التي تتآكله من الداخل, إلّا أنه كان في نفس الوقت نقيّاً طهرانيّا, فلم يَنْسق يوماً, مثلاً, إلى معاشرة المومسات. وقد دأب على القول أنه يرفض الجنس مدفوع الثمن فذاك ضد مبادئه. وكان أيضاً لا يقرب المشروبات الكحوليّة والمرّة الوحيدة التي استطعنا فيها استدراجه إلى شرب الكحول إنتهت سهرتنا بوصلة بكاءٍ مريرٍ منه امتنعنا بعدها عن الإلحاح عليه. قدم جمال إلى لبنان من الجزائر حيث كان يدرس في إحدىجامعاتها أثناء اجتياح عام 1978 الإسرائيلي لجنوب لبنان ليلتحق بقوّات المقاومة بعد أن شنّت إسرائيل حرباً شعواء سعت فيها حسب إعلانها إلى تشكيل منطقةٍ عازلةٍ لدرء خطر صواريخ الكاتيوشيا التي إمتلكتها المنظّمات الفلسطينيّة حينها وقدّر مداها بعشرين كيلومتر. فقامت في سبيل هذا الهدف بعمليّة عسكريّة ضخمة شاركت فيها أسلحتها البريّة والبحريّة والجويّة وأسفرت عن إحتلالها لشريطٍ يمتد على طول الحدود اللبنانيّة – الإسرائيليّة بعمق 20 كيلو متر وعيّنت الرائد في الجيش اللبناني “سعد حدّاد” رئيساً لسلطة الأمر الواقع في تلك المنطقة التي أُطلقت عليها اسم “لبنان الحرّ“.
بعد توقف حالة الإشتباك إثر تحقيق الهجوم الإسرائيلي لأهدافه تمّ إدراج جمال لافي ضمن عناصر دورتنا. ولد جمال وعاش طفولته و فتوّته في أحد مخيّمات غزّة الأشدّ فقراً بين مناطق الشتات الفلسطينيّ حيث البؤس مُعاشٌ يوميٌ والجوع همٌ دائم . حكى لي فيما حكى على سبيل المزاح ان ملابس بعض الأطفال الداخليّه حيث ترعرع كانت أحياناً تحمل صورة كفّين متاصفحتين أو جملة “هديّة من الشعب الأمريكيّ إلى الشعب الفلسطينيّ” وهو الشعار الذي كثيراً ما ارتسم على أكياس الطحين التي وزّعتها هيئة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيّين على اللاجئين في مخيّمات غزّة والضفّة الغربيّة التي حطّ فيها أغلب الفلسطينيّين الذين لجؤوا من شمال فلسطين أبّان حرب 1948 العربيّة الإسرائيليّة التي هزمت فيها إسرائيل الناشئة حديثاً جيوش خمس دولٍ عربيّة هي مصر و سورية و الأردن ولبنان والعراق.
في المقابل كان أكرم هواري شخصاً هادئاً ومتحفّظاً وخادماً ممتازاً بالفطرة لأيّة سلطةٍ, وماهراً في التماهي معها. سريع التكيّف مع أيّة متغيّرات داخلها ودائم الإستعداد للإنتقال بمواقفه وتكييفها لتلائم السلطة الجديدة إذا ما حلّت محلّ القديمة. ولد ونشأ في إحدىضواحي مدينة بيروت في بيئةٍ مريحةٍ و أسرةٍ ميسورة الحال, فلم يختبر أكثر ما اختبره اللاجئون الفلسطينيّون الذين انتهوا في المخيّمات من بؤسٍ و جوعٍ وتشريد. ورغم البيئة المترفة التي نشأ فيها أكرم إلا انه كان شديد البخل, وقد عزا سيغموند فرويد هذه الصفة في نظريّاته إلى تثبيتٍ يتمّ في المرحلة الشرجيّة وينتج عنه في الحالات القصوى ميولٌ جنسية مثليّة.
لا زلت إلى الآن لا أفقه كيف استطاع أكرم الذي يشهر تديّنه ويؤدّي فريضتيّ الصلاة والصيام, التوفيق بين مسألة التديّن وممارسة الشذوذ الجنسيّ, إذ يجمع فقهاء المسلمين, وبسطاؤهم, على اعتبار هذه الممارسة الشاذّة كبيرةً من الكبائر توجب الحدّ الشرعيّ الذي هو قتل مرتكبها عن طريق رميه من شاهق جبل. ولكنّه قد يكون اعتمد في توازنه النفسي على آياتٍ وردت في القرآن الكريم, تذكر جهاراً بأنّ سقاة أهل الجنّة من الذكور, هم غلمان وهذه الكلمة تحمل في طيّاتها إيحاءً جنسيّاً (ويطوف عليهم غلمان لهم كأنّهم لؤلؤٌ مكنون) الطور: 24
وقوله (ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤاً منثورا) الانسان:19. وقوله: (يطوف عليهم ولدان مخلدون # بأكواب واباريق وكأسٍ من معين) الواقعة: 17,18.
وأستغرب كيف لا يرى جموع الفقهاء مبلغ الإيحاءات الجنسيّة التي تعبق بها مثل هذه الآيات.
ثمة إحتمالٌ آخر في توصيف تديّن أكرم وممارسته للشذوذ والتوفيق بين الفعلين معاً وهو أن يكون تديّنه مجرد تظاهرٍ يهدف من خلاله إلى تحصين نفسه من أية إتهامات قد تطاله بهذا الخصوص ولقد ردّد أمامي مرّةً أثناء إحدىمحادثاتنا نصّ الحديث الشريف “إذا رأيتم الرجل يعتادُ المساجد فاشهدوا له بالإيمان” وهو ما يعزّز التفسير الثاني. أنا شخصيّاً كما سبق وقلت ليس لديّ أحكامٌ مسبقةٌ في قضيّة الشذوذ الجنسي ولست أعاني من الهوموفوبيا ولولا استخدامه لسلطاته والأموال العامّة الممنوحة له لغرض القيام بالمهام ”النضاليّة” أو ما سوى ذلك, لغرض إشباع غرائزه الشخصيّة او استجلاب منافع ماديّة لما كنت آبه بما يفعله أكرم هوّاري بإسته.
———————————————-
بدّدت أحلام اليقظة ساعات النهار البطيئة التي نقضيها في قاعات التدريس. كان موضوعي المفضل دائماً هو اجترار مشاهدٍ وذكريات جنسيّةٍ تجمّع لديّ الكثير منها خلال زياراتي الشهريّة لمخادع المومسات التي أصبحت دوريّة, مرّةً أو مرّتين أحياناً عند استلام كلّ راتبٍ, وتلك حدود قدرة الراتب الشهريّ القصوى إذ بلغ راتبي 250$ بينما تكلّف “الفولّ نايت” (ليلة كاملة) 100$ مما اضطرني في كثير من الأحيان إلى الإستعاضة عن الفولّ نايت بصفقات الضرب الواحد ذات ال30$. صفقة خاسرة بالطبع إنما إجباريّة. ما تبقّى من الوقت كرّس للحوار السياسيّ والمناكفة مع الزملاء.
توالت الأيام ببطءٍ شديدٍ وتشابهٍ مملّ. صحوٌ مبكرٌ, نصف ساعة رياضة, يتبعها تناول الإفطار ثم الإصطفاف للإستعراض العسكريّ الصباحيّ وأداء التحيّة للعلم الباكستانيّ الذي يتمّ رفعه يوميّاً عند الساعة الثامنة صباحاً على صاريةٍ أطلق عليها الضبّاط الطلبة اسم “زبّ الكابتن“. بعد تحية العلم نتوجّه إلى قاعات الدراسة التي نغادرها عند الثانية ظهرا. وتتخلّل اليوم الدراسيّ فترتا إستراحةٍ ويتبعه موعد الإصطفاف للغداء الذي تتلوه ساعتا راحة لنعود بعدها إلى طابور رياضيٍّ آخر يستمرّ من الخامسة حتى السادسة, فالعشاء في الثامنة ثم النوم وإطفاء الإنوار في العاشرة. لم أستفد أنا شخصيّاً في أغلب الأيّام من ساعتيّ الراحة اللتين تتلوان تناول طعام الغداء, فبسببٍ من معاندتي و عدم تقبّلي أو إطاعتي للأوامر الصادرة من الطلبة الأمراء وهم الذين سبقونا ب 6 أشهرٍ أو سنة, فإن إسمي يرفع بشكلٍ شبه دائم ضمن قائمة المعاقبين, وبينما يتوجه الطلبة إلى المهاجع بعد الغداء للراحة و القيلولة, أسارع انا إلى ارتداء البذّة العسكريّة الرماديّة الخاصة بتنفيذ العقوبات ثم الإصطفاف ضمن طابور المعاقبين تهيؤاً لساعةٍ من الهرولة والزحف وبعض التمارين السويديّة, مثقلاً ببندقيّة ناتو قديمة الطراز ومتمنطقاً بجعبة أمشاطها. لم تسهم هذه العقوبات كثيراً في تغيّير طباعي و تعويدي على الطاعة. أم لعلها قد فعلت؟
يوم الجمعة كان يوم عطلةٍ رسميّة, نصحو فيه وقتما نشاء, ثم نتهيّأ للذهاب زرافاتٍ أو فُرادى نحو قلب المدينة فنتسكّع بين فنادقها الفخمة لتناول وجبة طعامٍ او شرب المرطّبات ومراقبة الحسناوات الغربيّات السائحات وكان “الانتركونتينانتال” هو الفندق الأفضل لهذا الغرض في كراتشي حيث يطلّ مطعمه على بركة سباحة فخمة تعجُّ بأفخاذ وأطراف أثداء النساء الشقراوات المستمتعات بشمس كراتشي الحارقة. بالنسبة لنا, كان مرآهن أشدّ حرقة.
حين تبدأ رواتبنا الشهريّة بالانقراض لا يعود لنا موئلاً في أيّام العطل سوى قاعات السينما, التي نشتري تذاكرها بنصف القيمة لدى عرض بطاقات هويّاتنا العسكريّة. كان لبطاقاتنا العسكريّة كطلبةٍ ضبّاط فائدةٌ أخرى كبرى عدا التذاكر مخفّضة السعر إذ انها أيضاً وقتنا من ضربات الكرابيج التي ينهال بها الحراس الموظّفون أمام شباّك التذاكر على الجمهور بهدف التخفيف من التزاحم والتدافش الشديدين. فيكفي ان نشهر بطاقاتنا العسكريّة لكي تتفادانا السياط بحذر شديد و ينزاح الجمهور من أمامنا وينشقّ إلى نصفين مفسحا لنا الطريق نحو شباك التذاكر تماما كما انشق البحر امام عصا موسى. رغم السياط لم أر في حياتي قاعة سينما تشهد نصف الإزدحام التي تشهده قاعات السينما في كراتشي. عندما قرأت في العام 1998 نبأ إجراء الباكستان لتجربتها النوويّة الأولى كان مشهد الجموع المضروبة بالسياط أمام شبابيك التذاكر لدفعها للإصطفاف هو أوّل ما قفز إلى ذهني.
كان راتب الطالب الضابط الفلسطينيّ هو الأشد ضآلة بين رواتب الطلبة من الجنسيّات السبع الأخرى في الكليّة, باستثناء راتب الطالب الباكستانيّ الذي يجعلنا راتبه نشعر, نحن الفلسطينيّون بأننا مرفّهون.
كان الطلبة القطريون هم الأفحش غنىً وما أن أنهت مجموعةٌ منهم مؤلّفةٌ من أربعة أشخاص مرحلة الكليّة وانتقلت إلى مرحلة التدريب العمليّ على ظهر المدمّرة الباكستانيّة العجوز “بهادر” التي شهدت حربين عالميّتين في صباها, حتى أرسلوا بطلب أربع سيّارات من أحدث موديلات “الترانس أم” الأمريكيّة الفخمة وبأربعة ألوان مختلفة. كان مرآى السيارات الأربعة تصطفّ يوميّاً على رصيف الميناء بجانب السفينة “بهادر” يبعث على السخريّة المريرة, إذ كان ثمن تلك السيّارات يجاوز ثمن المدمّرة المتهالكة. بعد القطريّين في الغنى يأتي الكويتيّون ثم الإماراتيّون فالبحرانيّون والسعوديّون والليبيّون.
تواجد بين الطلاب الليبيّين ثلاثة أشخاصٍ لم يبدوا على نفس الدرجة من الغنى كبقيّة زملائهم كما أنّ ملامحهم هي الأخرى كانت مختلفةً عن ملامح الآخرين. لم يكن صعباً علينا أن نكتشف سريعاً أنّ لهجتهم, رغم محاولاتهم تغييرها كانت فلسطينيّة. بعد إلحاحنا بالسؤال مرّاتٍ عديدة إضطرّوا للإقرار بفلسطينيّتهم وزعموا انهم متطوّعون في الجيش الليبيّ وتبين لاحقاً بعد أن أصبحوا أصدقاء مقرّبين لأغلب أفراد دفعتنا الفلسطينيّة, أنهم أعضاء في الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين, وهي التنظيم العسكريّ الماركسيّ الأيديولوجيا الذي عرف لفترةٍ طويلة, بقيامه بعمليات إختطاف الطائرات وكان من بين اشهر أعضائه الإرهابيّ الدوليّ الفنزويليّ المولد إيليش راميريز سانشيز المعروف بإسم “كارلوس” والذي يقضي حاليّاً عقوبة السجن المؤبّد في فرنسا بعد أن تمّ اعتقاله في السودان في آب 1994 بطريقةٍ جيمس بونديّة, عقب انفراط عقد الدول الإشتراكيّة و بزوغ العولمة الأميركيّة وبالتالي انتفاء قدرة الدول المشاكسة على مقاومة الضغوط و التهديدات الأميركيّة والاوروبيّة. كذلك كان من أعضائها اليابانيّ كوزو اوكوموتو ورفاقه من الجيش الأحمر اليابانيّ الذين أعلنوا انضمامهم للجبهة الشعبيّة. وأوكوموتو هذا هو من قام بداية العام 1972 بعمليّة مطار اللّد الشهيرة الذي توجّه إليه مع زميلين يابانيّين آخرين عبر رحلةٍ جويّةٍ سياحيّة وعند وصولهم قاعة المطار أشهروا بنادقهم الآليّة وبدأوا بإطلاق النار العشوائيّ على الموجودين فقتلوا 24 شخصاً وجرحوا أكثر من 70 آخرين منهم, كما قتل رفيقا أكوموتو فيما ألقي القبض عليه بعد إصابته وبقي في السجون الإسرائيليّة حتىّ العام 1985 حين افرج عنه ضمن عمليّة تبادل أسرى قامت بها الجبهة الشعبيّة _ القيّادة العامّة _ مع الإسرائيليين تمّ خلالها الإفراج عن 1150 أسير عربيٍّ و فلسطينيّ مقابل تسليم 3 جنود إسرائيليّين أسرتهم الجبهة خلال إجتياح عام 1982. في عام 1997 اعتقلت الحكومة اللبنانيّة من تبقى من أعضاء تلك المجموعة اليابانيّة الذين كانوا يقيمون في منطقة البقاع وسلّمتهم إلى حكومتهم ضمن صفقةٍ انجزها غازي كنعان رئيس جهاز الأمن والإستطلاع للقوات السورية العاملة في لبنان ولم يُعرف الثمن الذي تقاضاه مقابلهم على وجه التحديد, و لكنّه تجاوز بضعة ملايين من الدولارات وفق أغلب التقديرات. وقد تضمّنت تلك الصفقة في أحد بنودها, إستثناء كوزو أوكوموتو شخصيّاً من التسليم لما له من قيمة معنويّة في التراث العربيّ ” النضاليّ“. وقد وافقت الحكومة اليابانيّة على هذا البند بإعتبار أكوموتو كان خرج من السجون الإسرائيليّة وقد استبدل الكلام بالعواء, إذ أصيب بعارضٍ صحيٍّ نفسيّ أدّى به في نهاية المطاف إلى أن يحسب نفسه كلباً فلم يعد بالتالي ذا قيمةٍ سياسيّةٍ او أمنيّة للحكومة اليابانيّةٍ. في محاولةٍ بائسةٍ لتخريج هذه الصفقة وتغطيتها قامت الحكومة اللبنانيّة بطرد هذ المجموعة إلى الأردن, مصحوبين ب “دبلوماسيّين” يابانيين وعند هبوط طائرتهم في مطار عمّان رفض الأردن من جديدٍ إلى طوكيو حيث أودعوا السجون حال وصولهم.
وقد تمّ إتّباع نفس هذا الإخراج البائس ايضا في اكتوبر من العام 1998 عقب إتفاق أضنه, حيث قام النظام السوريّ بتسليم رئيس حزب العمّال الكرستانيّ, عبدالله أوجلان لتركيّا بعد ان حشدت الأخيرة جيشها على الحدود مع سوريا رغم ان أوجلان كان حليفه لعقدين خلون من الزمن شكّل خلالهما سلاحه الوحيد في مواجهة الأتراك.
“طُلبت” المخابرات السوريّة يومها من اوجلان مغادرة الأراضي السوريّة و اللبنانيّة التي تسيطر عليها القوّات السوريّة ولم يجد أيّة دولةٍ او جهةٍ في العالم توافق على استقباله. فطار منبوذاً من مطار دمشق إلى روسيا ثم إيطاليا ثم اليونان ثم كينيا لينتهي أسيراً مخدّراً بيد المخابرات التركيّة.
———————————————
كان وجود طلبة الجبهة الشعبيّة ضمن صفوف الدفعة الليبيّة منسجماً مع طموحات الرئيس الليبيّ معمّر القذافي الذي هيّأ له خياله أنّه نبي هذا الزمان وصانع التاريخ الإنسانيّ الحديث, فقام بتأليف كتابه الساذج الذي أسماه الكتاب الاخضر ووضع فيه نظريّةً فلسفيّةً واجتماعيّةً واقتصاديّةً هجينة أعلن انها الطريق الثالث بعد الرأسماليّة والشيوعيّة (في الحقيقة فإن الكتاب كان من تأليف كتّاب ظلٍّ مأجورين). ثم بدأ بإغداق أموال النفط الليبيّ على كلّ من قبِلها من التنظيمات اليساريّة والثوريّة العربيّة والدوليّة بدءاً من جماعة “بادر ماينهوف” الألمانيّة حتى الجيش الجمهوريّ الإيرلنديّ مروراً بحركات التحرّر في امريكا اللاتينيّة و إفريقيا وانتهاءً بالتنظيمات الفلسطينيّة في محاولةٍ لشراء ولائهم وتجيير انتصاراتهم لشخصه الباحث عن العظمة والمجد الفارغين. وقد انتهت مغامراته تلك بعد حصارٍ إقتصاديٍ أمريكيٍّ على ليبيا دام سنوات طويلة, أعقب تفجير طائرة “البان اميركان” فوق مدينة لوكربي الاسكتلنديّة وانتهى بدفع ليبيا مبلغ ثلاثة مليارات دولار كتعويضاتٍ لضحايا التفجير وتسليم برنامجها النوويّ و تحول القائد الثوريّ إلى داعية سلامٍ وحقوق إنسانٍ وديعٍ بعد ان أدّى قسط العلى وأثبت بما يدحضّ أيّ شكّ بان “المرأة تحيض والرجل لا يحيض” حسب ما جاء في كتابه الأخضر.
بعد عقدين من الزمن أصبح أحد هؤلاء الشباب الثلاثة أعضاء الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين واسمه فوّاز مالكاً لشركة نقلٍ بحريٍّ مقرها في روسيا (ثمة إحتمالٌ بأن تكون هذه الشركة مملوكةً سرّاً للجبهة كشكلٍ من أشكال الإستثمار السرّي), أمّا حسين فأصبح قبطاناً لإحدىسفن الشحن المدنيّة بعد أن أنهى دورةً لدراسة الملاحة المدنيّة تُقدّم للملّاحين العسكريّين في كليّة الشارقة البحريّة ومدّتها 9 اشهر. لم يبق في إطارالجبهة بين هؤلاء الزملاء الثلاثة سوى جمال مصلح “أبو حسين” الذي أوفدته الجبهة بعد تخرّجه و عمله لفترة وجيزة في البحريّة الليبيّه, ليعمل ضمن البحريّة اليمنيّة في اليمن الجنوبي. في كانون الثاني 1985 إنفجرت أحداثٌ عسكريّةٌ داخليّةٌ بين قطبيّ اليمن الجنوبيّ آنذاك علي ناصر وعبد الفتّاح اسماعيل قام خلالها سلاح الجو الذي سيطر عليه علي ناصر بقصف القوّات البحريّة الموالية لإسماعيل ومن ضمن الأهداف المقصوفة كانت السفينة التي يعمل عليها جمال الذي أصيب بشظيّةٍ في يده اليسرى واضطّرّ إلى السباحة لبضعة أميال بعد إصابته حتى وصل إلى الشاطئ ولم يتمّ إسعافه إلّا في اليوم التالي وبعد أن استفحلت إصابته فتوجب بتر ذراعه اليسرى من الكتف أو بالأحرى بتر ما تبقّى منها. إذ حدّثتي بأنّه اضطرّ إلى قطع ذراعه المتدلية من كتفه بنفسه مستخدماً حجراً دقّ به لحمه المتهتّك الذي كانت تتدلّى منه ذراعه بعد ان مدّدها على صخرةٍ صلبةٍ كان أغمي عليه بقربها أثناء محاولته الوصول عبر التلال إلى المناطق المأهولة ولقد ذكر هذه الحادثة في كتابه غير المطبوع ”إبحار إلى المجهول“. بعد اتّفاق أوسلو بين منظّمة التحرير وإسرائيل عاد جمال مع من عاد إلى أراضي السلطة الوطنيّة وهو الآن موظّفٌ بمرتبة نائب مدير عام في وزارة التجارة الفلسطينيّة في مدينة رام الله وهي مدينته الأم.
———————————————–
عدا العلوم البحريّة وقليلٍ من الغزوات الجنسيّة مدفوعة الثمن (كلّما استطعت إليها سبيلا) فقد شكّلت دراستي في الكليّة البحريّة فرصةً للتعرف إلى عيّناتٍ عديدةٍ من “الجماهير العربيّةالغفيرة” التي يتغنّى بها الخطاب السياسيّ التحّرريّ واليسارويّ الذي بدأت بالإطّلاع عليه في نفس الفترة تقريباً. كان الطلبة البحرانيّيون هم الأقل عدداً بين التلاميذ الضبّاط العرب فهم اربعة فقط وتغلب على معظمهم السحنة الإيرانيّة (هذا ما أعتقده الآن انما لم أكن أدركه وقتها), وتميّزوا بالطيبة واللطف والتواضع ثم يليهم في العدد القطريّون ذوو الثراء الفاحش والسيّارات الباذخة. أمّا السعوديون فكانوا الأكثر تديّناً والكويتيّون والإمارتيّون كانوا في مكانٍ ما بين ثراء القطريين الفاحش وتديّن السعوديّين الزائد أمّا الليبيّون والفلسطينيّون فكانوا الأكثر بعداً عن التواضع باعتبار الأوّلين كانوا في أوجّ عظمتهم بسبب غسل أدمغتهم بهراء أدبيّات القذافي قائد ثورة الفاتح وصاحب النظريّة العالميّة الثالثة وماسورة المياه التي أطلق عليها اسم النهر الصناعيّ العظيم ثم لاحقاً صارت ليبيا بكاملها عظيمةً إثر الغارة الأميركيّة على مقر القذّافي في الخامس من نيسان 1986 إذ أمر القذّافي بعدها بتغيير الإسم الرسمي لليبيا ليصبح “الجماهيريّة العربيّة الليبيّة الشعبيّة الإشتراكيّة العظمى” والتعديل هنا جاء فقط بإضافة كلمة العظمى حيث أنّ اسم الجماهيريّة كان طويلاً قبل الغارة ايضاً.
أمّا إستعظام الفلسطينيّين لأنفسهم فكان ايضاً نابعاً من نفس الهراء الإعلاميّ “قل الإعلانيّ” إنّما بإختلاف القادة العظماء وبإستعارة أدبياتٍ وشعاراتٍ مستوردةٍ من روسيا وكوريا والصين وكوبا وبقيّة الجوقات النضاليّة.
بسبب هذا ” التنافس الثوريّ ” نشب الكثير من العراكات الفرديّة والجماعيّة بين المتدرّبين الليبيّين وأقرانهم الفلسطينيّين في فترات الركود النضاليّ التي لم نكن فيها نحن الفلسطينيّون نحتفل بأحد انتصارات الثورة الفلسطينيّة أو ننشد بشكلٍ جماعيٍّ أغاني “غلّابة يا فتح” و “هندس هندس يا بو عمار” أو لم يكن المناضلون الليبيّون يمارسون ما اعتادوه من النضال كيوم الزحف الأخضر بناءً على دعوة قائد ثورة الفاتح لجماهيره في أحد خطبه الوفيرة (الفاتح من أيلول 1979) إلى احتلال كافة مقارّ الدولة الليبيّة في الداخل والخارج لإلغاء سلطاتها وإعلان بدء سلطة الجماهير واللجان الثوريّة والشعبيّة. يومها أرسل السفير الليبيّ في إسلام أباد ملحقه العسكريّ إلى كراتشي ومعه خمسون تذكرة طائرة لإستجلاب الطلبة العسكريّيّن الخمسين (كانوا دفعتين يفصل بينهما فصلٌ دراسيٌّ وأحد أيّ ستة أشهر) إلى إسلام اباد ليعلنوا أمام التلفزة والصحافة أنّ الجماهير الليبيّة في الباكستان قد نفّذت زحفاً أخضراً على السفارة الليبيّة في إسلام أباد واقتحمتها وحوّلتها إلى “مكتبٍ شعبيّ” وهو الإسم الفنّي الذي عرفت به السفارات الليبيّة في العالم منذ ذلك التاريخ حتى لحظة استشهاد القائد والتمثيل بجثته على يد نفس أولئك الجماهير أو ربما أبنائهم. صبيحة اليوم التالي غادر الزاحفون فندقهم في إسلام اباد وركبوا الطائرة عائدين إلى كلّيّتهم وعاد السفير الليبيّ إلى عمله المعتاد إنما بصفته ”أمين المكتب الشعبيّ” في إسلام أباد.
—————————————————-
في ستّينات وسبعينات القرن الماضي بلغ ازدهار الأيديولوجيا ذروته في الشرق والجنوب بشكلٍ عامّ والشرق الأوسط ودول شمال إفريقيا على وجه الخصوص حيث شكّلت الأيديولوجيات المستوردة بشتّى أصنافها القوميّة والشيوعيّة والإشتراكيّة بديلاً “حداثيّاً” مناسباً لأيديولوجيا الولاء القبلي أو الديني التي بقيت راسخةً فقط في دول الخليج العربيّ. لم تفلح “الحداثة” المستوردة سوى في إبدال الغلالة الجلديّة الحاجبة التي توضع على جانبي أعين البغال ليسهل قيادهم, بغلالةٍ أخرى ذات لون زاهٍ. راجت هذه الأيديولوجيّات رويداً رويداً وما لبث بعض ضبّاط الجيوش العربيّة التي أسّسها الإنتداب الغربي, أن تلقّفوا بعضاً من شعارات هذه الأيديولوجيّات ورفعوها على ظهور دبّاباتهم “الوطنيّة” التي استولت على السلطات في غالبيّة هذه الدول. وسريعاً ما استبدل أسلوب التبوّل على حدود المساحات الجغرافيّة الذي تتّبعه الكثير من الثديّيات لتحديد حصّتها منها, بانتماءاتٍ إقليميّة لا معنى لها قام الإعلام المداهن في كلّ بلدٍ على حدا برسم حدودها, مستخدماً خليطاً من الأهازيج الحماسيّة والاناشيد “الوطنيّة” مع بعض الرايات والخطابات “الفهلويّة” ثم غلّف كل ذلك بصورٍ عملاقة للقائد الفذّ الذي دُعيت الجماهير لعبادة كلّ ما فيه بدءاً من شجاعته وبطولته ووصولاً إلى قصّة شعره وطربوشه أو كوفيّته أو “برنيطته” وصار الشغل الشاغل للإعلام المرئي والمسموع والمكتوب هو ذلك الطوطم الطارئ شاغل الدنيا ومالئ السجون فأقيمت المهرجانات في أعياده وتسابق الشعراء في وصف خصاله الحميدة وفحولته الفائقة وحجم خصيتيه العظيمتين. كان الفارق الوحيد الذي طرأ في دول “الحداثة” العربيّة وميّزها عن دول ما قبل التاريخ في شبه الجزيرة هو أنّ طواطمها قد خلعت بداوتها وباتت تضع على أكتافها نجوماً نحاسيّة.
رغم خلافاتنا واختلافاتنا وتمايز بيئاتنا الإجتماعيّة, كان هناك ما يجمع بيننا نحن الطلبة العرب في الأكاديميّة البحريّة, عدا اللغة العربيّة وحبّ القائد الطوطم, الفذّ, الكامل, الواحد, القابض, الباسط. وهو أنّنا جميعاً ثوريين وجمهوريّين وجماهيريّين وملكيّين, كنّا نتسرب في أيام العطل إلى مقاهي ومطاعم الفنادق السياحيّة الفخمة وسط كراتشي بحثاً عن رائحة أنثى او لمحة من طرف ثدي سائحةٍ شقراء ترتدي لباساً كريماً او تتشمّس “بالمايوه” على رخام بركة السباحة داخل الفندق. وليلاً كنّا جميعاً نقتنص مومسات كراتشي المحليّات عبر قوّاديهن إلّا من رحم ربّي او استنفذ قدراته الماليّة الشهريّة مبكراً. بعضنا من ذوي الطموح والتطلّعات غالباً ما ارتحل أثناء العطل الطويلة بين الفصول الدراسيّة والتي بلغت مدتها شهراً كاملاً, إلى تايلاند أو الهند أو أفغانستان الواقعة تحت بابراك كارمل والحكم الشيوعيّ والتي شكّلت مرتعاً لأجمل المومسات وملاذاً آمناً للسياحة الجنسيّة العربيّة قبل ان تبداً بالتحوّل مع بداية الثمانينات وبتشجيعٍ من الولايات المتّحدة والمملكة السعوديّة إلى أرض رباطٍ وجهادٍ ولاحقاً إرهاب. أما الهند فمعالمها السياحيّة لا تخفى على أحد واهمّها على الإطلاق تاج محل وجزيرة جاوا للعراة حيث أجساد الغربيّات الشقراوات مبذولات لمن كان ذا بصر. وعن تايلاند حدّث ولا حرج إذ أنّ عاصمتها بانكوك هي عاصمة السياحة الجنسيّة في العالمين شرقاً وغربا.
في خضم ذلك الإنشغال الدنيوي قلّةٌ منّا لاحظت مسألة إعدام الرئيس الباكستاني السابق ذو الفقار علي بوتو في 4 نيسان 1979 على يد قائد الانقلاب العسكريّ عليه, الجنرال ضياء الحق والذي سيُقتل بدوره بعد سنوات في آب 1988 في حادث سقوط طائرة غامض لتعود ابنة ذو الفقار بينظير بوتو لتصبح رئيسة وزراء مرّتين ثم تقتل بدورها في تفجير سيّارةٍ مفخّخةٍ بتاريخ 27 كانون أوّل 2007.
——————————————
إنّ ربّك لبالمرصاد, كذلك عسس الأمير. كان منذر أبو غزالة قائد القوّة البحريّة انذاك قد عيّن اربعة أشخاصٍ من بيننا كمشرفين على دورتنا. وهو ما عنى بشكلٍ أساسيٍّ أنّ عليهم أن يكونوا عيوناً له علينا ويقدّمون له التقارير عن “شواردها” التي طالما نام المتنبي عنها اذ قال انامٌ ملءَ جفوني عن شواردها .. ويسهر الخلقُ جرّاها ويختصمُ. أولئك الأشخاص الأربعة كانوا فوّاز برهوم (بعد سيطرة حماس على قطاع غزّة صيف 2007 أمر محمود عبّاس بتخفيض رتبته من عميد بحري إلى ملازم بسبب رفضه مواجهة حماس عسكريّاً كونه أقرب إليهم أيديولوجيّاً وكون أحد أشقائه هو أحد قادة حماس) وناجي يوسف وطلال صالح واكرم هوّاري (أظنّ أن الأخيرين يحملا الآن رتبة عميد أمّا ناجي فقد توفي)
أطلق بعضنا على هذه العصبة تسمية “عصابة الأربع” تحبّباً أو سوى ذلك إذ كانت قضيّة القادة الصينيّين الأربعة الذين سيطروا على مفاصل البلاد ثم حوكموا بتهمة الخيانة قبل عقدٍ من الزمن لا تزال حيّةً في الذاكرة. لم ينم هؤلاء الأربعة إذن عن شواردها, ورغم أنّ أغلب أفراد مجموعتنا وبينهم أعضاء عصابة الأربع أنفسهم أو أحدهم على الأقلّ (ناجي بالتحديد إضافةً إلى طلال صالح على الأرجح) كانوا ممّن مارسوا العلاقات الجنسيّة مع المومسات (فوّاز شديد التديّن أما أكرم هوّاري فيبدو انه محصّنٌ بطبيعته ضد هكذا نوعٍ من الخطايا) إلّا انني كنت الوحيد الذي ورد إسمه في هذا المضمار في التقرير السرّي الذي قُدّم إلى أبو غزالة وذلك بسبب استهتاري بسلطتهم. وتضمنت التقرير تهماً أخرى وجّهت إلى جمال لافي (بتهمة معارضة عصابة الأربع بشكلٍ دائم) وشحدة سالم وحسام مصطفى فتمّ سجننا في أحد المواقع العسكريّة في بيروت لمدة أسبوع حين سافرنا إلى لبنان في العطلة الفصليّة ومدتها شهر مما لم يُبق لنا سوى ثلاثة اسابيع من الأجازة استمريتُ خلالها شخصيّاً بزيارة “بار الشلبي” في منطقة الروشة وبعض بارات حيّ “الزيتونة” وذلك لممارسة نفس العلاقات الجنسيّة مع المومسات التي سجنت بسببها.
كان أفراد الموقع العسكريّ الذي سجنّا فيه مضطلعين على كون تهمنا هي من النوع الكيديّ مما جعلهم يتعاملون معنا بإحترام. قضينا معظم أوقات النهارات معهم في باحة المبنى ولم نعد إلى غرفة السجن إلّا للنوم عند المساء. كانت المعاناة الوحيدة هي الملل والذي ساهم في تخفيف وطأته أنّ أحد السجناء الثلاثة الذين سبقونا إلى المعتقل كان يحفظ غيباً مسرحيّتي محمّد الماغوط الشهيرتين “ضيعة تشرين” و“غربة” إضافةً إلى كونه مؤدٍّ موهوبٍ وقد دأب على تلاوة تلك المسرحيّات متقمّصاً كلّ الشخصيّاًت بمهارة حتى يكاد المرء يتوهّم انه يستمع إلى الممثلين الأصليّين.
بعد سنوات سيدّعي أكرم أنّ مهمّته في عصابة الأربع خلال سنوات الدراسة اقتصرت فقط على صياغة التقارير لغويّاً في حين أنّ المسؤول عن المعلومات التي جاءت فيها هم الأعضاء الثلاثة الآخرون في العصابة, بينما سينفي هؤلاء الثلاثة هذه التهمة عن أنفسهم ويؤكدّون أنّ أكرم هو صاحب الدسّ الحقيقيّ في هذه المسألة.
———————————————-
اليوم هو الأخير من أيّام العام 1980. نحن في إجازةٍ فصليّةٍ مدّتها شهر, وزميلي بشّار الحكيم وأنا من القلّة القليلة الباقية في كراتشي من بين أفراد دورتنا الفلسطينيّين إذ سافر أغلبيّتهم إلى الهند وافغانستان وتايلاند للسياحة وغالباً “لممارسة العلاقات الجنسيّة مع المومسات“. لست من مشجعي السياحة المحليّة لكنّني لم أكن يوماً من المدّخرين مما لا يؤهلني سوى للسياحة المحليّة في ربوع كراتشي وبيوت الدعارة السريّة فيها أمّا بشار فانه مدّخرٌ ضليعٌ لذا فإنّه اختار أيضاً السياحة المحليّة بهدف التوفير. في سنّ الشباب هناك طريقةٌ واحدةٌ ذات شقّين للإحتفال بليلة رأس السنة الميلاديّة, خمرٌ ونساء. اشترينا من أحد المتاجر السريّة قنينة ويسكي من النوع الفاخر (جوني ووكر بلاك ليبل) دفعنا ثمنها مناصفةً ثمّ اتّجهنا بالتاكسي نحو فندق تاج محل الواقع على أطراف مركز المدينة في كراتشي ومنه نحو مرآب التكسيّات الواقع إلى جانبه والذي يعمل في فسحته الرحبة المستر رياظ (تلفظ الضاد في اللغة الباكستانيّة ظاءا), الذي يحبّ أن يخاطب بهذا اللقب “مستر” لكونه يعتبر نفسه رجل أعمالٍ وليس قوّادا. رحّب المستر رياظ بنا هاشّاً باشّاً بإعتباري زبوناً مستديماً عنده وأتممنا إجراء الصفقة معه في دقيقتين ودفعنا له مبلغ مائتي دولار أجر مومسين (اشترطنا ان تكونا جميلتين!) لمدة ليلةٍ كاملة.
شارفت شمس كراتشي الملتهبة صيفاً وشتاءً على المغيب وآن أوان الإحتفال بليلة رأس السنة. ركبنا ثلاثتنا سيارة التويوتا الفضيّة وتوكّلنا على الله وقادها وقادنا المستر رياظ رجل الأعمال لا القوّاد. بعد مسيرة حوالي ثلاثة أرباع الساعة عبر الضواحي الخارجيّة لمدينة كراتشي وصلنا إلى منطقةٍ سكنيّةٍ هادئةٍ وراقيّة, وركن المستر رياظ سيّارته أمام أحد منازلها وخرج منها فتبعناه بشّار وانا ودلفنا خلفه إلى قاعة الإستقبال في المنزل حيث استقبلتنا شابتان إحداهما بيضاء البشرة مكتنزة الجسد على شيءٍ من الجمال والأخرى سمراء نحيلةٌ طويلةٌ وعاديّة الملامح تشبه أيّة فتاةٍ باكستانيّة تصادفها في شارع “طارق روود” الشهير في المدينة. بدا واضحاً أننا آخر المتسوّقين في حقل أعمال المستر رياظ اليوم. سارع بشّار عند سؤالنا عن خياراتنا إلى الإختيار قبلي وأعلن لي وللمستر رياظ وللجمع الكريم انه يريد البيضاء المكتنزة إمّا لبياض بشرتها او لكبر نهديها الناتئين بوقاحة تحت لباسها المحليّ (سروالي كميص بالأوردو) وفي الحالتين لا يمكنني ان ألومه. طبعا لم يترك لي هذا سوى الخيار الوحيد المتاح ألا وهو الشابّة الأخرى السمراء. سارت الأمور على طريقة الإنتخابات الرئاسيّة في الديموقراطيّات العربيّة, حيث المرشح الوحيد هو الرئيس الحالي. باتت مبايعةً إذن أكثر منها انتخاباً واني قد بايعتها على مضض لكنّ الليّلة لم تبدأ بعد وستتكشّف عمّا يدهشني.
سارت بنا الصبيّتان نحو غرفتيّ نومٍ كبيرتين يفصل بينهما بابٌ خشبيٌّ وجلسنا, السمراء وأنا على السرير في الغرفة الأولى بينما جلس بشّار والبيضاء على كرسيّين مقابلين وبادرتُ إلى صبّ أربعة أقداحٍ من الويسكي بعد أن طلبت من السمراء إحضارهم مع وعاء ثلجٍ. رفضت بيضاء بشّار أن تتذوق كأسها ولا أدري ما إذا كان رفضها بسبب تديّنها ام فقط لعدم استساغتها لطعم الويسكي. وضعتُ كأسها جانباً بعد أن أفرغتُه في جوفي فيما شربت سمرائي من كأسها وذلك مؤشّرٌ واضحٌ على أنّ البيضاء كانت خياراً خاسراً! بعد عشرة دقائق دلفت البيضاء المكتنزة يتبعها بشّار عبر الباب الخشبيّ إلى الغرفة المجاورة على ان نجتمع لاحقاً لمزيدٍ من الويسكي.
كنت في السابعة عشرة من عمري وهي في العشرين تقريباً. لا تتقن من الإنكليزيّة سوى بضعة كلمات أمّا معرفتي أنا بلغة الأوردو فتساوي نصف ما تعرفه هي من الانجليزيّة ولكنّني أجزم بأننا لن نحتاج لأيٍ من اللغتين إذ أنّ كأسيّ الويسكي قد ألغيا أيّة رغبةٍ لدينا بالحديث وحوّلانا إلى مجرد جسدين طافحين بالشهوة والحياة. بدا محيّاها بشوشاً ومقبِلاً وهو ما لم أعهده من قبل في أيّ من فتيات الليل اللاتي سبق أن عاشرتهم. من الواضح أنها كانت موجودةً في تلك اللّحظة على السرير لتروي جسدها وليس لتحصيل الجزء الخاص بها من المائة دولار التي دفعتها لمستر رياظ. ببطءٍ ودلعٍ خلعَت عنها الجزء الأعلى من لباسها المكوّن من “السروالي كميص” فأظهرت نهدين سمراوين يافعين ممتلئين رغم كونهما صغيرين وحين اقتربت مني لتنزع عني قميصي حضنت نهدها الأيمن بيسراي. وجدته طريّاً وعلى شئٍ من الشدّة شان نهود اليافعات. قرّبت وجهها منّي وبدأت بتقبيلي على فمي وذلك أيضاً أمرٌ مستهجنٌ في عالم المومسات إذ أنّهن غالباً ما يؤجّرن فروجهن للزبائن لكنّهن يحتفظن بشفاههم لعشّاقهن. مذاق شفتيها الطيب هو أجمل ما ذقت من شفاهٍ خلال الخمسة و الثلاثين عاما اللاحقة من حياتي. تراجعَت للخلف قليلاً ثمّ نزعت سروالها ووضعته على الكرسيّ القريب واستلقت عاريةً على ظهرها فبدت كإلهة عشقٍ أسطوريّة, بجسدها البرونزيّ المتناسق بتكويراته ومنعرجاته حدّ الكمال وشعرها الأسود الناعم والطويل المتّصل إلى ما تحت كتفيها, وعينيها الشبقتين وساقيها المصقولتين الطويلتين كأروع ما يكون. أشارت إليّ بغنجٍ جميلٍ فاستلقيت بجسدي فوق جسدها أقبّل فاها وأداعب نهديها وانتقلت بيديّ إلى إليتيها بينما هي تحتضنني بشدّةٍ وتمسّد بكفّيها جسدي من كتفيّ حتى أسفل ظهري ثم مدّت يمناها نحو اسفل بطني ووضعت ذكورتي بين فخذيها وبدأ جسدانا يهتزّان برقصةٍ متناغمةٍ تخلّلها توقفٌ لحظيٌّ في الدقائق الأولى إذ أنّها استمهلتني لتجذب إحدى الوسادتين اللتين كانتا تحت رأسها ووضعتها تحت قفاها, ثم رحنا ننتفض ونتلوّى ونهزّ السرير جيئة وذهاباً حتى اختفى العالم من حولنا واختفى البيت الذي نحن فيه واختفى مستر رياظ والكليّة البحريّة واختفت الغرفة المجاورة وبشّار والبيضاء المكتنزة وصرتُ وإياها جزءاً من وجودٍ صوفيٍّ مطلقٍ. بقينا في ما نحن فيه حتى الصباح ما أن نفرغ حتى نعود من جديد. توقفنا خلال تلك الفترة مرّتين لشرب الويسكي مع بشّار الذي بدا خائب الأمل إذ شكا لي بالعربيّة أنّ صاحبته جافّةً وتكتفي بالإستلقاء على ظهرها دونما أي حراكٍ أغلب الوقت إلّا الضروريّ الذي يتيح له مجامعتها. بقيت تلك الليلة مطبوعةً في ذاكرتي رغم مرور عشرات السنين والنساء والكثير من المومسات بعدها وكثيراً ما عدت لاحقاً إلى المستر رياظ طالباً منه ان يأخذني إلى تلك الفتاة نفسها التي أعطتني كالمعتاد إسماً مستعاراً لا اسمها الحقيقيّ مما جعل مهمّة المستر رياظ في إيجادها شبه مستحيل, رغم أنّه أخذني كلّ مرةٍ إلى فتاةٍ مختلفةٍ في مسعىً خاب دائما.
حضر مستر رياظ عند الفجر ونقلنا بسيّارته إلى وسط كراتشي حيث استقلّينا تاكسي وعدنا إلى كرساس مقرّ كليّة الهندسة البحريّة الذي كنّا قد انتقلنا للإقامة فيه وذهب كلٌ منا للنوم في غرفته حتى المساء.
صباح اليوم التالي زارني بعض الأصدقاء وعلى وجوههم ملامح وجومٍ غير معتادة فاستغربت الأمر وتساءلت عمّا دعاهم إلى هذا الوجوم فتحدّث أحدهم ليبلغني ان والدي قد تعرّض لمحاولة اغتيال وهو حاليّاً يعالج من جراحه في مشفى الجامعة الأميركيّة في بيروت حسب ما ورد في أحد الجرائد الباكستانيّة التي تصدر بالانكليزيّة. صدمت لأوّل وهلةٍ ولم أعرف بماذا أشعر او ماذا أقول. كنت طوال حياتي فتىً شقيّاً صعب القياد ولطالما شاب علاقتي مع والدي الكثيرمن الصدامات والمشكلات التي كنت أسبّبها له, كسرقة سيّارته والتنزه بها رغم كوني لم اتدرّب على السواقة ابداً أو التحاقي بالجبهة الديموقراطيّة لتحرير فلسطين حين كنت في الثالثة عشرة من عمري وإحضاري لبندقيّتي التي سلّمتني إيّاها الجبهة إلى المنزل ثم إطلاقي النار دون تدريب من على سطح المبنى الذين نقطنه, أو سرقة مسدّسه بهدف وضعه على خصري والتجوّل به أمام منازل بنات الحيّ او الهروب من المدرسة المتكرّر أو اصطحاب قنبلةٍ إلى الصفّ الدراسيّ أو الإستيلاء خلسةً على السيّارة العسكريّة التابعة لجهاز الأمن العسكريّ في الجنوب والذي كان يرأسه.
في هذه اللّحظة فقط اكتشفت أنني احبّ والدي وأنني لن أشفى ابداً من جرحي إذا ما توفي, فانفجرت بالبكاء. بكاءٌ طويلٌ ومريرٌ لم إستطع كبحه ولم أحاول. بعد خمس دقائق دخل زملاء آخرون إلى غرفتي وصافحوني وقالوا لي البقيّة بحياتك ورحمة الله عليه. هو ميّـتٌ إذن وليس جريحاً, إنما حاول زملائي إبلاغي بالنبأ على دفعتين تخفيفاً للصدمة. فبكيت وبكيت. أمضيت أياماً وانا أبكي ثم أمضيت سنينا. لا زلت أبكي إلى الآن إنما بدون دموع. لا يشفى المرء أبداً من جرح موت أبيه. ثمّة موتى نظلّ نبكيهم حتى نموت.
شدّة وقع النبأ عليّ أدمتني وجعلتني في حالة شبه هذيان لا أدري ماذا أقول او أفعل فاكتفيت بالبكاء المتواصل ليلَ نهار بينما قام زملائي بزيارة مكتب الممثليّة الفلسطينيّة وترتيب أمور سفري إلى بيروت واستغرق الأمر عشرة ايام.
وصلت إلى مطار بيروت عصر اليوم العاشر من كانون الثاني 1981 وتوجهت مباشرةً إلى منزل أحد أقربائي وهو النقيب في قوّات الميليشيا زيد أبو العلا (اصبح لاحقاً ملحقاً عسكريّا لمنظّمة التحرير الفلسطينيّة في بلغاريا ثم سفيرا في أثيوبيا قبل ان يتقاعد برتبة لواء عام 2009 وتوفي ودفن في مخيم اليرموك عام 2011) والذي يقيم في حي الفاكهاني الشهير الذي يعتبر عاصمةً لمنظّمة التحرير الفلسطينيّة. تبادلت التعزية مع قريبي وبتُّ ليلتي في منزله وذهبنا صباح اليوم الثاني إلى لقاءٍ مع أبي الزعيم مدير الإستخبارات العسكريّة الفلسطينيّة والمسؤول المباشر عن والدي, وقد قدّم لنا التعازي خلال اللقاء وشرح لنا أنّ هيئة تحقيقٍ قد شكّلت للتأكد من الجهة المنفّذة لعمليّة الإغتيال ثم أتحفنا بالحديث المعتاد في هكذا أحوال عن الأرض والوطن و الشهيد الذي يروى ترابه بدمه. لم يكن أبو الزعيم مفوّهاً, إنما ردّد أمامنا هراءً مكروراً طالما اعتاد وأترابه من قادة المنظّمات والأجهزة الميليشياويّة الفلسطينيّة على ترداده وهو هراءٌ يجب ان يتقنه المرء إذا ما أراد التدرج إلى المناصب العليا, إذ لا يمكنه النجاح في هذا العمل “الثوريّ والنضاليّ” إلّا بعد إتقانه. إنما الشرط الثاني للنجاح هو أن لا يصدّق المرء هراء نفسه ابداً فانه إن صدّقه فسوف يضحّي بنفسه في سبيل الوطن والنصر والحريّة وما إلى هنالك ولا يعود بإمكانه التدرج نحو المناصب والرتب العسكريّة العليا.
عدنا إلى منزل زيد الذي أخبرني هناك ببعض تفاصيل مقتل والدي الذي أُطلقت عليه النيران من مسدسٍ حربيٍّ حسب شهود عيان من قبل شخصٍ كان قد قدم معه في نفس السيّارة وهو جمال جوني الذي أعرفه جيّداً كونه كان أحد مخبري أبي من الطائفة الشيعية ويقيم مع أبويه وشقيقاته وأشقّائه في إحدى الضواحي الجبليّة لمدينة صيدا لكن عائلته ارتحلت إلى جهةٍ مجهولةٍ منذ يوم الإغتيال. كان جمال هو من قاد سيارة والدي إلى الشارع الذي قتل فيه وركنها هناك ونزل وحده وولج مدخل أحد المباني بينما بقي والدي بانتظاره في المقعد الأماميّ بجانب مقعد السائق. كان الوقت عصراً والمطر غزيراً ونوافذ السيّارة مغلقةً بالكامل. عندما عاد جمال من المبنى الذي دخله, إلتفّ نحو الجهّة التي يجلس فيها والدي ثم أطلق عليه من مسدسٍ حربيٍّ ثلاثة أعيرةٍ خرقت زجاج النافذه واستقرت في صدره. كانت كفّ أبي اليمنى مثقوبةً أيضا بإحدى الرصاصات إذ انه كان قد رفعها بوجه المسدس الذي شاهده في اللّحظة الأخيرة. فرّ القاتل بينما ترجّل أبي إلى الطريق مسربلاً بدمائه يضرب كفّاً بكفٍّ ويردّد:”ضاعوا الولاد” ثم سقط أرضاً. أسعف إلى مستشفى الجامعة الأمريكية لكنه توفيّ في الطريق إليها. كان ذلك في 31-12-1980.
صباح اليوم الثاني ذهبت إلى مكتب أبي الزعيم حيث قابلت مدير مكتبه “سمير صبري” (وهذا اسمه الحركيّ) الذي استصدر لي بطاقةً عسكريّة تتيح لي الذهاب إلى أهلي في سوريا عبر الطريق العسكريّ المسيطر عليه من قبل المخابرات السوريّة بدلاً من المعبر الرسميّ القانونيّ التابع للدولة اللبنانيّة شبه المنحلّة على كلّ حال. هذه الطريق البديلة مخصصةٌ لعبور الأفراد والإمدادات العسكريّة و اللوجستيّة بكافة انواعها إلى فصائل م.ت.ف بعد وصولها إلى مطار دمشق واقتطاع الدولة السوريّة منها حصّتها التي ترتأيها كأيّ سمسارٍ صغير. وصلت إلى منزل جدي في مخيم اليرموك عصر اليوم نفسه حيث اجتمعت أمّي وإخوتي وعمّاتي والأعمام وفي صباح اليوم التالي ذهبت إلى مقبرة الشهداء التي تبعد مائتي مترٍ عن منزل جدي وقرأت الفاتحة أمام قبر والدي وبكيت. وبكيت. ثم بكيت أيضاً لكوني لم أستطع وداعه قبل دفنه.
أمضيت بضعة أيام مع إخويّ الإثنين وأخواتي الأربعة وجميعهم, باستثناء شقيقتي الكبرى التي تكبرني بعامٍ واحد, كانوا تحت سنّ الحادية عشرة. وقد تركتهم بعهدة والدتي وزوجة أبي وأعمامي وعدت إلى لبنان تمهيداً لسفري من مطار بيروت لإستكمال دراستي في الباكستان حيث تبقي لي فترة عشرة أشهرٍ من الدراسة قبل التخرّج. في بيروت سلّمني زيد أغراض والدي الشخصيّة وهي ساعته وخاتمان ذهبيّان ومحفظة جيبٍ جلديّة وسيّارته (المرسيدس 200) ثم ودّعته وتوجّهت إلى مكتب عمل والدي في مدينة صيدا حيث أقام في آخر أيّامه بعد أن أرسل أفراد عائلته جميعا إلى سوريا وأخلى منزله الكائن في حيّ “حارة صيدا“, معقل حركة امل في المدينة, وانتقل في مقرّ عمله الواقع في الطابق السادس من أحد مباني حيّ البراد.
كان أحد أعمامي, صلاح, يتواجد في المكتب بانتظار جلاء الأمور وكذلك كان هناك أحد ضبّاط الأمن العسكريّ ويدعى “منتقم” الذي عهد إليه أبو الزعيم بإدارة شؤون العمل مرحليّاً. في غرفة نوم والدي توجد خابية نبيذٍ أحمر يبدو من شكلها الفخم انها قد قدّمت هديةٌ له من أحدٍ ما ولم يتسنى له ان يحتسي سوى كأسٍ أو كأسين منها. بالنسبة لي ولعمّي فإنّ تلك الخابية وجدت في الزمان والمكان المناسبين. بعد يومين أو ثلاثة أصبحت ذهبت الخابية في خبر كان ولم يعد لديّ ما أفعله في لبنان فحجزت طائرتي وعدت إلى كراتشي, إنّما بعد ان اجتمعت وزيد وصلاح مع أبي الزعيم لمرّةٍ أخيرةٍ حيث أبلغنا ان جثّة جمال جوني قد عُثر عليها محروقةً في منطقة الأوزاعي في الضاحيّة الجنوبيّة من بيروت وأنّ والدته قد تعرّفت إليه من خاتمه وبالتالي فإن التحقيق في مقتل والدي قد ختم والثأر لدم الشهيد قد أخذ. كان كاذباً ضيّق المخيال وكانت كذبته رديئة الحبكة وساذجةً كشخصه. فإنّه كان يعلم كما أعلم أنا أنّه حتى لو كان ما يقوله صحيحاً, يبقى أنّ منفّذ عمليّة الإغتيال قد قام بها تنفيذاً لأوامر صدرت له من قادة حركة أمل في منطقة صيدا وخصوصاً منهم سميح الزين (الذي اصبح لاحقا رئيساً لبلديًّة حارة صيدا) وأولئك أحياءً يرزقون.
قبل عامين نشب شجارٌ بين شابّين تابعين للجهاز الذي يرأسه والدي وآخرَين يتبعان لحركة أمل وذلك في حارة صيدا ذات الأغلبيّة الشيعيّة. أدّى تفاقم ذلك الشجار إلى تبادلٍ لإطلاق النار قتل خلاله أحد الشابين التابعين لجهاز الأمن العسكريّ لحركة فتح إضافةً إلى الشابّين التابعين لحركة أمل. وعلى أثرهذا الحادث بدأت الملاحقة الأمنيّة لوالدي من قبل أمل بغية اغتياله انتقاماً. وكان أبو الزعيم وقتها يعلم تماماً ان وقوع الإغتيال أصبح مجردة مسألة وقت ومع ذلك فانه لم يؤمّن الحماية اللازمة لوالدي ولعائلته حيّاً, فلمَ ينكبّ على العمل على جلب القتلة لمحاكمتهم بعد مقتله. فرغم قدرات حركة فتح العسكريّة وهيمنتها على الجزء الأكبر من الأراضي اللبنانيّة ومن ضمنها الجنوب اللبنانيّ حيث تتمركز حركة أمل الشيعية المؤطّرة ضمن الأحزاب اللبنانيّة المدعومة من م.ت.ف عدّةً وعتادا, فإنّ ما في ذهن أبي الزعيم وبقيّة قيادات المنظّمة هو أنّ استبدالَ كادرٍ عسكريٍّ أو أمنيٍّ هو أسهل وأقل عبئاً ماديّاً وسياسيّاً من تأمين الحماية له أو السعي إلى إلى محاكمة قتلته. لم يكن هناك ما يمكن أن أفعله سوى أن اردّد في نفسي قول الشاعر اللبنانيّ شوقي بزيع : أرضَ الخسارةِ يا لبنان هل رجلٌ .. يعيد للناسِ بعد اليومَ ما خسروا.
—————————————————
سالفصل الثاني
أمراء ليالي بيروت الحمراء
لم تغادر م.ت.ف بكافّة فصائلها المسلّحة شرطها التاريخيّ أو إرثها الإجتماعيّ التسلّطيّ فأسّست بما هي سلطة أمرٍ واقع في المناطق والمجتمعات الواقعة تحت سيطرتها العسكريّة المباشرة, مركز جذبٍ استقطب حوله المتكسّبين والبلطجيّين والمتملّقين المطبّلين المزمّرين. وقد ساهمت ثروات المنظّمة السريّة المتراكمة في حساباتٍ مصرفيّة غير خاضعةٍ لأيّ شكلٍ من أشكال الرقابة أو الشفافيّة عدا “ذمّة” الأخّ القائد, في تثبيت ديمومة الطغمة القابعة على رأس هرمها وتشييد بطانةٍ فاسدةٍ بالغة الضخامة إلتفّت حول زعاماتها المكوّنة من الزعيم الأب وحوّاريه وأقربائه وأنسبائه وأصدقائه وأبناء مدينته. وضمّت تلك القيادة رجالاتٍ تاريخيّة (بمعنى القدامة) لا تزال في سدّة القيادة حتى اللحظة رغم سقوط أقدم الطغم “الثوريّة” التي ترعرعت في كنفها واحدةً بعد الأخرى. ولقد تماهت م.ت.ف هيكليّاً مع هذه البنى الإستبداديّة التي أنشأتها وموّلتها أو – أقلّها – احتضنتها, وهي كثيرةٌ منها ما هو عربيٌّ أو إقليميّ ومنها ما هو دوليّ. فبنت مؤسّساتٍ “حداثية” صوَريّة كالمجلس الوطنيّ الفلسطينيّ (البرلمان) واللجان التنفيذيّة والمركزيّة والإقليميّة والسياسيّة والمجالس الثوريّة والمؤتمرات العامّة والانتخابات الدوريّة ولم يكن ينقصها عمليّاً سوى التداوليّة!
لا تقتصرعضويّة البرلمان واللجنة التنفيذيّة ل م.ت.ف على أعضاء حركة فتح التي تتماهى معها بل جرى ردفها بديكور “ديموقراطيّ” فصائليّ مستوحىً ربّما من ديموقراطيّة سوريا الأسد, حيث تجمّعت أحزابٌ سوريّة كرتونيّة في إطارٍ واحدٍ أطلق عليه إسم الجبهة الوطنيّة تحت قيادة حزب البعث الحاكم (قل اجهزة المخابرات العلويّة) وقادت البلاد والعباد نحو الهاوية التي نشهدها حاليّاً. وكما أنّ تلك الأحزاب جميعها تمتّعت بقياداتٍ “حكيمةٍ وخالدةٍ” على شاكلة حزب الرئيس كذلك فإنّ التنظيمات الفلسطينيّة بمجملها امتلكت قادةً “حكماء وعظماء“. فمنهم القائد الرمز ياسر عرفات والقائد الحكيم جورج حبش والقائد الملهم نايف حواتمة والقائد الخالد أحمد جبريل وصولاً إلى المجاهد البعثي زهير محسن الذي أغتيل على شواطئ مدينة كان الفرنسيّة التي امتلك فيها شقّةً للإستجمام والإسترخاء والنقاهة من حياة النضال والكفاح الشاقّة التي كان يخوضها في شقّته الفخمة وسط مدينة بيروت.
كان قادة أحزاب الجبهة الوطنيّة السوريّة خالدين كزعيم جبهتهم الخالد وإنْ على مستوى أحزابهم الصغيرة, إذ ليس منهم من تخلّى عن منصبه رغم أنّ بعضهم جاوز الثمانين من العمر بل ذهب أحدهم, وهو خالد بكداش زعيم الحزب الشيوعيّ السوريّ إلى حدّ توريث حزبه لأهل بيته حسب الشريعة الإسلامية حيث اقتسمت زوجته وولده عمار الحزب فأصبحت وصال بكداش رئيسةً له بينما نال ولده عمّار بكداش من حصّته من ورثة أبيه هي الأمانة العامّة للحزب الشيوعيّ السوريّ. بنفس هذه الطريق, كان الخلود سيّد الموقف في م . ت. ف إذ ليس بين قادتها مَن ترك منصبه إلّا بسبب الموت او العجز الطبيّ بل ان بعضهم قد استطالت إقامته في منصب القيادة حتى بعد الخرف والعجز الطبي الواضح للعيان على طريقة الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة الذي حنّطت جثته الحيّة وأركبت على كرسي رئاسةٍ مدولب لتتابع شؤون البلاد لفترةٍ انتخابيّةٍ جديدة.
وكما أنشأ حافظ الأسد عشرات الأجهزة والأفرع الأمنيّة التي هدفت اوّلاً إلى قمع الشعب السوريّ وبثّ الرعب في صفوفه حمايةً له وتمتيناُ لسلطته وتصليباً لديمومتها أما هدفها الثاني فهو التجّسس على بعضها البعض ومراقبة كافة القطعات العسكريّة والمؤسّسات المدنيّة للدولة, كذلك فإنّ تعدّد الأجهزة الأمنيّة الفلسطينيّة التي تؤدي نفس المهام هو مستنسخٌ على ما يبدوعن نظيراتها الأسديّة (لستُ مطلعاً على أوضاع الأجهزة الأمنيّة العربيّة الأخرى ولكني اجزم انها تتشابه بمجملها كقطعة خراء مقسّمةٍ بخيط كما يقول المثل الفلسطينيّ البذيء). ولإنْ بنى قادة الأجهزة الأمنيّة السوريّة ثرواتهم وصروحهم عبر التهريب وفرض الخوّات على كبار التجّار وتشغيل الأفراد التابعين لهم مجّاناً في أملاكهم ومشاريعهم الخاصّة (أغلب سائقو سيّارات الأجرة في سوريا كانوا من هذه الأجهزة), فإنّ قادة الأجهزة الأمنيّة الفلسطينيّة (جهاز الرصد, الأمن الموحّد, الأمن العسكري, الأمن الرئاسي, أمن ال17, أمن القوّات حيث تملك كلّ قوّات جهاز أمنها الخاص و“القوّات” هو الإسم الذي تطلقه التنظيمات الفلسطينيّة على ألويتها العسكريّة) إضافةً إلى قيامهم فرض الخوّات على التجار والصناعيّين المتواجدين في المناطق التي تسيطر عليها المنظّمات الفلسطينيّة بل وحتى على البارات ودور الدعارة المنتشرة في شارع الحمراء وحيّي الروشة والزيتونة البيروتيّين, فإنّ هؤلاء القادة دائماً ما خلطوا أعمالهم “النضاليّة” بصفقاتٍ شخصيةٍ خاصّة ومهمّاتٍ أدّوها لصالح الكثير من أجهزة المخابرات العربيّة والعالميّة وراكموا عن طريقها مئات الألوف (وأحياناً الملايين) من الدولارات.
إنضمّ الضابط في الجيش الأردنيّ المعروف بأبي الزعيم وإسمه الحقيقيّ عطالله عطالله إلى حركة فتح بعيد معركة أيلول التي دارت بين المنظّمات الفلسطينيّة من جهة والجيش الأردنيّ من جهةٍ أخرى في أيلول 1970 وأسفرت عن هزيمة تلك المنظّمات وانسحابها نحو لبنان عبر الأراضي السوريّة. عطالله هذا لم يدخّن سوى أفخم ماركات السيجار الكوبي ولم يشرب سوى الفاخر من الويسكي وجاب أفخم مطاعم وملاهي لبنان الواقعة في منطقتيّ بيروت الغربيّة وجبل لبنان وتخيّر من النساء الفتيات صغيرات السنّ, حتى أنه ضاجع ذات مرّة إبنة أحد السفراء والتي لم تتجاوز السابعة عشرة من عمرها مما فجّر أزمةً دبلوماسيّةً استدعت إجتماعاً للّجنة المركزيّة لحركة فتح لمحاولة تداركها. وقد خاطبهم يومها أبو الزعيم قائلا: كل هذا الإجتماع هدفه مناقشة موضوع عضوي التناسليّ؟ إذن يجب أن أصنع له تمثالا. طبعا قالها بالعاميّة.
لتغطية مصاريف حياته الباذخة اعتمد أبو الزعيم على تقديم الخدمات لكلٍّ من المخابرات الأردنيّة والسعوديّة. إحدى صفقات “البزنس” التي نال عنها ملايين الدولارات كانت صفقة تصفية المعارض السعودي الشهير ناصر السعيد مؤلّف كتاب “تاريخ آل سعود” والذي اعتقد أنّ بيروت الثورة والثوّار شكّلت ملاذٌاً آمناً له يحميه من بطش آل سعود وعسسهم. ففي 17 كانون الأول 1979 قامت مجموعةٌ تابعةٌ لأبي الزعيم بناءً على اتّفاقٍ مع السفير السعوديّ في لبنان, علي الشاعر والذي أصبح لاحقاً وزيراً للإعلام, باختطاف ناصر السعيد ثم قامت بتخديره حدّ النوم ووضعه في تابوتٍ وإرساله إلى الرياض على متن طائرةٍ سعوديّةٍ أرسلت خصوصاً لنقله. هناك تسلّمه جهاز المخابرات السعوديّ وتذكر بعض مصادر المعارضة السعوديّة أنّ الملك فهد الذي كان آنذاك وليّاً للعهد, قد أشرف شخصيّاً على تعذيبه في السجون السعوديّة ثم أمر برميه حيّاً من طائرة هليكوبتر. إضافةً إلى هذا النوع من الصفقات كان هناك عناصرٌ منتدبون من أبي الزعيم يؤمّنون الحراسة للسفارة السعوديّة وبقيّة السفارات الخليجيّة في لبنان المشتعل بالإغتيالات والإنفجارات والسيّارات المفخّخة المتبادلة بين المسيحيّين في بيروت الشرقيّة والمسلمين والفلسطينيّين في بيروت الغربيّة ممّا درّ عليه دخلاً جانبياًّ لا يستهان به. رغم كلّ البذخ الذي تمرّغ فيه أبو الزعيم فإنّه جمع ثروةً كبيرةً مكّنته بعيد الإجتياح الإسرائيليّ للبنان وخروج التنظيمات الفلسطينيّة, من الإنتقال إلى مصر وشراء شقّةٍ تطلّ على نهر النيل بلغ ثمنها أكثر من نصف مليون دولار, وإنشاء شركة إنتاجٍ سينمائيٍّ برأسمال قدره 7 ملايين دولار. ورغم اتّجاهه إلى العمل في المجال الفنّيّ إلّا أنه بقي يحنّ إلى العمل “السياسيّ” الأعلى ربحيّةً من الفنّ والرقص والفقش فأقدم عام 1986 على إعلان انشقاقه عن حركة فتح بتكليفٍ من المخابرات الأردنيّة, وأنشأ ما أطلق عليه اسم “المجلس العسكريّ الأعلى لحركة فتح“. أمّا النهج السياسيّ لتنظيم أبي الزعيم الجديد فهو العمل على بدء مفاوضاتٍ سلميّةٍ مع إسرائيل على شاكلة التطبيع الأردنيّ الذي أقامه ملك الأردن حسين بن عبدالله. بعد إتجاه م.ت.ف بمجملها إلى طريق المفاوضات السلميّة ورفع ياسر عرفات لشعار “سلام الشجعان” وتحالفه مع النظام الأردنيّ وتبنّي وجهة نظره السياسيّة لم يعد لتنظيم عطالله أيّ جدوى فذوى في غياهب النسيان حين رفعت المخابرات الأردنيّة عنه الغطاء الأمنيّ والدعم السياسيّ والماليّ. ولعلّ هذه السيرة العطرة لهذا القائد المظفّر هي التي دفعت محمود عبّاس بعد ربع قرن إلى تعيين نجله حازم عطالله عطالله مديراً لشرطة السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة.
أحد أبرز رموز الفساد في م.ت.ف كان قائد جهازالرصد في حركة فتح والطفل المدلّل لياسر عرفات علي حسن سلامة الملقّب بأبي حسن سلامة, الذي أصبح لاحقاً قائداً لجهاز أمن الرئاسة وقوّات ال17 المولجة بتأمين حماية ياسرعرفات والشخصيّاًت القياديّة الأخرى في الحركة. كان أبو حسن سلامة أشدّ بذخاً ومجوناً من ابي الزعيم ومدمناً على لعب القمار في كازينوهات لبنان. ومثل أبي الزعيم وبقيّة الأبوات في تنظيم فتح لم يخالط سوى “علية القوم” وأثريائهم في لبنان وكان بينهم بشير وأمين الجميّل ولدا الإقطاعي المارونيّ الكبير بيار الجميّل مؤسّس حزب الكتائب والعدوّ اللدود للفلسطينيّين.
إعتاد أبو حسن أن يقيم الأفراح والليالي الملاح ويسهر مع حسناوات بيروت حتى الصباح وصادق العديد من نساء الطبقة الثريّة بينهن حسناءٌ ثريّةٌ كانت معروفةً في أوساط الفن والصالونات اللبنانيّة وحائزةً على لقب ملكة جمال الكون وهي الممثّلة وعارضة الأزياء جورجينا رزق. إنّ الثراء الفاحش الذي جعل سلامة ندّاً لأثرى أثرياء لبنان لم يتأتّى له فقط نتيجة قربه من رئيس م.ت.ف وقائد حركة فتح وصاحب أموالها الطائلة, وإطّلاعه على كافّة الدقائق والخفايا المتعلّقة بقادة المنظّمة كونه مولجاً بتأمين حماية أمن الرئيس الشخصيّ, بل أيضاً بسبب تعامله مع وكالة الإستخبارات الأمريكيّة من خلال ضابط عمليّات السي آي آيه في لبنان روبرت آميس الذي تمكّن عبر مدير الوكالة آنذاك جورج بوش الأب, من استصدار فيزا أمريكيّة له أكثر من مرّة لإجراء لقاءات في الولايات المتّحدة مع قياداتٍ فيها. وقد اصطحب سلامة في إحدى تلك الزيارات التي قام بها في العام 1976 صديقته جورجينا رزق (لم يكن قد تزوّجها بعد). ولقد رافقته جورجينا أيضاً في آخر زياراته بعد ان تزوّج منها عام 1977 وذهب معرّساً في رحلة شهر عسلٍ باذخٍ أمضاه في الولايات المتّحدة الأمريكيّة.
عن زيارة 1976 يقول كاي بيرد كاتب سيرة الجاسوس الأمريكي روبرت آميس:”في 1976 كان (سلامة) على علاقة علنيّة بإمرأةٍ خارقة الجمال في الرابعة والعشرين من عمرها تدعى جورجينا رزق (..) وكان غالباً ما يرافقها إلى أرقى المطاعم والنوادي الليليّة (..) أواخر تشرين الثاني 1976 (..) نجح آميس بإقناع مدير السي آي آيه جورج و. بوش بتوجيه دعوة لسلامة لزيارة واشنطن (..) في إحدى المرّات قال سلامة لآميس أنّه يريد اصطحاب جورجينا رزق إلى أمريكا شارحاً أنّها تريد زيارة ديزني لاند في كاليفورنيا وبعد كاليفورنيا يريدان زيارة هاواي. قال علي انه بحاجة إلى قضاء عطلة فهل يمكن لآميس تحقيق هذه الرغبة؟ كان ذلك ضمن إستطاعته وهو ما قام به (..) ذهب سلامة ورزق إلى الولايات المتّحدة تحت غطاء السي آي آيه (..) وقد سافر مصطفى الزين (رجل الأعمال اللبنانيّ الذي نظّم علي سلامة في السي آي آيه) إلى القاهرة حيث التقى بممثل السي آي آيه ورئيس نقطة القاهرة الإستخباريّة سام وايمان الذي سلّمه ثلاثة تأشيرات دخول إلى الولايات المتّحدة بإسم سلامة وجورجينا ومسؤولٍ فلسطينيّ آخر هو زياد الحوت (..) لم يعلم الإسرائيليّون بزيارة سلامة تلك إلى مقر السي آي آيه (..) وقد كلّفت الوكالة تشارلز وافرلي بمرافقة الزوجين إلى نيوأورليانز وبعدها إلى انهايم في كالفورنيا لزيارة ديزني لاند وأخيراً هاواي.)
كان الإسم الكودي السرّي لسلامة في سجلّات السي آي آيه هو MJTRUST/2 حسبما ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال الشهير عام 1983 في مقالٍ كتبه ديفيد إغناتيوس, كشف فيه خفايا علاقة علي حسن سلامة مع الإستخبارات المركزيّة الأميركيّة. ثم أعيد تسليط الضوء على هذه العلاقة في كتاب ألّفه كاتب السير الذاتيّة الحائز على جائزة بوليتزر, كاي بيرد وعنوانه The Good Spy (بالعربيّة الجاسوس الطيّب) وروى فيه سيرة ضابط عمليّات السي آي آيه في بيروت روبرت آميس وعلاقته بمنظّمة التحرير الفلسطينيّة وتجنيده لعلي سلامة منذ عام 1969 ثم مقتله في تفجير السفارة الأميركيّة في بيروت. وهو التفجير الذي ما كان ليحصل لولا خروج المنظّمات الفلسطينيّة ومعها صلاح خلف من العاصمة اللبنانيّة في 1982 إذ كان الأخير قد خلف أبو حسن سلامة بعد إغتياله, في السهر على حمايتها. تجدر الإشارة هنا إلى ان الإسم الكودي الذي منحته وكالة الإستخبارت الأميركيّة والذي ينتهي بخط مائل يتلوه الرقم 2 يوحي بأنّ ثمة من هو أكثر أهميّةً منه في م.ت.ف ويعمل لدى الوكالة وهو على الأرجح صاحب الإسم الكودي الذي يسبقه في الترتيب أيّ: MJTRUST/2.
يروي بيرد ايضاً في كتابه أنّ ممثّلين لجهاز الموساد الإسرائيليّ استفسروا من الوكالة أكثر من مرّةٍ عمّا إذا كان سلامة يعمل لصالحهم أم لا ولكنّهم لم يحصلوا على إجابة وعندما علم روبرت آميس بهذه الإستفسارات أيقن ان الإسرائيليّين كانوا بصدد اغتياله فاجتمع مع سلامة وأبلغه بالموضوع ثم طرح عليه أن تقوم السي آي إيه بإبلاغ الإسرائيليّين بأنّه يعمل لديها, حمايةً له منهم لكنّ أبو حسن أجاب بالرفض مبرّراً رفضه ذاك بأنّ الإسرائيليّين سيشيعون هكذا خبر ممّا سيحرق صورته وسمعته داخل حركة فتح. فتمّ الإتفاق عندها على إرسال سيّارةٍ مصفّحةٍ له من الولايات المتّحدة مع بعض آلات التشفير للإتصال بالوكالة للمساعدة في حماية أمنه الشخصيّ لكنها وصلت بعد موته. لم يكن آميس هو الوحيد الحريص على أمن علي سلامة الشخصيّ بل شاركه بشير الجميّل قائد القوّات اللبنانيّة حرصه وقد أرسل لسلامة رسالة تحذيرٍ مع كريم بقرادوني وجدت في جيبه عند اغتياله في اواخر كانون الثاني 1979. إن جزءاً كبيراً من المعلومات التي استند إليها بيرد في ما يتعلّق بعلي سلامة إستقاها من زوجته جورجينا وصديقه الذي قام بتنظيم أوّل لقاء له مع روبرت آميس, رجل الأعمال الشيعي مصطفى زين. وقد أصرّ كلاهما أنّ السي آي إيه عرضت على سلامة عام 1971 مبلغ 300 ألف دولار راتباً شهريّا لكنه رفضه مشدّدين على أنّ علاقته بآميس كانت علاقة “تبادل خدمات” وقد تمّت بمعرفة المرحوم ياسر عرفات لكن بيرد يضيف:”هذه كانت طبيعة اللعبة. كان من الصعب تحديد العلاقة. بعض الضبّاط (من السي آي آيه) أكّدوا ان آميس لا بد أن يكون قد جنّد سلامة كعميلٍ كامل“ وكشف بيرد أيضاً أنّ سلامة قد سافر إلى الولايات المتّحدة عام 1976 للقاء ضابطٍ كبيرٍ من السي آي آيه ولقد رافق لاحقاً ياسر عرفات إلى الأمم المتّحدة في نيويورك التي ما كانت الولايات المتّحدة لتسمح للآخير بدخولها لولا تلك العلاقة. كما يذكر أنّ مسألة مسدّس عرفات الذي يضعه دائما على خصره وإصراره على حمله داخل أثناء إلقاء خطابه عرقلت مفاوضات سلامة مع السي آي آيه التي عادت فاقترحت ان يحتفظ عرفات بالجيب الجلد
يّ للمسدّس على خصره فارغاً دون المسدّس وهو ما تمّ العمل به.
بينما كان علي حسن سلامة ” يناضل ” في أفخم فنادق وملاهي بيروت الشرقيّة مع بشير وآمين الجميل ويصطحب عشيقاته في زيارات العمل المتكرّرة إلى هاواي وكاليفورنيا ويتجول في شوارع بيروت بموكبٍ مهيبٍ يتضمن عربة مزوّدة برشّاشٍ ثقيل من نوع دوشكا كانت الطائرات الإسرائيليّة تغير بشكلٍ متواترٍ على مخيّمات اللاجئين الفلسطينيّين وقرى اللبنانيّين في الجنوب حيث يتموضع الفدائيون وتقتل فلذات أكبادهم. ترى أين كان أبناء حسن سلامة في هذه الأثناء؟ يروي بيرد: “في أحد الأيام أصطحب مصطفى زين روبرت أيميس لزيارة زوجة سلامة نشروان وولديه الصغيرين حسن وعمره إثنيّ عشر عاماً وأسامة وعمره خمسة أعوام . كان رأي آيميس أنّ نشروان ذكيّة وحبّابة وكان الولد الأكبر حسن في زيارة لبيروت في إجازته الربيعيّة من مدرسته اللندنيّة الداخليّة”.
——————————————————-
“الأفق الأحمر” كتابٌ صدر باللغة الانكليزيّة في لندن عام 1988 وكتبه أيون ميهاي باسيبا رئيس المخابرات الرومانيّة المنشق إلى الغرب ويسرد فيه أحداثاً جرت في سبعينات القرن الماضي ويتطرق في جزء مهمٍ منه إلى العلاقات الرومانيّة السياسيّة والإستخباريّة مع م. ت. ف. وما يهمّني هنا هو ما جاء في الصفحة 20 من كتاب باسيبا حول علاقة هاني الحسن عضو اللجنة المركزيّة لحركة التحرير الوطني الفلسطينيّ “فتح” وأحد أبرز المستشارين المقرّبين من ياسر عرفات والذي توفي في العام 2012 وسأنقل الفقرة الأولى من الصفحة المذكورة حرفيّاً: “مع نهاية العام 1976 أصبح هاني الحسن مجنّداً كعميلٍ رومانيّ بشكلٍ رسمي, بناءً على تقارير مستشارين كشفت عن أنّ موطن ضعفه هو العملات الغربيّة. بتوجيهٍ من تشاوشيسكو شخصيّاً, أُعطي إسماً كوديّاً مؤنثاً هو “آنيت“. يظهر ملّف هاني الحسن في مديريّة المخابرات الرومانيّة أنّه كان يتلقى مبالغاً نقديّة دوريّةً تتراوح بين 2500$ و 10000$ وأنّ المعلومات التي كان يقدّمها على درجةٍ كبيرة من الأهميّة. فعلى سبيل المثال وجد محلّلو المخابرات الرومانيّة كنزاً من المعلومات في الكميّة الهائلة من أشرطة الكاسيت التي قدّمها وفيها نسخٌ عن أشرطة التنصّت على خطوط بيروت الشرقيّة الهاتفيّة. وحسب “آنيت” فإنّ مركز التنصّت التابع للمنظّمة_ الذي بناه لهم جهاز الكي جي بي السوفياتيّ _ كان أيضاً يتنصّت على السفارة السوفياتيّة نفسها متيحاً للمنظّمة عمليّة مزدوجةً. لقد أمّن “آنيت” أيضاً معلوماتٍ بالغة الأهميّة عن معسكرات ومخيّمات التدريب السريّة التي نُظّمت لإرهابيّي م. ت. ف. في بلغاريا. كما أنّ تقاريره عن مراكز تدريب م. ت. ف. في جبال يوغوسلافيا أسرّت تشاوشيسكو بشكلٍ هائلٍ وتمّ الإحتفاظ بها كدليلٍ على إزدواجيّة ونفاق تيتو . إلّا أنّ المساهمة الكبرى من “آنيت” كانت الكميّات الهائلة من نماذج الأسلحة الغربيّة والتي تراوحت بين الأسلحة الرشّاشة وصولاً إلى الدبّابات التي زوّد جهاز المخابرات الروماني بها. أغلب هذه الأسلحة كان يتمّ الإستيلاء عليها في لبنان ولكن بعضها حصلت عليه م. ت. ف. من خلال تعاونها مع الجيش الأحمر الياباني, والألوية الحمراء الإيطاليّة, وجماعة بادر– ماينهوف الألمانيّة الغربيّة ومنظّمات شبيهة أخرى.“
إنّ “نضالات” علي سلامة وعطالله عطالله وهاني الحسن هي نفسها نضالات بقيّة الجوقة من قادة الأجهزة الأمنيّة وغير الأمنيّة فيكفي أن تعرف ان الشاعر العراقي مظفّر النوّاب كان قبيل فراره من بيروت إلى دمشق قد قال في بذخ المرحوم صلاح خلف (أبو إياد) واعتياده ارتياد أفخم مطاعم بيروت وكازينوهاتها ومرابعها الليلية:
من باع فلسطينَ سوى الثوار الكَتبة
أقسمتُ بأعناقِ أباريقِ الخمرِ
وما في الكأسِ من السمّ
وذاك الثوريِّ المُتخمِ بالصدف البحريِّ ببيروتَ
تكرّشَ حتى عادَ بلا رقبةْ
وصلاح خلف هو مؤسّس ومدير جهاز الأمن الموحّد وعضواً في اللجنة المركزيّة لحركة فتح وهي قمة الهرم القيادي في الحركة التي رأسها ياسر عرفات حتى وفاته وانتقلت رئاستها بعده إلى الرئيس محمود عبّاس.
————————————————————————
إنّ الفساد الماليّ والإداريّ والسياسيّ لم يقتصر فقط على قادة الأجهزة الأمنيّة بل شمل كافة “مؤسّسات” وقيادات م. ت. ف. ولقد استشرى واستفحل بعد اتفاقيّة أوسلو ودخول المنظّمة إلى الضفّة الغربيّة وقطاع غزة لإدارتهما, وبدء الولايات المتّحدة والدول الغربيّة المانحة والضامنة لتلك الإتفاقية بضخّ الأموال الطائلة في خزائن السلطة الفلسطينيّة في رهان على شراء السلام عن طريق تحسين ظروف عيش الفلسطينيّين بالغة السوء. كذلك بدأت السلطة في تلقّي الأموال الضريبيّة على السلع والمواد المستوردة إلى مناطقها والتي تقوم وزارة المال الإسرائيليّة بإقتطاعها وتسليمها لهذه السلطة بشكلٍ دوريٍ تنفيذاً لأحد بنود إتفاقية أوسلو.
رغم استياء معظم الفلسطينيّين المدنيّين والعسكريّين في مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية من هذا الفساد والعفن الإداريّ والماليّ في أجهزة السلطة وقياداتها, ورغم اقتناع أغلبيّتهم بأنّ مليارات الدولارات التي ترسلها لهم الدول المانحة إضافةً إلى مئات الملايين التي ترد من الدول الخليجيّة ومثلها من وزارة المال الإسرائيليّة تنتهي في جيوب بضعة عشراتٍ من كبار اللصوص الذين يشرفون على بضعة مئات من اللصوص ذوي الحجم المتوسّط يتلوهم بضعة آلاف من اللصوص صغيري الحجم, إلّا أنّهم مرغمون على الانصياع لضباع المال والسلطة هؤلاء لأسبابٍ عديدة أهمّها أنّ السلطة هي المشغّل الرئيس لأفراد المجتمع الفلسطينيّ إنْ في الضفّة والقطاع أو في مخيّمات اللاجئين الفلسطينيّين في لبنان حيث تمنع القوانين العنصريّة اللبنانيّة أولئك اللاجئين من العمل في معظم المهن عدا الوضيع منها. فليس من عائلةٍ في هذه الجغرافيا المذكورة إّلا ويعتمد أحد أفرادها على الأقلّ في معيشته على راتبه الذي تمنحه إيّاه هذه السلطة. كما أن هذه الضباع قد شكّلت حول نفسها غطاءً عسكريّاً من كبار الضبّاط, لصوص الدرجة الثانية الذين يسيطرون على قطعاتٍ عسكريّة رئيسة تتشكّل من قطعان من المسلّحين الزعران ومغسولي الأدمغة إضافةً إلى الأجهزة الأمنيّة الكريهة والتي تدبّ الرعب في قلوب المواطنين, إذ ان هذه السلطة الهزيلة والهزليّة وقاداتها “العظام” لا “يسترجلون” سوى على مواطنيهم. هؤلاء القادة والعقداء والعمداء والألويّة المعتادون على الهزيمة من عمّان إلى بيروت إلى طرابلس ينقلبون عند تعاملهم مع مواطنيهم المدنيّين إلى صقورٍ لاحمةٍ أو ذئاب تنهش ضحاياها من المستضعفين, تماماً كما يفعل نظراؤهم في مزارع الطغاة المجاورة والبعيدة التي يسمّونها اوطاناً كالعراق وسوريا واليمن ومصر والجزائر وإلى ما هنالك. مع فارقِ وحيد يكمن في أنّ تلك المزارع قد تصبح عمّا قريبٍ أو بعيدٍ أوطاناً حقيقيةً خصوصاً بعد ثورات الربيع العربيّ بينما هذا الكيان الهزيل الهجين الذي أنشأه شجعان السلام لا يمتلك من مقوّمات الوطن سوى القليل القليل وشعبه الكريم القابع في ثلاثةٍ من القيود أولها الإحتلال الإسرائيلي وثانيها مافيات السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة وثالثها سطوة الشعارات وإعلام البروباغندا الذين سيطرت عليهم تلك المافيات على مدى نصف قرن ولا تزال ونجحت من خلالهما في جعل الفلسطينيّ خروفاً بين خرفان وأصبح الشعب الفلسطينيّ بغالبيته العظمى نسخةً عن الشعوب العربيّة الأخرى, أي قطيعاً بين قطعان ديدنه الهتاف ليل نهار, بما يشبه الهستيريا الجماعيّة: بالروح بالدمّ نفديك يا زعيم.
تحضرني هنا حادثةٌ حصلت معي في مخيم عين الحلوة صيف العام 2000 حيث كنت قد بادرت إلى كتابة بعض المقالات الصحفيّة في المجلّة التي يصدرها جهاز الإعلام التابع للمنظّمة في لبنان وكان مقرّها في مخيم الرشيديّة معقل العميد سلطان أبو العينين. وكان من عادتي أن أشير إلى رئيس السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة آنذاك بصفته “الرئيس الفلسطينيّ ياسر عرفات” وقد جاءني ذات يوم المسؤول الإعلامي في مدينة صيدا المقدّم “أبو خليل الأسطه” وقال لي بإسلوب المعلّم الحكيم الذي يخاطب تلميذه: “مقالاتك جيّدة بعض الشيء ولكن فيها بعض الثغرات فأنت مثلاً تكتب, الرئيس الفلسطينيّ ياسر عرفات, وهذا يقلّل من شأنه فمن الواجب أن تكتب عندما تأتي على ذكره بصفته “القائد الرمز سيادة الرئيس الفلسطينيّ ياسر عرفات. يومها توقّفت عن الكتابة مردّداً لنفسي تعبير:”على من تقرأ مزاميرك يا داوود”.
هذا الفساد الذي انتقل بعد أوسلو من تونس إلى الضفّة والقطاع إتّخذ طابعاً أضخم وأفظع إلّا أنّ مشكلته الرئيسة كانت في فقدان قدرته, إلى حدٍّ ما, على ستر فضائحه وإلباس لصوصه ثياب النضال والفضيلة كون الدول المانحة عكس الدول الخليجيّة التي تدفع من نخوةٍ أو من إبتزاز, هي دولٌ حداثيّةٌ تتمتعّ بالشفافيّة وتبدي إهتماماً شديداً في مسار الأموال التي تقتطعها من دافعي الضرائب عندها لتقدّمها كمساعداتٍ إلى السلطة الوطنيّة أو إلى سواها وبالتالي تحاول ما أمكن متابعة أدقّ التفاصيل في طرق صرف هذه الأموال. والشيء نفسه تفعله الوكالات الدوليّة ذات العلاقة مثل صندوق النقد الدولي. كما أنّ إسرائيل نفسها ايضاً تتابع طرق ومصبّات الأموال الضريبيّة التي تسلّمها للسلطة. هذه الرقابة غير المعتادة عرّت الكثير من هؤلاء اللصوص وكشفت أحجام ثرواتهم غير المشروعة, ولا بدّ ان يصحو الشعب الفلسطينيّ يوماً من “نعيم” العيش البائس في كنف القادة الرموز والعظام الخالدين ليتنزع حقّ المواطنة من ضباع السلطة ويسترد أمواله المسروقة. فهذا الشعب الذي يعتقد انه أوّل من فجّر الثورات في المنطقة العربيّة لا بد سيدرك يوماً أنّ ما فجّره استولت عليه “أورطة” لصوص وسماسرة دمٍ تاجروا به وباعوا دماء أبنائه بأرخص الأثمان وقتلوه في الأردن ولبنان والعراق والكويت وسوريا وغزّة والضفّة ليجمعوا ثرواتهم وثروات أبنائهم ويبنون مجداً خلّبياً فوق جماجم ضحاياهم. وسيدرك الفلسطينيّون لا بدّ يوماً أنّ هؤلاء “المناضلين” لم يقضوا على أحلامه فقط بل ساعدوا وآزروا ايضاً طغاة المنطقة على استعباد شعوبهم تحت نفس الشعار الذي حملوه وحمّلوه لهؤلاء الطغاة ألا وهو“تحرير فلسطين“. أمّا الجهة الوحيدة التي لم يقاتلونها لا هم ولا الطغاة المقاومون إلّا فيما ندر فهي الإحتلال الإسرائيلي. وحتى حين صاروا في الضفّة الغربيّة وصارت حدودهم متاخمةً للحدود الإسرائيليّة فانهم قد استعانوا, لتشييد مجدهم وتكريس “مقاومتهم” للإحتلال, بأجساد أطفال الشعب الفلسطينيّ البسيط والمحبّ لوطنه مثل كلّ شعوب الأرض, ليصطادهم جيش الدفاع الإسرائيلي. أمّا أطفال هؤلاء القادة فيعيشون في جنّات النعيم ويتوزّعون بين دول الخليح العربيّ وقبرص وفرنسا وبريطانيا والولايات المتّحدة الأميركيّة حيث درس نجلا الرئيس الفلسطينيّ الحالي محمود عبّاس بينما كان هو منشغلٌ بالنضال, ثمّ عادا بعد إنشاء السلطة الوطنيّة ليحصدا دماء الشهداء ثروةً وسلطةً وجاهاً وليكملا نضال أبيهما عبر عشرات الشركات الإستثماريّة التي أسّساها وكذلك عبر الحضور المتميّز في شتّى المناسبات والبرامج والمسابقات الفنيّة وأخذ الصور مع أحلام وجورج وسّوف وهذا لعمرك هو جهاد الطبلة والمزمار.
في تقريرٍ أصدره الإتحاد الأوروبّي في تشرين الأول 2003 حول الفساد في السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة ذكرت اللجنة المعدّة للتقرير أنّ الفساد الماليّ لهذه السلطة قد تسبّب حتى الآن بفقدان ما يقارب ال 2 مليار يورو من أصل 2,7 مليار يورو من المساعدات المقدّمة للفلسطينيّين في الضفّة الغربيّة وقطاع غزة ما بين العامين 2008 و 2012. وقد كتب التقرير لجنةٌ أوروبيةٌ متخصّصة بعد ان زارت القدس والضفّة والقطاع وأعلنت فيه عن عدم قدرتها على مواجهة حالات الفساد الضخمة مثل الرشاوي وصرف الأموال في غير الجهات الممنوحة لإجلها. وذكرت صحيفة الصاندي تايمز اللندنيّة التي سرّبت التقرير أنّ الإتحاد الأوروبّي قرّر خفض المساعدات الممنوحة بشكلٍ كبير إلى حين أن يتمّ تأمين آلية معينة لمراقبة هذه الأموال وأماكن صرفها. وهذا التقرير ليس الأوّل عن الفساد في السلطة فقد سبق أن صدرت تقاريرٌ كثيرةٌ عن هذا الموضوع منذ انشائها زمن الرئيس ياسر عرفات واستمرّ صدورها في زمن خليفته محمود عبّاس.
في 15 تموز 2003 ذكرت صحيفة القدس العربيّ الصادرة في لندن أنّ محمد رشيد المستشار الماليّ للرئيس ياسر عرفات والذي أوكل إليه الأخير مهمّة استثمار ما يقارب ال 2 مليار دولار قد فرّ بعد ان استولى على كامل الإستثمارات وقطع كلّ إتصالٍ له مع الرئيس رافضاً أعادة تلك الأموال.
في 15 أيلول 2003 نشر البنك الدولي تقريراً مبنيّاً على تقارير صدرت عن المجلس التشريعيّ و وزارة الماليّةالفلسطينيّة وذكر فيه أنّ أموال الموازنة السنويّة للسلطة الوطنيّة الفلسطينيّة منذ العام 1994 يتمّ صرفها جميعاً حسب قرارات عرفات وبتوقيعه الشخصيّ سواء تعلّق الأمر بصرفٍ خاصٍّ بالمؤسّسات أو بالأفراد وأنّ دور وزارة الماليّةيقتصر على وظيفة ساعي البريد الذي يستلم الأموال من الدول المانحة ويوزعها إلى أصحابها الذين يرتأيهم الرئيس. وسبق لصندوق النقد الدولي قد قال أنّ نحو 900 مليون دولار عائدٌة للسلطة الوطنيّة الفلسطينيّة من مشاريعٍ تجاريّة قد «اختفت ولم يعد لها أثر» خلال الفترة الممتدة من 1995 إلى 2000 ثمّ تبيّن أنّها قد حوّلت إلى حسابٍ بنكيّ خاصٍ بياسر عرفات.
بداية العام 2004 زار المنطقة فريقٌ من لجنة مكافحة الفساد الأوروبيّة للتحقيق في اتهامات الفساد. وفي العام نفسه ذكرت صحيفة ” لوكانار أونشينيه ” الفرنسيّة أنّ محكمةً فرنسيّة تحقّق في مصدر 9 مليون يورو (11.5 مليون دولار) وضعت في حسابين بنكيّين تملكهما سهى الطويل زوجة عرفات وأنّ مبلغ مليونين من أصل هذه الملايين التسعة حوّل إلى حساب أحد أشهر مصمّمي الديكور في باريس ألبيرتو بينتو. ولم يحدّد المحقّقون ما إذا كان المبلغ المحوّل هو ثمن خدمات قدّمها بينتو لسهى عرفات أو سوى ذلك.
في شباط 2005 اتهمت صحيفة الرأي الكويتيّة عرفات بتحويل مبالغ ماليّة إلى حساباتٍ خارجيّة في حين ذكرت صحيفة الصاندي تايمز اللندنيّة أنّ سهى الطويل قد حصلت بعد موت زوجها من رئيس الوزراء الفلسطينيّ انذاك احمد قريع على مبلغ 13 مليون جنيه استرليني أضافةً إلى تعهّد بصرف 800 الف جنيه استرليني سنويّاً حتى بلوغها سن التقاعد وحينها يصرف لها مبلغ 300 الف جنيه استرليني سنويّاً مدى الحياة كتعويض نهاية الخدمة كونها كانت تعمل لدى عرفات قبل زواجها منه! وهذه المبالغ تفسّر صمتها وتغيير موقفها وإعلان تأييدها لعبّاس فجأة بعد أن كانت قد اتّهمته مع بطانته بأنّهم يحاولون دفن عرفات حيّاً. علماً أنّ سهى عرفات الطويل المقيمة في باريس كانت تتلقّى من زوجها الراحل 100 ألف دولار راتباً شهريّا حسب ما ذكرته الأسوشييتد برس نقلاً عن موظفٍ في مكتب عرفات. وهذا الراتب هو أعلى من راتب باراك أوباما رئيس الولايات المتّحدة الأمريكيّة الذي يبلغ راتبه السنوي 400 ألف دولار.
ذكرت صحيفة «يديعوت أحرنوت» بعد وفاة عرفات أنّ وزير الماليّة الفلسطينيّ سلام فيّاض طلب من الموساد الإسرائيلي (المخابرات الخارجيّة) مساعدته في البحث عن أموال عرفات وحساباته البنكيّة.
وقالت «يديعوت» آنذاك أنّه بعد أربعة أشهرٍ فقط من رحيل رئيس السلطة ياسر عرفات وصلت رسالةٌ مفاجئةٌ لمصادر الإستخبارات العسكريّة، تحمل طلباً من وزير الماليّة سلام فيّاض لجهاز الموساد الإسرائيلي يقول فيها: “ساعدونا في العثور على أموال عرفات وحساباته السرّية“. فيّاض أوضح في رسائله أنّ الحديث يدور عن 600 مليون دولار اختفت بعد رحيل عرفات، ولكنّ شخصيّاتٍ فلسطينيّةً رسميّة أخرى, وفي رسائل أخرى تحدثت عن مبلغ 900 مليون دولار وأكثر. وكذلك ذكرت صحيفة “معاريف” أنّ يوسي غينوسار، وهو موظفٌ كبيرٌ سابق في المخابرات الإسرائيليّة، ومعه ضابطٌ آخر سابق في شعبة الاستخبارات العسكريّة الإسرائيليّة، أدارا استثماراتٍ بقيمة 300 مليون دولار في أحد بنوك سويسرا باسم الرئيس ياسر عرفات وتقرّر فتح تحقيق بعد أن اختفى مبلغ 65 مليون دولار منها. (صحيفة الشرق الأوسط, 29 أيار 2009)
في شباط 2006 أعلن النائب العام الفلسطينيّ أحمد المغني أنّه يحقّق في قضايا اختلاساتٍ يفوق حجمها ال 700 مليون دولار من موازنة السلطة, بينها قضية وأحدة تتعلق بإختلاس 300 مليون دولار! كما نشرت بعض الصحف في الشهر نفسه نبأ القبض على مسؤولٍ في وزارة الماليّةأثناء محاولته الفرار إلى الأردن ومعه 100 مليون دولار وكانت زوجته قد ضبطت ايضاً على معبر رفح عند الحدود الفلسطينيّة الأردنيّة ومعها مبالغ ماليّة طائلة. وتؤكد تقارير هيئة الرقابة والمجلس التشريعيّ أنّ العديد من الوزراء الفلسطينيّين قاموا بتحويل مبالغ ماليّة من موازنات وزاراتهم إلى حساباتهم الخاصة.
في كثير من الصفقات, جمع لصوص م . ت . ف الفساد إلى الخيانة وأبرز وقائع هذا النوع من الجمع, واقعة إستيراد شركة “القدس” التي يملكها آل قريع لمادّة الإسمنت من إحدى الشركات المصريّة العامّة في بني سويف بزعم أنّها ستستخدم لبناء المنازل للفلسطينيّين في أراضي السلطة الوطنيّة بينما هي في الحقيقة تباع للشركات الإسرائيليّة العاملة في مشروع إنشاء جدار الفصل الذي تقيمه اسرائيل داخل أراضي الضفّة الغربيّة والذي يتباكى عنده القادة السياسيّون الفلسطينيّيون, ومنهم قريع نفسه!, أمام شاشات التلفزة عند كلّ مناسبة وطنيّة وأحياناً بدون مناسبة. وقد انكشفت هذه الفضيحة عندما وثّقها وبثّها التلفزيون الإسرائيلي في 10 شباط 2004 في تقريرٍ أشار فيه الى أنّ شركة القدس تؤمّن الإسمنت لصنع القواطع الخرسانيّة للجدار الذي يمرّ جزءٌ منه على بعد ثمانية أمتار من منزل أحمد قريع نفسه في بلدة أبو ديس ويفصلها عن مدينة القدس. وعرضت القناة العاشرة التلفزيونيّة الإسرائيليّة فيديو لشاحنات تحمل مزيجاً إسمنتياً تغادر موقع شركة القدس بإتّجاه مستوطنة معالي آدوميم الواقعة على بعد كيلومتراتٍ قليلة. كما ذكرت القناة أنّ برلمانيّاً فلسطينيّاً لم يشأ الكشف عن اسمه قد صرّح لها أنّ هناك “دلائل” على أنّ قريع يبيع الإسمنت إلى مستوطنة معالي آدوميم. وأضاف أنّ قريع قد قام بتحويل ملكيّة شركته الى عضوٍ آخر في عائلته قبل أشهرٍ قليلةٍ, وتابع البرلماني الفلسطينيّ أنّ ذلك يعزّز الشكوك بأنّ قريع كان متورطاً في نشاطاتٍ غير مشروعة.
بعد انكشاف هذه الفضيحة شكّل ما يسمّى بالمجلس التشريعيّ الفلسطينيّ لجنةً للتحقيق بهذه “المزاعم” برئاسة النائب حسن خريشة, وتوصّلت لجنة التحقيق هذه إلى أنّه لا يوجد أيّ دليل على أنّ إسرائيل قد استخدمت إسمنت قريع في بناء الجدار! وهو يشبه القول أنّ قريع قد استورد الإسمنت المصريّ للإسرائيليّين لكن ربما أنّ إسرائيل لم تستخدم إسمنت قريع في بناء الجدار. وكان قريع وقتها رئيساً للوزراء وقد بقي في منصبه هذا على مدى حكوماتٍ ثلاث, كما كان قد تولّى في السابق رئاسة المجلس التشريعيّ بين سنوات 1996-2003 وهو حالياً عضوٌ في اللجنة التنفيذيّة لمنظّمة التحرير إضافةً إلى كونه رئيساً للجنة القدس فيها. وهو إلى ذلك أحد أشدّ المناهضين للمستوطنات الإسرائيليّة وللجدار الفاصل ويقود جهوداً لتأمين دعمٍ دوليٍّ إلى جانب الموقف الفلسطينيّ.
أمّا في الجانب القضائيّ والدينيّ فيبنغي أن نذكر على سبيل المثال قصّة الشيخ المعمّم تيسير التميمي واختلاسه مبلغ 550.000 دولار من حساب مجلس الأيتام وتحويله إلى حسابه الشخصيّ. وقاضي القضاة هذا اضطرّ عبّاس إلى إقالته في حزيران 2010 إثر فضيحة الوثائق التي سرّبها ضابط المخابرات المنشق فهمي شبانة بعد خلافاتٍ ماليّة مع مسؤوليه. إلى جانب هذه الوثائق كان شبانة قد كشف ايضا للقناة العاشرة الإسرائيليّة عن فيديو رفضت قناة الجزيرة عرضه, كان جهاز المخابرات الفلسطينيّة قد قام بتصويره سرأ للمدعو رفيق الحسيني رئيس مكتب محمود عبّاس يبدو فيه وهي يتبجّح ويؤكّد لإمرأةٍ فلسطينيّةٍ تقدمّت على ما يبدو من سياق الحديث, بطلب توظيف في السلطة, بأنّ محمود عبّاس ليس سوى لعبةٍ بين يديه وأنّه قادرٌ بسهولةٍ على استصدار قرارٍ رئاسيٍّ بتعيينها. ثم يبدو الحسيني في آخر الفيديو عارياً ومستلقيّاً في سرير المرأة منتظراً حضورها لدفع ثمن التوظيف وفي هذه اللّحظة يدخل عليه ما أُعلن لاحقاً أنهم شبابٌ تابعون لجهاز المخابرات. من الواضح أنّ أجهزة المخابرات الفلسطينيّة تقوم بتجهيز هكذا فيديوهات لكبار الموظفين لجعلهم طوع أياديهم على طريقة المخابرات الإسرائيليّة كما تعرضها الأفلام المصريّة. رغم أنّ هذا المشهد الجنسيّ يبيّن بوضوحٍ صارخٍ وبدون أدنى شكٍّ أنّ رفيق الحسيني كان يبتزّ المرأة الفلسطينيّة طالبة التوظيف ويجبرها على معاشرته جنسياُ مقابل توظيفها وهذا هو أقصى درجات السقوط الأخلاقي الذي ما بعده سقوط, إلّا أنّ عبّاس خاطبه في بيان إقالته الذي تلى الفضيحة قائلاً: “أشهد بأدائكم المتميّز والملتزم في القيام بواجباتكم المهنيّة طوال فترة عملكم كرئيسٍ لديوان الرئاسة والنتائج القيّمة التي تحقّقت في أداء مؤسّسة الرئاسة” وأضاف:”إنني لم أجد في تقرير لجنة التحقيق ما يشير إلى استغلال موقعكم في الوظيفة العامّة لتحقيق منافع شخصيةٍ أو أيٍّة ابتزازات من ايّ نوعٍ كان“! (لماذا أقاله إذن)
لإنْ كانت دول الحداثة تعتمد الشفافيّة الماليّة فإنّ شفافيّة دول الموز هي خلاف اللصوص على اقتسام الغنائم. فإضافةً إلى تحويل ملف محمد دحلان إلى القضاء الفلسطينيّ بتهمة الفساد, قامت أيضاً لجنة مكافحة الفساد (الفاسدة بدورها) والتي شكّلها عبّاس لمقارعة خصومه السياسيّين عبرها, بتحويل محمد أرشيد الكردي الذي كان ياسر عرفات قد ائتمنه على إستثمار ملياريّ دولار إلى القضاء بنفس التهمة. على أثر هذه الخطوة, كشف أرشيد عن أنّ حجم ثروة محمود عبّاس بلغ 100 مليون دولارا, إضافةً إلى 27 مليون دولار هي أثمان عقاراتٍ يملكها عبّاس في الأردن وتونس موضحاً أنّ عبّاس يتلاعب بالمال العام ويتلقّى الرشاوى كما أنّه كان يجمع الملايين من المؤسّسات الفلسطينيّة وغير الفلسطينيّة عند كلّ انتخاباتٍ إسرائيليّةٍ بحجّة دعم القوائم العربيّة ولا من رقيبٍ أو حسيب. ولعلّ هذه ال 100 مليون دولار هي أخفّ أوزار ملك اللصوص هذا فعلي بابا له عدا الأربعين حراميّاً ولدان فاقاه في اللصوصيّة.
إبتلى الله سوريا برامي مخلوف القائم على غسيل أموال آل الأسد والمعرف بالمستر خمسة بالميّة وهي النسبة التي يقتطعها من أيّة مشروعٍ يقام في سوريا وهو أيضاً صاحب الأيادي البيضاء حيث أعلن في مؤتمرٍ صحفيٍّ عقده بعيد اندلاع الثورة السوريّة بأنّه سيتخلّى عن كامل ثروته البالغة 5 مليارات دولار حسب التقديرات الأميركيّة ويكرّسها للأعمال الخيريّة, وكان العمل الخيريّ الوحيد الذي قام به هو تأسيس جمعيّة البستان التي تعمل على دفع رواتب الشبّيحة الذين يقتلون الشعب السوريّ ويحمون مصالح صاحب الأيادي البيضاء ومصالح ابن عمته وشريكه بشار الأسد. أمّا في أراضي السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة فقد شاء الله أن يبتلي السكّان بضعف ما ابتلى به السوريّين فرماهم بإثنين من نوع رامي مخلوف هما السيد ياسر محمود عبّاس والسيد طارق محمود عبّاس.
نشرت مجلّة الفورن بوليصي التي تعنى بالشؤون السياسيّة العالميّة بتاريخ 5 حزيران 2012 تحقيقاً كتبه الصحفي جوناثان شانزر يتعلّق بالفساد داخل السلطة الفلسطينيّة , ولأهميّة المعلومات وندرة المصادر ذات المصداقيّة سيكون إقتباسي من ذلك التحقيق طويلاً: “إنّ ياسر محمود عبّاس, الذي يحمل الجنسية الكنديّة ودرس الهندسة في جامعة ولاية واشنطن في الولايات المتّحدة الأميركيّة عام 1983 وعمل بعدها لدى شركة انشاءات خليجية لأكثر من عشر سنوات إلى ان عاد عام 1997 إلى رام الله وانشأ شركاته الخاصة “. وتابعت المجلّة تقول نقلاً عن تورنتو ستار إحدىأكثر الصحف الكنديّة انتشارا: “أنّ ياسر الآن يمتلك شركة فالكون توباكو التي تحتكر بيع جميع السجائر الأميركيّة في أراضي السلطة الوطنيّة كما انه يترأّس مجموعة فالكون القابضة وهي تكتل شركاتٍ وتمتلك شركة فالكون للمقاولات الكهربائيّة والميكانيكيّة وهي شركة هندسيّة تأسّست عام 2000 ولها فروع في غزة والضفّة الغربيّة والأردن وقطر والإمارات العربيّة المتّحدة“. وتابعت المجلّة المعروفة بمصداقيتها تقول: “هذا النجاح الذي حقّقه ياسر محمود عبّاس في عالم الأعمال ما كان ليتمّ لولا مساعدةٍ من العم سام وفقاً لسلسلة تقارير نشرتها وكالة رويترز للانباء عام 2009 حيث تلقّى من هيئة المساعدات الأميركيّة عام 2005 مبلغ 1.89 مليون دولار لإنشاء نظام مجارير في مدينة الخليل في الضفّة الغربيّة“. وتابعت الصحيفة نقلاً عن نبذةٍ كتبها ياسر في الإنترنت عن نفسه “أنّ مجموعة فالكون القابضة لها أذرعٌ أخرى إضافية منها شركة خدمات الإتصال العالميّة وشركة فالكون للإستثمارات العامّة ولقد سبق له ان تفاخر في مقابلة مع مجلة إماراتية, والكلام لا يزال للفورن بوليصي : “إنّ إيرادته السنويّة تبلغ ما يقارب ال35 مليون دولار“. وتتابع : “هذه ليست كلّ شركات ياسر فإنّه مدرجٌ في لائحة شركة “رصد مخاطر الإئمتان” ومقرّها في نيويورك بصفته أيضاً رئيس شركة المشرق للتأمين والتي لها 11 فرعاً في أراضي السلطة وقيمة هذه الشركة حسب البورصة الفلسطينيّة هي 3.25 مليون دولار“. وأخيرا, تضيف المجلة “فإنّ ياسر هو المدير العام لشركة فيرست أوبشن للإدارة والانشاء, والتي يبدو حسب ما جاء في الموقع الإلكترونيّ للشركة بانها تقوم بالكثير من المشاريع العامّة بعقود مع السلطة الوطنيّة كالطرق والمدارس ولها فروع في عمّان وتونس والقاهرة والجبل الأسود ورام الله ولقد أوردت وكالة رويترز للانباء ان هذه الشركة ايضاً تلقّت ما يقارب 300.000 دولار من المساعدات الأميركيّة ما بي العامين 2005 و 2008 اي بما يعادل 100.000 دولار سنوياً”.
تتابع الفورن بوليصي: “من حقّ إبن الرئيس ان يستثمر في مشاريع فلسطينيّة ولكنّ السؤال هو ما إذا كانت قرابته تلك هي العامل الرئيس في الإعتمادات والعقود التي يحصل عليها من السلطة الوطنيّة , وهو قلقٌ تعزّزه حقيقة ان ياسر يقوم أحياناً بمهام رسميّة في السلطة الوطنيّة حيث سبق له عام 2008 ان زار جمهورية قزاخستان بصفته مبعوثاً خاصاً للرئيس الفلسطينيّ كما انه يقوم , وفقاً لمصدر رسمي في إدارة بوش السابقة بمرافقة ابيه بانتظام في رحلاته الرسميّة . ثم تنتقل المجلة في تحقيقها إلى طارق عبّاس وتصفه بانه أقلّ ميلاً من أخيه الأكبر للعب دورٍ سياسيٍ ولكنه لا ينقص عنه طموحاً في عالم الأعمال . شركته الرئيسة, وهي ” سكاي للإعلان ” حقّقت أرباحاً قدّرت ب 7.5 مليون دولار في العام 2012
وهذه الشركة أيضاً عملت لصالح الحكومة الأميركيّة فقد ذكرت وكالة رويترز للانباء في العام 2009 ان شركة ” سكاي للإعلان ” تلقّت أيضاً بدورها من وكالة المساعدات الأميركيّة مبلغ 1 مليون دولار أميركي مقابل ان تعمل على تعزّيز سمعة الولايات المتّحدة عند مواطني أراضي السلطة الفلسطينيّة! عبّاس الصغير هذا يمتلك ايضاً شركة ”مراكز التسوق العربيّة” وقيمتها في سوق البورصة الفلسطينيّة تبلغ 4.2 مليون دولار وتملك الآن (بتاريخ صدور التحقيق) مركزين للتسوق وثلاثة سوبرماركت ومركزين ترفيهيين في الضفّة الغربيّة وهذه الشركة هي ذراع من أذرع الشركة العملاقة ” شركة الإستثمار العربيّة الفلسطينيّة ” والتي كانت أرباحها في عام 2010 اكثر من 338 دولارا اميركيا . كما يمتلك عبّاس الصغير هذا شركة ” يونيبال للتجارة العامّة ” والتي تمتلك 4500 مركز بيع في أراضي السلط .
تختم مجلة الفورين بوليسي : “منذ انطلاقة الربيع العربيّ عام 2010 بدأ الاخوين ياسر وطارق محمود عبّاس بالإختفاء تدريجيا عن الانظار . وفي الوقت الذي يجري فيه محاكمة أبناء القادة الأقوياء العربيّ فان التساؤلات عن مشروعية الثروة التي جناها الاخوان عبّاس لن تغيب أبداً”.
لم يكن الفلسطينيّ العادي قبل نشوب خلاف عبّاس – دحلان واحتدام صراعهما على السلطة يجهل ان كليهما لصٌ غير ظريف كما لم ينتظر الإتهامات المتبادلة بينهما بالفساد ليدرك ان كليهما فاسد . فقد كان الغزاوي الفقير البسيط يرى بأمّ عينيه قصر محمد دحلان رئيس جهاز الأمن الوقائي السابق في غزة والذي اشتراه من رئيس بلدة غزة السابق رشاد الشوّا بمبلغ 600 ألف دولار. وأغلبنا الان بات يعلم ان دحلان يمتلك برجاً سكنياً في دولة الإمارت العربيّة المتّحدة حيث يقيم في كنف ورعاية أميرها, إضافةً إلى إطلاقه مؤخراً محطةً تلفزيونيّة فضائية أطلق عليها اسم الغد العربيّ ويبدو انها ستكون منصّته لمخاطبة الجمهور الفلسطيني الذي غالباً سيقع في غرامه لاحقاً كما وقع الشعب المصري في غرام السيسي وذاب مطران الأقباط عشقاً به. كيف لا وهو رضيع الأمير ابن الأمير وصاحب أجمل تسبيلة شعر بين الأسرى المحرّرين. أما عدوه اللدود اللواء جبريل رجّوب رئيس جهاز الأمن الوقائي في الضفّة الغربيّة والذي قرّبه عبّاس وجعله من بطانته ليضرب به دحلان فقد اختار السلك الرياضي بدلاً من مهنة البحث عن المتاعب واصبح رئيساً للجنة الأولمبية الفلسطينيّة وكذلك رئيساً لإتحاد كرة القدم الفلسطينيّ ولا أدري إذا ما كان لا يزال يطمح بإضافة حقيبة وزارة المطاحن إلى ممتلكاته الشخصيّة. كلّ ما أرجوه هو ان لا يعيّنوه حارس مرمى. فعندما اقتحمت القوّات الإسرائيليّة رام الله في نيسان العام 2002 وهاجمت المقرّ الرئيس للأمن الوقائي الذي يقوده الرجوب حيث كان يتواجد اكثر من 400 فرد, ودكّته بالمدفعية والدبابات لإجبار خمسين مطلوباً احتموا داخل المبنى كان الرجوب يدير المعركة عبر الهاتف وشاشة الجزيرة بعد ان ترك المئات لمصيرهم. وقبل ذلك إختار الرجوب زمن عرفات, الجدعنة والفتوَنة وتولّى السهر على أمن وحماية كازينو أريحا وأشرف فيه على المقامرين والمقامرات ونال منه الكثير من الدولارات والشيكلات.
ان استشراء الفساد وانعدام النزاهة في السلطة الوطنيّة, الموروثين من فساد م . ت . ف . وحركة فتح لا يقتصرا على أجهزتها الأمنيّة ومؤسّساتها التنفيذيّة والقضائيّة بل يمتد ليشمل المؤسّسة التشريعيّة (المجلس الوطني) المفترض ان يكون الجهاز الرقابي على أداء بقيّة السلطات وأبلغ مثال عن فساد هذه المؤسّسة ”الرقابية ” هو روحي فتّوح رئيس المجلس التشريعيّ ورئيس السلطة الفلسطينيّة في الفترة ما بين وفاة عرفات وانتخاب محمود عبّاس و الذي اوقفته السلطات الجمركيّة الإسرائيليّة في آذار 2008 أثناء عودته من الأردن إلى الضفّة الغربيّة وفتّشت سيّارته الدبلوماسية فضبطت فيها 3400 جهاز هاتف نقّال من أحدث الموديلات قُدّر ثمنها باكثر من 400.000 دولار كان يحاول تهريبها من الأردن بهدف بيعها في الأسواق الفلسطينيّة وجني الأرباح الضخمة من القيمة الضريبية غير المدفوعة والتي تجبيها السلطات الإسرائيليّة لصالح السلطة الفلسطينيّة.
لقد بحثنا في ما سبق البنية الإقتصاديّة لسلطة علي بابا والأربعين حرامي . وفصّلنا قبلها البنية القضائيّة والروحيّة عند الحديث عن قاضي القضاة الشيخ تيسير التميمي, وكذلك بيّنا شكل البنية الإداريّة كما رواها مدير مكتب عبّاس في سرير طالبة التوظيف, والتجارية في إسمنت قريع عدو الجدار اللدود. كما تطرقنا لبنية الأجهزة الأمنيّة عند دحلان ورجوب, كما تعرّضنا لقوانين التعويضات الوظيفية في رواتب سهى الطويل ثم عرّجنا على كبيرهم الذي علّمهم السحر وولديه صاحبيّ الأيادي البيضاء. وكان مسك الختام وصف البنية التشريعيّة عند رئيس المجلس التشريعيّ روحي فتوح . بقي ان نمرّ مرور الكرام على مؤسّسة “الرئاسة” والأداء السياسيّ بمجمله.
—————————————–
إن الكمّ الهائل من الفساد الماليّ والإداريّ لا يمكن ان ينتج عنه سوى أداء سياسيٍ ركيكٍ وطفولي. فبعد خمسين عاماً من ”النضال” وعشرات الآلاف من الشهداء المدنيّين ومثلهم من العسكريّين (لم يكن بين الصنفين ابناً لقائدٍ فلسطينيّ واحد) وعشرات المعارك والحروب الكبيرة والصغيرة (أغلبها ليست مع إسرائيل) كانت النتيجة انهم أهدوا الشعب الفلسطينيّ قائمقاميتين مضحكتين وسمّوهما وطناً واصطنعوا له رئيساً وعلماً ونشيداً وطنيّاً وحرساً وطنيّاً يستعرضه الرئيس كلّما دقّ الكوز بالجرة. يأكل هذا الوطن ويشرب ويتنقل ويتكهرب ويستشفي عبر المعابر الإسرائيليّة ويتلقّى موظفيه وشرطته وقادته رواتبهم من وزارة المال الإسرائيليّة بل حتى البنادق التي يحملها أفراد الحرس الوطني الذي يستعرضه الرئيس أتت من مستودعات وزارة الدفاع الإسرائيليّة وما على الرئيس وجوقته من اللصوص سوى ان يغسلوا أرجلهم ويدخلوا. ففيما اصبحنا هنا؟
ان أبسط قواعد علم السياسة وربما أوّلها تفيد بانك لا تستطيع ان تحقق في المفاوضات ما لم تستطع تحقيقه أثناء الحرب. فنتيجة أية مفاوضات سلمية في الماضي والحاضر والمستقبل هي مجرّد انعكاس للظروف العسكريّة المحيطة بالمفاوضين اثناء تفاوضهم. وإذا نظرنا إلى تاريخ منظّمة التحرير العسكريّ نرى انها (رغم كل الأشعار والشعارات والأغاني والاناشيد الوطنيّة) لم تربح أيةَ حربٍ منذ تاريخ انشائها. فالقادة اللصوص لا يصنعون سوى الإنكسارات. خسرت م . ت . ف . حرب أيلول 1970 التي خاضتها ضد الجيش الأردني أو بالأحرى التي خاضها الجيش الأردني ضدها وانتهت بانسحاب المنظّمة من الأردن في تموز 1971 وذلك بعد ان كادت الفصائل الفلسطينيّة ان تقوّض سلطة الملك حسين بن طلال وتحقق السيطرة الكاملة على الأردن بعد أن رفعت الشعار الشهير ”كلّ السلطة للمقاومة” كما عادت وفعلت في لبنان. فبعد الإسحاب من الأردن بخمس سنوات إضطرت هذه الفصائل بعد ان أفلحت في تقويض السلطات الرسميّة في لبنان إلى خوض حربٍ أهليّةٍ لم تبقِ ولم تذرِ لا حجراً ولا بشراً, قتل فيها وجُرح وتهجّر مئات الآلاف من الفلسطينيّين واللبنانيّين واستمرت دون ان يحقّق أحد من الطرفين أية نصر منذ العام 1975 حتى لحظة خروج الفصائل الفلسطينيّة من بيروت صيف عام 1982 ولم تنتهِ الحرب الأهليّة اللبنانيّة يومها إنما انتهى دور هذه الفصائل فيها إلى حين.
في العام 1977 وبعد الموافقة الإسرائيليّة, أعطت أمريكا الضوء الأخضر للنظام السوريّ بدخول مدينة صيدا بعد ان كان قد دخل لبنان قبل سنة من ذلك التاريخ. أعلنت القيادة الفلسطينيّة رفضها لهذا الدخول بإعتبار مدينة صيدا معقل الفصائل الفلسطينيّة الرئيس في لبنان وحين أرسل الجيش السوريّ سَرية دبابات إلى داخل المدينة قامت القوّات الفلسطينيّة بإستهداف السرية بصواريخ الآر بي جي ودمرتها واندلعت على أثر هذه العمليّة حرباً سورية فلسطينيّة في بلدة جزين الجبلية المشرفة على مدينة صيدا وانتهت المعركة بانسحاب المقاتلين الفلسطينيّين من صيدا ودخول جيش الأسد إلى المدينة.
في آذار 1978 شنّت إسرائيل ما أسمته ”عمليّة الليطاني” وأعلنت ان تلك العمليّة تهدف إلى دفع الفصائل الفلسطينيّة إلى شمال نهر الليطاني وتشكيل حزامٍ أمنيٍّ لها في المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني اللبناني بعرض 10 كيلومترات وقد تمّ لها ذلك خلال ساعتين فقط!.
أوائل حزيران 1982 شنّت إسرائيل ”عمليّة سلامة الجليل”, وابتدأت هجومها البري في 6 حزيران فاستطاعت ان تسيطر على كامل الجنوب اللبناني حيث التواجد الرئيس للقوّات العسكريّة الفلسطينيّة خلال نفس اليوم وكان تناول الجنود الإسرائيليين عشاءهم في مدينة صيدا معقل قوّات القسطل اكبر ألوية حركة فتح, قد سجّل رقماً قياسياً في سرعة تقدم الأليات العسكريّة في الحروب لم يكسره سوى الرقم الذي سجّله الحاج إسماعيل قائد قوّات القسطل أثناء فراره من مدينة صيدا عبر مدينة جزين ومنها إلى منطقة البقاع اللبنان تاركاً من لم يستطع الفرار من مقاتليه في مهب الرياح الإسرائيليّة. بعد إستراحة يومين كان الجيش الإسرائيلي قد وصل إلى بلدتيّ المختارة وبعقلين معقليّ الدروز وقوّات الحزب الوطني الإشتراكي التابعة لوليد جنبلاط حليف الفلسطينيّين وأحد شركائهم في ما كان يعرف بالقوّات المشتركة التي تكوّنت من مجموع الفصائل الفلسطينيّة والفصائل اللبنانيّة الحليفة لها. وبوصول قوّاتها إلى بعقلين البلدة الجبلية المشرفة على مدينة بيروت والواقعة على الطريق الذي يربط بيروت بالبقاع كانت إسرائيل قد أطبقت كليّاً على العاصمة اللبنانيّة وفيها قادة الفصائل مع ما تبقى من المقاتلين محاصرين لا مفرّ لهم . كانت المعلومات المسرّبة عبر دول ” حليفة ” تؤكّد ان القوّات الإسرائيليّة سوف لن تتجاوز بلدة الزهراني الجنوبية والتي تقع مدينة صيدا إلى شمالها, وربما عزّز من مصداقيّة هذه المعلومات خطاب للرئيس الأميركي رونالد ريغان الذي ذكر فيه ان الإجتياح سيكون بعمق ثلاثين كيلومترا. من هنا, فقد بقي من بقي من القيادات الفلسطينيّة في بيروت مطمئنين في فنادقهم وشققهم في المباني المدنيّة الفخمة البعيدة عن مخيمات اللاجئين الفلسطينيّين والأحياء اللبنانية الشعبية حيث المصب الرئيس للنيران والحمم الإسرائيليّة. في 28 حزيران اي بعد عشرين يوماً من الحصار أعلنت م . ت . ف . على لسان رئيسها المرحوم ياسر عرفات قبولها بالشرط الإسرائيلي للإنسحاب من بيروت واستمرت التحضيرات والمفاوضات المتعلقة بطريقة الخروج وأماكن الوصول لمدة أكثر من شهر وصلت على أثرها قوّات أميركية وفرنسية وإيطالية لحماية المقاتلين أثناء انسحابهم بحراً مع ضمانة شخصية لهم من الرئيس الأميركي رونالد ريغان وكان عددهم حوالي 8500 مقاتل وضابط. هكذا تمّ الانسحاب من بيروت نحو تونس واليمن والعراق وسوريا والجزائر والسودان على دفعات ابتدأت 21 آب 1982 وانتهت في ال 30 من آب تاركين ورائهم المدنيّين الفلسطينيّين الذين عانوا الويلات في مخيماتهم بسبب هذه الفصائل. ثم ازدادوا ويلاتٍ جديدة بعد خروج هؤلاء المقاتلين بإقلّ من شهرٍ واحد حين اقتحمت مجموعات مسلحة من ميليشيا المقاومة اللبنانيّة (المسيحيّة) يقودها إيلي حبيقة (الوزير اللبناني لاحقاً بعد تحالفه مع النظام السوريّ والميليشات الشيعية) مخيمي صبرا وشاتيلا في 16 أيلول 1982 بُعيد اغتيال بشير الجميل المنتخب لرئاسة الجمهورة اللبناني وانتقاماً لمقتله, فأمعنوا قتلاً وبَقْراً وذبحاً بالمدنيّين العزّل دون أي تمييزٍ بين رجل أوامرأة, شابٍ أوعجوزٍ أو طفل. حتى الأجنّة لم تسلم من القتل إذ بقروا بطون امهات حبالى واستخرجوا الأجنة بالحراب. بلغت حصيلة سهرة القوّات اللبنانيّة في المخيمين ما بين 700 إلى 800 قتيل وثمة خلاف حول هذا العدد إذ ان البعض يقدّر عدد القتلى ب 3500 ضحيّة ما بين فلسطينيّين ولبنانيّين مقيمين في المخيمين أو على تخومهما.
بعد هذه المقتلة التوراتية تبيّن لاحقاً ان منفّذ عمليّة اغتيال بشير الجميل هو اللبناني المسيحي حبيب الشرتوني وبأوامرٍ من حزبٍ لبناني هو الحزب القومي السوريّ, إنما سبق السيف العذل. وقد قفز إيلي حبيقة لاحقاً من تحت عباءة الإسرائيليين ليتدثّر بعباءة النظام السوريّ وأصبح أحد أكبر حلفائه وتوافق مع نبيه برّي ووليد جنبلاط أواخر العام 1985 على ما عرف ب “الإتفاق الثلاثي” الذي وقّع في دمشق وبطلبٍ منها وشكّل عملياً صكاً لنقل السلطة في لبنان كليّاً إلى أجهزة المخابرات السوريّة عبر حلفائها القديمين والمستجدين مثل الوزير حبيقة. وقد قتل هذا الحليف الجديد لسوريا ”المقاومة” لاحقاُ بتفجيرِ نفذته إحدى الميليشيات اللبنانيّة النافذة الموالية للنظام السوريّ في كانون الثاني 2002 وذلك تجنباً لإحراج هذا النظام بعد انكشاف دور حبيقة الرئيس في ارتكاب مذبحة صبرا وشاتيلا عن طريق أحد مرافقيه الخاصين الذي لجأ إلى فرنسا, واتجاه المحكمة العليا البلجيكيّة نحو استدعائه بعد ان نجح ناشطون في جعل القضاء البلجيكي ينظر في تلك القضية.
بلغ عدد ضحايا إجتياح 1982 أو ”عمليّة سلامة الجليل” من اللبنانيّين والفلسطينيّين أكثر من 55000 بين قتيلٍ وجريح معظمهم من المدنيّين ناهيك عن التدمير الهائل الذي لحق بجميع البلدات والقرى والمدن التي كانت تتواجد فيها الفصائل الفلسطينيّة.
إثر انسحاب منظّمة التحرير الفلسطينيّة من بيروت واختيار ياسر عرفات لتونس مقراً له, انفجر صراعٌ سياسيٌّ واستخباريٌ بين عرفات والنظام السوريّ الذي يعتاش على القضية الفلسطينيّة إقتصادياً وسياسياً ويسعى دوماً إلى إضافة بقيّة الفصائل الفلسطينيّة ألتي لم تنضوي بعد تحت جناحه, إلى حرملك أجهزة مخابراته ليستخدمها كأوراقٍ تعزّز مكانته السياسيّة وقدراته على حماية نظامه. فرأس النظام السوري على يقين بأن جيشه العلوي الفاسد لن يستطيع الصمود امام أي هجومٍ عسكريّ خارجي سواء كان من إسرائيل او العراق أو حتى الأردن والدولتان الأخيرتان كانتا ألدّ اعدائه. أما إسرائيل فكانت مرتاحة لقدرته على ضبط خط وقف إطلاق النار في الجولان وسهره على أمنها في المناطق الحدودية المشتركة مع سوريا, حيث لم يحدث حتى ولو خرقٌ وأحد خلال أكثر من سبعٍ وعشرين عاما من فترة حكمه التي تلت حرب تشرين في العام 1973.
ان إختيار عرفات الإقامة في تونس بدلاً من سوريا ضمن له حريته السياسيّة كون تونس لا مصالح مباشرة لها في الشرق الأوسط وبالتالي لن تحاول الهيمنة أو ممارسة الضغوط عليه. كما أن تلك الخطوة حرمت حافظ الأسد من الهيمنة على القرار الفلسطيني.
جاء الرد السوريّ على خطوة عرفات, كالمعتاد, إستخباريا لا سياسياً. فالسياسيّة السوريّة الحقيقيّة, وكذلك السلطة, هما في أيدي أجهزة الأسد الأمنيّة اما الوزارات والسفارات وما شابه فهي مجرد مكاتب لصغار الموظفين (مهما علا شأنهم) والذي تأتيهم التعليمات اليومية عبر أحد الرقباء او المساعدين العلويّين في الأجهزة الأمنيّة. تحت شعار المطالبة بمحاكمة الفارين من وجه الهجوم الإسرائيلي وعلى رأسهم الحاج إسماعيل المقرّب من عرفات, وبإيعازٍ من غازي كنعان رئيس المخابرات السوريّة في لبنان والذي كان يهيمن على الجزء الذي لم تكتسحه القوّات الإسرائيلية في منطقة البقاع, حيث تواجدت أغلب قيادات ومقاتلو التنظيمات الفلسطينيّة المنسحبة من كامل منطقة الجنوب اللبناني ومعظمهم من حركة فتح, اعلن كلٌّ عضو اللجنة المركزية لحركة فتح ونائب قائد قوّات العاصفة (اليساري) نمر صالح, المكنّى بأبي صالح والعقيدين سعيد مراغة (أبو موسى) وموسى محمود العملة (أبو خالد العملة) إضافةً إلى بعض صغار الضبّاط والعسكريّين في أيار 1983عن قيامهم بانتفاضة داخل حركة فتح. وأعلنوا أن انتفاضتهم تسعى إلى تصحيح نهج الحركة ومحاكمة الفاسدين فيها, وإلى ما هنالك من الشعارات الطنّانة الفارغة من المعنى. فعمليّاً كان معظم الضبّاط المنضمين لهم هم من الضفّة الغربيّة ومدينة الخليل تحديداً, فأهل الضفّة الغربيّة بغالبيتهم دائماً ما شكوا من كون أهل غزة التي يتحدّر منها عرفات يهيمنون على كافة المناصب والأموال فيما يحرمون هم من أغلبها وهذا صحيحٌ إلى حدٍ كبير. بعد مرور سنوات قليلة على “انتفاضة الخلايلة“, أضحت الإنتفاضة تنظيماً جديداً صغيراً (حجم جيب) ممولاً من العقيد السايكوباتي معمر القذافي ومسيّراً من قبل جهاز المخابرات السوريّة المعروف بإسم ”فرع فلسطين” وشكّلت تجمّعاً ضخماً للضبّاط الخلايلة بشكل خاص وضبّاط الضفّة الغربيّة بشكلٍ عام. وقد انضمّ هذا التنظيم الحديث إلى شبيهاته من التنظيمات الدائرة في فلك النظام السوري كجبهة أحمد جبريل التي ترفع شعار ”تحرير الأرض والانسان”! ومنظّمة الصاعقة التي تلاشت بفعل الانكماش وفتح المجلس الثوري لصاحبه صبري البنا وكذلك التنظيم الناشئ الذي لم يعمّر طويلاً, لجان عارف هدروس الثورية.
بعيد تأسيس هذه ”الانتفاضة” ابتدأت الضغوطات على المقاتلين والضبّاط المتواجدين في المنطقة للإنضمام إليها وبدأ الرافضون لها ينتقلون تدريجياً نحو مدينة طرابلس الخاضعة لنفوذ التنظيمات المسلحة اللبنانيّة السنيّة والأصولية بمعظمها خصوصاً تنظيم ”التوحيد الإسلامي” الذي احتفظ تاريخياً بعلاقة جيدة بحركة فتح وتلقى منها دعماً مالياً وعسكريّاً. وازداد هذا الإنتقال التدريجي سرعةً بعد قيام المخابرات السوريّة بإغتيال العميد سعد صايل (أبو الوليد) عضو اللجنة المركزيّة لحركة فتح أثناء توجهه من مدينة بعلبك نحو دمشق وذلك في 27 أيلول 1983. ثم استفحلت ضغوطات النظام السوريّ حتى انه أقدم على غير عادته على محاولة اغتيال عرفات داخل الأراضي السوريّة بالقرب من مدينة حمص ولكن عرفات نجا لعدم وجوده في الموكب المفترض ان يقلّه فيما قتل 9 من مرافقيه الذين كانوا في الموكب. ان محاولة الإغتيال هذه, التي جرت في أيار 1983 أكّدت حجم مأزق النظام الكبير في تلك الفترة ومدى استشراسه, حيث انها دبّرت ونفذّت على الأراضي السوريّة وهو أمر غير معتاد في تلك الفترة إذ طالما حرصت أجهزة النظام السوريّ الأمنيّة كلّ الحرص على ان تقوم بعمليّات تصفية خصوم النظام خارج الأراضي السورية, وغالباً في لبنان البلد الشقيق الذي تتشابك فيه وتتشابه أذرع أغلب اجهزة المخابرات العربيّة والغربيّة إضافةً إلى الإسرائيليّة والإيرانية وبالتالي يمكن بسهولة إلصاق أية أعمال أمنية يقوم بها أيٍ من الأطراف بطرفٍ آخر لإبعاد الشبهة عن نفسه.
كان حافظ الأسد موقناً بأن هزيمة القوّات الفلسطينيّة أمام اسرائيل وانسحاب فلولها من بيروت هي فرصته التاريخية بتحقيق حلمه القديم بالسيطرة الكاملة على القرار السياسيّ الفلسطينيّ والذي كان وقتها (ولا يزال) بمثابة دجاجةٍ تبيض ذهباً خصوصا في مزارع الأنظمة الشمولية التي تزعم انها تقاوم “الإستعمار” كأنظمة الأسد والقذافي وصدام حسين.
بعد نجاة عرفات من محاولة الإغتيال ووصوله إلى مدينة طرابلس دعاه رفعت الأسد إلى زيارة سوريا من جديد للقاء حافظ الأسد حيث لبّى الدعوة وأجرى مع رفعت الأسد لقاء تمهيدياً لم يتمكّن رفعت خلاله من تليين موقف عرفات في مسألة الطلب السوريّ بنقل مقر إقامته من تونس إلى دمشق ليصبح مجرد ورقة في جيب الأسد فأصدرت السلطات السوريّة في اليوم التالي للإجتماع وذللك بتاريخ 24 حزيران 1983 قراراً بطرد ياسر عرفات وخليل الوزير من الأراضي السوريّة ومنعهم من التواجد في أية منطقة تتواجد فيه القوّات السوريّة. مما عنى منعه من التواجد في لبنان وبذلك لم يعد له أية تماس جغرافي مع إسرائيل مما حدّ من قدراته على شنّ اية هجمات عليها, هذه الهجمات التي تعتبر مصدر قوّته وقوّة الفصائل المسلحة الفلسطينيّة بشكلٍ عام وحركة فتح بشكلٍ خاص.
لكن ياسر عرفات المدرك لأهميّة التواجد على الأراضي اللبنانيّة إذا ما أراد الحفاظ على قراره المستقل وسلطته ونفوذه وقدرته على استجرار المساعدات الماليّة العربيّة عاد إلى مدينة طرابلس عبر البحر وهو المنفذ الوحيد الذي لم يكن النظام السوريّ مسيطراً عليه ووصلها بتاريخ 20 أيلول 1983. بدون هذا التواجد يفقد عرفات كلّ أوراق اللعبة السياسيّة ويضحي أشبه ما يكون ببطاقةٍ بنكيّة لحسابٍ فارغ. عند عودة عرفات كانت أغلب القوّات العسكريّة التابعة له قد تجمعت في عاصمة الشمال اللبناني ومخيمي اللاجئين الفلسطينيّين المتاخمين للمدينة وهما مخيم نهر البارد ومخيم البدّاوي الأصغر حجماً, بعد الكثير من المناوشات والإشتباكات المسلحة التي اندلع على مدى الأشهر السابقة بين القوّات المنشقة المؤيدة من مخابرات النظام السوري وتلك التي بقيت موالية لعرفات في منطقة البقاع.
بتاريخ 17 تشرين الأول 1983 اشتدّت المناوشات العسكريّة بين المنشقين عن حركة فتح, ومقاتلي أحمد جبريل في تنظيم القيادة العامّة وقوّات جيش التحرير الفلسطينيّ التابع لنظام الأسد التي انضم حديثا إلى المعركة من جهة, ومن الجهة الثانية مقاتلي حركة فتح ومن معهم من التنظيمات الإسلامية الطرابلسية المعادية تاريخياً لنظام الأسد العلوي. كان عدد المهاجمين حوالي 5 آلاف مقاتل تدعمهم مدفعية ودبابات الجيش السوريّ وكان المقاتلون في الجهة الأخرى أيضاً بنفس العدد إذا احتسبنا مقاتلي جبهة التوحيد الإسلامي اللبنانيّين. ولقد كانت الغلبة في هذه المعركة للنظام السوريّ وأعوانه حيث سقط مخيم نهر البارد بتاريخ 6 تشرين الثاني وما لبث ان لحق به مخيم البداوي بتاريخ 25 تشرين الثاني. عندها أطبق المهاجمون الحصار على مدينة طرابلس ومرّة أخرى أُستدعيت الوساطات العربيّة والدولية وتمّ تهديد الأسد بقطع المساعدات الكويتية فأذعن للضغوطات وقبل بوقف إطلاق النار مقابل انسحاب عرفات ومقاتليه من المدينة الشيء الذي تمّ بحراً في 19 تشرين الثاني 1983 حيث غادر عرفات ومعه 4000 مقاتل على متن خمس سفنٍ يونانية ترافقهم بوارج حربية فرنسية لتأمين سلامتهم وضمان عدم خرق إسرائيل لتعهداتها بعدم مهاجمة تلك السفن. النتيجة النهائية للخسائر البشرية في تلك المعركة تجاوزت ال 1000 قتيل معظمهم من المدنيّين, ناهيك عن تدمير أجزاء كبيرةٍ من مخيمي نهر البارد والبدّاوي.
إثر انسحاب الفصائل الفلسطينيّة بحراً من بيروت بعد اجتياح 1982 بسط الجيش الإسرائيلي سيطرته على كامل العاصمة اللبنانيّة. فقد قام بالتوغل في بيروت الغربيّة بزعم وجود 2000 مسلّح فلسطينيّ بقوا في المخيّمات ولم يغادروا مع المغادرين بعد ان كان قد استقبل في بيروت الشرقية إستقبال الأبطال من قبل حلفائه في حزب الكتائب وذراعه العسكريّة ”القوّات اللبنانيّة” وتمّ عقد إتفاقية سلام بين إسرائيل والدولة اللبنانيّة اطلق عليها إتفاقية 17 أيار.
كان لذلك الإتفاق متربصّون كثر فلبنان قائم على معادلات توازن طائفي هشّة وأجهزة دولته المدنيّة والعسكريّة والتشريعيّة هي مجرد واجهات ديموقراطية حداثية يحبّ اللبنانيون ان يتغنّوا بها حبّهم للزجل والتبّولة والكبّة النيّة أما السلطات الحقيقيّة فهي في أيدي زعماء الطوائف والمذاهب الدينيّة المتعددة. أقوى هذه الطوائف عدةً وعديداً وتسليحاً هي الطوائف المارونية والشيعيّة والدرزية والسنيّة, والأخيرة غالباً ما ينوب عنها في المعارك الطائفية الصغيرة مسلحو الفصائل الفلسطينيّة كونها لم تسعَ إلى تسليح نفسها إلا لماماً وعلى مستوىً اصغر بكثير من الطوائف الثلاثة الأخرى وكون الفلسطينيّون بأغلبيتهم هم مسلمون من الطائفة السنيّة.
أغفل القائمون على إتفاق 17 أيار والموقعون عليه عاملاً رئيساً هو التحضيرات الجارية في إيران لتصدير ثورتها الدينيّة بعد نجاحها في عزل الشاه وتولّيها سدّة الحكم في بلدٍ عائمٍ على بحرٍ من النفط وغارقٍ في تراثٍ دينيٍّ صارمٍ وعارم ما لبث ان ازداد شدّةً بعد وصول الإمام الخميني إلى السلطة ومعه الكثير من الأئمة التي يكاد الشيعة في المتناثرين في أرجاء الدول العربيّة أن يعبدونهم. لقد اكتسب آيات الله قداستهم من كونهم جميعاً ينتمون, نظرياً, لآل البيت المحمّدي وايضاً لتبنّيهم مبدأ “ولاية الفقيه” الذي يتوافق عليه أئمة الشيعة الإثني عشريّة.
تعتبر العقيدة الإثنا عشري ان الإمام محمد بن الحسن وهو ابن الإمام الحادي عشر الحسن العسكريّ قد إختفي في ما يسمونه الغيبة الكبرى وسيعود آخر الزمان ليقيم العدل وينشر الإيمان في الأرض. وكان من عادة هؤلاء الأئمة ان يرسلوا عنهم وكلاءً لهم إلى العشائر والقبائل الموالية لهم ليجبوا من الناس ما يطلق عليه إسم الخُمس, أيّ حصّة رسول الله وأقربائه السنويّة من أموال المسلمين سلماً ونفس النسبة من غنائم جيوش الإسلام حرباً. ويعتبر الوليّ الفقيه عندهم النائب الحاليّ للإمام محمد بن الحسن, أو المهدي المنتظر, المختفي في أحد السراديب منذ أكثر من ألف سنة وهو على إتصالٍ دائمٍ به و يجمع له خمس أموال شيعته ويتزوّد منه بالوصايا والأحكام في شتى المجالات دينيةً كانت أم سياسية أم إقتصادية. هذه السلطة الدينيّة للولي الفقيه الإيراني مضافٌ إليها الثروة النفطية لإيران وطموحاتها الإقليمية جعلت من الطوائف الشيعية في البلدان العربيّة وخصوصا في لبنان, طوائفاً تابعةً لها تدور في فلكها وتعيش تحت جناحها وتتسلّح بأسلحتها وتبنى بأموالها أحزابها. كما انها تنفّذ لها مآربها كون مشيئة الولي الفقيه نائب الإمام المهدي هي مشيئةٌ مقدّسةٌ تتأتى من السماء نفسها لا من القوانين الوضعية الأرضية. وقد كان المدخل الأساس إلى كلّ هذا النفوذ في المنطقة منطقياً ومجرباً إذ أنه هو نفسه الطريق الذي سار عليه الطغاة العرب لتثبيت إستبداداتهم وعنوانه “مقاومة الإحتلال الإسرائيلي”.
إثر توقيع إتفاقية 17 أيار بدأ الجيش الإسرائيلي انسحاباً تدريجيا في أيلول 1983 إلى خط نهر الأولي, البوابة الشماليّة لمدينة صيدا الجنوبيّة. ومع هذا الإنسحاب انكشفت بيروت من جديدٍ على جبل لبنان معقل الدروز التاريخي بزعامة آل جنبلاط ومقاتلي تنظيمه المسمّى الحزب التقدمي الإشتراكي والذي واجه الموارنة عسكريّا على مدى سنين الحرب الأهليّة اللبنانيّة ومعه حلفاؤه في الفصائل الفلسطينيّة اليسارية المدعومة من سوريا. وكذلك تنفّس الصعداء شيعة حزام البؤس الجنوبي للعاصمة اي الضاحية الجنوبية. كان للشيعة المتمثّلين في حركة أمل والدروز والفصائل الفلسطينيّة المرتبطة بالنظام السوريّ منبعان لا ينضبان من المال والسلاح هما وليّ إيران الفقيه الساعي إلى تهيئة الظروف لعودة الإمام المهدي للأولى وفقيه ليبيا الساعي إلى المجد للأُخرتين الأخيرتين. وكذلك حظوا جميعا بالغطاء السياسيّ والعمق الجغرافي ومعبر الدعم اللوجستي الذي يؤمنه حافظ الأسد الساعي من جديد لإعادة الإمساك بورقة لبنان ساحته الخلفية, سعيه إلى الإمساك بورقة فلسطين.
كان وليد جنبلاط ومسلّحوه وحلفاؤه الفلسطينيّون أول المنتفضين على الدولة اللبنانيّة المارونية العتيدة بعد لقاء بينه وبين حافظ الأسد اندلعت على أثره أشد المعارك هولاً وفظاعة منذ اندلاع الحرب الأهليّة عام 1975 لكثرة المجازر المتبادلة بحق المدنيّين في القرى المسيحيّة والدرزية المتجاورة في جبل لبنان. وقد انطلقت شرارة هذه الحرب قبل الانسحاب الإسرائيلي من الجبل على شكل مناوشاتٍ مسلّحةٍ متبادلة بين المسيحيّين والدروز لكن تأجيجها وتحويلها إلى حربٍ شاملةٍ بعد الإنسحاب كان بقرارٍ سوريٍ وقد قال عنها جنبلاط: “حرب الجبل كانت نتيجةً لثلاثة قرارات التقت في وقتٍ واحد. قرارٌ إتخذته انا وقرارٌ سوريٌ وقرارٌ سوفياتيّ”.
باتت الفصائل الفلسطينيّة التي قاتلت إلى جانب القوّات الدرزية بمشاركتها هذه على قاب قوسين من مدينة بيروت التي تحنّ إليها وإلى عيشها الرغيد. بعد أشهرٍ من الإنتظار إذن, بدا طريق بيروت مفتوحاً من جديد أمام الفلسطينيّن والدروز ومعهم الشيعة في حركة أمل فانقضت هذه القوّات مجتمعةً على مواقع الجيش اللبناني المتهالك والتنظيمات المسيحيّة المسلحة المتواجدة في بيروت الغربيّة بتاريخ 6 شباط 1984. وما لبث اللواء السادس ( الشيعي ) في الجيش اللبناني ان انشقّ عن الجيش وخاض المعركة إلى جانب حركة أمل الشيعية (تشكّلت ألوية الجيش اللبناني من لونٍ طائفيٍّ واحد و كلّ لواء يتبع لطائفة معيّنة) فاضطرت المليشيات المسيحيّة والجيش اللبناني الموالي لها إلى الإنسحاب إلى بيروت الشرقية لعدم قدرتهما على الصمود في بيئة معادية لهما, بينما الطرف الآخر المواجه يقاتل وسط حاضنته الشعبيّة. مع هذا الإنتصار المتحقّق على الجيش والدولة اللبنانيّة والسيطرة على جميع المرافق والمؤسّسات المتواجدة في بيروت الغربيّة سقطت الدولة وسقط معها إتفاق 17 أيار وعادت الفصائل المسلحة الفلسطينيّة إلى مخيّمات بيروت وما لبث ان تبعها ضبّاط ومقاتلو حركة فتح الذين تسربوا خلسةً وتدريجياً عبر مطاري دمشق وبيروت.
بعد مضي بضعة أشهر على عودة الفصائل الفلسطينيّة إلى مخيمات بيروت الثلاثة ”صبرا وشاتيلا وبرج البراجنة” بدأت الإحتكاكات والمناوشات المسلحة بين تلك الفصائل من جهة وحركة أمل ولوائها السادس من جهة آخرى في أيار 1985. وما لبثت ان تطورت هذه الإحتكاكات إلى معاركٍ عنيفة استمرت بوتيرة متقطعة حتى نيسان 1987 وتمّ خلالها وتحت شعار ”لا للعودة إلى ما قبل 1982” الذي رفعه نبيه بري رئيس حركة أمل, محو أغلب مساكن مخيم صبرا وتدمير 80 بالمئة من منازل مخيم شاتيلا وحوال 50 بالمئة من مخيم برج البراجنة إستناداً إلى بغض التقديرات. وقد قتل خلال سنتيّ الحرب ما يقارب ال 2500 شخصاً معظمهم طبعا من المدنيّين الفلسطينيّين اما المهجّرين من هؤلاء المدنيّين ففاق عددهم عشرات الآلاف من أهالي المخيمات بعد ان حوصروا طوال تلك لفتراتٍ طويلة.
بعد انتهاء حرب المخيّمات بدأت مقتلةٌ أخرى للفلسطينيّن من أهالي صبرا وشاتيلا إثر اندلاع معارك شرسة دارت بين التنظيمات الفلسطينيّة الموالية لسورية وحركة فتح الموالية لياسر عرفات أنتهت بإنسحاب الأخيرة إلى مخيم برج البراجنة. وما لبثت تلك المعركة ان تجددّت في برج البراجنة بين نفس الأطراف هزم فيها من جديد مقاتلو حركة فتح بقيادة سلطان أبو العينين وانسحبوا بعد عقد إتفاقٍ ضمنت خلاله الدولة اللبنانيّة وسوريا سلامتهم الشخصيّة مع عائلاتهم (وأموالهم) إلى مدينة صيدا ومخيماتها على متن عرباتٍ تابعة للجيش اللبناني. كلّفت تلك المعركة أهالي مخيم برج البراجنة حسب وكالة الصحافة الفرنسية 102 قتيلا و 464 جريحاً ناهيك عن الدمار في المنازل والبنية التحتية للمخيم.
في أوائل تموز 1991 رفضت حركة فتح وفصائل م . ت . ف أوامر السلطات اللبنانيّة بالإنسحاب من القرى المسيحيّة الواقعة شرق مدينة صيدا التي أحتلّتها أثناء معاركها ضد حركة أمل منتصف الثمانيات فقام الجيش اللبناني على أثر هذا الرفض بشنّ هجومٍ عسكريّ على مواقع الفصائل وتمكّن من إسترجاعها خلال 48 ساعة فيما انسحب الآلاف من المقاتلين والضبّاط إلى مخيّمي عين الحلوة والميّة ميّة وعادوا فاضطروا إلى تسليم اسلحتهم الثقيلة وعرباتهم العسكريّة إلى الجيش اللبناني بعد مفاوضاتٍ سريعة (قل إملاءات). وخلال أيامٍ قليلة غادر أمين سرّ الساحة اللبنانيّة علاء الأفندي ونائبه عبد المعطي السبعاوي مخيم عين الحلوة في سيارة أحد السفراء العرب, الذي عمل أيضاً على تأمين سفرهم إلى تونس عبر مطار بيروت وما لبث ان التحق بهم كبار ضبّاطهم تاركين ورائهم آلافاً من المقاتلين وعشرات الآلاف من المدنيّين المحاصرين في المخيمين دون معين ودون رواتب ودون أمل. في فترة المفاوضات “الصعبة والشاقة ” (كما يردّد دائما صائب عريقات وعرقه يشرُّ من صرمه من فرط التعب) تلك, راجعت علاء في أمرٍ شخصيٍّ سآتي على ذكره لاحقاً فقال لي أنه حالياً مشغولٌ بمستقبل شعبٍ كامل يتوقّف مصيره على نتيجة المفاوضات لأكتشف لاحقاً ان المسألة الرئيسة وربما الوحيدة في تلك المفاوضات كانت العمل على تأمين خروجٍ آمن له ولحفنةٍ من حاشيته لا تتجاوز البضعة عشرة من كبار الضبّاط.
ليست منظّمة التحرير وحدها هي من قادت الفلسطينيّين من هزيمةٍ إلى أخرى ومن مقتلةٍ إلى مقتلة بل سبقها إلى ذلك كل قادتهم السياسيّن الذين توالوا عليهم وعملوا على “استثمار” نضالاتهم منذ اللّحظة الأولى لاندلاع الصراع الفلسطينيّ الإسرائيلي. ففي 29 تشرين الثاني 1948 أصدرت الأمم المتّحدة القرار رقم 182 والقاضي بتقسيم فلسطين بين الفلسطينيّين واليهود وكانت حصّة الفلسطينيّين في التقسيم الصادر عن الإمم المتّحدة من الأراضي والقرى والمدن توازي ضعف ما ستمنحه لهم إتفاقية أوسلو إذا ما جرى تطبيقها بعد عمرٍ طويل. ولكن قيادتهم السياسيّة وعلى رأسها الحاج أمين الحسيني رئيس الهيئة العربيّة العليا ومعه قريبه عبد القادر الحسيني قرّروا ومن خلفهم الأردن ومصر وسوريا والعراق والسعودية ولبنان ان يسترجعوا الأراضي المحتلة بالقوّة فشنّوا بتاريخ 16 أيار 1948 حرباً على الميليشيات اليهودية المسلّحة انتهت بهزيمتهم الأولين. تكبد الفلسطينيون والعرب خلال تلك الحرب خسائرٌ فادحة بالأرواح جاوزت ال 16700 قتيلا بينهم اكثر من 13000 من الفلسطينيّين جلّهم كالعادة من المدنيّين إضافةً إلى تهجير أكثر من 75000 فلسطينيّ إلى دول الجوار وخسارة أكثر من ثلثيّ الأراضي الفلسطينيّة. ولن أتطرق هنا إلى الهزيمتين العربيّتين في حرب الستة أيام وحرب تشرين ”التحريرية” كون مشاركة الفصائل الفلسطينيّة فيهما كانت ضئيلة.
دائماً ما تواسقت هذه الهزائم العسكرية مع هزائم سياسية وخيارات وتحالفات تؤسّس لها, كإنحياز القيادات السياسيّة الفلسطينيّة وعلى رأسهم الحاج أمين الحسيني إلى جانب ألمانيا في الحرب العالميّة الثانية. بل وذهب الحاج أمين إلى حدّ إقامته في برلين وإشرافه على برنامجٍ ناطقٍ باللغة العربيّة وموجّهٍ إلى الشرق في إذاعة غوبلز وزير الإعلام الألماني يحرّض فيه على اليهود ويدعوا المسلمين إلى الجهاد ضدهم. وكذلك قيام القيادات السياسيّة بالإصطفاف إلى جانب الطغاة ضد شعوبهم من عبد الناصر إلى صدّام حسين إلى معمّر القذافي إلى حافظ الأسد (عدا فترات الخلاف معه) مع ما جرّته تلك المواقف من ويلاتٍ على الفلسطينيّين (فلسطينيّو الكويت مثالاً). وها هي قيادة م . ت . ف تقف الآن إلى جانب الجزّار ابن الجزّار بشار الأسد في حربه ضد شعبه مؤمنّة له الغطاء السياسيّ رغم ان بين ضحاياه عشرات الآلاف من الفلسطينيّين بينهم المئات من الذين قتلوا تحت التعذيب في سجون أجهزة المخابرات.
عندما ندرك حجم الهزائم العسكريّة مضافاً إليها كمّ الفساد الماليّ والانحطاط الإخلاقي الهائلين عند قادتنا السياسيّين والعسكريّين والذي تعلم به القوى الرئيسة في المنطقة اي إسرائيل وأمريكا, فكما تقوم أجهزة الأمن الفلسطينيّة سرّاً بتصوير أفلام لا أخلاقية لكبار موظفي السلطة بهدف التحكّم بهم فإن إسرائيل وأمريكا هما أقدر تكنولوجياً على التقاط وتسجيل هكذا أشرطة تتحكّم من خلالها بالقيادات الفلسطينيّة, عندها فقط نستطيع ان نفهم كيف ان المفاوضات الفلسطينيّة الإسرائيليّة حول تنفيذ اتفاق أوسلو لا تزال تدور وتدوردون جدوى منذ العام 1993. أيّ ما يقارب ال22 عاماً وليس في الأفق ما يشير إلى أنها على وشك الانتهاء. حتى ان كبير المفاوضين الفلسطينيّين صائب عريقات كان لا يزال صغيراً حين بدأت تلك المفاوضات وكبر خلالها. كلّ ما تستطيعه قيادة السلطة لتواجه هذه المماطلة هو التهديد بين الفينة والأخرى بإعادة تسليم هذه السلطة إلى الحكومة الإسرائيليّة مما يشي بوضوح ان هذه القيادة تعلم جيّداً انها بأداءها دور شاويش القاووش انما تقدّم خدمةً للحكومات الإسرائيليّة المتعاقبة مشابهة لتلك التي يؤدّيها الشاويش في السجن لرجال الشرطة. إذ أنه يقوم بدور الشرطي دائم الوجود ويراقب بقيّة المساجين وينظّم مواعيد أكلهم ونومهم ويعدّ برامج التنظيف والغسيل ودخول دورات المياه ويقمع المشاغبين منهم وأحياناً يؤدي خدمات صغيرة للمساجين القادرين على الدفع.
———————————————————————
بعد مرور يومين أو ثلاثة على مقابلتي لأبي الزعيم للمرة الأخيرة حجزت تذكرتي وغادرت عبر مطار بيروت متجهاً إلى كراتشي تاركاً خلفي أخواتٍ أربعة واخوين إثنين خمسة من مجموعهم لا زالوا في سنّ الطفولة. عند وصولي إلى الكليّة أُبلغت بالموافقة على طلبي بتحويل دراستي إلى فرع الإدارة والإمداد بدلاً من الهندسة البحريّة التي أخطأت بإختيارها إذ كان يجب عليّ ان اختار فرع الملاحة الذي لا يحتاج إلى كثيرٍ من المعرفة بالرياضيات والتي كانت تنقصني كوني عملياً لم أكن قد تجاوزت الصف الثامن حين ألتحقت بالكليّةالبحريّة. تضمنّت الأكاديمية البحريّة الباكستانيّة ”رهبر” الواقعة في شبه جزيرةٍ صغيرة دراسة أربعة فصول يستغرق كل فصل دراسي 5 أشهر يتلوه شهرُ إجازة. بعد سنتين يتخرّج الضبّاط التلاميذ ثم يلتحقون بأحد السفن الحربية الباكستانيّة ليتمّوا تدريبهم العملي لمدة سنةٍ أخرى يتخلّلها محاضرات في مدرسة المدفعية البحريّة والتي تجرى في أحد المواقع الأرضية ويسمّى كورانغي كريك. هذا بالنسبة لدارسي الملاحة البحريّة أما بالنسبة لطلبة الهندستين البحريتين الميكانيكة والكهربائية إضافةً إلى طلبة الإدارة والإمداد فينتقلون بعد السنة الأولى في رهبر, إلى كليةٍ عسكريّة أخرى تقع في أحد الضواحي الفخمة لمدينة كراتشي في منطقة ”مجمّع محمد علي” ويطلق عليها إسم كلية “كَرساس” (أغتيل المرحوم منذر أبو غزالة قائد القوّة البحريّة الأسبق قبل ان يتقن نطقها إذ طالما كان ينطقها: كراكاس).
كانت دراسة فرع الملاحة سهلة بالنسبة لي لأنها تتطلب فقط معرفة الحدّ الأدنى من الرياضيات وكان إختياري ذلك الفرع ليكون بديهياً بالنسبة لي لولا حداثة سنّي وطيشي. كان صديقي المقرب جمال لافي (الآن يعمل مديراً لشركة هندسية في عمّان أسسها بعد تقاعده) ماهراً بالرياضيات واختار فرع الهندسة فاخترت أنا نفس الفرع معتمداً على مساعدته في تلك المادة التي أجهلها ولكن المسافة كانت صعبة بين الصف الثامن وكليّة الهندسة الميكانيكة والكهربائية فرسبت في الفصل الأول, ولم تكن هناك دفعة طلاب مباشرةً بعد دفعتنا مما عنى أنه كان عليّ ان انتظر ستةُ أشهرٍ أخرى لألتحق بالدفعة التي تلينا فقررت تغيير تخصّصي إلى الإدارة والإمداد كوني لم أعد قادراً على الإلتحاق بفرع الملاحة مع أفراد دفعتي.
تستغرق دراسة فرع الإدارة والإمداد فصلين دراسيّين وتجري في أيضاً في كليّة كرساس مما عنى انه لم يكن علي الانتقال من سكنٍ إلى آخر فبقيت في نفس المبنى السكني المقام عند مدخل الكليّة وتابعت دراستي مع ثلاثة تلاميذ آخرين, إثنان منهم هما تلميذا ضابط من سيريلانكا وثالثٌ هو ضابط ملاحة باكستاني برتبة ملازم أول كان قد غيّر تخصصه لأمرٍ أجهله. كانت الدراسة في هذه الفرع سهلةً نسبياً بالنسبة لي كونها لا تحتاج إلى الكثير من الرياضيات وقد نجحت فيها بتفوق مما فاجأ قائد الكليّة المطلع على كثرة مشاغبتي وإثارتي المشاكل بشكلٍ دائم مع طاقم الخدمات حتى أنني في أحد المرّات أحتججتُ على عدم وجود ما يكفي من اللحم في طبقي بشتم الجنود الطهاة والبصق في طنجرة الأكل الرئيسة مما استوجب إستحضاري إلى مكتب قائد الكليّة (برتبة كومودور) حيث تلقيت انذاراً أخيراً! كان صغر سنّي هو سبب شغبي وليس حبّي للمشاكل. عند تخرجي استدعاني الكومودور ثانيةً إنما هذه المرة لتهنئتي وإعلامي انه فخورٌ ومتفاجئ من درجة التطور الكبيرة في أدائي.
أعتبر تلك الفترة من الدراسة أفضل أيامي في الباكستان إذ كنت متفوقاً في دراستي راضياً عن جهدي ومحبّاً للمواد التي أدرسها. كما امتلكت دراجةً ناريةً أستمتعت بقيادتها عبر شوارع كراتشي الواسعة وأمضيت أوقاتي ما بين الدراسة والتجول بالدراجة والذهاب إلى قاعات السينما أو زيارة مقرّ إتحاد الطلاب الفلسطينيّين للعب تنس الطاولة وتناول سندويشات اللبنة. كان الطلبة الفلسطينيّين أيضاً سعداء بترددنا انا وبقيّة زملائي إلى مقرّهم ان لم يكن لشيء فلإستعارة بطاقاتنا العسكريّة التي تؤمن لهم شراء تذاكر السينما بسعر أقلّ إضافة إلى انها كانت تفتح الطريق أمامهم فما ان تلوّح أمام شباك التذاكر ببطاقة ضابط حتى ينزاح الجمع من أمامهم. وعادة ما يكون عديد هذا الجمع أكثر من مائة فرد كما ذكرت من قبل مجتمعين فوق بعضهم البعض في كرةٍ آدمية بينما يجلدهم الحارس بالكرباج في محاولة لخلق نوع من النظام دون جدوى. وصلت إلى الباكستان منتصف العام 1978 وتركتها للمرّة الأخيرة نهاية العام 1981 بقي خلالها الحال مام شبابيك تذاكر جميع قاعات السينما هو نفسه , ولولا عصا موسى التي كانت تشقّ الجمع رهبةً إضافةً إلى إجبار الدولة لمالكي دور السينما على تخصيص الصف الأخير من كل قاعات السينما للضبّاط فلا يسمح للمدنيّين بالجلوس فيه حتى لو بقي فارغاً لما قيّض لأحدٍ منّا الدخول إلى قاعات السينما أبدا.
من دواعي سروري الإضافية في اختياري لفرع الإدارة والإمداد الإضافيّة ان زميليّ السيريلانكيين البوذيين امتلكا ترخيصاً صادراً عن وزارة الخارجيّة الباكستانيّة يتيح لكلٍ منهم شراء قنينة ويسكي إسبوعياً وتقوم سفارة سيريلانكا بتأمينها لهما وكان من حسن حظّي ان كليهما لا يشربان الكحول! مما عني انني كنت قادراً على شراء زجاجتين من الويسكي السيريلانكي الرديء أسبوعياً بثمنٍ بخسٍ رغم إعلان ضياء الحق عن تطبيق الشريعة الإسلامية وحظر الكحول مما رفع سعرها أضعافاً مضاعفةً وجعل مسألة الحصول عليها مهمّة وعسيرة ومكلفة. كان هناك ايضا في الطابق الأرضي من المبنى السكني الذي نقطنه قاعة فيها طاولة بلياردو وهي اللعبة التي أحببت وأتقنت. وكان لي ايضاً زميلٌ من دورتي إسمه عطالله أبو ربيع ماهرٌ في اللعبة ويحبها وعادةً ما كنا نتنافس انا وإياه بشكلٍ متواتر, خصوصاً خلال عطلة نهاية الإسبوع. بالقرب من مقرّ سكننا كان يقطن شخصٌ لبنانيٍ تعرفنا عليه بالصدفة, يقوم بإعداد الطبقين الشعبيين الشهيرين الفول والحمص ويستقبل زبائنه في حديقة منزله وكنت أنا على رأسهم. فوق هذا كلّه كان طبعا ”المستر رياظ” رجل الأعمال القوّاد الذي يقوم بتأمين المومسات مقابل حفنةٍ (كبيرةٍ) من الدولارات وتلك طبعاً كانت تسليتي المفضلة.
في أواخر تشرين الأول 1981 انهيت دراستي وعدت في 22 منه إلى بيروت وتضمنت رحلتي توقفاً في مطار العاصمة الإردنيّة عمّان والتي بينها وبين م . ت . ف وقتها عداوةٌ لم يمض عليها الزمن ومستمرةً منذ حرب أيلول 1970. كوني أحد ضبّاط م.ت.ف فإن وجودي على متن تلك الطائرة التي ستتوقف في عمان لليلةٍ كاملة كان بالغ الخطورة ولكن طيش الصبا جعلني أختار تلك الرحلة بدلاً من الإنتظار لفترة إسبوع , موعد الرحلة القادمة إلى بيروت والتي تتوقف في مطار الكويت بدلاً من مطار عمان. عند وصولنا إلى مطار عمّان استقبلنا شخصٌ أردنيٌ يرتدي زياً مدنياً ويحمل قائمة بأسماء جميع الركاب. ولما عرف انني العربيّ الوحيد بين حوالي ثلاثين من الباكستانيين راح يحادثني ويطرح علي الإسئلة وانا أجيبه مخاطباً إياه بلقب ”سيدي” ظنّاً مني انه أحد ضبّاط المخابرات الأردنيّة الذي يقوم بالتحقيق معي حاملاً جواز سفري فوق بقيّة الجوازات الباكستانيّة ثم تبيّنت لاحقاً ان ضابط المخابرات ذاك ليس سوى موظفٍ في شركة الطيران الأردنيّة وموكل بإستقبال وإسكان مسافري الترانزيت التي تتجاوز مدة توقفهم في مطار عمان الثمان ساعات. بعد هذه المحادثة انتقلنا جميعا في باصٍ خاص إلى أحد الفنادق الفخمة داخل المدينة وهناك سلّمني موظف الإستقبال مفتاح غرفتي بينما أسكن المسافرين الباكستانيين في غرفٍ جماعية عائلية. تلك كانت زيارتي الأولى والأخيرة للعاصمة الأردنيّة حيث تناولت طعام العشاء في مطعم الفندق مع بضعة كؤوس من الويسكي وطلبت بعدها من موظف الإستقبال ان يوقظني في الساعة الرابعة, وفي السادسة كنت على متن الطائرة الأردنيّة المتجهة من عمّان إلى بيروت.
لحظة وصولي إلى مطار بيروت شعرت للمرّة الأولى بهول ما وقع وضخامة خسارتي بوفاة أبي فقد أصبحت بيروت بالنسبة لي مدينةً غريبةً بعد ان كانت لي وطناً . وحتى صيدا ملعب الطفولة وموطن العائلة صارت مجرد مبان وطرقٍ لا تؤدي إلى أية أمكنة . في تلك اللّحظة غمرني شعورٌ باللاانتماء رافقني حتى يومي هذا . لاانتماءٌ فلسفيٌ و سياسيٍ و إجتماعيّ . لقد كان وطني الحقيقيّ هو أبي فلما مات, مات معه وطني .
ربما أكون الوحيد بين زملائي الذي لا أغالي في حب الوطن وتقديسه ولا في عبادة قادة الثورة أو أقع تحت وهم عظمتهم. فقد كانت قناعتي دائماً ان الوطن هو مكان سكنى الانسان وإطمئنانه وأمانه وكرامته ولقمة عيشه مضافاً إليه علماً واناشيد حماسية, فإذا أغفلنا العلم والاناشيد لا يتبقى لاهل غزةَ أو الضفّة الغربيّة ”المحررتين” سوى الفقر والجوع والإمتهان حيث بلغ معدل البطالة في غزة العام 2014 أكثر من 41% بأكثر من 180 ألف عاطل عن العمل وبلغت نسبة العطالة في الضفّة الغربيّة لنفس العام 20% ولإنْ كانت النسبة تبدو ضئيلة مقارنةُ مع نسبة قطاع غزة إلا ان هذا الرقم خادعٌ إّذ ان هناك الكثير من البطالة المقنعة في الضفّة حيث يقيم محمود عبّاس ويقوم مع شركائه في السلطة بشراء ولاء اهلها عن طريق توظيفهم في شرطته واجهزة الأمنيّة وبقيّة المؤسّسات التي تديرها السلطة حتى دون الحاجة لهم, تاركاً أهل غزة العصيّة لمصيرها لأن أكثريتهم تتعاطف مع حماس حتى بلغت نسبة الذين هم تحت خط الفقر من أهلها 56 % ناهيك عن الدمار والحصار وأزمات الماء والكهرباء والدواء والغذاء والتي تساهم جميعها بدورها في إزدياد نسبة الفقر وغلاء الأسعار بينما تبلغ نسبة الفقر في الضفّة الغربية 24%. وشراء الولاءات عن طريق التوظيف اسلوبٌ تعتمده كلا السلطتين في الضفّة وغزة فبلغ عدد الموظفين في سلطة رام الله 143 ألفا وموظفي سلطة حماس حوالي 30 ألفاً.
أما القائد الخالد والملهم والرمز فهو عندي مجرد شخصٍ عادي وضعته الظروف في موقع القيادة فصار ذا سلطةٍ وجاه ووجودي تحت ظلّ قيادته هو مهنتي وليس أي شيءٍ آخر. لذا فان شعارات بالروح بالدم نفديك يا أبو عمار تشعرني بالسذاجة. وبالنسبة لي, ان تهتف في مسيرةٍ او حفلٍ خطابي بأعلى صوتك صارخا: ”بالروح بالدم نفديك يا أبو عمار, أو بشّار أو حافظ او صدام أو معمّر يعني شيئاً واحدا هو أنك خروفٌ في قطيعٍ من الخرفان مهما علا شانك أو اتسعت مداركك.
فعبادة القائد هي شكلٌ من أشكال الديانات البدائيّة والطوطميّة والوثنيّة فالدين عند أريك فروم “هو كلّ مذهبٍ للفكر والعمل تشترك فيه جماعةٌ ما ويعطي للفرد إطاراً للتوجيه وموضوعاً للعبادة“ وتندرج تحت هذا التعريف عبادة الأسلاف او الحيوانات أو الظواهر الطبيعية وهذا التقديس للزعيم والتطرف في عبادته حسب أريك فروم يتأتّى من نفس الآلية التي جعلت المجتمعات البدائية تعكف على عبادة أصنام من الخشب والحجارة حيث يقول “من أشكال الوثنيّة الحديثة شكلٌ جماعيٌّ متغلغل نجده في عبادة السلطان“. ويقول فروم في موضعٍ آخر من نفس الكتاب أن ”الشخص الذي يكرّس نفسه للدولة والحزب السياسيّ والذي يكون معياره الوحيد للقيمة الحقيقة هو مصلحة الدولة أو الحزب والذي يجعل من العلَم, بوصفه رمزاً لجماعته موضوعاً مقدسا, مثل هذا الشخص يعتنق ديناً قبليا ويتعبّد عبادةً طوطميةً وان اعتقد انه يعتنق مذهباً عقلياً لا غبار عليه وهذا ما يعتقده بالطبع كل المؤمنين بأي نوع من انواع الدين البدائي (أضيف انا او غير البدائي) فإذا أردنا ان نفهم كيف تستعبد بعض النظم السياسيّة كالفاشية أو الستالينية ملايين من البشر الذين هم على أتمّ الإستعداد للتضحية بإتزانهم وعقولهم في سبيل المبدأ القائل (وطني, مخطئا او مصيبا) فلا مناص من ان ننظر في نزعتهم الطوطمية والصبغة الدينيّة التي تتسم بها توجيهاتهم فالإذعان لسلطةٍ قويّةٍ هو أحد السبل التي يستطيع بها الانسان ان يهرب من شعوره بالوحدة والمحدوديّة وفي فعل الإستسلام لتلك السلطة يفقد إستقلاليته وتكامله بوصفه فرداً ولكنّه يمتلك الشعور بان قوةً مهيبةً تحميه بحيث يصبح جزءاً منه “. “وأن الإنسان في أصله حيوان يحيى في قطيعٍ وتتحدّد أفعاله بدافع غريزي لإتباع الزعيم وبان يكون على صلةٍ وثيقةٍ بالحيوانات الأخرى من حوله. وبقدر ما نكون قطيعاً لا يهدّد وجودنا خطرٌ أعظم من فقدان هذه الصلة بالقطيع فنصبح معزولين. كما ان الصواب والخطأ والحقّ والباطل أمورٌ يحدّدها القطيع“.
ان مشاعري تلك لم تكن وقتها نابعةً من القراءة انما من أناي الأعلى الفطريّة التي لم تكن قد صقلتها أيٌ من النظريات الفلسفية او الإجتماعيّة أو السيكولوجية التي أتت لاحقاً حين بدأت بإلتهام مئات الكتب. منذ يومين, ونحن الان في كانون الثاني 2015 كتبتُ على صفحتي في الفيس بوك تعليقاً يتعلق بولديّ محمود عبّاس, ياسر وطارق, وظنّ أحد أصدقائي من الضبّاط البحريين المتقاعدين أنني قصدت ياسر عرفات بتعليقي فكتب لي مداخلةً فحواها:”لا تنسى انك انت ايضاً كنت وبإختيارك جنديّاً من جنود الياسر” وكان يعني ما يقوله. أجبته ببساطة انني لم يسبق لي ان عبدت أحداً, لقد كنت ضابطاً في م . ت . ف وكان ياسر عرفات ضابطاً على رأسها. هذا الفهم يعتبر خيانةٌ في نظر أغلب من أعرف من الضبّاط ان لم أقل كلّهم بل وأغلب الفلسطينيّين المدنيّين الذي أعرفهم.
توجّهت من مطار بيروت إلى منزل الشخص الوحيد الذي أعرفه في العاصمة ألا وهو ابن عم والدي المرحوم زيد أبو العلا (أبو إياس) المقيم في شقةٍ تقع في شارع الفاكهاني. أقمت عند أبي إياس بضعة أيام راجعت خلالها مكتب قيادة القوّة البحريّة وأنبأت منذر أبو غزالة قائد القوّة البحريّة بوصولي وطلبت إجازة لمدة شهر أزور فيها أمي واخوتي وأخواتي المقيمين في مخيم اليرموك.
——————————————–
الفصل الثالث
جمهورية الطوطم وأفرانه الذريّة
قد تكون سوريا هي المكان الوحيد في العالم الذي تجد فيه مخبزا يطلق عليه في الألفية الثالثة اسم “المخبز الآلي” وهذه التسمية “الإحتفاء” هي نموذج للخطاب الرسمي السوريّ وعلى المواطن ان يكون فخوراً بإنجازات الرئيس القائد “باني سوريّة الحديثة“. والمكننة هي من أهم مؤشّرات الحداثة, فقط لم ينتبه مدراء التسويق الإيديولوجي البيروقراطيين إلى ان المخابز الآلية لم تعد مدعاة فخر واعتزاز بل ان العجن والنقل الآلي للأرغفة هو المتبع حالياً حتى في مجاهل افريقيا (بعض السوريّين يطلقون على الفرن الآلي إسم الفرن الذرّي). بنفس الطريقة دأب الإعلام السوريّ على التغني بالمواجهة والصمود حتى في أشد ساعات النظام حلكة و أحطّها انهزاماً و انكسارا. فحين خرج اللواء 84 من ألوية الجيش السوريّ المتروك لمدة ثلاثة اشهر تحت الحصار في بيروت, والذي لم ينجح في الإفلات من عنق الزجاجة إلا كتفصيل من تفاصيل إتفاقية جلاء القوات الفلسطينيّة التي جرى إبرامها مع القوّات الإسرائيلية الغازية, ورغم ان اللواء المذكور كان عليه ان يمر مخذولا عبر بوابات و معابر ونقاط تفتيش ومراقبة اقامها الإسرائيليون على طول الطريق المؤدية من بيروت إلى البقاع, فقد نظّم له إستقبالا شعبياً ورسمياً حاشداً على معبر المصنع الحدودي بين لبنان و سوريا. كما خلّدت “صولات وجولات” اللواء المهزوم في الأدبيات البعثية الرسميّة. نفس الإستقبال و اكاليل الغار وحفلات الزار نصبت لألويةٍ أخرى فرّت بقرار مذعور ومرتبك في 26 نيسان 2005 بعد ان أيقن النظام ان الولايات المتّحدة تعني ما تقول بخصوص ضرورة إنسحابه من الأراضي اللبنانيّة وإلّا! كان على رأس المنسحبين يومها اللواء رستم غزالة رئيس جهاز الإستخبارات العاملة في لبنان ورجل المهمات القذرة الذي استقبل إستقبال الأبطال في منطقة المصنع على مشارف دمشق ورفع على الأكتاف وسط صيحات:”بالروح ..بالدم .. نفديك يا بشار”.
على منوال تلك “المخابز الآلية” كانت ماكينة الإعلام السوريّة لا تزال متمسكّة بخطاب “حتميّة إنتصارنا في نضالنا ضدّ الصهيونيّة بموآزرة حلفائنا في المنظومة الإشتراكية وعلى رأسهم الإتحاد السوفياتيّ الصديق” في عزّ أزمة الوجود وإرهاصات الإنهيار العظيم لتلك المنظومة وعلى رأسها إلاتحاد السوفياتيّ الصديق وتفتّت لُبناتها في بولندا وألمانيا الشرقيّة. ثم جاء السقوط الكبير و انفرط عقد الإتحاد السوفياتيّ بينما كانت أخبار تحديث اهراءات القمح في حمص و تطوير قدراتها الإستيعابية تتصدر الصحف السوريّة جنباً إلى جنب مع أخبار فقدان الإسمنت السوريّ من الأسواق و بيعه بأسعار مضاعفة في السوق السوداء. كان هناك ايضاً أحاديث عن المنظومة الإشتراكيّة ورأسها الصديق انما دون أيّ ذكرٍ “لإنتصارنا الحتمي“. هكذا ببساطة انقلبت كل الركيزة الخطابية و مفاهيم التسويق الإيديولوجي دونما أيّ تبرير أو قراءة نقدية أو حتى إعتذار, و مر الأمر كأن شيئا لم يكن.
بعد الإنهيار السوفياتيّ أُعلنت روسيا الإتحادية نفسها وريثةً شرعية لديون ومستحقات الدولة السوفياتيّة وبدأت لاحقاً الوفود و الوفود المضادة السوريّة والروسية تتبادل الزيارات و اللقاءات التي كانت حسب الإعلام السوريّ تتناول المصالح المشتركة و القضايا التي تهمّ البلدين, و هي الديباجة نفسها التي استخدمت لوصف جميع الزيارات الرسميّة السياسيّة والدبلوماسية الطابع التي شهدتها سورية خلال ثلاثين عاما من عمر النظام الاسدي. في الواقع, كانت اللقاءات السوريّة الروسية تتناول الديون السوريّة المستحقة لروسيا والبالغة 16 مليار دولار (إضافةً إلى 5 مليارات اخرى مستحقّة لألمانيا الشرقية والمجر و بلغاريا وباقي الدول الأروبية الشرقية) موّلت بمعظمها صفقات أسلحة و ملحقاتها من “هدايا” وعمولاتٍ ورشاوى وهذه أرقامٌ تعتبر هائلةً لحجم الدين العام على ضوء حقيقة ان دخل الفرد في سوريا لم يكد يتجاوز حافة ال 1000 دولار سنوياً.
يتضرع المتدينون المسيحيون إلى الرب في صلواتهم اليومية ان “أعطنا خبزنا كفاف يومنا” والخبز في صلواتهم هو طبعا كنايةٌ عن الرزق بشكل عام. في سوريا السبعينات و الثمانينات وحتى التسعينات وإن بدرجةٍ أقلّ, كان كفاف يومٍ من الخبر يعدّ كابوساً يوميّاً بالمعنى الحرفي لأرباب الأسر, ليس بسبب سعره الذي كان زهيدا حيث ان الدولة كانت تدعمه, بل بسبب ندرته التي تسبب بها هذا الدعم نفسه. فسعر رغيف الخبز في عرف منظري البعث الأيديولوجيين هو مقياس لمدى نجاح تطبيق الاشتراكية في الدولة و المجتمع فالخبز هو السلعة الرئيسة التي يتم الحديث عنها في المنشورات الحزبية و التنظيرات الصحفية الساذجة. لذا كانت الدولة تشتري الطحين بأسعار الأسواق السائدة ثم تقوم ببيعه وفق “كوتات” أو حصصٍ معيّنة لأصحاب الأفران بأسعار زهيدة بشكل كبير بحيث أصبح بإمكان أصحاب الأفران جني ارباح اكبر عن طريق إعادة بيع الطحين في السوق السوداء بدلاً من خبزه و بيعه في أفرانهم وفق تسعيرة وزارة التموين و في نهاية الدورة الإقتصاديّة لهذه السلعة كان القسم الأكبر من هذه “الهبة” الحكوميّة لجموع العمال و الفلاحين يتكدّس في مخازن يمتلكها كبار ضبّاط الجيش والأجهزة الأمنيّة لكي يتم تهريبها ويعاد بيعها في الأسواق المجاورة أي الاردن والعراق و لبنان. كانت النتيجة أنه صار على ربّ الأسرة ان يصحو ساعتين قبل موعده لكي يتسنّى له الوقوف باكرا في الصف الطويل (لم يكن صفاً انما جموعاً محتشدة غالبا) أمام مخبز الحيّ في محاولةٍ لا تتكلّل دائماً بالنجاح لتأمين خبز عائلته كفاف يومها قبل ذهابه إلى العمل. ما يقال عن الخبز يمكن إسقاطه على بقيّة السلع الأساسية المدعومة هي الأخرى كالرزّ والسكّر والسمن الذي كان التمكّن من شراء عبوة كيلو منه يعد مناسبةً تستحق التهئنة.
بين اقتصاد الخبز المدعوم وإيديولوجيا “حلفائنا في المنظومة الإشتراكيّة” أطبقت أجهزة الأمن قبضتها الحديدية على الدولة والسكان بوحشيةٍ منقطعة النظير وأُعلنت الأحكام العرفية وأُوقف العمل بالدستور وجرت مصادرة الحريات السياسيّة والفكرية واكتظت أقبية مقرات الأجهزة الأمنيّة بعشرات الآلاف من المعتقلين بدون محاكمة أو حتى تهم مُعلنة او أذون من النيابة العامّة. كانوا مختطفين أكثر منهم معتقلين. مجموعة من المسلحين الذين يرتدون الالبسة المدنيّة تطرق باب البيت في ساعات الصباح الأولى قبيل الفجر تماما, حيث يكون الناس بغالبيتهم في سبات ليصبح ربّ الدار أو أحد ابناءه في اليوم التالي معتقلاُ أمنيّا في جهةٍ مجهولةٍ و لفترةٍ مجهولةٍ و تهمةٍ غير معلومة ثم تبدأ الأسرة عمليّة البحث الطويلة والمضنية والمكلفة ماديّاً. هذا البحث لا يطمح لأكثر من معرفة الجهة الأمنيّة الخاطفة التي لم تعرف عن نفسها يوم داهمت منزل المطلوب ودعته إلى “فنجان قهوة“. وفنجان القهوة الذي هو من علامات الضيافة العربيّة, اصبح “الذيمة” العجيبة المستخدمة من قبل عناصر القوى الأمنيّة التي تقوم بالمداهمات:” تفضل معنا عازمينك على فنجان قهوة“. و يغيب الضيف سنوات طويلة . أحياناً, أذا ما امتلكت اسرة المعتقل ما يكفي من المال لدفع الرشاوي كانت تتوصل إلى معرفة سبب الإعتقال.
في أقبية الإستخبارات تلك دارت افظع ما يمكن تصوره من عمليات التعذيب الجسدي والنفسي الممنهجة و بأدواتٍ و آلاتٍ أطلق عليها رجال التحقيق أسماءً فنيّة مثل “بساط الريح” و“الدولاب” و“الكرسي“ فأصبح مجرد ذكرها على أسماع السوريّين يثير في نفوسهم هلعاً تنخلع له قلوبهم و ترتعد فرائصهم. وكان ان عمّ الرعب و الخوف و سيطر على الناس ما يشبه الخنوع.
حين عدت إلي سورية أواخر 1981 كانت سورية بأغلبها قد تحولت إلى ما يشبه معسكر اعتقالٍ كبيرٍ وملأت سكانها الرهبة من كل ما يمت للدولة بصلة.
—————————————————
إعتبر كارل ماركس ”ان العنف هو مولّدة التاريخ” ولعلّ هذه المقولة التاريخية تنتقص من دور الأديان في الحمل والولادات التاريخيّة فحتى لحظة انطلاق الثورة الفرنسية التي اندلعت في الرابع عشرمن تموز 1789 وواكبت الثورة الصناعية التي انطلقت من بريطانيا لتعمّ تدريجياً بقيّة الدول الأوروبية وتؤسّس لنشوء الطبقة البرجوازية الليبرالية التي أرست سلطة رأس المال ودولة العقد الإجتماعيّ, كانت السلطات السياسيّة في المجتمعات والتجمّعات البشرية كافةً تتأتي عبر أحد أقنومين إثنين هما الدين والعنف وغالباً من الإثنين معاً. ففي المجتمعات ”البدائية” (وأضع كلمة البدائية بين أقواس كونها لا تعبّر إلا اصطلاحاً عمّا أعنيه, فالمجتمعات التي يشملها هذا الوصف هي غير صناعيّة ولا تنتهج إقتصاد السوق وثقافة الإستهلاك وفي ما عدا ذلك فقد تمتلك حضارة أفضل من حضارتنا) في بعض مناطق أفريقيا عادةً ما كانت السلطة مناطة برجلٍ واحد هو زعيم القبيلة وأبنُ زعيمٍ سابق وحفيد آخر وهذا الزعيم يستمدّ شرعيته الدينيّة من طوطم القبيلة والذي قد يكون ذئباً أو نمراً أو حماراً أو طيراً وأياً كان هذا الطوطم فهو في الإصل يرمز إلى الأب الأول لتلك الجماعة التي أجتمعت على تقديسه حسب سيغموند فرويد (الطوطم والتابو). والأمر نفسه وجد عند الأمريكيين الأصليّين إنما بشكلٍ أقلّ تجسيداً فهم عبدوا أرواح أجدادهم التي تحميهم وتنصرهم في الحروب وتعينهم أوقات الصيد وعادةً ما كان زعيمهم هو الشخص الأكثر حكمةً والأقدر على التواصل مع تلك الأرواح وترجمة إراداتها ورغباتها من لغة الأرواح إلى اللغات المحكية عند كلٍ من هذه القبائل.
الأمر نفسه وجِد عند المصريين القدامى فكان الفراعنة يستمدونّ سلطاتهم من قوّة جيوشهم إضافةً إلى صلة قرابتهم بالإله رع بصفته والدا لهم وهو ما يفسّر وجود كلمة رع في أسماء الكثيرين منهم وكان من ضمن ألقاب الملك أو الفرعون الدائمة لقب ”أبن رع”. أما في روما ما قبل المسيحيّة حيث كانت تختلط الآلهة بالبشر فإن مؤسّس الإمبراطورية هو أوغست قيصر, وأوغست هو لقبٌ كان قبل الإمبراطور قيصر مقصوراً على الآلهة وقد أسبغه عليه مجلس الشيوخ بعد عودته منتصراً على انطونيوس القائد الروماني لمصر في معركة أكتيوم البحريّة عام 31 قبل الميلاد. ثم ما لبث مجلس الشيوخ ان أسبغ عليه عام 27 ق. م صفة الإله وأضاف إسمه إلى أسماء الألهة الرسميين لروما وصار عيد ميلاده يوماً مقدساً تقام فيه طقوس الدينيّة وتتلى فيه الترانيم والصلوات و تقدّم الأضحيات. إستمرّ هذا التماهي بين الآلهة ورأس السلطة عند الإمبراطورية الرومانيّة التي أمتدت من الجزائروالمغرب العربيّ إلى مصر وعبوراً ببلاد الشام وآسيا الصغرى وتركيا ثم غرباً عبر أوروبا ثم بريطانيا حتى جنوب سكوتلاندا أي تقريباً معظم العالم المعروف في ذلك العصر, حتى العقد الثاني من القرن الرابع ميلادي حين أعتنق الإمبراطور الروماني قسطنطين الأول الديانة المسيحيّة ثم ترأس المجمع المسكوني الأول في العام 325 م وجعل المسيحيّة الدين الرسمي للإمبراطورية.
بعد هذا التاريخ ببضعة عقود بدأ الكهنوت القابع على رأس الكنيسة المسيحيّة بإمتلاك سلطته الخاصة بمعزلٍ عن القوّة العسكريّة للأباطرة واستمرت هذه السلطات الدينيّة في التنامي حتى أضحت تسيطر على الأباطرة وتقوم بتعيينهم فما عاد يكتمل تنصيبهم بدون البركة التي تمنحها لهم القيادة الدينيّة بل ولا ينتصرون في حروبهم دون دعواتها. حتى ان الحملات الصليبية على منطقة الشرق الأوسط والتي ابتدأت عام 1095 واستمرت حتى العام 1291 كان من دعا إليها هو البابا أوربان الثاني رأس السلطة الدينيّة فما كان لملوك و قادة إوروبا إلا ان يلبّوا النداء ويخوضون حروباً أمتدت على مساحة قرنين من الزمان وتحت شعار الكنيسة, الصليب الذي رفع على جميع راياتهم. ولقد تضاعفت سطوة الكهنوت في القرون التي تلت الحروب الصيليبية إلى درجة ان الملك هنري الثامن ملك انكلترا وسكوتلاندا وويلز الذي كان شديد الحرص على انجاب ولدٍ ذكر ليستلم العرش بعده مما جعله يتزوج ستّة مرات. ولم يستطع ان يقدم على هذه الزيجات التي كانت الكنيسة المسيحيّة تحرّمها وتحرّم الطلاق, إلا بعد ان أعلن انشقاق مملكته عن الكنيسة الكاثوليكية وأسس كنيسةً خاصةً به وبشعبه ونصّب نفسه على رأسها مستعيداً السلطة الدينيّة إلى بيت الطاعة ليضمّها إلى السلطة العسكريّة من جديد.
تجلى زواج السلطتين الدينيّة والعسكريّة بنفس الآلية أيضاً في الشرق الأقصى فإمبراطورية اليابان التي تأسست عام 660 ق . م على يد الإمبراطور جينمو كانت ولا تزال تقوم على مبدأ ان سلطة الإمبراطور (يشار إليه رسمياً بكلمة الميكادو) هي سلطة دينيّة يستمدها من السماء ويجمع الإمبراطور السلطتين الدينيّة والسياسيّة فهو بالإضافة إلى كونه قائد الدولة, يحتل أيضاً أعلى موقع في سلّم الرتب الدينيّة للديانة الشينتوية كبرى الديانات المنتشرة في اليابان ولإن كان الإمبراطور الياباني حالياً لا يتمتّع بسلطة سياسية إلا انه لا يزال مقدساً في عيون اليابانيّين الشينتويّين.
كما في الشرق الأقصى كذلك في الشرق الأدنى فأدنى ,فإننا نجد الكثير من الأمثلة المعاصرة والعتيقة عن السلاطين الذين يستمدون سلطاتهم من الآلهة مثل دولة الجمهورية الإسلامية في إيران والتي يقبع على رأس السلطة فيها شيخٌ يطلقون عليه صفة ”الوليّ الفقيه” يعتبرونه من نسل الحسين بن علي وبالتحديد نسله من واحدة فقط من بين زوجاته وجواريه ومُلك يمينه, هي شاه زنان بنت يزدجرد الثالث آخر ملوك الفرس. ويقوم هذا الفقيه بمهام الحاكم نيابةً عن الإمام المهدي المنتظر محمد بن الحسن بن علي المهدي الذي اختفى في أحد السراديب العام 873 او 874 م هرباً من سطوة الدولة العبّاسية التي نكّلت بأتباع عليّ ونسله وقادة الطائفة الشيعية الذين هددوا سلطاتها بطموحاتهم وضخامة تأثيرهم على أشياعهم. والولّي الفقيه الذي هو حالياً الإمام الخامنئي لديه مهمّة إضافية أشدّ اهمية في عرف الطائفة الشيعية الإثني عشرية التي تشكل الأغلبية الساحقة في إيران ألا وهي الإتصال بالإمام المهدي في سردابه واخذ توجيهاته والعمل على تهيئة البيئة المناسبة له والعمل على زيادة عديد أتباعه وإعدادِ جيشٍ قويٍ ليقوده حين ظهوره فيسيطر على العالم و يملأ الدنيا عدلاً وقسطاً بعد ان مُلئت ظلماً وجورا.
الإمام محمد بن الحسن بن علي نفسه يشكّل مثالاً نموذجياً عن قدرة السطوة الدينيّة وحدها على إكتساب شرعية سياسية بمعزلٍ عن السلطة العسكريّة. فقد إعتادت جيوش المسلمين في فتوحاتها على جعل خمسة بالمائة من الغنائم (سلعاً وسبايا وما إلى ذلك) حصةً خالصةً للرسول وآل بيته حسب تعاليمه وأيضا حسب ما جاء في إحدى الآيات من سورة الانفال:”وأعلموا انما غنمتم من شيءٍ فان لله خُمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل“. وكان الرسول يتصرّف بهذه الغنائم والأموال فيقسمها بين أقربائه ويتصدّق ببعضها وبعد وفاة الرسول انتقلت هذه الحصة من أسهم الغنائم والثروات إلى أقربائه والذين منهم احفاده من ابنته فاطمة زوجة ابن عمه عليّ ابن أبي طالب, وهما الحسن والحسين, ثم جعلها التشيّع الفارسي الأصل مقتصرةً على أبناء الحسين بن علي من زوجته الفارسية الذين لم يمتلكوا القوّة العسكريّة لكنهم احتفظوا بسلطتهم الدينيّة وأستمرّ أشياعهم يؤدّون لهم الخمس ليس فقط من الغنائم إنما من ثرواتهم ووممتلكاتهم ولا يزال المتدينون منهم إلى زمننا هذا يقومون كل تمام سنةٍ على أموالهم بإقتطاع خمسها وتأديته إلى مراجعهم وشيوخهم اللذين يقدّسون. (حسن نصرالله امين عام حزب الله هو أحد هؤلاء المراجع ”السُيّاد” الذين يعتقد أبناء الطائفة الشيعيّة أنهم متحدّرون من النبي محمد, كذلك حوثيّ اليمن وسيستاني العراق ومقتدى الصدر وآيات الله الإيرانيين وآلاف مؤلّفةً سواهم). في الفترات التي كان بطش الدولتين الأمويّة ثم العبّاسية يشتدُّ فيها على أشياع علي وأحفاده كان هؤلاء يختبئون في أمكنةٍ بعيدةٍ عن أعين العسس ويعيّنون وكلاءَ لهم يجمعون لهم الخُمس ويوصلون لأتباعهم رغباتهم وقراراتهم وفتاويهم الفقهية وطبعا دعواتهم وبركاتهم. وأرى ان الحسن العسكريّ حادي عشر الأئمة الشيعة لم يكن له ولد وقد ذكرت الكثير من المراجع التاريخية هذا الأمر, وأغلب الظن عندي ان الإدعاء بوجود ولدٍ مخفيٍّ للحسن العسكريّ قرّر ان يغيب عن انصاره هو من إختراع عثمان بن سعيد العمري الذي كان وكيلاً للحسن يجبي له الأخماس لقاءَ أجر فلما مات الأخير استمر بجبي تلك الأخماس للإمام المخترَع والذي ادعى غيبته الصغرى ثم الكبرى, والثانية جاءت, حسب رأيي حتى يورث هذه المهنة التي تدرّ ذهباً ”حرفياً” من بعده إلى ولده محمد ابن عثمان العمري واستطالت هذه الوكالات وتشعبّت مع النمو السكاني فترى الآن الألاف منهم وكلُ عائلةٍ أو دسكرةٍ أو قرية شيعيةٍ من الطائفة الإثني عشرية تختار من بينهم الوكيل الذي تؤمن به وتؤدي له الخمس.
حين انطلقت الفتوحات الإسلامية من شبه الجزيرة العربيّة لتشمل بلاد ما بين النهرين ثم بلاد الشام عبورا إلى الشرق حتى تخوم الهند ومنغوليا وشمالاً إلى بلاد القوقاز وغرباً إلى الجزء الشرقي من فرنسا حيث توقّفت القوّات المهاجمة عن التقدم بعد هزيمتها في معركة غواتييه ”معركة بلاط الشهداء” وأكتفت بما قضمته في عمق أوروبا سابقاً, وامتدّت ايضاً نحو إفريقيا حيث سيطرت على مصر ثم معظم شمال إفريقيا, إرتكزت في اندفعاتها وتحقيق انتصاراتها ليس فقط على القوّة العسكريّة التي أنشأتها بل أيضا وبشكلٍ رئيسٍ واوّليّ على أوامر إلهية نقلها إليهم الرسول الذي أختصّه الله من بين البشر وجعله صلة وصلٍ بينه وبينهم وخاطبه غالباً عبر الملاك جبريل ليبلغ الناس ويعلّمهم طرائق الصوم والصلاة والحجّ والزكاة ويحضّهم على الجهاد ويبشّرهم بالجنة وانهارها من العسل واللبن وحورياتها من القشطة. هاتان السلطتان العسكريّة والدينيّة انتقلتا بالتوارث إلى خلفاء الرسول الراشدين الأربعة أبو بكرٍ فعمر فعثمان فعليّ وكلهم من قبيلة قريش ورابعهم ابن عمه وزوج ابنته, ثم إستقرت لقريبه وابن قبيلته معاوية بن أبي سفيان الذي أورثها إبنه وأحفاده من بعده فتناقلوها لما يقارب التسعين عاما حتى سنة 750م (إستمر الأمويّين بالحكم في الأندلس حتى 1031م حيث انتقل إليها عبد الرحمن بن معاوية المعروف بصقر قريش وأسس خلافته فيها بإسم الأمويين) حين قضى عليهم قريبهم أبو العبّاس السفاح الذي ينحدر من سلالة أحد أعمام الرسول وهو العبّاس بن عبدالمطّلب وانشأ خلافة العبّاسيين التي استمرت في عقبه حتى العام 1517م وان شكلياً. بل ان أحد أحفاد الخليفة العبّاسي قد عاد وانشأ الخلافة العبّاسية في إمارة بستك التي تشمل منطقة الأهواز واستمرت قائمة حتى العام 1967! حين قضى عليها شاه إيران محمد رضا بهلوي وضمّها إلى إيران.
واقعياً لم تعمّر السيادة العبّاسية الدينيّة سوى أقلّ من 90 عاماً واتخذت خط سيرٍ معاكس لما اتخذته السلطة الكنسية في أوروبا والتي تنامى نفوذها إلى حدّ السيطرة على السلطة العسكريّة. ففي بدايات القرن التاسع ميلادي استعان الخليفة المأمون بالفرس على أخيه الأمين وقرّبهم إليه بإعتبارهم خؤولة له. وكان الأمين قد سعى إلى تولية عهده لولده موسى بدلاً من أخيه المأمون الذي عيّنه هارون الرشيد وليّاً للعهد وهو على سرير وفاته. بعد مقتل الأمين واستتباب الأمر للمأمون ازداد نفوذ الفرس في بلاط الخلافة بعد ان قرّبهم الخليفة واتخذ منهم بطانةً له وجنوداً لحمايته فقويت شكيمتهم واتسع نفوذهم طوال فترة خلافته حتى جاوز نفوذ الخليفة نفسه. حين آلت الخلافة للمعتصم بالله بعد وفاة المأمون لجأ إلى نفس ما لجأ إليه اخوه مع فارق انه اتخذ من الترك بدلا من الفرس حرساً وبطانةً له وجعلهم نخبة جيشه وقاداته. مع تنامي القوّة العسكريّة لكلٍ من القادة العسكريّين الفرس والترك بدأوا تدريجياً في تنمية سلطاتهم على حساب سلطات الخلفاء العبّاسيين التي باتت مع الوقت شبه معدومة. إذ تداولت تلك السلطات الحقيقية قطعات عسكريّه تابعة لقادة الجيوش الذين استعملهم العبّاسيون, فسيطر السامانيون منذ العام 819 م على خراسان وتركمانستان حتى حدود الهند ثم تداول سلطات العبّاسيين السياسيّة الطاهريون والطولونيون والبويهيون والحمدانيون والأغالبة والإخشيديون والفاطميون والغزنوين والصفاريون وجميعهم (عدا الفاطميين الذين اكتسبوا شرعيتهم الدينيّة بإدعائهم انهم من نسل جعفر الصادق سادس آئمة الشيعة الإثني عشرية) دأبوا على الخطبة باسم الخليفة العبّاسي في مساجدهم واتّكؤوا في حكمهم على الشرعية الدينيّة المنتزعة غصباً من خلفاءٍ أصبحوا مع الزمن مجرد موظفين عند هؤلاء العسكر وحالهم كحال مفتيّي الدول العربيّة في الزمن المعاصر الذين تقتصر فيه وظائفهم على إعلان رؤية الهلال عند ابتداء كلّ رمضان وانتهائه ثم الدعاء للسلطان بقيّة العام وتبيان تقواه ومحاسنه التي خفيت عن عامّة الناس.
إستمرّ حكم قادة الجيوش باسم الشرعيّة الدينيّة للعبّاسيّين أحفاد عمّ الرسول أكثر من سبعة قرون ولم تنتهي هذه الخدعة إلّا في العام 1517 م حين انتصر العثمانيون بقيادة السلطان العثماني سليم الأول على دولة المماليك وأعلن سليم نفسه خليفةً للمسلمين وأميراً للمؤمنين وكان آخر الخلفاء العبّاسيين الذي استمدّ المماليك منهم شرعيتهم هو محمد الثالث, المتوكل على الله والذي أعلن اعتزاله من خلافة المسلمين لصالح سليم الأول الذي أطلق على نفسه لقب “خادم الحرمين الشريفين” لإكتساب المزيد من الشرعية الدينيّة وهو اللقب نفسه الذي كان قد إتخذه قبله السلطان صلاح الدين الأيوبي ثم أعاد إستخدامه, ولنفس الغرض, الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود ومن أتى بعده من ملوك آل سعود. استمر حكم العثمانيين باسم الخلافة الإسلاميّة لمعظم المناطق العربيّة في شمال أفريقيا ومصر وبلاد الشام والعراق وشبه الجزيرة لمدة أربعة قرون ولم تنته حتى العام 1922 بعد هزيمتهم في الحرب العالميّة الثانية حيث تمّ خلع محمد السادس آخر السلاطين العثمانيين ثم قام مصطفى كمال أتاتورك ببناء دولة علمانية على انقاض الخلافة وضمن حدود الدولة التركياالحديثة.
بعد سقوط الخلافة وتقاسم المناطق العربيّة التي كانت تحت سلطة العثمانيين بين الدولة الفرنسية ومملكة بريطانيا اللتين كانت لكلٍّ منهما مصالحها وتحالفاتها ومطامعها الخاصة والتي تضاربت في كثير من الأحيان. فرغم ان الدولتين كانتا قد توصلتا إلى تفاهمٍ سريٍ على كيفية تقاسم النفوذ في بلاد الشام والعراق وشبه الجزيرة العربيّة بعد مباحثات جرت خلال العامين 1915 – 1916 وبمشاركة الإمبراطوريّة الروسيّة حيث تم عقد جلسات التفاوض في القاهرة بين المندوب السامي الفرنسي جورج بيكو والمندوب السامي البريطاني مارك سايكس وبمشاركة مندوب روسي. ثم انتقلت الجلسات إلى مدينة بطرسبورغ الروسية حيث تمّ توقيع الإتفاقية التي عرفت بإسم اتفاقية سايكس – بيكو, إلا ان نزاعاً خفيّا دار بينهما على أرض الواقع وتفاقم أحياناً إلى ما يشبه التناتش خصوصاً في منطقة النفوذ الفرنسية حيث نصّت الإتفاقية على ان يكون لبنان وغرب سوريا من حصّتها.
سارعت بريطانيا إلى تعبئة الفراغ في الشرعية الدينيّة الذي خلّفه هزيمة تركيا وسقوط آخر أمراء المؤمنين في المنطقة العربيّة والذي كانت قد هيّأت له مع اندلاع الحرب العالميّة الأولى حيث تحالفت مع الشريف حسين بن علي حاكم مكة ولاحقاً ملك الحجاز وقامت بمدّه بالمال والسلاح وأرسلت ضابط إستخباراتها توماس إدوارد لورنس والذي عرف بإسم لورنس العرب للإشراف على تدريب وعمليات الجيش العربي أو المجموعات المسلحة التي شَكّلت من رجال القبائل الموالية للشريف حسين الذي يُفترض انه متحدرٌ من نسل عمّ الرسول هشام بن عبد المطلب.
كان لبريطانيا في المنطقة العربيّة الشرق أوسطية (لا يتسع المجال في هذا الكتاب للتطرق إلى وضع مصر والمغرب العربيّ وشمال إفريقيا) حليفان رئيسيّان ومشروعان أساسيان يضمنان مصالحها ويوطّدان نفوذها ويؤمّنان الإستقرار السياسيّ الضروري لأية مشاريع إستثمارية أو خطوط تجارية لاحقة لها. الحليف الأول والضروري كان الشريف حسين بن علي, الذي أرسل ولده فيصل على رأس قوّات من الجيش العربيّ التي رافقت القوّات البريطانية إلى مدينة دمشق ودخلتها في تشرين الأول من العام 1918 دون أية مقاومة من بقايا الجيش العثماني الذي انسحب منها ومن بقيّة المدن السوريّة. هناك أعلن فيصل بن الحسين بتشجيعٍ ودعمٍ بريطانيّين عن تشكيل أول حكومة عربية في دمشق وعين حكاماً عسكريّين لكلٍ من بيروت وعمان وحلب والشام.
كانت تلك المحاولة البريطانية للإستيلاء على حصّة فرنسا في سورية ضرورية لإستكمال الشقّ الثاني من مشاريعها مع حليفها الآخر وهو المنظّمة الصهيونية العالميّة التي كانت الخارجية البريطانية قد وعدت قادتها عبر رسالة من وزير الخارجية اللورد آرثر بلفور إلى اللورد روتشيلد زعيم الطائفة اليهودية في انجلترا في تشرين الثاني 1917 يشير فيها إلى تإييد الحكومة البريطانية ورغبتها في إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين التي كانت على مرّ التاريخ جزءاً من بلاد الشام او سوريا الكبرى. كان الأمير فيصل ابن الحسين متفقاً مع الحكومة البريطانية وموافقاً على مشروع إقامة الوطن اليهودي في فلسطين حتى انه كان قد عقد مع حاييم وايزمان رئيس المنظّمة الصهيونية العالميّة إتفاقاً على هامش مؤتمر باريس للسلام 1919 الذي نظّمته الدول المنتصرة ويعد فيه بمنح اليهود التسهيلات الضرورية لإنشاء مشروعهم في فلسطين وهذا نصّه:
“ان الأمير فيصل ممثل المملكة العربيّة الحجازية والقائم بالعمل نيابة عنها والدكتور حاييم وايزمن ممثل المنظّمة الصهيونية والقائم بالعمل نيابة عنها، يدركان القرابة العرقية والصلات القديمة القائمة بين العرب والشعب اليهودي ويتفقان على ان أضمن الوسائل لبلوغ غاية أهدافهما الوطنيّة هي في اتخاذ أقصى ما يمكن من التعاون سبيل تقدم الدولة العربيّة وفلسطين ولكونهما يرغبان في زيادة توطيد حسن التفاهم الذي بينهما فقد اتفقا على المواد التالية :
– يجب ان يسود جميع علاقات والتزامات الدولة العربيّة وفلسطين أقصى النوايا الحسنة والتفاهم المخلص وللوصول إلى هذه الغاية تؤسس ويحتفظ بوكالات عربية ويهودية معتمدة حسب الأصول في بلد كل منهما.
– تحدّد بعد إتمام مشاورات مؤتمر السلام مباشرة الحدود النهائية بين الدول العربيّة وفلسطين من قبل لجنة يتفق على تعيينها من قبل الطرفين المتعاقدين.
– عند انشاء دستور إدارة فلسطين تتخذ جميع الإجراءات التي من شانها تقديم أوفى الضمانات لتنفيذ وعد الحكومة البريطانية المؤرخ في اليوم الثاني من شهر نوفمبر سنة 1917.
– يجب ان تتخذ جميع الإجراءات لتشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين على مدى واسع والحث عليها وبأقصى مايمكن من السرعة لإستقرار المهاجرين في الأرض عن طريق الإسكان الواسع والزراعة الكثيفة. ولدى اتخاذ مثل هذه الإجراءات يجب ان تحفظ حقوق الفلاحين والمزارعين المستأجرين العرب ويجب ان يساعدوا في سيرهم نحو التقدم الاقتصادي.
– يجب ان لا يسن نظام أو قانون يمنع أو يتدخل بأي طريقة ما في ممارسة الحرية الدينيّة ويجب ان يسمح على الدوام أيضا بحرية ممارسة العقدية الدينيّة والقيام بالعبادات دون تمييز أو تفصيل ويجب ان لا يطالب قط بشروط دينيّة لممارسة الحقوق المدنيّة أو السياسيّة.
– ان الأماكن الإسلامية المقدسة يجب ان توضع تحت رقابة المسلمين .
– تقترح المنظّمة الصهيونية ان ترسل إلى فلسطين لجنة من الخبراء لتقوم بدراسة الإمكانيات الإقتصاديّة في البلاد وان تقدم تقريرا عن أحسن الوسائل للنهوض بها وستضع المنظّمة الصهيونية اللجنة المذكورة تحت تصرف الدولة العربيّة بقصد دراسة الإمكانيات الإقتصاديّة في الدولة العربيّة وان تقدم تقريرا عن أحسن الوسائل للنهوض بها وستستخدم المنظّمة الصهيونية أقصى جهودها لمساعدة الدولة العربيّة بتزويدها بالوسائل لاستثمار الموارد الطبيعية والإمكانيات الإقتصاديّة في البلاد.
– يوافق الفريقان المتعاقدان على ان يعملا بالإتفاق والتفاهم التامّين في جميع الأمور التي شملتها هذه الإتفاقية لدى مؤتمر الصلح.
– كل نزاع قد يثار بين الفريقين المتنازعين يجب ان يحال إلى الحكومة البريطانية للتحكيم.
لندن 3 كانون الأول 1919“.
وأضاف الأمير فيصل فقرة إلى الوثيقة يعلن فيها ان هذه الإتفاقية مشروطة بمنح الدول العربيّة استقلالها.
حين أعلن المؤتمر السوريّ العام وهو تجمّع سياسي ضمّ وجهاء وساسة من كافة مناطق سوريا العثمانية وتشمل إضافةً إلى سورية الحالية, لبنان وفلسطين والأردن ومنطقة الإسكندرون في 8 آذار 1920 عن قيام المملكة العربيّة السوريّة وتنصيب الأمير فيصل بن الحسين ملكاً عليها كانت الدولة اليهودية قد أصبحت على قابٍ قوسين أو أدنى من النشوء. لكن الحكومة الفرنسية كان لديها رأيٌ آخر وحليفٌ مختلف وإلتزاماتٌ وعلاقاتٌ تاريخية تمتد لما يقارب الألف عام إذ انها ابتدأت منذ الحملة الصليبية الأولى أواخر القرن الحادي عشر حين وقف الموارنة اللبنانيون مع الصليبيين وآزروهم. فقد كان لهم دور بارز من خلال تقديمهم أدلّاء لإرشاد الفرق العسكرية للحملة الأولى إلى الطرق والمعابر، وكذلك إرسالهم فرقة من النشّابة المتطوعة إلى مملكة بيت المقدس لترابط فيها. كما اتخذوا الموقف نفسه خلال الحملة الصليبية الثانية التي استمرت حتى سقوط آخر ممالكهم في بيروت على يد السلطان المملوكي خليل بن قلاوون أواخر العام 1291. ولقد كان الملك الفرنسي لويس التاسع أول أصدقاء الموارنة من ملوك فرنسا حيث أرسلوا لإستقباله عند وصوله إلى برّ عكا وفداً من 15 ألف ماروني محملين بالمؤن والهدايا وقد سلّمهم بتلك المناسبة رسالة مؤرخة في 21 آيار 1250 يتعهّد فيها بحمايتهم وجاء في الرسالة :”نحن مقتنعون بان هذه الأمة التي تعرّف بالقديس مارون هي جزءٌ من الأمة الفرنسية”.
توطّدت العلاقات المارونية – الفرنسية عبر القرون وأصبحت جبال لبنان منطقة نفوذٍ فرنسيٍّ مستدام حتى ان معاهدة ”الإمتيازات الأجنبية” التي أبرمت في شباط 1535 بين الملك الفرنسي فرانسوا الأول والسلطان العثماني سليمان القانوني نصّت على حقّ فرنسا في حماية المسيحيين في لبنان. وقد ترسّخت هذه الحماية في عهد الملك الفرنسي لويس الرابع عشر عام 1649 إذ بعث برسالة إلى البطريركية المارونية رداً على رسالة من البطريرك يطلب فيها حماية فرنسا وجاء فيها:”ليكن معلوماً اننا نضع تحت حمايتنا ورعايتنا بطريرك ورعايا وإكليروس المارونية المسيحيّة الذين يعيشون ويعملون في جبل لبنان”. وقد جدّد الملوك الفرنسيون اللاحقون هذا التعهّد حتى أصبح عرفاً في القرن الثامن عشر. وما لبثت فرنسا أن برهنت أنها قادرة ومستعدة عملياً لتنفيذ وعودها بحماية حلفائها عند احتدام الصراع الطائفي بين الدروز والموارنة في جبل لبنان بين عامي 1840 _ 1860 واندلاع الإشتباكات المسلحة والغزوات العسكريّة المتبادلة بين كلّ من الطائفتين على قرى وبلدات الطائفة الأخرى وقيامهما بمجازر عنيفة بحق السكان المدنيّين. وقد تطور ذلك الصراع الناشب في لبنان وامتدّ إلى داخل منطقتيّ حوران ودمشق ووصلت إلى أوجّها من الفظاعة والهول في العام 1860 مما اضطر الدول المعنيّة إلى عقد إجتماعٍ دوليٍ في باريس حضرته كلٍ من بريطانيا العظمى وفرنسا والنمسا وبروسيا وروسية وتركياوصدر عنه قرارٌ بتفويض فرنسا (نيابةً عن أوروبا وتركيا) بحماية الموارنة في جبل لبنان بالقوّة العسكريّة وإعادة الأمن وإغاثة المتضررين. وعلى أثر هذا القرار وصل إلى بيروت الجنرال الفرنسي بوفور دي هوتبول على رأس قوة حربية فرنسية قوامها 7000 مقاتل. كانت قرارات مؤتمر باريس في ما يتعلق بالحماية الفرنسية بمثابة إقرارٍ آخر جديد من المجتمع الدولي ومعهم الدولة العثمانية نفسها بأن جبل لبنان كان وسيبقى منطقة نفوذٍ فرنسية.
تبلورت أولويّات فرنسا في مسألة إنشاء كيان سياسي قابلٍ للحياة لحلفائها التاريخيين المسيحيّين الموارنة ولذا فإن السيطرة على العمق الجغرافي السوريّ وطرد الشرعية الدينيّة التي مثّلها الأشراف الهاشميون وعلى رأسهم الملك فيصل بن الحسين من المنطقة, كونها تتعارض مع إمكانيّة انبثاق الكيان السياسي المزمع إنشائه وتشكيله على أسسٍ طائفية متوازنة إلى حدٍّ ما, إنما على ان تكون الطائفة المارونية فيه هي الأقوى والأكثر عدداً في الكيان العتيد من بقيّة الطوائف بحيث يُتاح لها قيادته.
بينما شكّل إذن الشريف الهاشمي سليل عمّ الرسول والمتمتّع بسلطتين دينيّة وعسكريّة الشخص المناسب تماماً وربما الوحيد القادر على التخلّي عن فلسطين لصالح الصهاينة بأقل قدر من المعارضة, خصوصاً أن موافقته المسبقة على إتفاقية التنازل عنها والممهورة بتوقيعه جعلته بمثابة دجاجةٍ باضت ذهباً في سلّة بريطانيا حرصت على ان تحافظ عليه, كان فيصل في عيون فرنسا وجنرالاتها وبسبب سلطته الدينيّة نفسها, عائقاً أمام مشروع دولة الأقليّات المزمعة ووجبت إزاحته إذا ما كان لهكذا مشروعٍ ان يكتمل.
في 24 تموز 1920 توجّه الجنرال الفرنسي هنري غورو مع قوّاته العسكريّة التي نزل بها على شواطئ مدينة بيروت, شرقاً نحو مدينة دمشق بعد ان وجّه إنذاراً إلى الملك فيصل بحلّ الجيش العربيّ وإقرار التعامل الماليّ في البلاد بالعملة الفرنسية وتسليم السكك الحديدية والإقرار بالسلطة الفرنسية في البلاد وحدد له توقيتاً نهائيّاً لإعلان موافقته على شروطه. سارع الملك فيصل إلى الرد بالموافقة على شروط غورو لكن برقيته التي أعلن فيها إذعانه للإنذار الفرنسي وصلت متأخرة نصف ساعة عن موعدها بسبب قطعٍ في خطوط التلغراف. عند وصول القوات الفرنسية إلى تخوم مدينة دمشق اشتبكت مع القوّات العربيّة المرابطة بالقرب من بلدة ميسلون ولم تدم المعركة سوى ساعاتٍ قليلة بسبب عدم التكافؤ بالعتاد والعديد والإنضبّاط العسكريّ. فقد كانت معظم القوّات العربيّة من المتطوعين غير المدربين الذين سارعوا إلى التقهقر عشوائياً في خصم المعركة. وقد قتل في المعركة يوسف العظمة الضابط التركي السابق المقرّب من البلاط العثماني وزوج إبنة والي سورية وبلاد الشام العثماني جمال باشا السفاح, الذي كان قد قفز للتوّ إلى “المركب البريطاني” بعد غرق “المركب العثماني” فتم تعيينه في منصب وزير حربية الحكومة التي شكّلها فيصل بن الحسين. أما فيصل ابن الحسين فقد فرّ قبيل وصول القوات الفرنسية إلى ميسلون متجهاً إلى حوران فحيفا ومن هناك أبحر إلى بريطانيا بدعوة من حكومتها التي عادت في العام التالي فعمدت إلى تنصيبه ملكاً على العراق الذي كان تحت سلطتها, وفي نفس الوقت نصّبت اخاه عبدالله بن الحسين ملكاً على شرق الأردن.
بعد استتباب الأمر للجنرال غورو في سوريا باشر في ترتيب المنطقة التي كانت واقعة سابقاً تحت السلطة الدينيّة للخلفاء العثمانيين وتحت السلطات القبلية والدينيّة المتعاقبة على مدى عشرات القرون والتي لم تكن القيم الأوروبية الحديثة كالوطنيّة والقومية تعني لها شيئاً, إذ لم يسبق لتلك المنطقة ان خبرتها. فقد كانت الولاءات التي اعتادت عليها تقتصر على الولاء للقبيلة, أو الطائفة الدينيّة اوالمذهبية. وفي سوريا (الحالية) لم تكن القبائل العربيّة بالحجم والقوّة التي تستطيع فيها كل قبيلة ان تسوس بلداً أو حكومة كما حصل في اليمن مثلا او في شبه الجزيرة. كما ان الطوائف المتعددة فيها طالما كانت عبر تاريخها الطويل متنافرةً ومتنازعةً أو متعايشةً على مضضٍ بقوة السيف العثماني او المملوكي او العبّاسي او الأموي إلى ما هنالك من ممالكٍ دالت عليهم. فعند كلّ نشوبٍ لصراعٍ على السلطة يؤدي إلى ضعف الدولة المركزيّة, غالباً ما كانت هذه الطوائف تنقضُّ على بعضها البعض ببربريةٍ أصيلة مرتكبةً أشد الفظائع والأهوال والمجازر بالمدنيّين العزّل والعسكريّين المسلحين على حدٍ سواء. كانت الكيانات السياسيّة الوحيدة الممكنة إذن هي كيانات متشكّلةٌ أصلاً على أساس الفرز الجغرافي الطائفي (وأحياناً العرقي) وهو ما لحظته وأقرته إتفاقية سايكس _ بيكو. من هنا, فإن الدول التي انشأها الانتداب الفرنسي هي التالية:
- دولة لبنان الكبير
اعلن الجنرال غورو عن قيامها في اول أيلول 1920 ثم تمّ تغيير إسمها في 23 أيار 1926 لتصبح الجمهورية اللبنانيّة وكان الهدف من إنشائها بناء كيان سياسي رسمي خاص بالموارنة يكون بمثابة منطقة آمنة لهم تقيهم من الصراعات الطائفية المتكررة عبر التاريخ. وكان جبل لبنان قد تمتّع بنوعٍ من الإدارة الذاتيّة طوال فترة الحكم العثماني بضغطٍ من الدول الأوروبية بشكلٍ عام ومن فرنسا بشكلٍ خاص. ولكن جبل لبنان وحده ليس بالمساحة الكافية لإنشاء دولة قادرة على البقاء خصوصا ان جزءاً من هذه الجبل يتقاسمه الموارنة مع الدروز. لذلك قامت الحكومة الفرنسية بإقتطاع بعض المدن الساحلية السوريّة كصيدا وصور وبيروت وطرابلس وأغلبها من المسلمين السنّة وضمتها إلى الدولة الجديدة كما ضمّت إليها منطقة سهل البقاع الذي يقطنه خليطٌ من السنّة والشيعة كذلك ضمّت لها جبل عامل الذي تقطنه الطائفة الشيعية بمفردها.
تمّ انتقاء هذه المناطق المقتطعة بعناية شديدة بحيث تكون الأغلبيّة في دولة لبنان الكبير هي للطائفة المارونية مما يتيح لها السيطرة على السلطة فيها وأيضاً بحيث يتحقّق توازنٌ مذهبي بين المسلمين والشيعة داخل الدولة العتيدة ويضمن أيضاً التوازن المسيحي الإسلامي. لكن هذا التوازن المحكم ما لبث ان اختلّ لأسباب عديدة أوّلها لجوء عشرات الآلاف من الفلسطينيّين الهاربين من حرب 1948 إلى لبنان وهم بمعظمهم من المسلمين السنّة. أما العامل الثاني في هذا الإختلال فكان هجرة الكثير من اللبنانيين المسيحيين إلى أمريكا وأوروبا, كما ان كون المناطق المقتطعة ذات الأغلبيّة السنيّة أو الشيعيّة بأغلبها مناطق ريفية اعتاد اهلها كثرة الإنجاب لدواعٍ دينيّة واجتماعية واقتصادية شكّل العامل الثالث. ولقد تسبّبت عمليّة الدمج الطائفي في النموذج اللبناني بالعديد من الصراعات السياسيّة الناتجة عن إختلال التوازن الطائفي الأساس وكثيراً ما تفاقمت هذه الصراعات إلى حدّ اندلاع نزاعاتٍ مسلّحة ومتشعبة كان من أشدّها اضطراماً الإشتباكات التي اندلعت عام 1958 بسبب إرادة المسلمين بالإنضمام إلى الجمهورية العربيّة المتّحدة المشكلّة حديثا من مصر وسوريا. ثم عادت هذه الإشتباكات الطائفية لتتجدّد في العام 1975 بوجهٍ أفظع وأعنف وبمشاركة الفلسطينيّين ثم السوريّين والإسرائيليين ولاحقاً الإيرانيين. ولقد استمرت هذه الحروب الطائفية الصغيرة والكبيرة دائرةً بوتائر مختلفة في شدّتها حتى 13 تشرين الأول 1990 حين هاجم الجيش السوريّ بموافقة ودعم من الإدارة الأميركيّة مقرّ الجنرال ميشال عون قائد الجيش اللبناني الذي رفض إتفاق الطائف, بعد قصفه بالطائرات الحربية وأجبره على الفرار إلى السفارة الفرنسية ومنها إلى فرنسا. كان اتفاق الطائف الذي عقد في مدينة الطائف السعودية في ايلول 1989 قد أعاد رسم التوازن الطائفي حسب الحجم المستجد لكلّ طائفة وتعدادها السكاني بحيث لم يعد الموارنة يشكّلون الأكثرية وبالتالي خسروا الكثير من سلطاتهم لصالح الطائفتين الأكبر حجما اي السنّة والشيعة والأخيرة كانت الرابح الأكبر كونها قد أصبحت ولا تزال أكبر الطوائف اللبنانيّة حجماً إضافة إلى كونها حالياً الطائفة الوحيدة التي لا تزال مسلّحة بحجة مقاومة الإحتلال الإسرائيلي ,الذي زال!.
- الدولة العلويّة
أنشئت في منطقة الساحل السوريّ ذات الأغلبيّة العلويّة وكانت عاصمتها مدينة اللاذقية. ولقد انضمّت هذه الدولة إلى الإتحاد الفيدرالي السوريّ المكوّن من دولة حلب ودولة دمشق لكنها عادت وأعلنت استقلالها بعد عامين من هذا الانضمام. وقد تغيّر إسمها في العام 1930 لتصبح حكومة اللاذقية المستقلّة وحافظت على إستقلالها حتى الخامس من كانون الأول 1936 حين انضمّت إلى الجمهورية السوريّة وبلغ عدد سكانها حوالي الثلاثمائة الف.
- دولة جبل الدروز
أنشئت في الجنوب السوريّ ذي الأغلبيّة الدرزية وكانت عاصمتها مدينة السويداء وتعداد سكانها حوالي الخمسين ألف. بقيت مستقلة حتى تاريخ انضمامها للجمهورية السوريّة في 1936.
دولة حلب
- وكانت ذات أغلبيّة سنيّة وضمت الشمال السوريّ إضافة إلى حوض الفرات الخصيب في شرق سوريا واضيف إليها سنجق الإسكندرون في العام 1923. كانت عاصمتها مدينة حلب التي يسكنها إضافةً إلى المسلمين السنّة بعض الجاليات المسيحيّة واليهودية. لم تستمر هذه الدولة سوى إلى العام 1925 بسبب معارضة سكانها للإنفصال عن سوريا فأعاد الفرنسيون ضمها في إتحاد سوري مع دولة دمشق.
دولة دمشق
- وينطبق عليها ما ينطبق على دولة حلب, معظم سكانها من المسلمين السنة المعارضين للإنفصال وشكّلت مع دولة حلب (ودولة العلويين لفترة قصيرة) الإتحاد السوريّ.
- سنجق الإسكندرون
تمتّع بالحكم الذاتي في بين الأعوام 1921_1923 بمقتضى إتفاقية وقّعت بين فرنسا وتركيا كون نصف سكانه تقريباً هم من الأتراك إضافةً إلى خليط من أغلب الطوائف والأعراق السوريّة ضمّ مسلمين سنّة وعلويين ومسيحيّين أرثوذكس وكاثوليك وموارنة وأرمن وكرداً وسريان وأشوريين. ضمّته فرنسا في العام 1923 إلى دولة حلب ثمّ عادت وتراجعت عن الضم في 1925 وبقي السنجق تحت الإنتداب الفرنسي المباشر حتى العام 1938 حين اجتاحه الجيش التركي بموافقةٍ فرنسية وعمل على طرد الكثير من العرب منه ليصبح إسمه جمهورية هاتاي قبل ان يوافق سكانه في استفتاءٍ عامٍ تمّ التلاعب بنتائجه على الإنضمام إلى تركيا وأُعلن مقاطعةً تركية في العام 1939.
——————————————————
ان انعدام الشرعية الدينيّة للسلطة في الكيانات السياسيّة المتخلّفة لا يمكن التعويض عنه سوى بزيادة الجرعة العنفيّة التي تقام على أساسها الدول. فبينما تكون هذه الجرعة في حدّها الأدني في دول الحداثة حيث يتمّ تداول السلطات بين الأحزاب المختلفة عبر صناديق الإقتراع فإنها تبلغ حدّها الأعلى في الدول المتخلّفة التي تفتقد السلطات فيها لأية شرعية مرادفة للشرعيّة العنفيّة كالشرعية الدينيّة أو القبليّة أو التوافقيّة. ويتفاقم هذا المنحى العنفي حين يعاني الكيّان من أزماتٍ إقتصادية وانخفاضٍ في معدّل النمو وارتفاعٍ في حجم البطالة. ثم يتصاعد أكثر حين تكون المكوّنات الكيانيّة غير متجانسة انْ دينياً أو طائفياً أو عرقياً. كانت سوريا بعد قرون أربعة من حكم السلطنة العثمانية ثم عقدٍ ونصف من حكم الانتداب الفرنسي, نموذجاً مَخبرياً لكل هذا العناصر مجتمعةً. ففي سوريا الأربعينات من القرن الماضي وجد المسلمون بطوائفهم السنيّة والعلويّة والشيعية والدرزية والإسماعيلية, كما وجد المسيحيين بأغلب طوائفهم الشرقيّة والغربيّة وكذلك اليهود وانْ بنسبة أقلّ من نسبة أتباع الديانتين المسيحيّة والإسلامية. أمّا عرقياً فثمة عربٌ وكردٌ وأشوريون وسريان وشراكسة إضافة إلى الأرمن الفارين من المجازر التركية. أمّا انخفاض معدلات النمو وأحجام البطالة المرتفعة فلا يحتاجان إلى ادلّة. فمع أنني لست خبيراً إقتصاديا لكن إذا كان معدّل النمو في بعض سنوات الألفية الثالثة يقدر بأقلّ من 1% ومعدلات البطالة في سوريا ”الحديثة” عادةً ما تلامس حافة ال40% ومعدل الأميّة 35% (إلا في الإحصاءات الرسميّة للدولة السوريّة) فلك ان تتخيّل الأوضاع الإقتصاديّة فيها عند نهاية الحرب العالميّة الثانية. صحيحٌ ان الانتداب الفرنسي والإحتكاك مع الغرب قد أفضيا إلى نشوء بعض الأحزاب السياسيّة المستنسخة عن الأحزاب الفاشية والنازية الأوربية وكذلك الشيوعية السوفياتية, كالبعث والكتلة الوطنيّة والقوميين العرب والشيوعيّين إلا ان هذه الأحزاب كانت (ولا تزال) مجرد واجهاتٍ حداثية للعسكريّتاريا أو للطوائف أو للمذاهب أو للأعراق. في ظلّ تلك الأوضاع الإقتصاديّة والسياسيّة بالغة السوء ورغم محاولة الدولة الفرنسية انشاء كيان سياسي حداثي يتم فيه تدوال السلطة عبر صناديق الإقتراع و يحفظ لها مصالحها في سوريا إلا ان هذه البنى السياسيّة ما لبثت ان تهاوت بُعيد اكتمال الجلاء الفرنسي عن سوريا في 17 نيسان 1946 وذلك أمام السلطة الحقيقيّة الوحيدة المتبقيّة اي الجيش.
كان القرار الأول والأهمّ للجنرال غورو الذين تضمّن انذاره الشهير الموجه إلى الملك فيصل بن الحسين هو حلّ الجيش العربيّ الذي شكّله فيصل بدعم وتسليح من الحكومة البريطانية وهو ما بدأت بتنفيذه حكومة فيصل واستكمله غورو عند دخوله إلى مدينة دمشق. ثم قام غورو لاحقاً بتشكيل جيشٍ جديدٍ لسوريا اشرفت الحكومة الفرنسية على تجهيزه وتسليحه وتدريبه وتمويله وكان الإلتحاق بهذا الجيش مفتوحا أمام كلّ الطوائف والمذاهب كالمسيحيين واليهود والعلويّين والإسماعيليين والدروز إضافة إلى المسلمين السنّة. وهو امرٌ كان ممنوعاً على مدى أربعة قرون من الحكم العثماني لسورية حيث كان الجيش يتشكّل فقط من المسلمين السنّة وممنوعاً على بقيّة الطوائف والمذاهب مما جعل السنّة يعانون زمن الخلافة العثمانية أكثر مما عاني بقيّة الطوائف بإعتبارهم كانوا الوحيدين الذين يجنّد أبناؤهم بالقوّة ويرسلون إلى الجبهات الاوروبية والأفريقية طوال الحرب العالميّة الأولى (السفر برلك). وكثرٌ هم الجنود المرسلين الذي لم يعودوا حتى ان الكثير ممن بقي حياً منهم لم يستطع العودة حين هزمت تركيا وتخلّت عنهم ولم يكونوا قادرين مالياً على تمويل مصاريف النقل والعودة إلى عائلاتهم فاستقروا حيث هم. عند قيام فرنسا بتشكيل الجيش الجديد كانت مرحلة السفر برلك البغيضة لا تزال مطبوعةً في نفوس السوريّين من المسلمين السنّة فاستنكف أغلبهم عن تشجيع أبنائهم على التطوع فيه بينما سارعت بقيّة الطوائف الذي لم يختبر أبناؤها مظالم السفر برلك, وهم يجدون انفسهم لأوّل مرة قادرين على الدخول إلى الجيش بالإندفاع إلى مجال العمل الجديد هذا والمفتوح أمامهم. خصوصا ان هذه الأقليّات بمعظمها كانت فقيرة, ولقد نتج عن هذه العوامل ارتفاع نسبة الأقليات في الجيش وانخفاض نسبة الأغلبيّة السنيّة.
أمام إغراء الفراغ السلطوي الذي خلّفه جلاء قوات الإنتداب الفرنسي, والذي كانت الشخصيّات الإجتماعيّة المرموقة والأحزاب الشكليّة الوليدة أعجز من ان تملأه, سال لعاب كبار الضبّاط في الجيش ذوي الطموح. كان أول الضبّاط المغيرين على موقع الرئاسة الأعزل هو حسني الزعيم وبتنسيقٍ مع السفارة الأميركيّة في دمشق حيث قام بتاريخ 30 آذار 1949 بإعتقال رئيس الجمهورية شكري القوتلي وبعض وزرائه وأفراد حاشيته وسيطر على الدولة ثم أعلن نفسه رئيساً للجمهورية بعد انتخاباتٍ مفبركة ليعدم لاحقاً بعد بضعة أشهر وفي نفس العام على يد الانقلابي الثاني سامي الحناوي. ثم كرّت سبحة الإنقلابات وليس من يردعها, وسقط الكثير من الضبّاط في فخّ الطموحات السلطوية المغلّفة بالشعارات الوطنيّة والحزبية (بعثيّة وقوميّة سوريّة وناصريّة) وصار يكفي ان تكون قائد كتيبة متواجدة بالقرب من العاصمة دمشق ليتسنى لك احتلال مؤسّسة الإذاعة وقراءة بيان الإنقلاب فيفرّ الذين كانوا قد انقلبوا من قبلك حيث انهم بتولّيهم منصب رئاسة الجمهورية يكونوت قد ابتعدوا عن مراكز القوّة في الجيش وفقدوا سيطرتهم عليها. استمرت تلك الانقلابات بالوتيرة نفسها, فبعد انقلابي حسني الزعيم و سامي الحنّاوي جاء انقلاب أديب الشيشكلي العام 1949 (انقلب مرتين إذ انه عاد وقام بانقلاب ثاني على هاشم الأتاسي الذي عيّنه رئيسا للجمهورية بعد الإنقلاب الأول) ثم انقلاب مصطفى حمدون فعبد الكريم النحلاوي الذي أسقط الوحدة مع مصر عبد الناصر في أيلول 1961. ثم تلاه اشدّ الانقلابات إيلاماً للسوريين السنّة وهو انقلاب ”البعثيين” الذي قاده ثلاثة ضبّاط علويون هم صلاح جديد ومحمد عمران وحافظ الأسد ومعهم ضابطان من الطائفة الشيعيّة الإسماعيلية وعيّنوا أنفسهم أعضاء في لجنة عسكرية أنشأوها لتدير البلاد (تم توسيع اللجنة لاحقا لتضمّ اعضاء سنة ودروز شكليّين). ما ان استتّب الأمر للجنة العسكريّة حتى شرعت فورا في تسريح مئات الضبّاط من أبناء الطائفة السنية بتهم مختلفة مثل يميني عفن, بعثي يميني, أو ناصري, وبادرت في الوقت نفسه إلى تطويع مئات الضبّاط العلويين واستمرت التسريحات إلى ما قبل اندلاع حرب حزيران 1967 بشهرٍ واحد حيث سرّح ألفي ضابط في أيار من العام نفسه. ولقد رفض الكثير من الضبّاط هذه التسريحات الإعتباطية التي كان من الواضح انها تستهدف إصباغ لون طائفي واحد على الجيش السوريّ هو اللون العلوي. وجرت بعض المحاولات الانقلابية بين العامين 1963_1966 إنما لم يكتب لها النجاح وكانت نتيجتها المزيد من التسريحات والإعتقالات والإعدامات. مع حلول العام 1966 كان الضبّاط العلويّون قد أكملوا سيطرتهم على الجيش السوري وكذلك على حزب البعث الذي تمّ تحجيم جميع قياداته السياسيّة كميشيل عفلق وصلاح البيطار و منيف الرزاز كما أبعد محمد عمران الذي كان قد تعاطف مع هؤلاء القادة عن اللجنة العسكريّة ونُفي سفيراً إلى إسبانيا وأصبحت السلطة في سوريا بأكملها بيد شخصين إثنين اولهما صلاح الجديد الذي تولّى الأجهزة المدنيّة والحزبية والثاني حافظ الأسد الذي تولى منصب وزير الدفاع إضافةً إلى قيادة القوّات الجويّة والمخابرات العسكريّة. بدا واضحاً ان الرجلين يمتلكا نفس الطموح ويسعيا الى السيطرة على كامل السلطات المدنيّة والعسكريّة والحزبيّة. وكان التوازن بينهما يميل إلى الشخص الأشدّ بطشاً بينهما والذي يسيطر على الجيش والقوّة الجويّة وأضخم الأجهزة الأمنيّة اي حافظ الاسد. شرع الأسد بصفته قائداً للقوّة الجويّة في بناء فرع المخابرات الجويّة وتوسيع صلاحياته لتشمل كافة المناحي الأمنيّة وليس فقط ما يتعلق بسلاح الجو فيما راح جديد يعمل على تمتين سلطاته داخل مؤسّسات الدولة المدنيّة والحزبية إضافة إلى بناء جهاز أمن الدولة بقيادة عبد الكريم الجندي المقرب منه والذي ما لبث ان قتل على يد المخابرات العسكريّة التابعة لحافظ الأسد في آذار 1969 تمهيداً للضربة القاضية التي سيوجّهها لغريمه وابن طائفته صلاح جديد في تشرين الثاني 1970 حين قام بالانقلاب عليه وزجّه في سجنٍ لم يخرج منه إلّا جثةً هامدة وذلك في 19 آب 1993.
عندما اعتلى حافظ الأسد منفرداً سدّة السلطة في سوريا كانت نسبة الضبّاط العلويّين في الجيش قد بلغت 63% بفضل جهود اللجنة العسكريّة المكونة من الثلاثي العلوي مع ضابطين من الطائفة الإسماعيلية (عبد الكريم الجندي وأحمد المير) التي سيطرت على البلاد لكن ذلك لم يكن سوى البداية إذ ان هذا الرقم ما لبث ان قفز حين أصبحت سوريا تحت ظلال الأسد لتصبح نسبتهم توازي 80%. اما في بعض الألوية العسكرية ذات الأهمية الإستراتيجية والمسلحة تسليحاً مميزا كالقوّات الخاصة فقد تجاوزت هذه النسبة سقف ال 90%, علماً ان نسبة العلويّين في سوريا لا تجاوز ال12% من السكان. كان الهاجس الرئيس للأسد بُعيد الانقلاب هو تحصين سلطته على الجيش تفاديا لمحاولاتٍ انقلابية كانت معتادة قبله فبدأ بإبعاد القلة المتبقيّة من الضبّاط السنّة عن المواقع الحساسة مع ترك بعض الواجهات الشكليّة إرضاء للطائفة, كالعماد مصطفى طلاس الموالي له تاريخياً والذي عيّنه وزيراً للدفاع وانْ بدون صلاحيات حقيقيّة, الأمر الذي ناسب طلاس إذ ان اهتمامات العماد الحقيقيّة اقتصرت على فنّ الطبخ الذي ألّف فيه كتاباً. لقد كان وزير الدفاع الحقيقيّ وقائد الجيش السوري منذ لحظة إستواء الأسد على السلطة وحتى لحظة وفاته هو نفسه الرئيس حافظ الأسد.
إضافةً إلى البطش الذي مارسه الأسد حين زجّ بكبار الضبّاط غير الموالين له في السجون بدون محاكمة خصوصا منهم المقربين من صلاح جديد, فقد قام أيضاً بزج الكثير من القيادات الحزبية البعثية العليا في نفس السجون مثل نور الدين الأتاسي الذي نصّبته اللجنة العسكرية رئيسا سنيّاً صوريا للجمهورية العربيّة السوريّة بعد انقلابها بينما أبقت على السلطات الحقيقية تحت سيطرتها المباشرة.
ولقد أمضى الأتاسي ايضا 22 عاماً في زنزانة صغيرة لم يخرج منها سوى بعد ان تفشّى السرطان في جسده وبات في الرمق الأخير من حياته. بعد إطلاق سراحه سافر الأتاسي فوراً إلى فرنسا بهدف العلاج لكنه توفّي بعد إسبوعٍ واحد من وصوله. لم يكتف الأسد بتعويم الجيش بالضبّاط العلويّين بشكل عام بل اعتمد مباشرةً على إخوته وأقربائه وأنسبائه وأبناء بلدته القرداحة الذين عيّنهم في المناصب العسكريّة والمدنيّة الحساسة في الدولة. بالموازاة مع السيطرة الكليّة على الجيش لم يكتفِ الأسد بتوسيع أجهزة المخابرات كافةً بل استحدث اجهزةً أخرى بثّت الرعب في قلوب السوريّين على مدى اربعين عاماً وارتكبت أفظع المجازر واشدها وحشيةً في التاريخ المعاصر حتى تحول الشعب السوريّ بأغلبيته أو كاد إلى قطيعٍ كبيرٍ من الأغنام يعيش في حظيرة آل الأسد الذين يتعطفّون عليه بفتات موائدهم ويأمّرون عليه رعاةً يعملون لديهم مقابل السماح لهم بالإستفادة من الفساد الشامل في البلاد. أول وأهمّ الأجهزة الأمنيّة لديه كان جهاز المخابرات الجويّة الذي شكّله بنفسه حين كان وزيراً للدفاع وقائداً للقوّات الجويّة وكان هذا الجهاز في الأصل مكلّفاً بحماية أمن المطارات وطائرات الرئيس وأمن السفارات لكنه تولّى بعد توسيعه وإسناد رئاسته إلى اللواء العلّوي المقرب من الأسد, محمد الخولي الذي سبق أن عينه نائباً له حين كان قائد القوات الجوية. بعد تلك التوسعة أصبحت صلاحيات جهاز المخابرات الجوية تطاول كلّ مناحي الحياة في سوريا, من مراقبة المؤسّسات المدنيّة والقطع العسكرية إلى اعتقال وتصفية المعارضين السياسيّين إضافةً إلى تنفيذ العمليات الخارجية التي تمثلت بشكلٍ رئيس بتصفية المعارضين السوريين الفارّين إلى الخارج وتنفيذ بعض الهجومات الإرهابية في الدول الغربيّة. ومن بين أهم الأعمال المنسوبة إلى هذا الجهازهي المحاولة الفاشلة لتفجير طائرة العال الإسرائيليّة عام 1986 والتي كلّف بتنفيذها الفلسطينيّ الأردني نزار الهنداوي عن طريق تسليم صديقته الإيرلندية حقيبة مفخخة موهماً إياها انها مرسلة إلى أقربائه في فلسطين. ويرأس هذا الجهاز حاليا اللواء العلوي جميل الحسن وهو واحدٌ من أربعة اجهزة لها عشرات الأفرع المنتشرة في كافة المحافظات السوريّة إضافةً إلى تلك التي انتشرت في لبنان طوال فترة الهيمنة العسكريّة والأمنيّة السوريّة. الأجهزة الرئيسة الثلاثة الأخرى هي الأمن العسكريّ ويقوده حاليا اللواء العلوي عبد الفتاح قدسيّة الذي خلف اللواء آصف شوكت زوج بشرى إبنة حافظ الأسد وكان يقوده زمن حافظ اللواء العلوي علي دوبا ويندرج بين فروعه فرعان مخصّصان للفلسطينيّين وتنخلع لذكرهما قلوبهم هما فرع فلسطين المتخصّص بمتابعة ومراقبة سكان مخيمات اللاجئين الفلسطينيّين في سوريا وفرع الضابطة الفدائـية الذي يتولّى متابعة ومراقبة والإشراف على التنظيمات المسلحة الفلسطينيّة التابعة للمخابرات السوريّة مباشرةً مثل القيادة العامّة وقوّات الصاعقة وفتح الإنتفاضة وكذلك التنظيمات الموالية لسورية مع إحتفاظها ببعض الإستقلالية مثل الجبهتين الشعبيّة والديموقراطية. أما المنظمات المسلحة الفلسطينيّة غير الموالية لنظام الأسد فأمرها من صلاحية فرع فلسطين المولج بمتابعة جماعة عرفات في فترات الخلاف معه واستضافتهم في زنازينه لعقودٍ طويلة دون محاكمة.
وقد تتداخل أحياناً مهام هذين الفرعين وهذا التداخل هو سمة عامة لجميع أجهزة المخابرات السورية. الجهاز الثالث هو جهاز المخابرات العامّة وكان يقوده الرائد العلوي فؤاد عبسي واتصل حالياً إلى قيادة العميد حافظ مخلوف ابن اخت ناعسة زوجة حافظ الأسد. وهو أيضاً شقيق رامي مخلوف الذي تطلق عليه اجهزة الإعلام الدولية لقب صرّاف آل الأسد ووكيل أعمالهم. ويتبع لهذا الجهاز العديد من الأفرع منها الفرع الخارجي وفرع المعلومات المتخصّص بمراقبة الكتاب والصحفيّين والإعلاميّين العاملين في كافة وسائل الإعلام المطبوعة والمرئية والإلكترونية وكذلك الفرع الإداريّ وفرع التحقيق وفرع السجن وفرع مكافحة التجسّس وفرع المداهمات. أما الجهاز الرابع فهو الأمن السياسيّ ويرأسه حالياً اللواء العلوي عدنان الحسن ومهمّة هذا الجهاز كما يُستشفّ من إسمه هو القضاء على كلّ أشكال الحياة السياسة في سوريا وقمع أية محاولة للقيام بأي خطوة تجمّعية سواء كانت سياسية او إجتماعية أو دينية أو نقابية أو أي شكل آخر من أشكال المبادرات التي قد تصدر عن المجتمع المدني وخارج نطاق مؤسّسات النظام وأجهزته الأمنيّة الراعية له. كذلك تدخل ضمن اختصاص هذا الجهاز عمليات قمع وإعتقال و تعذيب أيٍّ من المواطنين الذين يثبت انتمائهم, مجرد انتمائهم, لأية من الأحزاب السياسيّة أو الجمعيات الإجتماعيّة سوى تلك المرخص بها والتي تقع داخل التحالف السياسيّ الهزلي الذي اطلق عليه الأسد إسم الجبهة الوطنيّة التقدمية والذي يضمّ إضافة إلى حزبه احزاباً أخرى مدجنّة ويشرف عليها جهاز الأمن السياسيّ نفسه ولا تمارس من العمل السياسيّ سوى المشاركة في المناسبات الإحتفاليّة التي تستدعي حضور شُبهة الديموقرطية وهذه الأحزاب هي:
– الحزب الشيوعيّ السوريّ الموحّد
– الحزب الشيوعيّ السوريّ – جناح آل بكداش
– الإتحاد الإشتراكي العربيّ
– حزب الوحدويين الإشتراكيين
– حركة الإشتراكيين العرب
– الحزب الوحدوي الإشتراكي الديموقراطي
– الإتحاد العربيّ الديموقراطي
– الحزب السوريّ القومي الإجتماعيّ – عصام محايري
هذا النوع من النشاط الأنتي – سياسي يشرف عليه “فرع الأحزاب السياسيّة” التابع لجهاز الأمن السياسيّ وللجهاز ايضاً نشاطاتٌ متنوعة وأفرعٌ عديدة مثل ” شعبة الطلاب والانشطة الطلابية ” و ” شعبة المطلوبين والملاحقين ” وفرعٌ متفرغٌ لمراقبة الأجهزة الحكومة المدنيّة وموظفيها بما فيهم الوزراء ورئيس الوزراء الذي يضطر النظام إلى تطعيمهم بأشخاص من الطائفة السنية التي تشكل نسبة 80% من تعداد السكان في سوريا , ويطلق عليه اسم ” شعبة أمن المؤسّسات الحكومية “.
إضافةً إلى هذه الأجهزة والأفرع والشُعب الأمنيّة قام حافظ الأسد بتشكيل بُنى وتنظيمات عسكريّة تتبع له شخصيّاً لا لوزارة الدفاع ويقود كل من هذه البنى العسكريّة _ الأمنيّة ضابطٌ من أقربائه. اوّل وأشرس هذه البنى هي سرايا الدفاع التي شكّلها وقادها شقيقه رفعت الأسد وبلغ تعدادها اكثر من عشرة آلاف ضابط وصفّ ضابط وجندي 95% منهم من الطائفة العلوية وكان لهذه السرايا زيٌّ عسكريّ مرقّط خاصٌ بها ومختلفٌ عن لباس الجيش السوريّ النظامي وتم تزويدها بأحدث الأسلحة المستوردة خصّيصاً لها مما جعلها متفوقة على بقيّة قطعات الجيش النظامي وكانت هذه القوّات العسكريّة شبه المليشاوية مزوّدة بطائرات سمتيّة ولها جهازها الأمني الخاص بها وتقوم بالمرابطة في محيط دمشق تأهبأً لأي محاولة انقلابية قد يجرؤ ضابطٌ ما على التفكير بها. كما انها شكّلت قوّة الصدم الأولى في يد آل الأسد حين ثار السوريّون تحت راية الإخوان المسلمين في حماة حيث أرسلت هذه القوّات في 2 شباط 1982 مصحوبةً بالقوّات الخاصة ولوائين من الجيش النظامي هما لواء مدفعية ولواء ميكانيكي لمحاصرة مدينة حماة ودكّها بالمدفعية على مدى شهرٍ كامل سقط خلاله عشرات الآلاف من السكان المدنيّين قتلى وجرحى بينهم بضعة مئات من تنظيم الإخوان المسلمين المسلحين إضافةً إلى تهجير اكثر من مائة ألف مواطن بسبب تهدم أكثر من ثلث المباني في المدينة. وفقاً لتوماس فريدمان بلغ عدد القتلى الذي أقرّ به رفعت الأسد متباهيا 38 الفاً. لم يكتف حافظ الأسد بهذا العدد من الضحايا فأصدر بعد مجزرة حماة القانون المعروف بقانون 49 والذي يقضي بإعدام اي شخص ينتمي إلى حزب جماعة الإخوان المسلمين عرفياً وبدون محاكمة وجعل للقانون مفعولاً رجعياً لكي يتاح له قتل الأسرى المعتقلين لديه وبعضهم معتقل منذ ما قبل اندلاع الأحداث العسكريّة. كان عدد أولئك المعتقلين بالآلاف ونفذ حكم الإعدام بالعشرات منهم إسبوعياً عدا حوالي الف ومائتين معتقل قتلوا في يومٍ واحد على أيدي قوّات عسكريّة من سرايا الدفاع بلغ تعدادها 600 عنصر أرسلت إلى سجن تدمر في اليوم التالي لمحاولة فاشلة لإغتيال حافظ الأسد جرت في 26 حزيران 1980 اي قبل حوالي إسبوعٍ واحد من إصدار القانون 49, على متن إثنتي عشر مروحية حيث فُتحت مهاجع المعتقلين العزّل واُطلقت عليهم نيران الرشاشات والقنابل اليدوية انتقاماً لعمليّة الإغتيال الفاشلة.
البنية العسكريّة – الأمنيّة الثانية بعد سرايا الدفاع وقد شكّلت ذراعا عسكريّا ضاربا لحافظ الأسد منذ تأسيسها في العام 1968 بقيادة العميد الركن العلوي علي حيدر وقد تميزت كما سرايا الدفاع بتسليحها بأحدث الدروع وكذلك بالطائرات السمتيّة, كما أن 95% من جنودها وضبّاطها أيضاً هم من العلويّين وبلغ تعدادها 15 ألفاً وقد استخدمها الأسد في آذار 1980 لقمع التمرد في منطقة جسر الشغور القريبة من حلب حيث اقترفت مجزرة راح ضحيتها 200 شخصا من المدنيّين. كما شاركت تلك القوّات ايضاً في كلٍّ من مجزرتيّ مدينة حماة وسجن تدمر. بحلول العام 1985 عملت هذه القوّات في بيروت وشمال لبنان وكانت مسؤولة عن أعتقال الآلاف من اللبنانيّين والفلسطينيّين والكثير من حوادث الإختطاف والإعدامات العشوائية.
ثالث البنى العسكريّة – الأمنيّة هو جهاز “الأمن الرئاسي” وقد شكّله حافظ أسد في العام 1976 بعد اندلاع الحرب الأهليّة اللبنانية وارتفاع وتيرة هواجسه على أمنه الشخصيّ بسبب الحرب الدائرة على بعد عشرات الكيلومترات من قصره حيث ان إرساله لجيشه إلى لبنان كان قد ألّب ضده العديد من الفصائل المسلحة من كلا الطرفين المتنازعين فيه. ولقد عيّن الأسد على رأس هذا الجهاز شقيق زوجته عدنان مخلوف. وقد تضخّم حجم جهاز “الأمن الرئاسي” في العام 1984 إلى ما جاوز العشرة آلاف جندي أغلبهم من العلويّين. في ذلك العام بدأ رفعت الأسد يعدّ العدّة للوثوب إلى السلطة بعد مرض حافظ الأسد ودار صراع بين الشقيقين كاد ان يفضي إلى اشتباكٍ مسلّح لولا ان اشترى حافظ الأسد مستقبل سلطته من أخيه رفعت بمئات الملايين من الدولارات أتت من خزينة معمّر القذافي وسافر بعدها رفعت إلى مجمّعه الخاص في ماربيا الإسبانية ومعه مائتا شخص من حاشيته وحلّت سرايا الدفاع ووزّع أفرادها على كامل القطعات العسكريّة. ولقد تمّ لاحقاً تعديل إسم جهاز الأمن الرئاسي ليصبح “الحرس الجمهوري” وعزّز بكتائب مدفعية ودبابات من اللواء 81 وتوسّعت صلاحياته ومهماته لتضم حماية أمن العاصمة دمشق بأكملها وأصبح هو القوّات العسكريّة الوحيدة المسموح لها بالتواجد ضمن العاصمة أو في محيطها درءاً لأية محاولات أخرى من رفعت الأسد او أيٍ من أتباعه لمعاودة الانقلاب على السلطة.
تستهلك هذه الأجهزة الأمنيّة وشبه الأمنيّة أكثر من 10% من الناتج المحليّ العام حسب بعض التقديرات ويعمل فيها اكثر من مائة ألف فرد عدا عن مائتي ألف من المخبرين ويرفدها ما يقارب المليوني فرد من أعضاء حزب البعث الذين يتقربون من مسؤوليهم بالتقارير الأمنيّة وتبلغ نسبتهم حوالي 10% من الشعب السوريّ. وبحسبة بسيطة نجد ان بين كل عشرة أشخاص في سورية يوجد على الأقلّ مخبرٌ واحد! وليدرك المرء حجم الإنفاق على هذه الأجهزة العسكريّة والأمنيّة يكفي ان نذكر ان ريع النفط السوريّ لم يدخل أبداً إلى الموازنة العامّة للدولة أو خزينة وزارة الماليّة طوال ثلاثين عاماً من حكم حافظ الأسد بل كان يذهب مباشرةً إلى جهة مجهولةٍ معلومة هي جيب حافظ الأسد نفسه الذي كان يخصّص جزءاً منه لتغطية تكاليف هذه المؤسّسات الإرهابية. علما ان هذا النفط شكّل في العام 1977 مثلاً نسبة 58% من الصادرات السوريّة وقد بلغ حجم الصادرات النفطية السوريّة في نهاية الثمانينات ما يوازي ثلث الصادرات الكويتيّة النفطية وحين قام بشار الأسد بإدخال جزء من ريع النفط والغاز إلى الموازنة العامّة سنة 2000 كنوع من الهدية “الإستفتاحيّة” للشعب السوريّ (قبل ان يستردها لاحقاً عبر الزعم بان الصادرات قد انخفضت) كان حجم الدخل السنوي الذي تدرّه هذه السلعة يقارب العشرة مليارات دولار أمريكي وهو حجم كامل الموازنة العامّة لسوريا في ذلك العام. ان حجم الرعب الذي ولّدته هذه الأجهزة التي تشكّل كلاب الحراسة الأمينة لرأس النظام في نفوس الموطنين السوريّين لا يمكن مقارنته مع أيٍ فظائع ارتكبت في التاريخ الحديث. فرغم ان التعذيب مورس ولا زال يمارس في الكثير من دول العالم الثالث أو حتى العالم الأول إلّا انه لم يكن ممنهجاً ومنظماً ومشرّعاً كما هو الأمر في سوريا حيث ان عناصر أجهزة المخابرات (المخابرات العسكريّة والمخابرات الجويّة والمخابرات العامّة والأمن السياسيّ) يمتلكون حصانة قضائية قانونية وفقاً للمادة 16 من قانون استحداث إدارة أمن الدولة الذي صدر بالمرسوم التشريعيّ رقم /14/ تاريخ 15/ 1/ 1969 التي تحصّنهم من الملاحقة القضائيّة في حال ارتكابهم جرائم التعذيب، حيث يقول نصُّ هذه المادة:((لا يجوز ملاحقة أي من العاملين في إدارة أمن الدولة عن الجرائم التي يرتكبونها أثناء تنفيذ المهمات المحددة الموكلة إليهم أو في معرض قيامهم بها إلا بموجب أمر ملاحقة يصدر عن المدير)) وأقلّ ما يقال في هذه المادة “القانونية” هو أنها رخصةٌ للتعذيب والقتل تحت التعذيب.
هدفت الجرائم ضد الانسانية التي ارتكبتها ألمانيا النازية بحق اليهود إلى التخلّص ممن صنّفتهم السلطة أعداءً لها عبر التصفيّة الجسدية وهو أمر سهل “حسابياً” فلقد كان عدد اليهود الألمان حوالي 500 ألفا وشكّلوا 0.75% من مجموع الشعب الألماني البالغ تعداده 67 مليوناً. وانا هنا لا أحاول ان أقلّل من شان الهولوكوست ولكني أحاول ان أمايز بين التصفية الجسدية للخصم (مع عائلته وأطفاله) في حالة الهولوكست الألماني وبين تعذيبه حتى الموت في الهلوكوست الأسدي بحقّ السوريّين. لقد قرأت الكثير من الكتب الأدبية والواقعية عن معاناة اليهود على يد النازية والمجازر التي ارتكتب ضدهم والتي ينفطر لها القلب إلا انني أرى ان القتل في أفران الغاز يكاد يكون قتلاً رحيماً إذا ما قورن بالقتل ضرباً وركلاً وطعناً وسلخا وجوعا وعطشاً وطمراً وحرقاً الذي مارسته وتمارسه أجهزة الإرهاب الأسدية على مدى نصف قرن ناهيك عن عشرات الأدوات والإبتكارات السادية الأخرى. والسبب في تجاوز جرعات العنف عند الأسديين عنها عند النازيين هو ان بطش النازيين كان موجّهاً إلى أقل من 1% من شعبهم بينما يحتاج الأسديون إلى جرعةٍ من العنف عظيمةً بحيث تكون قادرة على إحتلال قلوب 80% من الشعب السوريّ وكسر إرادتهم بما يكفي لأن تلين قناتهم ويسهل قيادهم من قبل أقلية تعادل أقل من 12% من السكان وهي نسبة الطائفة العلويّة التي تستبد بهم. وربما من المفيد ان نلاحظ ان جرائم القتل النازية كانت تتمّ بالسرّ ويحرص منفذوها على التكتم حولها قدر الإمكان أما في حالة أجهزة الأسدَين الأمنيّة فانها تتقصّد إشهار مشاهدة التعذيب على الأقلّ امام السوريّين لإرهابهم وكبح تطلعاتهم إلى التحرر من نير العبودية, رغم ان الدولة السورية تحاول قدر الإمكان في خطابها السياسيّ الموجه للغرب, التنصل من مشاهد التعذيب التي امتلأت بها صفحات التواصل الإجتماعيّ على الانترنت والتي تقوم هذه الأجهزة نفسها بنشرها أو على الأٌقل تسريبها. وهذا التعذيب الذي لا يطال الشخص المعذب ولكنه يهدف إلى النيل من عزيمة الآخر الطليق وتثبيطه وتدجينه هو الإرهاب بعينه إذا ما كان هناك تعريفٌ ما للإرهاب وهو لا يشبه جرائم التعذيب التي تقوم بها بعض الجهات أو الدول بهدف إستخلاص المعلومات أو استصدار اعترافات أو تلك التي يقترفها أفرادٌ سايكوباتيون لإرضاء نزعاتهم السادية المريضة والفرق هنا هو بين الجريمة الجنائية والجريمة بحقّ الإنسانية.
تلك الدائرة المغلقة من العنف الهمجيّ الأرعن لا فكاك منها. فأنت لا تستطيع مثلا ان تتقّيها بمجرد الإمتناع طوال حياتك عن الحديث بالسياسة أو ابداء رأيك في أي موضوع يتعلّق بها. أولاً لأنه لا يوجد في عُرف هؤلاء المتوحشين مواضيعٌ حياديّة لا علاقة لها بأمن الدولة ورأسها. فإن تذمرت من سعر البطاطا المرتفع أو من تقنين الكهرباء المستمر منذ عقود فأنت ضيفٌ محتمل على فنجان قهوة قد يستغرق منك شربه عشرات السنين. وكما ساهم في انتشار الرعب كثرة المخبرين الذين تعجّ بهم الأسواق والمطاعم والفنادق والشركات والبقاليات ومحطات الوقود ووسائط النقل والصيدليات والمشافي والقطعات العسكريّة والوزارات والمديريات العامّة وصالونات الحلاقة والكراجات وطوابير الأفران وطوابير الغاز والتعاونيات الإستهلاكية وكل ما يمكن ان يخطر على بالك من الأمكنة حتى المراحيض العامّة أو ما يطلق عليها اهل الشام إسم الشَشَامي. قد لا يكون صديقك المقرّب مخبراً إذا كنت محظوظاً ولكن قد يكون لديه صديقٌ سواك لا يمكن ائتمانه فعليك ان تحرص على عدم التطرق معه إلى ما سوى الحديث عن برتيّات ورق اللعب حتى لا يصدف ان ينقل عنك قولك إلى صديقه الآخر عن غير قصد. كذلك الأمر مع جارك, ومدرّسك, وتلميذك إذا ما كنت مدرساً, وصاحب الورشة التي يصلح لك إطارات سيارتك, أو حتى طبيب أسنانك.
كان الأمر (ولا زال في المناطق الخاضعة لسلطة القرادحة) يبدو كما لو ان الناس يعيشون في رواية 1984 للكاتب الانكليزي جورج أورويل التي تتحدث عن نظامٍ شموليٍ مُتخيّل يعيش قادته في رعبٍ دائمٍ خوفاً من ان يكفّ المواطنين المرعوبين منهم يوماً عن رعبهم فينتفضون عليهم. ثم انك ان نجحت في الإحتفاظ بتنهداتك وزفرات وجعك ونقمتك داخل قلبك فليس في ذلك منجاةٌ أكيدة من اولئك البرابرة الذين يجوبون الشوارع ليل نهار في سيّاراتهم البيجو 504 بلباسهم المدنيّ وبنادقهم الروسية – إيه كيه 47 – إذ ان الحياة اليومية في سوريا الأسد لا يمكن ان تسير دون ان يرتطم المرء بهم. فإنهم في كلّ مكان وأختامهم حاجةٌ ضرورية لأي حيٍ يرزق أو حتى ميّت. فأنت لا تستطيع ان تدفن أباك أو أحدا من أقاربك دون استخراج تصريحٍ دفن منهم ولا تستطيع ان تستصدر جواز سفر دون موافقتهم التي قد تتأخر من ستة أشهرٍ إلى عشرة سنوات أو أكثر قليلا. وجواز سفرك ليس ترخيصاً بالسفر فإنك بالإضافة إلى جواز السفر, تحتاج أيضاً إلى مراجعتهم حين تهمّ بالسفر وذلك لإستصدار تصريحٍ آخر بالسفر بعد التحقيق معك طبعاً وبعد ان يقتنعوا ان سفرك لن يضرّ بالأمن القومي أو بالسيادة الوطنيّة التي هي سيادة الطوطم الأكبر على أبناء الوطن وأرواحهم وأموالهم وأبنائهم. كل شيءٍ في سوريا يمرّ من تحت أختامهم, زواجك من ابنة عمك أو ابنة الجيران, حفلة طهور إبنك, حفلة عرس اخيك, رخصة البناء, رخصة الهدم, زيارة ابن عمّك السجين بدون تهمةٍ منذ 9 سنوات, إدخال مكيّف جلبته معك من الخليج, التعرّف إلى مكان ابن عمّتك المريض الذي خرج ذات يومٍ ولم يعد, إعتراف الفرع الذي يعتقله بوجوده عنده, إخراج قيد, مستند لا حُكمَ عليه, بطاقة هوية, جثة أبيك الذي مات تحت التعذيب, رخصة استيراد, رخصة تصدير, رخصة نصب مراجيح العيد, كوخٌ لبيع السجائر والصحف الحكومية, بيع السجائر المهرّبة, بيع الكحول, أقامة حفلة زارٍ بمناسبة المولد النبوي.
وكلّ شيءٍ له بالطبع سعره, فرفاهية رجال المخابرات لا تتأتى فقط مما يغدقه عليهم ربّهم الذي يحرسون من رواتب مجزية ومكرمات مستدامة وإعفاءات كثيرة تبدأ بإستخدام النقل الداخلي مجاناً ولا تنتهي عند التبضّع في السوق الحرّة, ولكنّها تتأتي ايضا من غضّ الطرف عن الإغتناء من الوظيفة بل والتشجيع عليه بإعتبار ان الأبتزاز الماليّ لعوائل المعتقلين يسهم في مفاقمة معاناة كلٍ من المعتقل وأسرته ويسهم بالتالي في ردع المواطنين عن التمرّد بأي شكلٍ من الأشكال فإن المال كما البنين عزيزٌ وغالٍ خصوصاً حين تكون أرواح البنين معلّقةً بمدى قدرة العائلة الماليّة على دفع البلاء عنهم.
في رواية “الساعة الخامسة والعشرون” للأديب الروماني كونستانتين جورجيوس يقوم رئيس المخفر في إحدى بلدات رومانيا النائية بإعتقال بطل الرواية يوهان موريتز بدعوى يهوديته المزعومة. لم يكن يوهان يهودياً ولو بالشبهة إنما كان متزوجاً من إمرأةٍ جميلة راقت في عيني رئيس المخفر ووجد ان تلفيق هذا الإتهام ليوهان هو افضل السبل للإنفراد بزوجته. يرسل يوهان إلى معسكرات الأشغال الشاقة جنباً إلى جنب مع يهود رومانيا ثم يقوم بالفرار إلى هنغاريا حيث يعتقل هناك من جديد إنما هذه المرة بتهمة كونه جاسوساً رومانياً وينتهي به المطاف إلى العمل بالسخرة في أحد المعامل الألمانية كمتطوّع هنغاري حيث يصدف ان يشاهده أحد الضبّاط الألمان العاملين في حقل الدراسات العنصرية ويرى فيه ملامح العرق الآري النقي فيتم نقله على الفور من السخرة إلى قوّات الحراسة الألمانية كجندي ويتزوج من فتاة ألمانية. وعند انتهاء الحرب بهزيمة ألمانيا يعتقل من جديد ويرسل إلى محاكمات نورمبيرغ وهذه المرة بتهمة النازية. مسيحي يعتقل بدعوى يهوديته, ثم فارٌ من السلطة الرومانيّة يعتقل بتهمة الجاسوسية لصالح السلطة التي فرّ منها, ثم هنغاري في المعامل الألمانية, فألماني في محكمة نورمبيرغ.
في كتاب القوقعة لمصطفى خليفة المخرج السينمائي والمعتقل السابق في سجن تدمر والذي يروي فيه يوميات التعذيب على مدى ثلاثة عشر عاما من الإعتقال التعسفي دونما محاكمة بعد ان تمّ القبض عليه لحظة وصوله من فرنسا التي تخرّج من جامعاتها إلى مطار دمشق بسبب نقاشٍ سياسيٍ عابرٍ جرى في إحدى الجلسات الطلابية في باريس وألقى مصطفى خلاله بنكتةٍ تناولت حافظ الأسد فقام أحد الحاضرين بدسّ تقريرٍ فيه إلى فرع الأمن السياسيّ. خلال أعوام الإعتقال تعرّض خليفة لأشد انواع التنكيل والتعذيب النفسي والجسدي والجنسي في واحدٍ من أشد سجون العالم فظاعةً وقساوة بدعوى انتمائه إلى جماعة الإخوان المسلمين وهو الملحد من أبوين مسيحيّين أباً عن جد. كثيرة هي الحكايا المأساوية عن سجناء لا علاقة لهم بالتهم المنسوبة إليهم والتي يتناقلها الناس بالتواتر أو تلك التي جاءت في مذكرّاتٍ خطّها معتقلون سابقون في سجون المخابرات السوريّة بعد الإفراج عنهم ونجاحهم بالفرار إلى خارج سوريا رغم التقييدات التي تضعها هذه الأجهزة على المعتقلين المفرج عنهم لمنعهم من الشهادة إنْ على شكل كتابةٍ أدبية أو أمام منظّماتٍ حقوقية دولية.
ان الرعب الذي تناقله الناس عن غرف التعذيب المبثوثة في العشرات من السجون الأمنيّة والتي تفنّن ضبّاطها وجنودها في تطوير أدواته وطرائقه وحرص القيّمون عليها على ان يطّلع عليها أغلب السوريّين عبر أحد الأقارب, إذ انه من النادر ان تجد أسرة سورية واحدة لم يتعرض أحد أفرادها للإعتقال والتعذيب (اقصد العائلة الممتدة وليس النووية) أو عبر التواتر حيناً, وحيناً آخر عبر مخبريه زيادةً في ترهيبهم. ولقد صنّفت منظّمة العفو الدوليّة في تقريرٍ لها انواع التعذيب في سوريا ويقول التقرير:
فيما يأتي تفاصيل التعذيب والمعاملة السيئة التي تجمعت لدى منظّمة العفو الدولية خلال سنوات عديدة من السجناء والمحتجزين السابقين…مع ملاحظة ان هذه الأنواع لم تستعمل كلها مرة واحدة، ومع سجين واحد…
1- الضرب: ويقع على جميع أقسام الجسم باللكم والصفع والركل والرفس، باستعمال قبضة اليد والأقدام وحبال الجلد والأحزمة والعصي والأسواط والمطارق والكيبلات الفولاذية المضفورة أو الكيبلات داخل الانابيب البلاستيكية ذات النهاية المفتوحة والمهترئة.
2- الدولاب: تعليق الضحية بشدها إلى دولاب مشدود في الجدار أو السقف وضربها (رجلاً أو امرأة) بالعصي والهراوات والكيبلات أو الأسواط.
3- الفلقة: الضرب على باطن القدمين (بالعصي أو الأسواط أو الكابلات حتى تتمزق القدمان، وتنزف منها الدماء، ومن ثم تتورم، ولا يتمكن السجين من المشي عليهما.
4- بساط الريح: شد وثاق الضحية إلى قطعة خشب لها شكل الجسم البشري، ومن ثم ضربها (رجلاً أو امرأة) أو توجيه صدمة كهربائية إلى كل أجزاء الجسم.
5- الشبح: شد وثاق الذراعين خلف الظهر، وتعليق الضحية من ذراعيها الموثقتين أو القدمين، وتضرب بالعصا أو توجه لها الصدمات الكهربائية.
6- العبد الأسود: شد وثاق الضحية إلى آلة متحركة عندما تتحرك تطلق سيخاً معدنياً يدخل في مخرج (دبر) الضحية.
7- الكرسي الألماني: كرسي معدني له أجزاء قابلة للحركة يشد عليها وثاق الضحية من اليدين والقدمين… يتجه مسند الكرسي الخلفي إلى الوراء فيسبب توسعاً كبيراً في العمود الفقري وضغطاً مؤلماً على عنق الضحية وأطرافها. ويقال ان نتيجة هذا التعذيب حصول حالة يصعب فيها التنفس حتى يحصل الاختناق، مع فقدان الوعي، وفي بعض الأحيان تتكسر الفقرات.
8- الكرسي السوريّ: وهو تعديل أدخله خبراء التعذيب السوريّون على الكرسي الألماني حيث أضيفت له شفرات معدنية على الأرجل الأمامية للكرسي في موضع شد قدمي الضحية مسببة نزفاً دموياً حاداً في رسغ القدم، وكاحله.
9- إستعمال وسائل محلية الصنع لحرق أجزاء من الجسم كالصدر أو الظهر، أو الأعضاء التناسلية، أو الأرداف أو الأقدام… مثل المراجل الكهربائية (أوعية مياه حارة) حيث يضغط جسم الضحية إلى داخلها… ومنها مواقد البارافين المغطاة بقطع معدنية يكره الضحية على الجلوس عليها…. ومنها الحديد المكهرب… وأدوات اللحام الكهربائية الأخرى..
10- الغسالة: طبل مغزلي أجوف يشبه حوض ماكينة الغسيل المحليّة الصنع، حيث تجبر الضحية على مد يديه أو يديها إلى داخله حتى يدخل الذراعين كلهما مما يؤدي إلى سحق الذراعين أو اليدين والأصابع.
11- الحرق: وضع قطعة من القطن أو الصوف مبللة بالنفط على مختلف مناطق الجسم ثم إشعالها، أو سكب النفط على قدمي الضحية وإشعالهما..
12- ثقب ظهر الضحية أو صدرها بقضيب معدني مدبب وساخن.
13- إطفاء السجائر في الأجزاء الحساسة من الجسم، واستعمال الولاعات لحرق اللحى أو الشارب أو شعر أي منطقة في الجسم.
14- استعمال الكهرباء في أي جزء حساس من الجسم بما في ذلك الأذنان والأنف واللسان والرقبة واليدان والأعضاء التناسلية والمخرج والقدمان.
15- استعمال الأملاح والمواد القلوية (المحاليل الحامضية) مع جروح الضحية وحرقها.
16- تشريط وجه الضحية الشفتين والأذنين والانف، بسكين حادة أو موسى الحلاقة.
17- إجبار الضحية على الوقوف حافية القدمين إلى الجدار ويداها موثوقتان فوق الرأس، وسحق القدمين.
18- النفخ الموجه إلى مناطق حساسة في الجسم، ومنها الوجه.
19- تعليق الضحية من اليدين والقدمين إلى عمود السرير أو الدرابزون وضربها.
20- الفروج: شد الضحية إلى مزلاج دوار من الخشب يشبه شريحة الدوست وجعلها هدفاً للضرب بالعصي.
21- تعليق الضحية من العنق بطريقة لاتكسر الفقرات.
22- تعليق الضحية بمراوح السقف وضربهم وهي تدور.
23- الإستلقاء بكامل الثياب في (بانيو) ماء ليلة كاملة.
24- صب الماء الساخن من الدوش بشكل متوالي، ثم يعقبه ماء بارد جداً.
25- قرص الجلد أو لف الشعر بالكلّابتين (البلايس).
26- قلع أظافر اليدين والقدمين.
27- الإغتصاب الجنسي أو الاعتداء على الحرمات وهتك العفة.
28- الجلوس فوق أعناق القناني أو دفع القناني أو العصي داخل الشرج والمستقيم.
29- الوقوف على رجل واحدة مدة طويلة جداً، أو الجري مع حمل أثقال.
30- إبقاء الانوار الساطعة وحرمان الضحايا في النوم لمدة أيام.
31- إستعمال مكبرات الصوت لنقل الجلبة والضوضاء والموسيقى الصاخبة، وعويل ناس يتعذبون ويصرخون.
32- العزل التام في زنزانة صغيرة مظلمة من غير إتصال مع أي انسان لمدة أيام.
33- تغطيس رأس الرجل أو المرأة في الماء حتى لحظة الإختناق.
34- المكسالة: الإضطجاع على الظهر في مواجهة شفرة تتقدم نحو الضحية قبل ان تمس العنق مباشرة.
35- تهديد الضحية بأحد الأقارب (رجلاً أو امرأة) بالتعذيب والإغتصاب الجنسي أو بتر الأطراف.
36- تعذيب سجناء آخرين بحضور الضحية وأمامها.
37- التعرية أمام الجنس الآخر (رجلاً أو امرأة) مع الشتم.
38- حرمان الضحية من النوم أو الطعام أو الماء أو الهواء النقي أو المرحاض أو المعالجة الطبية.
39- التعليق في السقف من اليدين.
ولعلّ أحد أشد انواع التعذيب ضراوةً هو الإزدحام الذي لم يأت التقرير على ذكره ولكن كل من دخل سجون الأسد أو له قريبٌ أو صديقٌ مرّ بهذه التجربة يعرف مبلغ المعاناة التي يسبّبها هذا الأسلوب من التعذيب والذي يطال الجميع دون استثناء ويستمر بدون انقطاع من لحظة اعتقال السجين وحتى لحظة خروجه إذا ما قيّض له الخروج يوماً ما. يصف مصطفى خليفة هذا الإزدحام في كتابه المذكور آنفاً فيقول:” فتحت عيني ببطء، أكاد اختنق من نتانة الروائح المحيطة بي، حولي غابة من الأقدام والأرجل، ملقى على الأرض بين هذه الأقدام المكتظة، رائحة الأقدام القذرة، رائحة الدم، رائحة الجروح المتقيحة، رائحة الأرض التي لم تنظف منذ زمن طويل … الأنفاس الثقيلة لأناس يقفون متلاصقين “علمت بعد قليل من خلال عمليّة التفقد والعد، اننا كنا ستة وثمانين رجلاً، عاينت سقف الغرفة وقدرت ان مساحتها لا تزيد عن خمسة وعشرين متراً مربعا.!!” ثم يتابع مصطفى في وصف طريقة النوم المبرمج وفق توقيتٍ مقسّمٍ إلى ثلاثة أثلاث يتمّ خلال كل ثلثٍ من هذه الأثلاث تبادل أمكنة المساجين المقسّمين أيضاً إلى ثلاثة مجموعات بحيث يكون هناك دائماً مجموعةٌ من النائمين, ومجموعةٌ ثانيةٌ من المقرفصين ومجموعة أخيرة من الواقفين:” مين هذا يللي عم يرفع صوته؟ .. سكوت ..سكوت ! يا لله .. صار وقت التبديل. لم أستطع استيعاب الأمر !! في الجزء الأبعد من الغرفة كانت هناك مجموعة من الناس المستلقين على الأرض، وقد اصطفوا بطريقة غريبة ولكن منتظمة“. كما لو كانوا مجموعة من لفائف التبغ قد اصطفت في علبة” وبين المستلقين وبيننا نحن الواقفين، توجد المجموعة الثالثة، مجموعة المقرفصين على الأرض.
بعد كلام الرجل الضخم ـ علمت انه رئيس المهجع ـ تحركت المجموعات الثلاث. خلال لحظات كان النيام جميعاً قد وقفوا واحتلوا الركن الذي كنا فيه تدريجياً. نحن قرفصنا. المجموعة الثالثة اتجهت الى مكان النوم.
ـ يا لله سيّف.. سيّف، كل النايمين يسيّفو.
“وتبين ان التسييف هو النوم على الجنب”.
الأول استلقى لصق الحائط على جنبه، ظهره إلى الحائط، الثاني استلقى أمامه واضعاً البطن على البطن، رأس كل واحد منهما عند أقدام الآخر. الثالث سيّف ووضع ظهره لصق الظهر الثاني، الرابع بطنه على بطن الثالث، ودائماً الرؤوس عند الأقدام. تتابع المستلقون إلى ان وصل الصف إلى الحائط الثاني من الغرفة ولازال هناك ستة أو سبعة أشخاص لم يبق لهم مكان. هنا صاح رئيس المهجع:
ـ يا لله ..يا كبّيس .. أجا شغلك!
قام الرجل الضخم الثاني بهدوء ـ يبدو مصارعاً-. ذهب إلى أول رجل مستلقٍ عند الحائط، وبهدوءٍ وضع قدميه بين الحائط وبين الرجل المستلقي، استند بظهره إلى الحائط، ثم أخذ يدفع المستلقي بباطن قدميه، دفع أكثر، انضغط المستلقون قليلا، أصبح هناك مسافة تتسع لرجل آخر، نادى على واحد من المتبقين: يا لله .. انزل هون.
نزل الرجل مستلقياً على جنبه بين أقدام الكبّيس والرجل الأول، ثم بدأ الكبّيس بالضغط على الرجل الجديد، ومرة أخرى حقق مسافة تتسع إلى آخر.. يا لله .. انزل هون، ثم الضغط من جديد ورجل جديد، في النهاية تم استيعاب جميع الذين لم يبق لهم مكان سابقا، عاد الكبيس إلى مكانه بنفس الهدوء، وهو ينفض يديه!.
راقبت المستلقين، بعضهم استغرق في النوم فوراً!”.
هذا التغوّل والتوحّش وهذا الإرتفاع في حدّة العنف وحدهم لا سواهم, كان ممكناً ان يجعلوا من دكتاتورٍ ينتمي لأقليّة مذهبيةٍ ولا يمتلك أية شرعيةٍ سوى شرعية القوّة التي فرضها بطائفته وزبانيته وجيشه والعشرات من أجهزته الأمنيّة وفروعها, يستمر في الحكم مدة ثلاثين عاماً ثم يورث السلطة لأحد أبنائه والذي استمرّ في سدة الحكم 15 عاماً حتى الآن ويطمع بالمزيد وبتوريث ابنه من بعده رغم انفجار الثورة السوريّة المعجزة, إذْ ما كان لأمّة ان تنتفضّ تحت وطأة هذا الكم الهائل من التوحش وإرهاب الدولة المُمنهج. ورغم ان بشار أسد قد قتل حتى الان اكثر من ثلاثمئة ألف سوري بينهم عشرة آلاف قتيل تحت التعذيب, وشرّد وهجّر أكثر من أربعة ملايين آخرين فلا يبدو ان هذه الثورة على وشك الإستسلام. وربما يكون السبب الرئيس لصلابة الثوار السوريّين هو يقينهم بأن موتهم في القتال أهون بكثير مما سيلقونه فيما لم هزموا أو تمّ اعتقالهم إذ ان وتيرة التعذيب قد إزدادت وأشكاله قد عنفت في معتقلات بشار عما كانته في عهد أبيه فبتنا نشاهد في مواقع التواصل الإجتماعيّ فيديوهات عن ركل الأسرى وضربهم حتى الموت أو رميهم من أسطح المباني العالية أو ذبحهم أو طعنهم او حرقهم أو تجويعهم حتى الموت أو دفنهم أحياء أضافةً إلى بتر الأعضاء الذكورية كما حصل للطفل الشهيد حمزة الخطيب أو اقتلاع الحنجرة كما حدث لمنشد الثورة في حماة إبراهيم القاشوش او كسر الإصابع كما جرى مع رسام الكاريكاتير السوريّ علي فرزات.
للطواطم كما الآلهة أقنومان أحدهما أقنوم القسوة والبطش اللامتناهيين الذان ينالهما الجاحدون والكافرون أما الثاني فهو اقنوم القداسة والسطوة والقدرة الكليّة على حماية الوطن والشعب من الأعداء المُشَيطنين في المخيال الشعبي, والحكمة المطلقة في تقرير مصائر المواطنين وحماية مصالحهم واتخاذ القرارات المصيبة التي تسهم في رفعة شأنهم وتزيدهم مفخرةً على مفخرة على طريقة الأغنية “الوطنيّة” التي طالما تردّدت في أجهزة الإعلام السوريّة والتي يقول مطلعها ” الي لالي لالي .. انا سوري آه يا نيّالي !”. ولإنْ تكفّلت أجهزة حافظ أسد ببناء الإقنوم الأول فقد تكفّلت الأجهزة الإعلامية السورية بالثاني.
إن الإعلان و الإعلام مفهومان متقاربان مبنىً و معنى, يعنى الأول بتسويق بضائع مادية, ويتعاطى الآخر تسويق البضائع المعنوية. يشكّل الاول حاجاتك الإستهلاكية و يوجهّها كيفما ارتأى و يؤسس الثاني لانتماءاتك الفكرية وتوجهاتك السياسيّة. كلاهما يساهمان في صناعة سلعة تعتبر امّ السلع ألا و هي المنتج المسمى بالرأي العام . وقد تجد في الإعلانات التجارية التي يبثّها التلفزيون السوريّ بعض التمايز في السلع المروّجة أوقد يصدف ان سلعتين متنافستين تظهران في إعلانين تسويقيَّين على نفس الوسيلة الإعلامية السورية مرئيةً كانت أو مسموعةً أو مقروءة انما الثابت الأساس الواحد الأحد في التسويق الإعلامي الذي لا يقبل المنافسة منذ نصف قرن هو حافظ الأسد وابنه باسل ثم بشار من بعدهما. وحين تمتلك جهةٌ وحيدة حصرياً حقّ التحكّم الحصري في مواد كلّ الوسائل الإعلامية في المجتمع وتكون هي نفسها السلعة الوحيدة التي يتمّ التسويق لها فيما يتمّ إسدال ستائر حديدية حول البلد تخفي كلّ ما هو خارج حدود تأثيرها عن أبصار وأسماع جمهورها, ستائر تشبه إلى حدّ كبير تلك الستائر الجلدية التي توضع على عيون الأحصنة والبغال والحمير كي لا تنشغل بما حولها وتبقى سائرةً في الإتجاه الذي يريده سائسها ويحرّك رسنها ليوجهها حسبما شاء, فإن النتيجة لا تعود مجرد مساهمةٍ في صناعة الرأي العام بل تصبح غسيل أدمغة وبرمجةً لكلّ من الوعي واللاوعي الفردي والجمعي للمجتمع المسوّر بالأكاذيب الإعلامية – الإعلانية.
منذ الأشهر الأولى لإنقلاب حافظ الأسد على شريكه العلوي صلاح جديد والسيطرة على الدولة والحزب معا, وبنفس اللحظات التي بدأ يبني فيها أجهزته الأمنيّة القمعية التي عملت على طحن أفئدة السوريّين, راحت أجهزة الإعلام الضخمة والتي تسيطر عليها بدورها أجهزة الإستخبارات خصوصاً منها جهازا أمن الدولة والأمن السياسيّ, تطحن عقولهم. مئات الملايين من الصورة الملونة ذات الطباعة عالية الجودة ويظهر فيها حافظ الأسد أحياناً بنظّارات سوداء وأخرى بدونها, بالزيّ العسكريّ وبدونه, مع اخيه رفعت وبدونه. ولاحقاً صارت الملصقات تظهره مع ولده “الفارس” باسل الأسد مكتوب تحتها هكذا تنظر الأسود, وأخرى تقول القائد والرائد, وثالثة تظهره على ظهر دبابة أو متن طائرة حربية إلى ما هنالك من البوزات العديدة. انتشرت تلك الصور في سوريا الأسد انتشار النار في الهشيم, فصرت تجدها في المشافي والعيادات والوزارات وعلى زجاج الباصات وفي البقاليات والصيدليات في البيوت وعلى الجدران .. على دفاتر التلاميذ وأقلام الرصاص, على الشهادات الإبتدائية والثانوية والجامعية, على العملة السوريّة والطوابع البريدية وعلى مآذن الجوامع وجدران الكنائس, ثم لحقتها تماثيله, منها ما هو راجلٌ ومنها ما هو على فرس. أما الجدران الطويلة فكلها مَلئت بجملٍ ركيكةٍ من خطاباته التي كانت تكتب له. فتجد جدران الملاعب الرياضية ومباني الاندية والألبسة الرياضية مغطاةً بجملة “إني أرى في الرياضةِ حياة” العظيمة! وجدران أخرى تعدّ بالنصر على الأعداء الذين جرت فبركتهم وشيطنتهم. جدرانٌ تؤيّد الحرية والوحدة والإشتراكية شعارات الحزب الفاشي المفبرك بدوره بهدف صبغ الإنقلابات العسكريّة بلونٍ عقائدي. وجدرانٌ تهتف نعم إلى الأبد يا حافظ الأسد . . كان واضحاً ان الرجل ليس على عجلةٍ من أمره. سخّرت الصحف كلها لمديحه, وكذلك الإذاعة والتلفزة والشعر والأدب والفن. مسرحياتٌ تحتفي بثورته التصحيحية المجيدة (والتي لا يدري أحد ما الذي صحّحته), وأناشيد وطنيّة تتغنّى ببطولته التي ما خبرها أحد, ,معلّقات ومنشورات ومطوّلات في وصفه, ومسلسلاتٌ تلفزيونيّة تجترّ قصص نضالاتٍ لم تحدث, ومعاركٍ لم تندلع. ذكرى انقلابه وحزبه على السلطة المدنيّة صارت عيداً مجيداً يُصرف فيها راتب شهرٍ إضافيٍ لجميع الموظفين, كذلك ذكرى انقلابه على الإنقلاب وجلوسه وحيداً على العرش. أعراسٌ وولائم وعفوٌ عام, يشمل المجرمين الجنائيين عادة ولا يشمل سجناء الرأي. إذا افتتحت مكتبةٌ تسمّت باسمه, او بُني مشفى صار مشفاه, والشوارع, والجسور والمدن والدساكر كلها تحمل أسمه, مكتبة الأسد, مشفى الأسد شارع الأسد, جسر الرئيس, مدرسة الأسد. سوريا كلّها صار اسمها سوريا الأسد. في يوم المعلّم ترفع اليافطات باسمه وصورته مع لقب المعلّم الأول. كذا في يوم العمّال ويوم الفلاحين. عيد الجيش عيده, ويوم الإستقلال يومه. في المولد النبويّ تقرأ في حبّ الأسد القصائد الصوفية وفي الأعياد يدعوا له المشايخ وفي خطب الجمعة يقترن اسمه بأسماء الله الحسنى وأسماء نبيه. وكذا الأمر في الكنائس. وزراء الأوقاف وشيوخ الإفتاء في سوريا ومطارنتها المسيحيون وسيّاد الشيعة وشيوخ عقل الدروز صاروا كلّهم كهنةً في معبده وسَدَنةً يقدمون له القرابين زلفى. طلبة المدارس يرتدون الزيّ العسكريّ ويتدربون على السلاح ويصبحون طلائع الأسد, وفي الجامعات يتحوّلون إلى شبيبة الأسد تماما كما شبيبة هتلر. مادة التربية الوطنيّة يدرّس فيها ” فكره!”, وفي دروس التاريخ يدرس الدارسون تاريخه, وفي حصص الفن المدرسية يتدربون على رسم رأسه أو نحته.
لم ينجُ من هذا الضخّ الإعلامي إلّا قلّةٌ قليلة. حتى أن السوريّين ومعهم الكثير من اللبنانيّين والفلسطينيّين الذين خضعوا لهذا النهج “الثوري” أو تعرّضوا بشكلٍ من الأشكال إلى غسيل الدماغ البعثي هذا أو مسّهم ولو مجرد مسلسلٍ من المسلسلات السوريّة البطوليّة التي واجهت العثملّي أو الفرنساوي أو الصهيوني, وان كانوا من أشدّ المعارضين الكارهين لسلطة القرادحة, فإنك لن تستطع ان تقنعهم أو حتى تلمّح لهم ان كرههم للغرب بشكلٍ عام, وفرنسا وبريطانيا وأمريكا بشكلٍ خاص ليس سوى عارضٍ من عوارض “الممانعة البطوليّة” التي تلقّوها على أيدي أجهزة القائد الخالد حافظ الأسد الإعلاميّة والإعلانيّة, وان معاداتهم المطلقة لإسرائيل ورفضهم لأيّة حلولٍ سلميّة معها (رغم ان الأسد أذعن علناً للمفاوضات السلمية وشارك بها) ليس سوى عقائدٍ رباهم عليّها أمثال العقيد معتزّ أبو العز أحد ابطال مسلسل باب الحارة الذي يعجّ كغيره من الأعمال الفنية المنتجة في الحقبة الأسدية بالكثير من الجعجعات والبطولات الزائفة ضد أطرافٍ جرت شيطنتها لتحويل مشاعر الغضب والحقد الذين تولّدهما العبودية في نفوس السوريّين المستَعبدين نحو كياناتٍ خارجية لا علاقة لها بعبوديتهم.
————————————————-
في فترات التقارب السياسيّ بين حركة فتح والنظام السوريّ شكّلت سوريا بُعداً جغرافياً ومساحة آمنة لمكاتب الحركة الإداريّة والماليّة وحوَت أيضاً منازلاً إحتياطية للعديد من القيادات الحركيّة كذلك كان الأمر لبقيّة بالنسبة للفصائل المسلحة الفلسطينيّة القريبة من النظام إجمالاً. وكما في كلّ شان آخر في سوريا كانت أجهزة مخابرات النظام هي التي تدير هذه العلاقات وتشرف على أمورها وتنظم تنقلّات أفرادها أو أصولها الماليّة والعينيّة. والجهاز المعنيّ بالشأن الفلسطينيّ هو كما سبق أن ذكرنا هو فرع فلسطين, أمّا تنظيم التنقلات من وإلى سوريا فتختصّ به شعبة الضابطة الفدائيّة التابعة لهذا الفرع. وتقوم جميع المكاتب الإداريّة في التنظيمات الفلسطينيّة في لبنان بتقديم كشوفات أسبوعيّة بأسماء ضبّاطها وأفرادها الراغبين بالذهاب إلى سوريا ان للإستجمام أو لزيارة العائلة او مراجعة أي من مكاتبها الإداريّة المنتشرة في دمشق أو حتى للسفر إلى الخارج عبر مطار دمشق. بعد التدقيق في الأسماء ترسل الضابطة الموافقات الأمنيّة على دخول هؤلاء وكان للحاصلين على الموافقات الخيار بين ان ينتقلوا بوسائط النقل العام مستخدمين وثائقهم النظامية عبر منطقة المصنع الحدوديّة أو استقلال الحافلات متوسطة الحجم التي توفّرها المنظّمات للمجازين والتي تجتاز الحدود عبر معابر غير شرعية تشرف عليها حواجز المخابرات السوريّة دون أي تواجد لأجهزة الدولة اللبنانيّة ولو حتى بشكلٍ رمزي.
ودّعت عمي أبا إياس واتجهت راجلاً إلى مبنى الذي يقف في أحدى طوابقه مقرّ الأمن العسكريّ القريب والواقع في منطقة الفاكهاني بالقرب من محطة جلّول للوقود عند جسر الكولا. كانت حافلة المجازين تنظر هناك نصف فارغة وانتظرت فيها مع المنتظرين ريثما قدم بقيّة الركاب حتى بلغنا ال22 شخصاً بعد نصف ساعة من الإنتظار فأقلع بنا السائق متجهاً نحو جبل الباروك المشرف على مدينة بيروت, ثم نزولاً نحو سهل البقاع فبلدة شتورة البقاعية الواقعة عند منطقة المصنع أي نقطة الحدود اللبنانيّة التابع للأمن العام التي وصلناها بعد حوالي الساعة والنصف. قبل نقطة المصنع بمئة متر اتجه السائق يميناً نحو ضيعة الصويرة فمفرق ضيعتيّ بيادر العدس _ عيتا الفخّار حيث توقفنا أمام خيمةٍ عسكريّة ظهر منها شخصان مسلحان ببندقيتيّ كلاشينكوف روسيّة الصنع ويرتديان ألبسةً مدنيّة غير متناسقة كعادة رجال المخابرات السوريّة. ناول السائق أحدهما ورقةً تتضمن كشفاً بأسمائنا مع رقم الموافقة الأمنيّة وختم الضابطة الفدائية ليقوم بتدقيقها مع بطاقات هوياتنا العسكريّة بعد ان أمرنا بالنزول من الحافلة, بينما صعد زميله إلى متنها وتجول فيها للتفتيش الروتيني تحسباً لتهريبة صغيرة كعلبة بسكوت او زجاجة ويسكي ليقوم بمصادرتها أو إرغام صاحبها على دفع “ّالمعلوم“. فرغ رجلا المخابرات من التدقيق والتفتيش خلال بضعة دقائق ثم تناولا من السائق كيساً مملوءاً بما يقارب الكيلوين من الأطعمة المعلّبة التي اشتهرت بها التنظيمات الفلسطينيّة وكانت بمثابة “حلوانة” متّبعة عند كلّ حواجز المخابرات حتى أصبحت عرفاً. ويتمّ أحياناً إستبدال الأطعمة المعلّبة بربطات الخبز أو البدلات العسكريّة (الفوتيك). إتجهنا بعدها صعوداً نحو بلدة عيتا الفخّار وعبرها نحو طريقٍ ترابيِّ يوصل إلى قرية حَلوة السوريّة ومن هناك تابعنا الطريق العام المؤدي إلى دمشق التي وصلناها بعد حوالي ثلاثة ساعات من انطلاقنا من حيّ الفاكهاني فشكرت السائق وترجّلت في منطقة جسر البرامكة حيث استقليّت سيارة أجرة متّجهاً إلى مخيم اليرموك مسقط رأسي.
رغم انني ولدت في مخيّم اليرموك حيث يقطن كل أفراد عائلتي الذين غادروا فلسطين أبان حرب 1948 (نصف آل أبو العلا بقي في بلدتنا شفاعمرو, قضاء حيفا) إلا انني لا أشعر بالإنتماء إليه وليس لدي سوى القليل من الذكريات فيه. إذ ان إلتحاق أبي بحركة فتح عند انطلاقها ثم توكيله بمهمّة تهريب أسلحة الحركة من الأردن وسوريا إلى لبنان جعلته ينتقل بنا إلى مناطقٍ حدودية تسهّل له الإقامة فيها أداءه لعمله. فكانت بلدة “سوق وادي بردى” السوريّة القريبة من الحدود اللبنانيّة أوّل ترحالنا وكنت آنذاك في الرابعة من عمري. ثم انتقلنا بعدها للسكن في قرية عيتا الفخّار اللبنانيّة الحدوديّة حيث أنشأ والدي شبكةً سريّةً تابعةً لحركة فتح مكوّنةً من أهالي الصويرة المتاخمة لعيتا الفخار وأقاربهم في بلدة جدَيدة يابوس السوريّة وأغلب سكان هاتين البلدتين يعتاشون بشكلٍ أساسيٍ من التهريب. وقد اتسعت هذه الشبكة لاحقاً لتشمل الكثير من سكان قرى البقاع الغربي اللبنانيّة المتاخمة للحدود الإسرائيليّة حين تولّى والدي مسؤولية “فرع إسرائيل” التابع للأمن العسكريّ في حركة فتح والمختص في مكافحة التجسّس. حين بلغت الخامسة من عمري كانت الخلافات العائلية بين والديّ قد تفاقمت مما دفعهما للإفتراق عدة مرّات قبل افتراقهما النهائي, فاضطر أبي لإلحاقي انا وأختي الكبرى نادية بمدرسة أبناء الشهداء الداخليّة في سوق الغرب. وقد بقينا فيها حتى لحظة اشتداد الحرب الأهليّة في العام 1975 واقترابها من البلدة حيث جرت معارك عنيفة في منطقة الكحّالة المتاخمة لها فجرى نقل جميع التلاميذ على وجه السرعة إلى منازل أقاربهم في سوريا والأردن. وق أوصلنا باص المدرسة إلى منزل جدي في مخيم اليرموك حيث كانت تقيم أمّي مع أختي وأخي الصغيرين كفاح وياسر وكان والديّ قد طُلّقا أخيراً.
نتيجة لنزوح الألاف من اللبنانيّين والفلسطينيّين إلى سوريا هرباً من الحرب الأهليّة ولم يكن لدى أغلبهم وثائق او شهادات مدرسية, إضطرت وزارة التعليم السوريّة إلى إعفاء الطلاب القادمين من لبنان من شرط إحضار شهادات مدرسية للإلتحاق بالمدارس السوريّة. واستعاضت عن تلك الشهادات بإمتحانٍ شفويٍّ بسيطٍ وقصير للطلاب ثم إلحاقهم بعد نجاحهم بالصفوف المناسبة. كان أقرب أصدقائي في العائلة واسمه فضل أبو العلا طالبا في الصف التاسع بينما كنت انا في الصف السادس حين غادرت مدرسة سوق الغرب وحين ذهبت إلى مقرّ التسجيل في وزارة الإعلام أدعيت بسبب غروري, حيث كانت مرتبتي بين زملاء صفّي خلال سنوات دراستي تتراوح بين الأول والثاني على الصف, انني في الصف التاسع. ولما سألتني الموظفة التي كانت تقوم بفحص قدرات الطالب عمّا كنت أعرف في الفيزياء وما هي الدروس الأخيرة التي تلقيتها أجبتها بالانكليزية وذكرت القانون الثالث لنيوتن عن الفعل وردّ الفعل ويبدو ان قدرتي في اللغة الانكليزية (غير المعهودة في سوريا التي لا يبدأ طلابها بدراستها حتى الصف التاسع) قد غطّت على صغر سنّي الواضح فختمت الموظفة الفاحصة أوراقي وألحقت بالصف التاسع في مدرسة الكرمل التابعة لوكالة الانروا والواقع في شارع المدارس وسط مخيم اليرموك.
كان أبي وقتها بعيداً ومشغولاً بالحرب العنيفة الناشبة في لبنان وأمي أميّةً لا تعرف شيئاً عن المدارس أمّا أعمامي وعمّاتي فمشغولون في تأمين قوت أطفالهم فلم ينبهني أو ينتبه أحد إلى هذه الخطيئة التي ارتكبتها بحقّ نفسي حين سجّلت نفسي في الصف التاسع بدلاً من السادس. لم يكن القفز فوق ثلاثة صفوف دفعة واحدة بأمر يمكن تجاوزه فقد كانت المسافة شاسعةً بين المقرّرات التي كنت قد درستها سابقاً وتلك التي وجدتها أمامي. كما كان من المستحيل عليّ ان أصل هذه المرحلة التعليمية بالمناهج التي سبق لي دراستها وكانت السنوات الثلاث التي قفزتها أشبه ما تكون بحلقاتٍ ثلاثٍ مفقودات لا يمكن تعويضها فكففّت عن المحاولة. وصار ذهابي للمدرسة مجرّد إستجابةٍ سلبية للتعنيف حيث كنت أتلقى يوميّاً بعد أداء نشيد البعث وشعارات الوحدة والحرية والإشتراكية فلقةً معتبرةً أمام تلاميذ المدرسة المصطفين ومعي مجموعة أخرى من المشاغبين. كان أفراد المجموعة يتغيرون بتغيّر جرائمهم أما انا فقد كنت ثابتاً وكانت تهمتي أيضاً ثابتةً وواحدة وهي القفز عن الجدار ومغادرة المدرسة قبل انتهاء الدوام الرسمي. قضيت حوالي ستة أشهرٍ في مقرّ التعذيب هذا نحت خلالها المعارك الطاحنة في لبنان نحو انخفاض الحدّة نتيجةً لتكوّن خطوط تماسٍّ ثابتة بين المسيحيّين والمسلمين على مدى مساحة البلد بعد حملات التهجير والتهجير المضاد التي قامت بها الأطراف المتنازعة ضد الطوائف المعادية لها واكتمال الفرز الطائفي. عنت إعادة التوزيع الديموغرافي هذه ان الإشتباكات أصبحت بأغلبها على خطوط التماس التي تفصل بين الطوائف ولم يعد توغل كل طرف في منطقة الطرف الآخر ذات اللون الطائفي الواحد ممكناً عملياً. بقيت طبعا الإستهدافات المتقطعة للعمق الجغرافي المعادي بالمدفعية وقذائف المورتر وصواريخ الكاتيوشيا والتي كانت تستهدف المدنيّين بشكلٍ عشوائي وكذلك بقيت الصراعات الأمنيّة عبر تبادل زرع السيّارات المفخّخة في مناطق الحواضن الإجتماعيّة للأطراف المتقاتلة. مع انحدار حدّة المعارك ارسل أبي في طلبنا أخوتي وانا إلى حيث كان مقيماً مع زوجته الثانية في حي حارة صيدا ذي الأغلبية الشيعية والواقع على تخوم المدينة التي يحمل اسمها.
بنت هيئة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيّين مخيّم اليرموك على قطعة أرضٍ مساحتها حوالي 2.11 كم مربع وتقع على أطراف مدينة دمشق وقربه من العاصمة جعله ينمو عمارةً وتجارةً بشكلٍ متوازٍ معها. يوم عدت إليه أواخر العام 1981 كان قد اصبح على تماسٍ مباشرٍ مع العاصمة التي امتدت عبر السنين واتسعت لتضم العشرات من الأحياء والنواحي التي كانت سابقاً تقع على مسافة عدة كيلومترات منها. هذا التماس الجغرافي مشفوعاً مع عدم الثقة التاريخية التي يكنها اهل الشام للأنظمة السياسيّة المتلاحقة التي سيطرت على مناطقهم منذ الفتح الإسلامي والتي انتهت إلى أربعمة سنة من الحكم العثماني الجائر وخصوصا في أواخر عهده حيث نشبت الحرب العالميّة الأولى وأزدادت حاجة الدولة العثمانية للأموال فانهكتهم بالضرائب ومصادرة الاموال. ثم استولى العلويّون على السلطة بعد أكثر من عقدين ونصف من الانتداب الفرنسي الذي تبع هزيمة العثمانيين في الحرب العالميّة الأولى, فساموهم البطش والإرهاب واستنزفوا بدورهم أموالهم رشىً وضرائب ورسوم خيالية على البضائع جعلت ثمن العديد من السلع يقارب عشرة أضعاف أثمانها في بلدان المنشأ. وبات أهل الشام يهابون الإستثمارات في سوى العقارات المحلّات التجاريّة بسبب هبوط نسبة المخاطر فيها إذ ان المباني والمحلات وان أمكن سرقة ما فيها من البضائع أو الإستيلاء على محتوياتها بطريقة وضع اليد إلا ان المبنى نفسه وهو الإستثمار الرئيس في هذه الحالة لا يمكن نقله إلى قرى ودساكر ضبّاط المخابرات العلويّين أو مزارعهم وقصورهم التي بنوها في أرياف دمشق وشكّلت زنّاراً أمنياً يحصي على الشاميين انفاسهم وأموالهم ويتهدّدهم باستمرار. إن الميل إلى هذا النوع من الإستثمارات عند أهل مدينة دمشق جعل مخيم اليرموك الذي ليس له من صفات المخيمات سوى اسمه والذي بات مع السنوات يشكّل كتلةً بشريةً ضخمةً من الفلسطينيّين والسوريّين معاً, يصبح مصبّاً لجزء كبير من تلك الإستثمارات, حيث تحولت كل مساكن المخيم التي تطلّ على شوارعٍ عامة إلى محلات تجارية باهظة الأثمان. وقد استفادت مئات العوائل الفلسطينية من هذه الطفرة وأصبح أولياؤها من أصحاب رؤوس الأموال وقام العديد منهم بالإستثمار في نفس المجال حيث ان القانون السوريّ لم ينص على تجرديهم من حقوقهم وحصر عملهم في مجال المهن الوضيعة ومنعهم من التملك كنظيره اللبناني, بل عاملهم منذ لجوئهم إلى سوريا بالتساوي مع المواطنين السوريّين لهم ما لهم وعليهم ما عليهم. ويعود هذا التساهل للدولة السوريّة (ماقبعلوية) مع الفلسطينيين إلى كونهم متجانسين طائفياً مع محيطهم إذ ان نسبة المسلمين السنّة في سوريا تبلغ %80 من التعداد السكاني وكذلك أغلبية الشعب الفلسطيني فهم بالتالي لم يشكلوا أي خطرٍ على التجانس أو التوازن الطائفي في البلد كحال الفلسطينيّين الذين لجؤوا إلى لبنان. نتج عن هذه الطفرة التجارية في مخيم اليرموك نمو شريحة واسعة من الأثرياء من أهل المخيم كما أن الطفرة ذاتها أنتجت في الوقت نفسه عدداً أضخم من الفقراء الذين دُفعوا مع مرور الوقت وبفعل النمو السكاني إلى بيع منازلهم في وسط المخيم والإنتقال مساكن تقع داخل حزام بؤسٍ تشكّل تلقائيّاً في محيط المخيم في مناطق التضامن والتقدم والحجر الأسود حيث كانت البيوت أقلّ سعراً. بعد انتهاء حقبة اللجنة العسكرية العلويّة في سوريا التي تلاها انقلاب حافظ الأسد على بقية رفاقه فيها واستيلائه على الحكم لما يقارب الخمسة عقود (بإعتبار ولده لا يزال يحكم بإسمه) أبقى النظام السوري على معاملة الفلسطينيين على قدم المساواة مع المواطنين السوريّين, لسوء حظّهم. إذ انهم لم يتساووا معهم في الحقوق وحسب (وهي شحيحة في حقبة آل الأسد) بل أيضاً في البؤس والفقر وكذلك في الظلم والبطش الذين صبّهما العلويّون عليهم. ولإنْ استشرت البطالة في سوريا عبر تلك العقود الطويلة فتراوحت عبر السنين بين %15 و %30 فإن نسبتها في مخيم اليرموك كانت أعلى بكثير وكذلك نسبة الفقر في سوريا التي بلغت ال%20 أحياناً, كانت تصل إلى ال%30 بين الفلسطينيّين. (كل هذه الأرقام هي تقديرية فليس هناك أية إحصاءات حقيقية في سورية الأسد فنتائج الإحصاءات وكافة البيانات الأخرى هناك تفبركها أجهزة الدعاية الإعلامية).
——————————————-
يزعم عجائز الشتات الفلسطينيّ من الذين ولدوا في فلسطين ان حجم حبّة البرتقال في فلسطين يوازي حجم بطّيخة. و هذا الوهم الحلم, متغلغلٌ في ادمغتهم حد الإستفحال ويتناقلونه من جيلٍ لجيل ومعلوم ان هذا حالياً ممكنٌ في ظل التطور المذهل في علوم الهندسة الجينية, الأمر الذي لم يكن متوفراً في زمنهم. ورغم الكلفة الباهظة لأبحاث معالجة البرتقال جينياً ليصبح بحجم البطيخ, إلا انه يبقى اسهل واقل كلفةً من نزع البرتقالة العملاقة من أدمغة الفلسطينيّين. يوتوبيا الأرض الموعودة هذه يشترك فيها الفلسطينييون مع الكثير من الجماعات أو التجمّعات الانسانية المهاجرة. من هذا الجماعات من هاجر منذ آلاف السنين أو مئات الآلاف منها, كهجرات الإنسان القديمة من أفريقيا نحو الشرق الأوسط والقارة الأوروبية, ومنهم من كانت هجراتهم حديثة كهجرة عشرات الملايين من الأوروبيين إلى شمال أفريقيا وأمريكا وأيضاً هجرات الشعوب السامية المتتالية من شبه الجزيرة العربيّة. ومن الهجرات ما سببته الحروب كهجرات الأرمن والفلسطينيّين وحديثاً السوريّين ومنها ما نتج عن دوافع إقتصادية وبيئيّة كالمحل والقحط والمجاعات أو بسبب انتشار الأوبئة. بل ان تاريخ البشرية بأجمعها هو عبارة عن هجرات متلاحقة فالأجداد الأولون للإنسان (الهومو سابيان) هم من الهومو إريكتس الذين هاجرو من أفريقيا قبل حوالي مليون ونصف من الأعوام واتجهوا نحو منطقة الشرق الأوسط والجزيرة العربيّة ثم اتجهوا غرباً نحو أوروبا ليختلطوا هناك بإنسان النياندرتال الذي كان قد سبقهم مهاجراً أيضاً من افريقيا ببضعة مئات الألاف من السنين. إن صدمة الهجرة مقرونةً بصدمة الولادة التي هي ايضاً بشكل من الأشكال هجرةٌ إجباريةٌ يمضي الإنسان بعدها عمره حسب علم التحليل النفسي الفرويدي في الحنين إلى حالة الوجود المطلق والأمان المطلق الذي وفّره له رحم والدته. ان صدمتيّ الولادة والهجرة هما العاملان الرئيسان في تبلور أسطورة الجنة أو الأرض الموعودة التي تتجلّى فكرتها عند أغلب الديانات والشعوب في شتى انحاء الأرض, وترمز إلى الأمان المطلق والبحبوحة والرفاهية غير المحدودتين والمتعة الأبديّة. وتترسّخ هذه العقائد في كلٍ من الوعي واللاوعي الجمعي وتنتقل من جيلٍ إلى جيل حيث يقصّها الآباء والأجداد على الأبناء والأحفاد منذ نعومة أظفارهم في ما يشبه الإعتذار عن سوء الظروف الإنسانية التي أنجبوهم إليها وفيها “فنحن نملك أعظم إمكانيات الإتصال من صحافة وإذاعة وتلفزيون ومع ذلك نتغذى يوميا على هراءٍ لا يستسيغة ذكاء الأطفال لولا أنهم يرضعونه مع حليب أمهاتهن“. (الدين والتحليل النفسي. إيريك فروم – ص 8 ) وكما ان الإيمان المطلق للقطيع الذي ينتمي إليه الفرد بهذه “الحقائق” المتخيّلة يساهم في منعه من الإنعتاق منها مهما علت درجة ثقافته حيث “يميل الإنسان إلى قبول الحقيقة التي تقررها الغالبية العظمى من الجماعة وما يصدره من أحكامٍ تحدّده حاجته للإتصال بالقطيع وخوفه من الانعزال عنه. وقليلون من الأفراد هم الذين يستطيعون احتمال هذا الإنعزال, وقول الحق على ما فيه من خطر فقدان الصلة بالقطيع. وهؤلاء هم الأبطال الحقيقيّون للجنس البشري ولولاهم لكنا الآن لا نزال نعيش في الكهوف“. والمفارقة ان هذه اليوتوبيا الفلسطينيّة الناشئة حديثاً عن الأرض الموعودة هي نفس اليوتوبيا التاريخية التي حملها اليهود عبر آلاف السنين وان الأسباب التي أبقت جذوتها حيّةً عند اليهود هي نفسها التي تعمل على إيقادها عن الفلسطينيّين ألا وهي البؤس والظلم وعدم تقبّل المجتمعات التي يقيم فيها اللاجئون لهم وتجريدهم من حقوقهم المدنيّة والانسانية تحت شعاراتٍ ومفاهيم ونوازع متعددة. وكلّما ازدادت هذه الظروف سوءاَ كلّما تطرف الفلسطينيّون (أو سواهم من الجماعات المهاجرة) في أسطرة الأرض الموعودة. رغم انك لا ترى أياً من هؤلاء اللاجئين يطمح إلى العودة إلى أراضي السلطة الفلسطينيّة بعد تشكيلها او حتى تخطر على باله الفكرة وان كان بعضهم لا يمانع في الحصول على جواز سفر تصدره هذه السلطة بسبب الصعوبات التي تفرضها عليهم الدول المستضيفة في استخراج وثائق السفر والتضييقات التي تضعها على تنقلاتهم. هذه المعاناة والصعوبات الحياتية والقانونية والأمنيّة التي يواجها اللاجئون الفلسطينيّون في أماكن تواجدهم الرئيسة في دول الشتات العربيّة المجاورة لفلسطين أي في لبنان وسوريا وبشكلٍ أقلّ في الأردن, تشتدّ وتضاعف عند فلسطينيّي سوريا بسبب مشاركتهم للسوريين في المعاناة المأساوية التي يتعرضون لها منذ أكثر من نصف قرن خضعوا خلاله جميعا لنير الإستبداد وواجهوا بطشه وفظائعه وسجونه, إضافة الى المعاناة الخاصة بهم ككتلة إجتماعية مهاجرة قسراً ويحيط بها الفقر من كلّ جانب وانعدام الأمان بشكليه الإجتماعيّ والإقتصادي إضافة إلى انعدامه بالمعنى الحرفي للكلمة حيث ان تعليقاً أو همسةً ما عن قصدٍ أو غير قصد تودي بالفرد إلى أقبية التعذيب لسنوات طويلة إعتباطيا وعرفيا دون اية محاكمات قضائية ولو شكلية. كل هذا ساهم في جعل الفلسطينيين صيداً سهلاً لزعماء الفصائل الفلسطينيّة ومستثمري الشعارات النضالية الذين بنوا مجدهم وثرواتهم وسطوتهم على هذا الشعور العام للاجئين بانعدام الأمن فكان الخيارالوحيد أمامهم هو الانصياع لهؤلاء “الأبوات” الذين وعدوهم بالفردوس المفقود, وتقديسهم ورفعهم إلى مصاف الآلهة. ويتشارك في هذه العبادة الفقير والغنيّ على حدٍّ سواء, فمن افتتح محلاً تجارياً او تمكّن من إيجاد فرصة عملٍ في الخليج العربيّ أو نجح في الهجرة إلى الدول الغربيّة اكتفى بالهتاف للزعيم المختار في فترات فراغه (عرفات , حبش , حواتمة , جبريل .. إلخ) ومن كان فقيراً معدماً قرن عبادته بالحجّ إلى القواعد العسكريّة التابعة لهؤلاء الأرباب والمنتشرة في لبنان (وقبلها في الأردن) للتفرغ للنضال فيها مقابل حفنة شهريّة من المال لا تساوي قطرة دمٍ واحدة, مشكّلين خزّاناً بشرياًّ رفد هذه التنظيمات في كلّ حروبها الداخليّة غالباً والخارجيّة فيما ندر.
إن المسافة بين كاراج البرامكة, مركز إنطلاق التكسيات إلى الدول المجاورة, وسط دمشق ومدخل مخيم اليرموك لا تتجاوز البضعة كيلومترات وخلال 20 دقيقة بلغت سيارة التاكسي التي أستقلّها مدخل المخيم أو بالأحرى أحد مدخليه, فقد كان وقتها يتشكّل من شارعين رئيسين متوازيين هما شارع اليرموك وشارع فلسطين اللذان يخترقان المخيم طولياً. لاحظت على مدخل شارع فلسطين حيث اتجهنا قوسَ نصرٍ معدنيٍ رخيص الصنع في وسطه صورة لحافظ الأسد مطبوعة بالطلاء تتوسط جملةً تحدّث عن حب وولاء أهالي المخيم وكل فلسطين للرئيس الملهم. بعد قوس النصر مررنا بالآلاف من صور “القائد التاريخي” ويافطات المبايعة والنضال والتّغني بصفاته الحميدة التي تملأ الجدران على جانبيّ الطريق وبعضها كان معلّقاً في منتصف الطريق على علو نحو مترين او أكثر قليلاً بواسطة حبالٍ عقدت أطرافها على شرفات المنازل المتواجهة أو بين أعمدة الكهرباء. كنت قد شاهدت نفس المشهد وبنفس الرتابة منذ لحظة وصولي إلى اوّل المناطق السكنية وعلى طول الطريق الممتد من المناطق الحدودية مع لبنان حتى وسط دمشق ثم على الطريق الموصل من دمشق إلى المخيم .وهي مشاهد معتادة في سوريا الأسد وان ليس بنفس الضخامة ولكنّ تأريخ اليوم كان 20 تشرين الثاني 1981 مما يعني انه بالكاد قد مرّت أربعة أيام على الإحتفالات السنوية بحركة تشرين التصحيحية وهي الإسم الفني في الإعلام السوريّ لإنقلاب العام 1970 العسكريّ الذي قام به وزير الدفاع يومها حافظ الأسد على رفاق دربه وشركائه في انقلاب البعثيين الذين استولوا به على السلطة في سوريا في آذار 1963.
عبرنا من تحت قوس النصر نحو سوق الخضار فمنطقة الساحة وسينما النجوم (الوحيدة في المخيم بعد توقّف سينما الكرمل) فمعمل البسكويت ثم موقف أبو حسن فدوّار فلسطين فحيّ المغاربة الذي اختار جدي ان يسكن في طرفه مع انه ليس مغربياً. وقد سميّ الحي بهذا الإسم لأن غالبيّة سكانه هم من المغاربة الجزائريّين الذين قطنوا فلسطين قبل انشاء دولة إسرائيل وهجّروا مع الفلسطينيّين عام 1984. إستغرق عبور المخيم من أوله حتى حارة المغاربة الواقعة يومها في آخره حوالي خمسة عشر دقيقة بسبب زحمة السير الشديدة. حيث ان عبورنا توافق مع موعد خروج الطلاب من مدارسهم والذين صبغوا الأرصفة الضيّقة باللون الأخضر القاتم إذ أن أجهزة الدعاية الأسدية قد ألزمت الطلاب الثانويين في جميع مدارس سوريا بارتداء الزيّ العسكريّ كما أضافت مادة “التربية الوطنيّة” إلى المناهج الدراسيّة وخصّصتها لعميلة زرع عبادة القائد الخالد حافظ الأسد في أذهان وأرواح الأجيال الصاعدة تهيئةً لمنهج توريث السلطة وتوارثها بين أبنائه وأحفاده وبقيّة ذرّيته. الأمر الذي كاد يكون حتمياً لولا القفزة في تكنولوجيا المعلومات والإتصالات التي حوّلت العالم إلى قرية صغيرة وجعلت المجتمعات بأغلبها, حتى تلك القابعة خلف أستارٍ حديدية, مفتوحةً على بعضها البعض وعرضةً لأجهزة الإعلام الخارجية مما حدّ من قدرات الإعلام التعبوي الدعائي في الداخل السوريّة على برمجة وغسيل أفكار السوريّين حسب أهواء الطغمة الحاكمة. وكان النظام قد أدخل إلى المدارس ايضاً حصص تدريبٍ عسكريّ إبتدائيٍ للطلاب تهيئة لانضمام مئات الآلاف منهم إلى منظّمة شبيبة الثورة أو كما أطلق عليها في الإعلانات التعبويّة “شبيبة حافظ الأسد“. التي استوردها القّيمون على ترويض “الجماهير” كما سبق أن ذكرنا من ألمانيا النازيّة مع تغييرٍ طفيفٍ لإسمها الأصلي وهو ” شبيبة هتلر”.
حين وصلت إلى بيت جدي كانت الساعة قد جاوزت الرابعة بعد الظهر بقليل. عناقٌ وقبلاتٌ متبادلة بيني وبين أخوتي وأخواتي وأمي وأقربائي. شايٌ وقهوةٌ ودخان سجائر وأحاديثُ اللقاء ولاحقاً أحاديث اليوميّ والإعتياديّ. تكون منزل جدي لأبي من ثلاث غرفٍ يقيم في غرفتين منهما عمّاي صلاح ومحمود كلٌ مع زوجته وأطفاله. كان لعمي صلاح أولادٌ ثلاثة ولمحمود ولدان. في الغرفة الثالثة أقامت أمي واخوتي الأشقاء الثلاثة مع جدتي. أما جدي رحمة الله فقد توفي قبل بضعة سنوات أثناء أدائه شعائر الحج ودفن في السعودية. ولقد كانت ظروف وفاته للمفارقة تماماً كما ظروف حياته مملوءةً حدّ التخمة بالإزدحام, فقد قضى ككثيرٍ من الحجاج الذين يموتون سنوياً في مكة أثناء ممارسة شعائر الحج وطئاً بأرجل الحجّاج الآخرين. فان أجتماع مئات الألوف من الحجاج ومسيرهم اثناء تأدية الشعائر وخصوصاً طوفانهم حول الكعبة في منطقة صغيرة بالغة الإكتظاظ يعني ان تعثّر شخصٍ ما هو على الأغلب موتٌ محتومٌ له بسبب التدافع الشديد. أما خالتي (الزوجة الثانية لوالدي) ومعها إخوتي غير الأشقاء وهم بنتان وولد فقد أقاما في منزلٍ مكونٍ من غرفتين يبعد عن منزل جدي حوالي ثلاثين متراً كان أبي قد أشتراه قبيل وفاته, ويتقاسمون المنزل مع عمّي الثالث إبراهيم وزوجته ووأولاده الخمسة.
حصل جدي على منزله في مخيم اليرموك من وكالة الأونروا في العام 1957 الذي انجز فيه بناؤه بعد ان ارتحل من مخيم ويفل القريب من مدينة بعلبك اللبنانيّة البقاعيّة. ويقع هذا المنزل وسط الجادة الأخيرة من حي المغاربة. شكّلت هذه الجادة وقتها حدود المخيم الشرقية وامتدت أمامها مئات الأمتار المربّعة من الأراضي الرملية الفارغة التي تفصل بين مخيم اليرموك وبلدة ببيلا السوريّة التي اعتدنا أطفال الحيّ والأقرباء وانا على غزو بساتين الجوز فيها دوريّا في محاولة لسرقة بعض الجوزات بطريقة رماية ثمار الجوز بالحجارة حتى يتمّ إسقاطها وهو حدثٌ نادرٌ إذ عادةً ما يتنبه أصحاب البساتين إلينا قبل نجاحنا في النيل من أية جوزة فيقومون بمطاردتنا وطردنا مرعوبين خائبين. بنى جدي في هذه الأرض الرملية التي أطلق الناس عليها اسم “الحَمار” بسبب لون تربتها المائل إلى الحمرة, “برّاكيةً” من ألواح الزينكو بمساعدة وكالة الانروا على ما أحسب وأكترى بغلين و“طنبرين” معدنيّين عمل عليهم هو وأبناؤه في بيع الكاز والمازوت الذين يستخدما في الطهي والتدفئة إضافةً إلى النارة في أوقات انقطاع التيار الكهربائي المتكرّرة. كان أبي هو الوحيد من أخوته الذي لم يعمل في بيع الكاز والمازوت على الطنابر إذ إختار العمل في مهنة طلاء المنازل في بداية شبابه ثم تركها وانضمّ إلى حركة فتح مع بدء تشكيلها في الستينات من القرن الماضي. لاحقاً تحوّل أحد أعمامي إلى بائع فاكهة متجول واختار الثاني مهنة الطلاء كبديلٍ عن الطنابر أما الثالث فكان نصيبه من دنياه التنقل بين بيع عرانيس الذرة المسلوقة وبيع العلكة والقضامة والحلويات السكّرية الرخيصة لأطفال المدارس. في منتصف ثمانينات القرن الماضي قام أعمامي ببيع منزلهم المكتظ لأحد أبناء عمومتهم الذي كان قد كوّن ثروةً صغيرة بعد عمله في السعودية كمدرس لبضعة سنين, واشتروا بثمنه مبنىً غير مكتمل من ثلاثة طوابق في أحد أحزمة البؤس التي تشكّلت حول المخيم بعد طفرة إرتفاع أسعار الأراضي والمنازل واستقل كلّ وأحد منهم في طابقه ومنزله الخاص. أما ابن عمهم الذي اشترى منهم منزلهم فقد شيّد مكانه مبنىً من طوابقٍ ثلاث فوق الطابق الأرضي الذي اقام فيه محلّاً تجارياً.
بعد بضعة أسابيع والكثير من المفاوضات الشاقة مع عمّي إبراهيم (أبو محمد) وافق على ترك منزلنا الذي كان والدي قد أسكنه إياه مجّاناً, واستئجار منزلٍ آخر له, في حين انتقلنا إليه أخوتي وامي وانا واقمنا في الغرفة التي كان يقطنها مع عائلته. وهكذا اجتمعنا مع بقيّة إخوتي تحت سقفٍ واحدٍ في الجادة رقم 6 والمنزل رقم 8 من حيّ المغاربة والذي يقع خلف منزل جدي مباشرةً. لم تكن هذه الحارة غريبة عليّ فقد كان لي فيها أصدقاءٌ من زمن الطفولة حيث سبق لي ان عشت فيها العام 1975 وبينهم أصدقاء من آل عودة وتميم والطيّب وتواتي ومقّاري فأحيّينا هذه الصداقات منتقلين بسلاسة من لعب القلل, وكنا نسمّيها الدَحَل, التي تنافسنا فيما بيننا عليها في الطفولة, إلى حلقات ورق اللعب اليوميّة التي اقتاتت على أعمارنا شبانا. كان أغلب هؤلاء الأصدقاء من المثقفّين وطلاب الجامعات إنما مرّت أشهرٌ طوال من بناء الثقة قبل ان يجرؤ أحدنا على التطرق همساً إلى المواضيع السياسيّة أو الحديث عن الإستبداد ولو تلميحا. فقد كان العام 1981 هو ذورة التصعيد العسكريّ والأمني بين نظام الأسد وتنظيم جماعة الإخوان المسلمين _ فرع سورية. فدوريات المخابرات تجوب الشوارع ليل نهار وزوّار الفجر يداهمون منازل الناس لمجرد الشبهة ويقتادونهم إلى اقبيةٍ لا يخرجون منها أبدا. كان يكفي في كثيرٍ من الأحيان ان يكون المرء ملتحياً حتى تطاله شبهة الإنتماء إلى تنظيم الإخوان أو ان يعتاد ارتياد المساجد للصلاة بدلاً من الصلاة المنزلية. ولقد ارتكب النظام في حزيران من العام السابق واحدةً من أبشع المجازر في تاريخ الإنسانية إذ قام إثر محاولة إغتيال فاشلة لحافظ الأسد, بإرسال وحدات عسكريّة مجوقلة من سرايا الدفاع بقيادة رفعت الأسد إلى سجن تدمر وارتكب المجزرة التي سبق ذكرها. وقدّرت منظّمة هيومان رايتس ووتش عدد القتلى بألف قتيل بينما ترجّح مصادر أخرى ان يكون العدد قد بلغ 1200 قتيل. لم يكتفِ النظام بهذا العدد الأوّلي بل قام بتنفيذ مئات الإعدامات بين العامين 1981 و 1983, فكانـ هيئة محاكمة عسكريّة تنتقل جواً بالطائرات الحوّامة إلى سجن تدمر مرتين إسبوعيّاً, تقوم خلالهما بمحاكمة عشرات السجناء وإصدار أحكاماً بالإعدام بحقهم وتنفيذ الحكم فيهم في نفس اليوم. حسب مصطفى خليفة, فإن بعض هذه المداولات القضائيّة الصوريّة كانت تستغرق اقلّ من دقيقتين قبل النطق بحكم الإعدام.
أقرب الأصدقاء إليّ كان أمين عودة طالب الهندسة المدنيّة المميّز خُلقاً وعلماً والمتديّن حدّ التصوّف, والمأسوف على شبابه سمير تميم توأمه في الخلق والعلم والتديّن والذي توفي لاحقاً بحادث سير فاجع. تعود جذور أمين إلى بلدة لوبية في شمال فلسطين بينما انتمى سمير إلى بلدة الجاعونة, أما الصديقان الثالث والرابع فقد كانا من المغاربة أحدهم ماركسيّاً رومانسيّاً هو عبدالله الطيّب والثاني إبراهيم تواتي صديقنا وزميلنا في لعب الشدّة والسهرعلى وقع أباريق الشاي ودخان السجائر في حارتنا الضيّقة.
قضيت مع أهلي حوالي الشهر ثم شددت الرحال إلى مركز القوّة البحريّة في بيروت حيث تسلمت أمراً إداريّاً بنقلي إلى منطقة طرابلس في الشمال حيث مقرّ قائد القوّة البحريّة منذر أبو غزالة الذي شغل أيضاً منصب قائد منطقة الشمال إضافةً إلى منصبه كقائد القوّة البحريّة. مكثت في بيروت بضعة أيام للترفيه وزيارة مبغى وبار الشلبي في منطقة الروشة تزوّدا للسفر إلى مدينة طرابلس المتزمتة التي تعجّ بالتنظيمات الأصولية. وقد فاجأني لاحقاً وجود الكثير من البقاليّات فيها التي تبيع الكحول علناً إضافة إلى قاعة سينما في وسط ساحة التلّ الرئيسة تقوم بعرض أفلام الجنس الفاضحة حصرياً. كان الطريق من بيروت إلى طرابلس طويلا ووعراً, واستغرق أكثر من أربع أو خمس ساعات رغم كون المدينتين لا تبعدان عن بعضهما أكثر من نصف ساعة عبر الطريق الساحلي الذي يخترق المناطق المسيحية التي تسيطر عليها قوات الكتائب والقوّات اللبنانيّة وبقيّة التنظيمات العسكريّة المسيحيّة المعادية. لذا فقد تحتّم على الفلسطينيّين واللبنانيّين المسلمين إذا ما أرادوا زيارة طرابلس ان يأتونها عبر مناطق الحلفاء الدروز في جبال لبنان المطلة على بيروت ومنها إلى منطقة سهل البقاع المتاخمة للحدود السوريّة ومنها عبر الأودية والجبال الوعرة نحو الهرمل والبقاع الشمالي ثم مدينة طرابلس. وصلت عصراً وتوجهت إلى منزل جدتي لأبي الذي يقع فى الطريق العام أسفل مخيم البداوي. كان لجدتي ولدٌ هو نصف شقيقٍ لأبي من أمّه أما والده فمن آل الهنداوي وهم عائلة شفاعمريّة أيضاً كعائلتنا. عمل عمّي نايف, ولدها في قطاع التنقيب البحري في دولة الإمارات العربيّة المتّحدة مما مكّنه من شراء شقةٍ في منطقة البداوي الساحلية وقام بنقل والديه إليها بإعتباره مقيماً بشكلٍ دائمٍ في الخليج العربيّ مع زوجته وأبنائه مما جعل منزل جدتي في مخيم البداوي والمكوّن من غرفتين وحديقةٍ بالغة الصغر فارغاً لحسن حظي. بعد يومين من إقامتي عند جدتي في شقة عمي, قامت جدتي رحمها الله مشكورةً بإعطائي مفتاح منزلها في المخيم وخلال يومين كنت قد تدبرت بعد الحوائج للمطبخ وفرشة اسفنج مددتها على ارض إحدى الغرفتين مع بضعة حرامات وانتقلت للإقامة فيه.
الفصل الرابع
طرابلس 1982
مخيم البداوي هو أحد مخيمين فلسطينيّين وأقلهما كثافة سكانية في الشمال اللبناني وقد انشأته وكالة غوث وتشغيل اللاجئينل الفلسطينيّين عام 1955. أما المخيم الآخر فهو نهر البارد المخيم الساحلي الواقع على بعد 16 كم إلى الشمال من مدينة طرابلس بينما يقع الأول على بعد 5 كم منها وترتفع التلّة التي أقيم عليها حوالي 150م عن سطح البحر. كان تعداد سكانه يوم انتقلت إليه حوالي 7000 شخص وتقع على أطرافه حارةٌ أغلب سكانها من أقربائنا وأنسبائنا الذين ترجع جذورهم إلى بلدتنا شفاعمرو وجميعهم غادروها إثر نكبة ال 1948 كآل الونّي وبهيج والهنداوي والكذوب. ويطلق اهل المخيّم على هذا الحي اسماً طريفاً هو “حارة اليهود” بزعم ان أهل شفاعمرو لؤماء كاليهود. وهناك زعمٌ آخر بان سبب التسميّة هو رفض أهالي الحيّ السماح لأيٍّ من التنظيمات الفلسطينيّة المسلّحة بإفتتاح مقرٍ لها في الحيّ ولا أدري مدى صحة كلٍّ من هذين الزعمين وان كنت أرجح ان يكون هذا الإسم نوعاً من الدعابات الثقيلة التي يتناقلها أهل القرى عن بعضهم البعض في كلّ الأزمنة والأمكنة.
يقع منزلي الجديد في وسط حارة اليهود هذه وكوني أعزبٌ أقيم في منزلي دون عائلة فسرعان ما تحوّل المنزل إلى مقهىً ومشرَبٍ وملهىً يحتشد فيه أغلب شباب الحارة من أهالي بلدة شفاعمرو للعب “الشدّة” وشرب القهوة والشاي وأحياناً العرق وبقيّة المشروبات الروحية التي دائماً ما يترافق شربها مع المواويل العتابا والدلعونة والميجنا بصوت صديقنا ذي الصوت الرائع محمد الونّي الذي هو الان أمين سرّ حركة فتح في منطقة الشمال.
مركز دوامي المملّ هو المقرّ الرئيس لمنذر أبو غزالة الواقع في المخيم نفسه وعلى بعد ثلاثمئة متر من منزلي والدوام مملٌ بطبيعته لكوني ببساطة لم أكن أقوم بأية مهمّة عدا التواجد في الفترة الصباحية في مكتب الإستقبال والمناوبة الليلية أحياناً والتي تعني أيضاً مجرد التواجد في المكتب. إضافةً إلى المقرّ الرئيس, امتلكت القوة البحرية في طرابلس مقرين عسكريّين أحدهما أقيم على الشاطئ المقابل لتلّة البداوي بينما تموضع الآخر على أطراف بركةٍ صناعية اقيم عليها سدٌّ لتوليد الكهرباء تابعين لشركة الكهرباء الحكومية, وامتلكت القوّة كذلك مركبتي دفع رباعي من نوع لاندروفر يقومان بمهام توزيع التموين على الموقعين المذكورين وبعض المهمات الأخرى. طبعا كانت هناك مقرات أخرى للقوة في بيروت والساحل الجنوبي وكذلك في مدينة اللاذقية السوريّة. وقد تمّ إغلاق قاعدة اللاذقية بعد انتهاء شهور العسل المعدودات بين المنظّمة والنظام السوري. خدم معظم ضبّاط الدورة البحريّة الأولى في الباكستان في معسكر اللاذقية قبل إغلاقه وأقاموا فيه العديد من الدورات العسكرية الدورات للجنود المنضمّين للقوة حديثا. لم تعتبر طرابلس في تلك المرحلة منطقة مهمّة في جدول الحسابات العسكريّة لحركة فتح, أولاً لبعدها عن الحدود الإسرائيليّة وثانيا لعدم وجود قوىً مسيحيّة معادية فيها إذ أن أغلبيّة سكانها هم من المسلمين السنّة المتحالفين مع المنظّمات الفلسطينيّة وخصوصا منها حركة فتح التي تمدّ تنظيماتهم الإسلامية الصغيرة بالسلاح والمال مقابل الحفاظ على أمن المدينة وأمن القيادات الفلسطينيّة القليلة التي تقطنها أمثال منذر أبو غزالة ونائبه لؤيّ الذين أقاما مع عائلتيهما في حيّ الميناء وهو أحد افخم أحياء المدينة.
لم يكن أمر السيطرة على أمن مدينة طرابلس هو همّ القيادات الفلسطينيّة الوحيد فإن أكثر من نصف الأراضي اللبنانيّة وقع عمليّاً تحت سيطرة المنظّمات الفلسطينيّة وحلفائها وإدارتهم ولكن هذه التنظيمات عادت ففقدت الكثير تلك الهيمنة لصالح النظام السوري بعد دخول جيشه في أيار 1976 إلى لبنان بطلبٍ من المسيحيّين ثم دخول قوّات الردع العربيّة التي انشئت بقرار من الجامعة العربيّة في الشهر الأخير من نفس العام. تشكّلت قوات الردع من كتائبٍ ووحداتٍ عسكرية تابعة لجيوش كلّ من السعودية والإمارات والسودان واليمن الجنوبي إضافة إلى القوّات السوريّة التي كانت قد سبقتهم منفردة.
ولقد انسحبت القوّات العربيّة لاحقاً مخليّةً الساحة اللبنانيّة لتتقاسمها قوّات النظام السوريّ والمنظّمات الفلسطينيّة بحكم الأمر الواقع. وقد أصبح لبنان مجال م . ت . ف الحيوي وساحة عملها, ومنه تدير مناوراتها السياسيّة وإليه تستجلب أموالها وعلى أرضه تنمّي قدراتها العسكريّة وهو إلى ذلك كان مكان عيش قياداتها مما جعل أمنه شغلاً شاغلاً لتلك القيادات إضافة إلى أمرٍ أخير وهو الأهم أعني المداخيل الضخمة التي كانت تدرّها هذه التجارة الأمنيّة على أمراء الحرب. فإن السفارات العربيّة والأجنبية وكذلك الشركات التي بقيت تعمل في أحلك الظروف عند احتدام الصدامات العسكريّة بين البيروتين الشرقية والغربيّة انما استطاعت ان تستمر في عملها وتحافظ على منشآتها وممتلكاتها بسبب الحماية الأمنيّة أو العسكريّة التي أمّنها أولئك الأمراء مقابل مبالغٍ طائلة من الأموال. وكانت هذه الحماية في أغلب الأحيان ضروريّة أولا لدرء خطر هؤلاء الأمراء أنفسهم تشكيلاتهم العسكرية أكثر منها من أعداءٍ أو لصوصٍ أخرين. فلو امتنعت سفارةٌ أو وكالةٌ أو شركةٌ عن دفع تلك الأتاوات فإن الخطر الأساس المحدق بها عندها هو خطر أولئك الحماة انفسهم الذين جمعوا الملايين من الدولارات بتلك الطريقة.
في تلك الفترة بدأتُ قراءاتي. لم تكن الكتب العربيّة متاحة في الباكستان لذا اقتصرت قراءاتنا خارج الكتب المنهجية هناك على بعض الصحف والمجلّات العربيّة الخليجيّة التي تصدر في لندن. وحتى تلك القراءات كانت نادرة بسبب إرتفاع أسعارها فاقتصرت ذخيرتي الثقافيةّ على بعض الشعارات الفارغة الفلسطينيّة أو الماركسيّة التي تطرح في المناقشات والأحاديث الطلابيّة مثل “الأرض للسواعد التي تحرّرها” أو “فتح ديمومة الثورة” أو “العنف الثوري المنظّم بقيادة الطبقة العاملة” ناهيك عن كلمات الأغاني الوطنيّة الساذجة التي لقنتها في مدرسة أبناء الشهداء. ورغم انني كنت في طفولتي قارئاً نهماً إلا ان قراءاتي حتى تاريخ ابتعاثي إلى الباكستان لم تجاوز مجلات سوبرمان والوطواط وطبوش بطبيعة الحال ثم أدمنتُ في مرحلة تلت المجلات المصورة العاطفية مثل مجلة فوتوريما التي سلبت نساؤها الإيطاليات الجميلات لبّي طوال سنوات مراهقتي. وكنت أيضاً قد قرأت أغلب روايات نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس وهذه كانت متوفرة لأن خالتي (زوجة والدي) كانت تحب قراءتها. كما امتلك والدي بعض المجلدات التاريخية مثل الكامل في التاريخ لإبن الأثير ومجلدات العقد الفريد لإبن عبد ربه الاندلسي وقد قرأتهم عن بكرة أبيهم.
حين استقريت في طرابلس امتلكت الكثير من الوقت, وكنت أعشق الكتب. كان نصف راتبي تقريبا يكفيني للأكل والشرب وشؤون المنزل أما النصف الثاني فغالباً ما بدّدته في شراء الكتب. قرأت ماركس وانجلس وفرويد وإيريك فروم, بوعلي ياسين, جورج طرابيشي, كمال صليببي, صادق جلال العظم, ماركيز, عبدالرحمن منيف, سارتر, سيمون دو بوفيار, كامو, نيتشه, داروين, جبران , جبرا, أدب, دين, لادين, تاريخ, فلسفة, إجتماع, دوريش, لوركا, بوشكين, فيلهلم رايخ, الكتاب المقدس, تولستوي, همنغواي والشيخ والبحر, حنّا مينة والعشرات من رواياته “المتّكئة” على رواية الشيخ والبحر, غوركي, أوستروفسكي, تروتسكي, إسحق دويتشر ومجلداته عن تروتسكي, غادة السمان, غسّان كنفاني المبالغ في قيمته الأدبية, يحي حقّي, نجيب محفوظ, إدريس , جيرمن غرير, نوال السعداوي وكتبها المنحولة من جيرمان غرير, التفاسير, أسباب النزول, والكثير الكثير ..
لعلّني قرأت في الفترة ما بين نهاية العام 1981 حتى أواخر 1986 حين أنهيت خدمتي الإلزامية في جيش التحرير الفلسطينيّ التابع للنظام السوريّ, أكثر من خمسمائة كتاب أغلبها امتلكته والكثير منها استعرته. كنت آخذ هذه الكتب معي إلى الدوام للقراءة في وقت الفراغ الذي هو أغلب الوقت ثم حين أعود إلى المنزل أقضي معظم وقتي أيضاً بالقراءة عدا فترة السهرة موعد إفتتاح “مقهى” شفاعمرو لأعود للقراءة ليلاً بعد إقفال المقهى. لم أقطع قراءتي سوى للذهاب إلى بقالية الحي التي غالبا ما تديرها ابنة صاحب البقالية ذات الصدرالناهد والشفتين الكرزيتين والجسد الشهيّ. كانت زياراتي للبقالية ضرورية وكثيرة فقد كانت تلك الصبية ذات ال17 ربيعاً بالنسبة لي هي رائحة الانثى الوحيدة في طرابلس وانا كما كلّ رجال الأرض, أو بالأحرى أغلبهم , أعشق النساء, وفي ال19 من عمري لم تكن الدنيا عندي سوى النساء. كثرة زياراتي لتلك البقالية مردّه إلى تعمّدي عدم الشراء بالجملة, فعلبة دخان واحدة تضمن لي زيارةً أخرى عند إفراغها, وشمعةٌ واحدة تكفي ريثما يحين موعد الثانية, لو أتيح لي أن أشتري الخبز رغيفاً رغفيفا والسجائر أحادى سيجارةً سيجارة حتى أقضي جلّ وقتي في حضرة تلك الصبية لفعلت.
ان شدّة إلحاح الدافع الجنسي عند الإنسان جعلت الحضارة البشريّة تستغرق عشرات الآلاف من السنين لقوننة الغريزة الجنسية وتنظيمها وتهذيبها ناهيك عن آلاف التابوهات والأساطير والأديان المكرّسة لهذا الغرض ومعها التهديدات بالجحيم والعذاب الأبدي بكافة أشكاله من السلخ والذبح والرجم إلى الشيّ والصهر والصلب ناهيك عن عذاب القبور وفظائع النشور. أعتقد الآن يقيناً ان الإنسان في الأصل ليس سوى آلة لحفظ الجينات وإعادة إنتاجها وتكون هذه الآلة في ذروة قدرتها في سنين المراهقة ولقد كانت الثالثة عشر أو الرابعة عشر هي السن الأنسب للزواج في جميع المجتمعات البدائية. ولم تمتنع تلك الممارسات إلا بفعل تعقّد الحياة الإجتماعيّة والإقتصاديّة وتضخّم متطلباتها بحيث بات على المرء ان ينهي سنوات الدراسة التي تستغرق الثلث الأول من عمره قبل الدخول في سوق العمل الذي يؤهله من الناحية الإقتصاديّة لأن يتخذ زوجةً ويبني عائلة. وإذا ما أقفلت كلّ المجالات التي قد تخفّف من وطأة الكبت الجنسي خلال تلك الفترة فالنتيجة الحتمية ستكون خللاً في الشخصيّة تماماً مثلما قد يؤدّي التعذيب بالتجويع أو التعطيش إلى انهيارٍ كاملٍ للشخص الواقع تحتهما. ولتبيان حجم العُصابات الذهانية والخلل النفسي الذي يصيب الشباب الممتنع غصباً عن أيّ تفريغٍ لليبيدو, يكفي ان نتذكّر ان أشهر أساليب التعذيب في السجون والتي تهدف إلى إيصال السجين إلى مرحلة الإنهيار النفسي وإجباره على الإدلاء بإعترافاته هو إبقاء الضوء الكهربائي مضاءاً في زنزانته ليل نهار. فإذا كان مجرد إبقاء النور الكهربائي مضاءً يؤدي إلى الانهيار فما بالك بقمع الحافزالغريزي الأكبر عند الانسان (والحيوان) الذي هو الجنس وكبته على مدى سنوات!.
في الحقبة الأولى من اندلاع شعلة الفضول المعرفي عندي أو بالأحرى منذ توفّر الظروف المناسبة لتلبية هذا النهم المعرفي كنت قد كوّنت عقائدي السياسيّة مسبقاً وقبل قراءتي لأيٍّ من الكتب السياسيّة. وحين اشتريت اوّل ما اشتريت مجلدات رأس المال ومعها كتابيّ البيان الشيوعيّ والعائلة المقدسّة كنت قد آمنت غيبيّاً بالماديّة الدياليكتيّة ولم يعد عليّ سوى ملء الفراغ المعرفي في رأسي, فالإيمان الغيبي لا يقتصر فقط على الأديان السماويّة (ان صحت التسميّة) وغير السماويّة بل يتعداه ليشمل كل أشكال الإيمان والتعصب الأعمى سواء كان هذا التعصّب لفريق كرّة قدم أو نجمٍ سينمائي او زعيمٍ حزبيّ أو قائدٍ عسكريّ او مطربٍ أو فكرةٍ أو راقصةٍ أو قاصٍّ أو شاعرة. فالإنسان في هذا الإعتناق الدينيّ أو شبه الدينيّ عادةً ما يكون مدفوعاً بآلياتٍ لاواعية تلبّي حاجة “الإنتماء للجماعة” الغريزية لديه من جهة, ومن جهةٍ ثانية تحقّق حاجته لملء ذهنه بمنظومة فكريّة معيّنة تعطي لوجوده معنىً وتحدّد له مكانته في العائلة أو القبيلة أو الحزب أو الوطن أو الكون وتساعد على سدّ حاجته للقوة والطمانينة والسلام الداخلي ومنحه معنىً ما لوجوده. هذه البُنى الذهنية عادةً ما تتشكل في مرحلة الطفولة أي اننا نرضعها مع حليب أمهاتنا ونستقيها من محيطنا العائلي والتعليمي ثم تشذبّها وتؤطرّها التجارب الإجتماعيّة للأفراد كلٌّ على حِدة. ويساهم في هذا التشذيب والتهذيب والتحوير مئات من العناصر الموضوعية إضافة إلى عددٍ لا يحصى من العوامل العشوائية الناتجة عن الصدفة وحدها. فعدد إخوة الفرد و ترتيبه بين إخوته وعلاقته بأبويه وإخوته وجديّه من ناحية الأم أو الاب, وعلاقته بأساتذته وبأفراد صفّه, وبيئته بمجملها, وطبقته الإجتماعيّة, وقدرة والديه الإقتصاديّة, وبرامج التلفزة التي يشاهدها, والأغاني التي يسمعها, ومفردات الإستحسان أو الشتائم التي تتناهى إليه, كلّ هذه العوامل ومئاتٍ غيرها هي التي تصنع إيمان الفرد وإييدولوجيته لا الكتب التي يقرأها أو الفكر الذي يدرسه.
فالإنسان المسلم مثلاً ليس بحاجةٍ لقراءة القران أو الحديث ليصبح مسلماً بل ان المسلمين الأوائل لم يكونوا قد سمعوا أيّا من سورالقران عند إسلامهم فزوجة محمد وأقرباؤه وأصدقاؤه المقرّبين أسلموا له وصدّقوه منذ ان قال لهم انه يرى ويسمع ملاكاً مرسلاً من عند الله ويخاطبه ويأمره بما يفعل. بل ان بعضهم قد أسلم قبل إسلام الرسول نفسه إذ ان خديجةً قد أيقنت ان الله قد اختاره نبياً قبل ان يعلم هو نفسه بهذا وتُجمِع كتب السيرة النبوية ان محمداً لمّا نزل عليه الوحي في غار حراء انطلق إلى منزله مذهولاً ومرتجفاً من الخوف فما ان بلغ حجرة زوجته خديجة حتى راح يستغيث صارخاً زمّلوني زمّلوني ,أو دثّريني , دثّريني يا خديجة (يختلف الرواة) فدثّرته حتى ذهب روعه واطمأن في حضنها فقال لها: ما لي يا خديجة؟ ثم قصّ عليها ما حدث معه في الغار فضمته إلى صدرها, وهتفت: الله يرعانا يا أبا القاسم, أبشر يا ابن العم واثبت فوالذي نفس خديجة بيده اني لأرجو ان تكون نبيّ هذه الأمة. وحين انطلقت خديجة إلى خالها ورقة ابن نوفل لتستعين بمعرفته الدينيّة في تفسير ما حدث لمحمد جعل ينتفضّ ويردّد: قدّوسٌ قدّوس, والذي نفس ورقة بيده لإنْ كنت صدقتني يا خديجة فلقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي لموسى وعيسى وانه لنبيّ هذه الأمة. الأمر نفسه حدث مع صديقه أبي بكر وابن عمّه علي ابن أبي طالب. بل ان المئات من المسلمين الذين هاجروا بدعوى من الرسول إلى الحبشة ثم إلى المدينة وعادوا بعدها لمقاتلة قريش حين ألتحق بهم, قد فعلوا ما أمروا بهم والقران لم يكتمل بعد بل لم يكن قد جاوز ربع ما لدينا الآن منه. ولعلّ الآيتين التاليتين من سورة الشمس تعبّران أبلغ تعبيرٍ عن هذه الحقيقة: نفسٌ وما سوّاها * ألهمها فجورها وتقواها.
يتشارك إذن اليساريّون واليمينيّون, المسلمون واليهود والمسيحيّون والملحدون, والمتطرّفون والليبراليّون, والثيوقراطيّون والعلمانيّون في انهم جميعا (على الأغلب) مؤمنون بالمعنى الغيبي للكلمة بقناعاتهم وعقائدهم ومنظوماتهم الفكريّة أو المعرفيّة دون ان يدركوا مصدر تلك القناعات بالضبط وإن كان أغلبهم يعتقدون انها قد تأتّت لهم بعد تبصّرهم بالكتب والمصادر التعليميّة الأخرى وتمحيصهم للدلائل والقرائن أو من خلال قراءاتهم للكتب السماويّة أو مشاهدتهم للبرامج التلفزيونيّة الدينيّة أو استماعهم إلى خطب شيوخ المساجد الإسبوعية. إن الإيمان الغيبي يشبه تماماً حالة القرود الخمسة والموز الساخرة والشهيرة التي يتناقلها دارسو علم الإجتماع وكذلك طلاب العلوم الإداريّة وتفترض هذه التجربة أو النظريّة قروداً خمسة مجموعين في قفصٍ واحد في زاويته قرط موزٍ معلّقاً بسقفه وتحته سلّم. بعد فترة من وضع القرود في القفص سيقوم أحد القرود بالتأكيد بتسلّق السلم لمحاولة تناول الموز, عندها يقوم القائمون على التجربة برشّ المجموعة بالماء البارد. لاحقاً يقوم قردٌ آخر بتسلّق السلّم فيعود الرشّ بالماء البارد. كرّر التجربة بضعة مرّات تجد بعدها ان هذه القرود إذا ما لاحظت ان قرداً من المجموعة يحاول صعود السلّم فانها ستقوم بضربه ومنعه من ذلك. الآن إبدأ بتبديل القرود واحداً بعد واحد بقرود جديدة دون رشّ الماء فستلاحظ ان القرد الجديد بعد كلّ إستبدال سيحاول صعود السلّم فتقوم بقيّة القرود بضربه. في نهاية التجربة وبعد تغّيير جميع القرود فإنك ستلاحظ ان القرود الخمسة الجديدة والتي لم يسبق لها ان تعرّضت للرشّ بالماء البارد ستستمرّ بضرب القرد الذي يحاول صعود السلّم نحو الموز دون أي سببٍ منطقيٍّ لذلك.
تشكل تلك القناعات والإعتناقات والعقائد بمجملها حاجزاً يغلّف الوعي ولا يمكن ان تعبره سوى الأفكار التي تتناغم معها كما انها تشكّل عائقاً أمام قبول الآخر الذي يحمل عقائد مغايرة, إضافةً إلى كونها تنشئ أرضيةً خصبةً لنمو النزاعات والصراعات والحروب. إذ يستغل الزعماء والساسة ورجال المال والإقتصاد هذا الميل العدائي عند الجماعات نحو الجماعات المغايرة ويقومون بشحذه وإثارته حسب الحاجة وتوجيهه بالإتجاه الذي يخدم مصالحهم او مآربهم التي نادراً ما تكون نبيلة. فالتحزّب لفرق كرة القدم في أوروبا تديره إستثماراتٌ يبلغ حجمها مئات المليارات أما العنصرية والإسلاموفوبيا وما شابه فتغذيها وسائل إعلامٍ ودعاية يقف خلفها المتنفذون من رجال المال والأعمال ومعهم الساسة بهدف حرف الانظار عن حقيقة انهم هم أنفسهم لا الهجرة الأجنبية, الذين يقفون خلف التدهور والبطالة والركود الإقتصادي وارتفاع الأسعار بينما المداخيل في هبوط مستمرٍ.
وكما في مجتمعات الغرب كذلك في الشرق انما مع فرق التوقيت فالغرب الذي تجاوز أزمنة الحروب والصراعات المسلّحة على أرضه (إلّا في ما ندر) واستبدلها بحروب كرة القدم وجماهيرها التي تجمعهم, كما عند بقيّة الثديّيات الرئيسة, غريزة القطيع انما استطاع ذلك بسبب النهضة الإقتصاديّة وما جلبته من رفاهيةٍ وثروات مشفوعةً بالليبرالية التي انتجتها الطبقة الوسطى. وقد وجد هذا الغرب نفسه بعد العولمة يقف وجها لوجه أمام مجتمعاتٍ تبدو عصيّةً على الحداثة وتتقاذفها الأنظمة العسكريّتارية الأولغارشية من جهة والثيوقراطية القبليّة من جهةٍ أخرى فإن ذهبت الأولى لا يمكن ان يحلّ محلها إلّا الثانية وان أشرفت الثانية على الزوال تأهبت الأولى للانقضاض عليها. هذه الانظمة بمجموعها تعمل على تأجيج المشاعر الطائفية في مجتمعاتها حرصاً على بقائها في سدّة الحكم وتجهد في الوقت نفس في تقديم أوراق اعتمادها للغرب والمجتمع الدولي مدعيّةً, كلّاً منها على حِدا بأن البديل عنها هو الفوضى والإرهاب والحروب الطائفية وهم جميعاً محقّون في هذا إذ ان عقوداً من بطشهم واستبدادهم لم يكن لها ان تنتج سوى الحقد والكراهية والنعرات الطائفيّة والقبليّة في المجتمعات الرازخة تحت سلطتهم.
لقد اختار الغرب في البداية ان يرسّخ سلطات القوى الإستبدادية ذات الطبيعة العسكرية أو القبلية في دول منطقة الشرق الأوسط ذات الأهمية القصوى لإقتصاده بسبب نفطها بعد ان توهّم انها الوحيدة القادرة على تأمين مصالحه, فعمل على تأسيسها وإرساء دعائمها وأقام معها العلاقات الإقتصاديّة والسياسيّة والدبلوماسية أضافةً إلى مدّها بصفقات السلاح والعتاد الحربي وانشاء القواعد العسكريّة على أرضها لحمايتها. ومع أنني أستخدم مصطلح “الغرب” المعمول به في منطقة الشرق الأوسط فإنني أعني به أيضاً الشمال أي الإتحاد السوفياتيّ سابقاُ والإتحاد الروسي حالياً فمن لم يستمدّ شرعيته الدولية وترسانته الحربية من أمريكا واوروبا استمدها من روسيا أو الصين أو حتى كوريا الشماليّة التي استنسخ نظام الأسد تجربتة زعيمها الأبدي كيم إيل سونغ. إستمرّ هذا الحال من غضّ البصر عن مجازر أنظمة الإستبداد والطغم العائلية الحاكمة في المشرق والمغرب العربيّ طالما كانت هذه الطغم قادرةً على تأدية المهام المأمولة منها والتي هي تأمين المصالح الغربيّة حتى صدمة 11 أيلول 2001 التي أيقظت أمريكا ومعها الغرب كلّه على حقيقة ان الأنظمة والطُغم الشرق أوسطية التي توهمّوا انها تؤمّن مصالحهم كانت في حقيقة الأمر تؤجّج مشاعر القهر والمظلومية عند شرائح مجتمعية واسعة وتدفع بهم نحو تبنّي الإرهاب والتطرف الدينيّ. كان رد الفعل الغربي المباشرعلى هذه المجزرة الضخمة هو العمل العسكريّ لكن الرد الهاديء والمدروس وبعيد المدى كان تغيّير الإستراتيجية الغربيّة برمّتها وبدء العمل على محاولة إحتواء الإسلام السياسيّ الوسطي قبل استفحاله عن طريق استبدال الأنظمة الإستبدادية الأمنيّة والقبليّة المتغوّلة به بصفته البديل الوحيد في منطقةٍ تخلو من الأحزاب السياسيّة (عدا الفولكلوريّة) بل ومن العمل السياسيّ برمّته.
كان النظامان الأشدُّ بطشاً في المنطقة هما نظاميّ البعث في كلّ من سوريا والعراق والذان يتشابهان إلى حدٍّ كبيرٍ رغم العداوة المستميتة بينهما فإن كلٌّ منهما هو انعكاسٌ للآخر تماماً. فبينما سيطر النظام العراقي على الحكم بعد انقلابٍ عسكريّ دموي ثم استخدم الطائفة السنيّة في قمع الطائفة الشيعيّة والكرد وبقيّة الطوائف والأعراق مستعيناً بشكلٍ أساسيٍ بأفراد عائلته وبقيّة أقربائه وأنسبائه وأبناء مدينته الذين وضعهم على رأس الأجهزة الأمنيّة القمعية التي تتحكّم بالبلاد عن طريق الإرهاب وارتكاب اشدّ الجرائم والفظائع هولاً في التاريخ بحقّ المعارضين الذين كانوا يزجّون في السجون عشوائياً دون الرجوع إلى القضاء. هذا القضاء الذي أصبح في عهد صدّام مجرد جهازٍ من الموظفين المرعوبين كبقيّة أجهزة الدولة المدنيّة من وزارات ومديريات وصولاً إلى مجلسٍ برلمانيٍ صوريّ أشبه ما يكون بمجلس دمىً من البعثيّين المتكسّبين. فإنّ نظام حافظ الأسد من الناحية الأخرى قد اقترف يومياً وعلى مدى عقودٍ من الإرهاب نفس الفظائع التي ارتكبها نظام صدام بحق شعبه وسيطر على مقدرات البلاد بنفس طريقته انما مع فارقٍ وحيدٍ هو انه استخدم الطائفة العلويّة التي ينتمي إليها لفرض سيطرته بدلا من السنيّة التي ينتمي إليها صدام. وقد تحوّلت سوريا والعراق كليّاً إلى مزرعتين عائليتين لصدام وحافظ يحلبان شعبيهما ويمتصان ثرواتهما ويكدّسونهما في البنوك المحليّة والعالميّة بينما يقوم أتباعهما في الأجهزة الأمنيّة والعسكريّة بإمتصاص ما تبقّى خلف القيادة الحكيمة في عروق الناس تحت طائلة الموت تحت التعذيب أو تحت نيران طائراتهم ودباباتهم وأسلحتهم الكيماوية لمن أبدى تململاً او تمنّعا.
ان التجربة الغربيّة في العراق التي بدأت بإجتياح قوّات الناتو في آذار 2003 وآلت إلى اندلاع حربٍ طائفيّةٍ هي الأعنف في تاريخ المنطقة ولا تزال مشتعلةً حتى يومنا هذا قد بيّنت بالدليل الملموس ان التخلّص من الطغاة الذين استنفذوا أدوارهم وأصبحوا عديمي الصلاحية لن يأتي بالديموقراطية بل بطغاةٍ من المقلع الآخر أي من الطائفة المقابلة. هذا الأمر أجبر النظم الغربيّة على التريث وإعادة النظر بعد ان كانت تهمّ بالانقضاض على نظام الطاغية الآخر حافظ الأسد (ممثلاً بولده بشار). ولقد كان للأجهزة الأمنيّة السوريّة التي استشعرت وأسيادها الخطر الداهم, الدور الأكبر في استدراج أو استجلاب عشرات الآلاف من المجاهدين الإسلاميّين المتطرفين من شتى انحاء العالم العربيّ والإسلامي والعمل على وصولهم إلى العراق وتأمين خطوط إمدادهم اللوجستية والماليّة مما ساهم إلى حدٍّ كبير بإرجاء المدّ “الديمواقراطي” الأمريكي بضعة سنوات بانتظار اللّحظة الحاسمة التي كان لا بدّ لها ان تأتي وان متأخرة.
انطلق الربيع العربيّ بعد عقدين كاملين من سقوط الإتحاد السوفياتيّ, الأب الروحي لأغلب الطغاة في الشرق الأوسط وكانت تلك هي الفرصة السانحة الغرب فقدم كلّ الدعم المعنوي والسياسيّ والإعلامي والماليّ لهذه الثورات التي طال انتظارها في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا. ثم ذهب إلى حدّ المواجهة المسلّحة مع النظام الليبيّ أسفرت عن انهياره وزواله بالكامل. هذه التجربة الغربيّة الثانية في إزاحة الطغاة كانت ايضاً مخيبةً لآماله وآمال الشعوب العربيّة نفسها (بإستثناء تونس ربما) إذ انها انتهت بدورها إلى صراعاتٍ متوحشة بين الإسلاميّين والعسكريّتاريين فعادت مصر إلى نفس الحظيرة التي انطلقت منها مع اندلاع ثورتها وسقطت ليبيا واليمن في إتون حربين تبدو نهايتهما بعيدتين وتشرذمت سوريا بين إسلاميّي القاعدة وأصوليّي الطوائف والأعراق العلوية والشيعيّة والكرديّة. ان الشعوب العربيّة (والشرقية بشكلٍ عام) هي الآن أمام خيارٍ سياسيٍ وحيدٍ هو الليبرالية الديموقراطية فقد مضت أزمنة الإستفراد بها خلف ستائرٍ حديدية محكمة وبات العالم بأكمله اليوم منفتحاً على بعضه البعض كالأواني المستطرقة ولا يمكن للعصور الغابرة ان تعود في زمن العولمة و“نهاية التاريخ” والنظام العالمي الجديد وكلّ ما قد تفلح في إنجازه هذه الأصوليات الطائفية والعسكريّة هي تأخير توقيت هذه الحتميّة التاريخية وسفك المزيد من الدماء. هذه الحتمية التاريخيّة لن تنبثق مباشرةً من ثورات الربيع العربيّ الحالية إذ ان الديموقراطية الليبرالية لها أيضاً شروطها ولا بدّ من بناء طبقةٍ وسطى عريضة بما يكفي لتشكّل السواد العام للمواطنين, ولبِنة بناء هذه الطبقة (البرجوازية الصغيرة) هي النمو الإقتصادي الذي امتنع حتى الآن في هذه الدول بسبب الفساد والإستبداد وانعدام سلطة القانون بشكلٍ عام. وإن انتصار الدم العربيّ (الحتمي هو أيضاً) على مستبديه ومستعبديه لن يغيّر هذه البنى الإجتماعيّة والسياسيّة وقواعدها الأخلاقية بين ليلةٍ وضحاها انما سيؤسّس اللّحظة التاريخيّة لإنطلاق عمليّة نهوض إقتصادي وإجتماعي شاملة وهادئة قد تستغرق عشرات السنين وتنمو خلالها الطبقة الوسطى رويداً رويداً بعد ان تنطفئ نيران المعارك. يرفدها نموٌ وشفافيّة إقتصاديان طال انتظارهما وتتوطّد خلالها سلطة القانون ويعاد الإعتبار لحقوق الفرد وحرية التعبير ويتمّ فصل السلطات التي رزخت قروناً تحت عباءة الفرد الواحد الأحد ان هذه الشروط التي تحقّق الأمن الإجتماعيّ والإقتصادي والسياسيّ للفرد في دولة مدنية, هي الوحيدة القادرة على فسخ الانتماء الطائفي أو القبلي واستبداله بالانتماء الوطني المعاصر.
—————————————————
عند صرف الرواتب نهاية كلّ شهر, وهو الحدث الذي انتظره بتوق, أركب التاكسي مباشرةً إلى وسط مدينة طرابلس لأجول بين المكتبات لساعاتٍ وأشتري ما راق لي عناوينه من الكتب التي أحملها بشغف ثم أعرّج على بائع الشاورما في ساحة التلّ عند العصر لتناول الغداء وأؤوب بعدها إلى منزلي في مخيّم البداوي. في اليوم التالي أحمل حقيبة ملابسي الصغيرة وفيها كتب الشهر الفائت التي أنهيت قراءتها وأنطلق في إجازتي الشهريّة نحو دمشق عبر معبر العريضة, أو ثغرة وادي خالد الحدودية المخصّصة للتهريب إذا كان بين الكتب التي أحملها معي ما أعتقد انه لن يروق لعناصر الأمن على الحدود (مثل كتاب “العلوييون بين الإسطورة والحقيقة” الذي حملته معي ذات إجازة). لا يفصل بين بلدتيّ النبك السوريّة ووادي خالد اللبنانية سوى نهرٍ ضيق وضحل. ويسكن بلدة وادي خالد بدوٌ لا تعترف بهم الدولة اللبنانيّة كمواطنين لبنانيّين رغم انقضاء مئات السنين على وجودهم في تلك المنطقة, وإن كانت تصدر لهم بطاقات هوية لتسهيل أمورهم الحياتية انما مكتوب عليها في خانة الجنسية ” قيد الدرس” وهي صفة صحيحة حيث ان الحكومات اللبنانيّة المتعاقبة ما زالت تدرس موضوع تجنيسهم منذ العام 1943 تاريخ إستقلال الجمهورية اللبنانيّة. رغم ان عرض النهر هو أقل من أربع أمتار إلّا ان الشخص بحاجة لدفع خمس ليرات لصاحب زورقٍ يعمل هناك للإنتقال من ضفةٍ إلى أخرى. على الضفّة الأخرى هناك حاجزٌ للشرطة العسكريّة لا يهتم بالعابرين المألوفين من الجهتين, ومن أمامه أستقل حافلة متجهةً إلى دمشق فأخرى من كاراج البرامكة إلى مخيم اليرموك. إستمرّيت على هذا المنوال من التنقل بين طرابلس واليرموك وبين القراءة وورق اللعب مدّة ستّة أشهر.
——————————————————————-
عصر 4 حزيران 1982 صحوت من نومي ظهراً كالعادة وحضّرت لي أمي قهوة “الصباح” المرّة والمغليّة جيداً. ليست كقهوة أمي قهوةٌ في العالم, ولا علاقة لقصيدة م . درويش عن قهوة أمّه بشعوري هذا. كنت قد قدمت قبل يومين في إجازتي المعتادة التي تستمر رسمياً مدة إسبوع ولكن كوني بلا عملٍ حقيقيٍ فعادةً ما أمدّدها لتصبح عشرة أيام. تبدأ نهاراتي متأخرةً ولكنها أيضاً تنتهي متأخرة , فقد اعتدت السهر لما بعد الثانية أو الثالثة فجراً إنْ للعب الورق أو للقراءة أو لكليهما معاً. عند الإستيقاظ لا أغادر فرشتي الممدوة على الأرض أو أبدأ بالكلام قبل ثلاثة فناجينٍ من القهوة ومثلهما من سجائر الروثمانز. بعد القهوة حلقت ذقني واغتسلت ثم يمّمت شطر حيّ التقدم إلى منزل ابن عمّ لي اعتدنا انا وأبناء عمٍ أخرين على الإجتماع عنده للعب الورق أو طاولة الزهر او مجرد شرب الشاي والقهوة وتزجية الوقت. هناك وجدت ابناء عمّي مجتمعين حول جهاز الراديو ويبدو على وجوههم الإهتمام وشيءٌ من الحماس وعلمت من الحديث الدائر بينهم من جهة ثم من حديث المذيعين في محطات الراديو التي كان أبو خالد يقلّب بينها من جهةٍ أخرى, ان اشتباكاً جوياً حدث في لبنان بين مقاتلاتٍ إسرائيليّة وأخرى سورية وأسفرت عن سقوط طائرتي ميغ سوريتين.
للمفارقة كان ذلك نبأً مفرحاً لنا جميعاً فالنظام السوريّ الذي يقتات على شعارات تحرير فلسطين كان (ولا يزال) أبعد الناس عن المواجهة ولا يملك منها سوى التشدق اليوميّ المستمر منذ عشرات السنين عن البطولة والشهادة والمعركة التي تنتظر التوازن الإستراتيجي الذي يقوم بالعمل على بنائه. كان ابتهاجنا بالخبر مزيجاً من الشماتة والتوق إلى لحظة يتورط فيها هذا النظام في حربٍ حقيقية غير كلامية ربما تخلصنا منه ومن الإسرائيليين معاً أو من أحدهما على الأقل. لم نقل هذا في حديثنا انما كان كلٌ منّا يعلم في قرارة نفسه ان هذه هي مشاعر الناس في سوريا وخاصة الفلسطينيّين. لاحقاً توالت الأنباء من إذاعة البي بي سي عن عشراتٍ من الغارات الجويّة الإسرائيليّة على المخيمات الفلسطينيّة في بيروت صبرا وشاتيلا وبرج البراجنة إضافة إلى المدينة الرياضية غير العاملة المتاخمة لمخيم صبرا حيث تتواجد بعض الرشاشات الثقيلة المضادة للطيران.
أسفرت تلك الغارات مقتل ستين شخصاً وجرح حوالي ال 300 وكانت هذه واحدة من اقسى الغارات الجويّة التي نفذتها إسرائيل في لبنان حتى ذلك التاريخ. كانت المحطة التلفزيونيّة الوحيدة يومها هي المحطة السورية الرسميّة التي أبقت على بثها المعتادة ومرّت في نشرات أخبارها على أحداث اليوم في لبنان مرور الكرام كان ما يجري هناك حدثٌ طبيعيٌ ومعتاد وهي استراتجية لا يزال نظام الأسد يتّبعها حتى اليوم. تابعنا نشرات الأخبار الإذاعية تلك الليلة مراراً وتكراراً على وقع “برتيّات الشدة“. في اليوم التالي أمطر الجيش الإسرائيلي محيط العشرات من القرى اللبنانيّة الجنوبية الواقعة تحت سيطرة م . ت . ف . بالمئات من قنابل المدفعية البرية والبحريّة والجويّة فقتل اكثر من 150 شخصاً وجرح المئات الآخرين, فيما قامت المدفعية الفلسطينيّة في جنوب لبنان بقصف المستعمرات الإسرائيليّة القريبة من الحدود التي استطاعت ان تطالها.
كان الحديث لا يزال يدور حول غارات جوية وقصف مدفعي رداً على إغتيال سفير إسرائيل في المملكة المتّحدة شلومو أرجوف على يدّ منظّمة المجلس الثوري التابعة لصبري البنّا أبو نضال. أما في اليوم الثالث فقد اندفعت القوّات الإسرائيليّة البرية عبر الحدود وبدأت الانباء تتحدث عن عمليّة شاملة تشنها إسرائيل تحت إسم “سلامة الجليل” وتهدف إلى دفع المنظّمات الفلسطينيّة لمسافة 40 كيلومتر عن الحدود الإسرائيليّة بحيث لا تعود قدراتها النارية قادرة على الوصول إلى المستعمرات الإسرائيلية الحدودية, فقرّرت قطع إجازتي والإلتحاق بمقرّ عملي.
صباح 7 حزيران ودّعت أهلي وانطلقت باكراً نحو كاراج البرامكة واستقليت تاكسي متجهاً إلى معبر العريضة الحدودي الشمالي الذي وصلت إليه حوال الساعة الثانية عشر ظهراً. كان الجو ملتهباً وزادته إلتهاباً نشرات الأخبار من مذياع السيارة التي نستقلها والتي انبأتنا ان الجيش الإسرائيلي قد جاوز في اليوم الثاني من بدء عمليته البرية الأربعين كيلومتراً المزعومة ووصلت طلائعه إلى بلدة السعديّات الساحلية التي تقع شمال صيدا وتبعد عنها حوالي عشرة كيلومترات. كان لبنان بأكمله قد تحول حسب الأنباء إلى كتلةٍ من الحمم. وصلت إلى المبنى الحدودي السوريّ في العريضة وأشتريت بطاقة خروج كالمعتاد (بطاقة ضريبة مغادرة) وملأت خاناتها بالمعلومات المطلوبة ثم توجهت إلى الموظف المولج بختمها والذي ردّها إلي حالما رأى بطاقة هويتي الفلسطينيّة قائلاً ان أوامراً قد صدرت بعدم السماح لفلسطينيّي سوريا بالعبور إلى لبنان. حاولت إقناعه أكثر من مرّة مستعيناً بالرجاء والإستعطاف مدّعيا اني ذاهب لإعادة أخي الصغير الذي فرّ إلى طرابلس للإلتحاق بالتنظيمات الفلسطينية لكنه أصر على رفضه, وكنت انا لا أزال غضّاً ولا أجيد الرشى ولم أفهم ان الموظف انما أراد بضعة ليراتٍ ليختم بطاقتي فاضطررت للعودة من حيث أتيت على ان أحاول العبور في اليوم التالي عبر معبر وادي خالد غير الشرعي وهو ما فعلته فوصلت إلى طرابلس عصر الثلاثاء 8 حزيران 1982.
بدت مدينة طرابلس طبيعيّةً تسودها رتابةٌ معتادةٌ وحركة سيرٍ خفيفةٍ هي أيضاً بدورها معتادة. يقع موقف تكسيات مخيم البدّاوي على بعد خمسة دقائق من ساحة التلّ الرئيسة في المدينة حيث ترجلت من السيارة التي أقلتني من وادي خالد. انتظرت ربع ساعة ريثما امتلأت التاكسي بالركاب, انطلقنا بعدها إلى مخيّم البداوي الغارق أيضاً وأيضاً في هدوئه المعتاد. إما ان سكّان محافظة الشمال اللبنانيّين والفلسطينيّين قد اعتادوا الحروب حدّ الملل أو انهم كانوا يعلمون انهم ليسوا بحسبان أحد وان ليس لديهم ما قد يغري الجيش الإسرائيلي بمواصلة زحفه حتى يصل إليهم. بلغ تعداد القوّات الغازية 85 الف جنديا وقد وصلت إلى الشوف معقل الدروز في جبل لبنان ومن الجهة الساحلية بدأت المعارك تدور على مشارف خلدة, البلدة الأخيرة قبل الوصول إلى العاصمة بيروت المتاخمة لها. لا تزال الغارات الجويّة والمدافع البحريّة والبرية تمطر الجيوب المقاومة خصوصاً في مخيم عين الحلوة الذي استمر بالقتال لفترة حتى بعد سقوط مدينة صيدا بأيام. ورغم ان قوّات القسطل وهي القوّات العسكريّة الرئيسة في الجنوب كانت قد فرّت مع قائدها الحاج اسماعيل منذ اليوم الأول لبدء الهجوم البرّي وقبل ان تصل القوّات الإسرائيليّة إلى مدينة صيدا حيث مقرّ قيادتها . أنزلني السائق بقرب مكتب قيادة القوّة البحرية حيث أداوم ولم أجد أمامه أية مظاهر عسكريّة خارجة عن المألوف. وحين دخلت وجدت ان لا مظاهر عسكرية ولا حتى مدنيّة فيه إذ كان يوم العمل قد انتهى كالمعتاد ولم يتبق فيه لفترة ما بعد الظهر إلا أحد ضبّاط الصفّ المناوبين وشخصان آخران رجّحت ان ليس لديهما ما يفعلانه فبقيا لتزجية الوقت ومشاهدة الحرب عبر التلفاز.
إستمرّ انهمار الحمم الإسرائيليّة في اليومين التاليّين واحتدم خصوصاً في منطقة البقاع الغربي حيث تتواجد قوّات النظام السوريّ. فاستهدفت المقاتلات الإسرائيليّة بطاريات صواريخ السام روسية الصنع التي كانت سوريا قد نشرتها في منطقة البقاع ودمّرتها عن بكرة أبيها. وقد بلغ عدد هذه البطاريات اكثر من عشرين بطارية تضمّنت صواريخاً من طراز SA-6 و SA-2 و SA- 3 و SA8 كما كبّدت الطائرات الإسرائيليّة سلاح الجو السوريّ في يومٍ واحد 29 طائرة من طراز ميغ دون ان تخسر أية طائرة. وقد بلغت الخسائرالبشرية الإسرائيليّة في الأيام الخمسة الأولى من بدء الهجوم البرّي حوالي 100 قتيل واكثر من 500 جريح بينما بلغت الخسائر البشرية اللبنانيّة والفلسطينيّة والسوريّة أكثر من ثلاثة آلاف قتيل أغلبهم من المدنيّين وأضعافهم من الجرحى ومئات الألوف من المهجّرين والنازحين.
بعد حوالي أسبوع من بدء الهجوم البرّي وصل إلى طرابلس عبر مطار دمشق جميع زملائي في الدورة البحريّة الثانية والذين كان عددهم 23 (بعد ان تم سحب رائد سلامة من الدورة لإسبابٍ قيل أنها تتعلق بالتجسس. إذ أنه قد تورط في إقامة علاقة مع فلسطينية من آل سمارة تبين أنها مجندة مخابرات إسرائيلية). ان حزيران هو شهر الإجازة نصف السنويّة في الكليّة البحرية في كراتشي وكان أغلب الزملاء متحمّسين للمشاركة في التصدي للهجوم الإسرائيلي والدفاع عن الثورة الفلسطينية. عند وصولهم كانت الطريق نحو بيروت عبر جبل لبنان قد قطعت بسبب وصول الجيش الإسرائيلي منذ الأيام الأولى للإجتياح إلى جبل الشوف, المعبر الوحيد إلى بيروت. أما الطريق الساحليّة التي يسيطر عليها المسيحيّون فكانت مغلقة على الفلسطينيّين منذ اندلاع الحرب الأهليّة عام 1975 فلم يكن أمام أبو غزالة سوى نشرهم وانا معهم (كوننا ضبّاط بحريّة كما ارتأى) على الشاطيء المحاذي للطريق العام الواصل بين البداوي ومخيم نهر البارد في منطقةٍ دغليّة شائكة موبوءةٍ بالبعوض.
تمّ تزويدنا بالخيم وفرشات الإسفنج والأغطية والبدلات العسكريّة والأسلحة الخفيفة طراز كلاشينكوف وديكتريوف ورشاشات بي كي سي وبضعة قواذف بي-7 إضافةً إلى ما لذّ وطاب من معلّبات السردين والتونة والكورند بيف واكياس الشاي والسكّر فباشرنا بنصب الخيم وإلتهام المعلّبات في آن. كانت مهمتنا هي حراسة الشاطيء من أية محاولة لإنزالٍ بحريٍّ إسرائيليّ وكان علينا ان ننصب الكمائن طوال الليل في حفرٍ ومتاريس رمليّة أقمناها على الشاطيء مباشرةً وفي كلّ متراسٍ منها ثلاث أشخاص يتم إستبدالهم كل أربع ساعات فيعودون إلى خيامهم التي تقع على بعد أربعين متراً من موقع الكمائن. أحمد الله ان الإسرائيليّين لم يقدموا على أيّ عملٍ متهورٍ حيث انني غالباً ما كنت أطوي حمّال البندقية حول أحد ذراعيّ وأغفو في المتراس قدر ما يسمح لي البعوض الذي يلتهمنا ليل نهار رغم إفراغنا لصيدليات طرابلس من جميع عبوات الرذاذ المضادة له والتي ندهنها على وجوهنا وأذرعنا دون جدوى.
بعد بضعة أيام حضر إلى موقعنا لؤيّ جادالله نائب أبي غزالة الذي كان قد عيّن أخاه جواد قائداً للموقع. وجواد أحد أعضاء الدورة الذين تخرّجوا بعد أربع سنوات من الدراسة باللغة الانكليزيّة دون حتى ان يتقن اللغة الانجليزية. جمعنا لؤي حوله في نصف دائرة وبدأ بإعطائنا بعض الإرشادات غير الضرورية والتي لا ترمي إلّا لإظهار سلطته ثم سألنا عما إذا كان أحد منّا يودّ الإلتحاق بالقوّات العسكريّة المرابطة في منطقة البقاع اللبناني, حيث تجري محاولات فلسطينية للتسلّل إلى بيروت فتطوّع ثلاثة أفراد لم أعد أذكر منهم سوى جمال كايد ابن مخيّم عين الحلوة. لكن مسيرة هؤلاء المتطوعين على أيّة حال توقّفت في البقاع إذ تبيّن لهم هناك ان حصار العاصمة بيروت مطبقٌ تماماً ولا يمكن اختراقه. بينما لؤيّ يخاطبنا وصل أكرم هواري إلى الإجتماع متأخراً ومرتدياً ملابسه المدنيّة بالرغم من إبلاغ الجميع عن موعد الإجتماع مسبقاً وعن ضرورة إرتداء الزيّ العسكريّ. نظر لؤيّ إلى أكرم شذراً وسأله لماذا لم يكن مرتدياً لزيّه العسكريّ فأجابه:”انت ايضاً في اللباس المدنّي” فازداد حنق لؤيّ وبدأ صوته يعلو فما كان من أكرم إلّا ان التف إلى الخلف مغادراً الموقع رغم نداءات لؤي المتكرّرة له بالعودة. كان ذلك من أخبث المواقف التي قام بها أكرم الخبير في الوصوليّة وفنّ التقرّب إلى القادة عبر التزلّف والمداهنة. إذ انه تعمّد نصب هذا الكمين للؤي وذهب بعدها مباشرةً إلى منذر أبو غزالة وسرد له ما حدث موحياً له بأنه لا يعترف بسلطة غير سلطته وانه رجله المناسب وكلّيّ الولاء له. كان منذر كسواه من القادة الفتحاويّين دائمي التآمر على نوّابهم مثابرين على الإستخفاف بهم وتجريدهم من صلاحياتهم وكان ذلك هو احتكاكه العملي الأول مع ابناء الدورة فوقع في هوى أكرم منذ تلك اللّحظة واستعمله بعدها في أكثر من موقع وجعله من المقرّبين منه.
في اليوم التالي جاءت أوامر أبو غزالة بنقل أغلبنا إلى موقعٍ جديدٍ عيّن اكرم قائداً له مبقيّاً عدداً قليلاً من الزملاء تحت أمرة جواد. كان الموقع الجديد (الخالي من البعوض) يقع على سدٍ مائيّ تابعٍ لشركة كهرباء لبنان وسط التلال المشرفة على مخيّم نهر البارد الساحلي وفيه مبنيان أحدهماعلى ضفاف البركة الصغيرة وأقام فيه أكرم مع نصف المجموعة بينما استقرّت المجموعة الثانية التي كنت انا فيها في المبنى الآخر الذي يبعد حوالي خمسمائة متر خطّ نظر ويقع في أعلى تلّةٍ مشرفةٍ على البركة.
الموقع الجديد هو على مسافة 30 دقيقة بالسيارة من طرابلس عكس الموقع القديم الذي يقع على بعد 5 دقائق منها. كما أن الإنتقال منه والعودة إليه لم يكن ممكناً إلا باستخدام السيارة العسكريّة الوحيدة في الموقع بسبب وعورة الطريق مما جعل مغادرتنا له نادرةً إلا إذا رغبنا في السير مسافةً طويلة حتى نصل الطريق الإسفلتي العام حيث يمكن إكمال الطريق في إحدى التكسيات. لم يكن لدينا أي عملٍ او مهمّة نقوم بها في الموقع سوى الحراسة الليلية للمبنى التي تقاسمنا اوقاتها فيما بيننا حسب الجدول المعهود اما في النهار فكنّا نتداول جلي أدوات الطبخ وطهي طعام الغداء للجميع مستخدمين حصصنا اليومية من التموين الطازج التي كانت تصلنا بسيّارة اللاندروفر الوحيدة والتي عيّن أكرم نفسه سائقاً لها إضافة إلى مهامه القياديّة الأخرى والتي من ضمنها ايضاً جلب الحصة التموينيّة للموقعين من مخيم البدّاوي حيث مقرّ القيادة ثم توزيعها علينا.
اذكر من بين الشباب الموجودين في موقعي كان شحدة سالم ومحمود عبد الحفيظ وحسام مصطفى وبركات نصرالله وجميعهم اصدقاءٌ مقرّبون انما لا بدّ من المشاحنات اليوميّة بسبب عدم قيام البعض بمهام الطبخ والجلي على أتمّ وجه عند مناوبتهم وكان ذلك البعض غالباً هو انا.
عدا تلك المهام وحصّة تدريبٍ يوميّة استمرت لفترة قصيرة, على الأسلحة الخفيفة وقواذف البي 7 لم يكن لدينا ما نفعله سوى الدردشة أو القراءة إضافةً إلى الإستماع لكلّ النشرات الإخبارية عبر الراديو وعلى مدار الساعة. وكان هناك أيضاً الزيارات النادرة إلى مدينة طرابلس للتنزّه أو لمشاهدة أحد الأفلام السينمائية الجنسية التي كانت إحدى قاعتيّ السينما الموجودتين في طرابلس لا تقدم سواها. كانت الإشتباكات التي تندلع بين الفينة والأخري في المدينة بين حيّي باب التبانة السنّي وبعل محسن العلوي ايضا تخترق الروتين اليومي ولا تزال تلك الإشتباكات تندلع حتى الآن بعد مرور اكثر من خمسة وثلاثين سنة علي تلك الفترة. كان هناك ايضا عصير فاكهة “أبو صفير” المخلوط بالكحول الصافي (سبيرتو) الذي يصنعه حسام ونشربه معاً وكذلك تزجية الوقت بالرماية بالأسلحة الخفيفية والتلهي بتفجير قنابل الميلز وقنابل الغاز المسيل للدموع.
من الضبّاط المقرّبين إلى منذر أبو غزالة كان هناك نمر عدوان وفكري ويوسف صلاحات (الأخير يمتّ له بصلة قرابة) وجميعهم من غير الضبّاط البحريّين الأكاديميّين الذين كان أبو غزالة يخشى على منصبه منهم بإعتباره هو أيضاً غير متخصّصٍ ولم تبقه على رأس القوّة البحريّة سوى البُنى (أو بالأحرى اللابُنى) الإداريّة الهجينة التي تعتمد الولاءات الشخصيّة أو العلاقات العائليّة في توزيع المناصب. هذه الخشيّة هي التي جعلت أبو غزالة يبعد ضبّاط الدورة البحريّة الأولى جميعهم عند تخرجهم إلى معسكر اللاذقيّة وكان عددهم أيضاً خمسةً وعشرين ضابطاً من خرّيجي اكاديمية كراتشي البحريّة وكنا نحن افراد الدورة الثانية قد ألتقينا بهم في الباكستان أثناء الأشهر الستة الأولى من بدء الدورة وتبادلنا الزيارات معهم إذ انهم كانوا في الشهور الأخيرة من دراستهم.
عمل فكري على قارب صيدٍ في جوار ميناء طرابلس وكانت مهمّته الأساسة تأمين الأسماك الطازجة للأخ أبو غزالة وأصدقائه وبيع ما لا تتّسع له بطونهم في سوق السمك. صباح أحد أيام تموز 1982 والغارات الإسرائيليّة على بيروت في أوجّها تداولت وكالات الإذاعات المحلية خبر هجومٍ مسلّح على سيارة محاسب في شركة التابلاين مما أسفر عن مقتل الموظف. وأضافت الإذاعات ان القائم بالهجوم ربما كان يعتقد ان القتيل يقوم بنقل رواتب موظفي الشركة الواقعة على الشاطئ الشمالي لمدينة طرابلس بين مخيميّ نهر البارد والبدّاوي ولكن تبين لاحقاً ان الرواتب لم تكن بحوزته عند تنفيذ الهجوم. مع نهاية اليوم الثاني من عمليّة القتل هذه تبيّن ان القاتل هو فكري, الضابط المقرّب من أبو غزالة وقد أشار عليه الأخير بالإختفاء عن الأنظار ومغادرة المنطقة وان طريق الفرار الوحيد هو محاولة الوصول إلى مدينة بيروت عبر البحر ليغادر من هناك مع بقيّة المقاتلين الذين كانت المفاوضات دائرةً حول تحديد موعد وطريقة خروجهم وأمكنة إستقبالهم. وهو ما قام به فكري مستقلاً الزورق الذي يعمل عليه ولم يتبيّن لي إن كان قد وصل إلى بيروت أو تمّ أسره وأرجّح ان يكون قد قُتل على أيدي القوّات الإسرائيليّة البحريّة والجويّة المحاصرة للمدينة. ولقد تمّ التكتمّ على هذا ملابسات هذا الحادث وظروفه ولست متيقّناً إلى الآن ما إذا كان فكري قد خطط ونفّذ هذا الهجوم بشكلٍ فرديٍّ أو بالتعاون مع أشخاصٍ أخرين أو حتى بإيعازٍ من أحد مسؤوليه.
خلال الأشهر الثلاثة من حرب سلامة الجليل كاد القصف الجوي والبحري والبرّي على بيروت الغربيّة ان يكون متواصلاً والناس يقتلون يوميّاً بالمئات والمباني تهدم بالعشرات والناس جوعى وعطشى ليس فقط بسبب الحصار انما أيضاً لوجود مصادر المياه الرئيسة لبيروت في المنطقة الشرقية المسيحيّة حيث تتمركز القوّات الإسرائيليّة. وكثيرة هي الساعات التي قضاها المبعوث الأميركي فيليب حبيب في بحث شروط إعادة مياه الشرب المقطوعة. لقد أصبح واضحاً منذ بدء الحصار ان أمام قادة الفصائل الفلسطينيّة خيارين إثنين لا ثالث لهما الاول هو الإنسحاب من بيروت والثاني هو الخيار العدمي بالقتال حتى الموت وهذا الخيار الثاني لم يرق سوى لرسول الصحراء معمّر القذافي الذي دعا المحاصرين إلى القتال حتى الموت بدلاً من العار بعد ان كان في بداية الحرب قد دعا الدول العربيّة إلى التحرّك مجتمعةً تحت طائلة قيام ليبيا بعملٍ تندم بقيّة الدول العربيّة عليه ولا أدري ما الذي عناه القذافي بتهديده ذاك الذي يذكّرني بما اعتاد ان يقوله ابنُ عمٍ لي ممازحاً زوجته إذ كان يهددها بان يخلع كلّ ملابسه ثم يخرج إلى الشارع ليسير عارياً كما خلقه ربّه حتى يصير لقبها بين الناس هو “زوجة المجنون”!.
لم يكن العقيد القذافي هو وحده من حاول استثمار الهزيمة العسكريّة للفصائل الفلسطينيّة بل كان هناك قادةٌ عرب وغير عرب أخرين يتحضرون للقطاف وعلى رأسهم صدام حسين وآية الله الخميني المنهكان بحربهما القاسية والطويلة, إذ تناوب الإثنان على إعلان عزمهما على إرسال قوّات عسكريّة لحماية الفلسطينيّين ومواجهة إسرائيل وطردها من الأراضي اللبنانيّة وان كانت دوافعهما مختلفة. فبينما اشترط صدام ان تقبل إيران بوقف إطلاق النار لتسمح له بالخروج من حربه معها والتي بات يعلم انه قد تورط بها وانها قد تكلّفه حكمة بأكمله, لتتيح له التوجه بجيشه نحو إسرائيل, سعت إيران إلى استثمارٍ سياسيٍ ومعنويٍّ ودعائي للحدث عبر طلبها من صدام فتح ممرٍ بريّ لجيشها ليتوجه لقتال إسرائيل في لبنان وأصرت على رفض وقف إطلاق النار معه ليقينها ان تلك الحرب بحشدها للإيرانيين حول قياداتهم وتأجيجها لمشاعرهم الدينيّة والقوميّة انما توطّد حكم الخلافة الشيعيّة وترسّخ سلطات آيات الله التي انشأوها حديثاً ولا تزال طريّة العود وليس هناك أفضل من حربٍ مع عدوٍ عربيٍّ سنيٍّ ليؤدي هذا الغرض.
أما حافظ الأسد الخبير في انتهاز الفرص فقد أتته تلك الحرب على طبقٍ من فضّة فهي لم تكلّفه سوى بضعة عشراتٍ من الطائرات وبطاريات الصواريخ وبضعة مئات من الجنود بينما لم تهدّد عرشه كون إسرائيل التزمت خلالها بقواعد اللعبة التي أرادها وحرص عليها أي إبقاء العمليات العسكريّة داخل الأراضي اللبنانيّة حصرياً. فقد جاءت تلك الحرب في وقتٍ كان الأسد في في أمَسّ الحاجة إليها, أولاً لإعادة تدوير نفسه من جديد كقائدٍ عربيٍ قوميٍ يقود حرباً ضد عدوٍ خارجيّ مكروهٍ من غالبية السوريّين وثانياً لتغطية مجازره التي كان أرتكبها قبل أشهر في حلب وحماة, وثالثاً لسدّ حاجته الملحّة إلى حلْب السوريّين مالياً بعد ان بدأ نتيجةً لمجازره التي ارتكبها بحقّ السوريين من المسلمين السُنّة بفقدان الدعم الماليّ الهائل الذي تقدمه له دول الخليج تحت عنوان دعم دول الصمود والتصدي بحجة ان سوريا هي من “دول الطوق” التي تقع على تماس مع إسرائيل والمهددة دائما منها وبحاجة لشراء الأسلحة المتطورة لتأمين توازن إستراتيجي لم يحصل ابداً. بينما كانت القوّات الإسرائيليّة تنكّل بقطعاته العسكريّة المتواجدة في طريق عبورها نحو بيروت عبر أكثر من محور وتسقط طائراته كالذباب بالعشرات وتدمر بطاريات صواريخه ودباباته ومدافعه التي دفع السوريّين ثمنها مليارات الدولارات من قوتهم وقوت أطفالهم كان حافظ الأسد يقوم باستحداث ضرائبٍ جديدة للمساهمة في المجهود الحربي ضد إسرائيل معلنا ان سوريا قد أخذت على عاتقها ومنفردةً مهمّة “التصدي” لإسرائيل وانها مستمرّة في تقديم “التضحيات” من أجل القضية القوميّة.
أولى هذه التضحيات كانت طابعاً أميريّاً جديداً إسمه “طابع شهيد” وذلك “مساهمةً من المواطنين في دعم مشاريع الدولة لأسر وابناء الشهداء الذين ضحّوا بانفسهم في سبيل الوطن“. كما تقرّر رفع نسبة مساهمة المواطنين في المجهود الحربي من 10% من ضرائب ريع العقارات إلى 20 % ورُفعت كافة الضرائب الخاضعة للمجهود الحربي من 15% إلى 20% وتقرر مضاعفة رسوم التسجيل العقاري على المعاملات العقارية وتمّت مضاعفة رسوم جوازات السفر وأسعار بطاقات مغادرة المواطنين السوريّين وسيّاراتهم إلى الخارج كذلك رفعت أسعار المحروقات, بنزين وكاز ومازوت بنسبة 10% ونفس النسبة من الإرتفاع طالت أيضاً الإتصالات الهاتفية والبرقية وأعلن مصدر رسمي سوري ان تلك التعديلات هي بمثابة مساهمة من المواطنين السوريّين في المعركة التي يخوضها الجيش السوري في لبنان ضدّ العدو الصهيوني. علماً ان هذه المعركة قد توقّفت مع الجانب السوري بعد تسعة أيامٍ فقط من بدئها إذ تم توقيع إتفاق هدنة بين إسرائيل والنظام السوريّ في 11 حزيران 1982 تفرّغت إسرائيل بعدها لمحاربة الفلسطينيّين. ليس هذا فحسب بل أن الأسد قد تعهّد في أحد بنود الإتفاق بعدم السماح للمقاتلين الفلسطينيّين من عبور مناطق تواجده لتنفيذ عملياتٍ عسكريّة ضد الإسرائيليّين, وقد حدّثني العديد من الأصدقاء عن دفع رشاوى ماليّة وعينيّة لجنود النظام السوري المنتشرين على الحواجز العسكريّة المتاخمة لمناطق إنتشار القوات الإسرائيلية ليسمحوا لهم بالمرور لتنفيذ عملياتهم.
لقد حسمت إذن معركة بيروت منذ الأيام الأولى للحصار لكن القتل لم يتوقف حتى أواخر آب إذ ان مفاوضات القيادات الفلسطينيّة مع المبعوث الأمريكي فيليب حبيب ومحاولات تحسين شروط الإستسلام حملت إسرائيل وهي الطرف المنتصر على تنفيذ غاراتها الجويّة حسب مجريات التفاوض اليوميّة فيصل عددها أحياناً إلى أكثر من 200 غارة وتترافق مع مئات القذائف المدفعية حين يقوم الفلسطينيّون بالتشدد أو تلتزم إلتزاماً كاملاً بوقف إطلاق النارإذا ما أبدوا شيئاً من الليونة . ولقد بلغت أعداد ضحايا هذه “المفاوضات بالنيران” آلافاً من القتلى والجرحى المدنيّين. وقد تم خلال تلك الفترة عقد العديد من إتفاقيات وقف إطلاق النار, صمد بعضها أحياناً لبضعة أيام فيما انهار بعضها الآخر أحياناً قبل موعد المباشرة بالتنفيذ. إضافة إلى الحمم المنصبّة على بيروت الغربية, شكّلت مسألة انقطاع المياه والكهرباء والمواد التموينيّة التي يتحكّم الإسرائيليون بمصادرها في بيروت الشرقيّة المسيحيّة أوراق ضغط قويّة طالت أول ما طالت سكان المدينة المدنيّين.
كمنت المشكلة الرئيسة في المفاوضات التي قادتها أمريكا حول الإنسحاب الفلسطينيّ من بيروت, في إيجاد دولٍ مناسبةٍ تقبل بإستقبال أولئك المقاتلين. ولقد طالب الجانب الإسرائيلي في البداية بإنسحابهم إلى منطقة طرابلس (وهو السبب الحقيقيّ لعدم إستهداف هذه المدينة من قبل الإسرائيليّين طيلة فترة الحرب) البعيدة عن الحدود الإسرائيليّة بما يكفي لتعطيل قدراتهم على تنفيذ أية هجمات صاروخيّة عليها, وكذلك أيضاً لكون مساحة المدينة الصغيرة والمحاصرة من البحر غرباً ونظام الأسد شمالاً ومن القوات المسيحية المعادية شرقاً وجنوباً ستحد من نفوذهم إلى درجة تقودهم إلى التلاشي تلقائياً وهو ما كان يعلمه الفلسطينيّون فرفضوه رفضاً قاطعاً ومعهم الدول العربيّة الخليجيّة التي عادةً ما يطلق عليها الخطاب السياسيّ الفلسطينيّ “المقاوم” إسم الرجعية العربيّة. ولقد كان لتلك الدول “الرجعيّة” اليد الطولى في حفظ ماء وجه القادة الفلسطينيّين عبر وضع ثقلها الإقتصادي والسياسيّ في كفّتهم التفاوضيّة مما ساهم جنباً إلى جنب مع عامل تخوّف الإسرائيليّين من تعاظم خسائرهم البشرية في حالة توغلها داخل بيروت الغربيّة, في لجم الحكومة الإسرائيليّة ودفعها إلى التنازل عن بعض شروطها.
جاب فيليب حبيب ومعه بعض المبعوثين الغربيين المنطقة في محاولاتٍ مستميتة لإقناع رؤساء الدول على قبول أعداداً محددة من المقاتلين مع عائلاتهم واشترطت إسرائيل بعد تنازلها عن شرط انسحابهم إلى طرابلس, شرطاً بديلاً هو توزيعهم على أكبر قدر من البلدان بما يسلبهم القدرة السياسيّة بعد ان افقدتهم الهزيمة قدرتهم العسكريّة. استبعدت دول الخليج العربيّ من ذلك الإستقبال بسبب حرص الأمريكيّين على إستقرار مصادر النفط العالميّة أما سوريا الأسد فقد أعلنت موافقتها على إستقبال زعماء وكبار ضبّاط الفصائل مع عوائلهم على أرضها (لتصادر قرارهم مرةً وإلا الأبد) ولكنها رفضت إستقبال المقاتلين العاديين أي ان الأسد أراد المشاركة في الغُنم فقط دون الغُرم الذي يحتّمه إستقبال الآلاف من المقاتلين المدربين على السلاح الذين ينتمون بغالبيتهم إلى الطائفة السنيّة التي كان قد خرج للتوّ من معركته الدامية مع أقطابها السوريّين من جماعة الإخوان المسلمين. رفضت ليبيا القذافي الإستسلام ودعت الفلسطينيّين إلى القتال حتى الموت مما يعني رفضها إستقبالهم أحياءا. أمّا أردن الحسين فكان لا يزال يذكر مواجهاته العسكريّة معهم قبل عقدٍ ونيف ولا يثق بقياداتهم التي كادت تسلبه عرشه وأما عراق صدام فمشغولٌ بحربه مع إيران ومصر معزولةٌ عن العرب بسبب إتفاقيّة كامب ديفيد واليمنان والسودان مناطقٌ نائيةٌ ستؤدي إلى وفاة م.ت.ف السياسيّة مباشرةً.
ثمة جانب آخر لهذه المفاوضات ساهم أيضاً في إعاقتها ألا وهو قضية التنازلات السياسيّة التي تترتب على قيادة م. ت. ف. تقديمها مقابل السماح لها بالمغادرة الآمنة مثل إعلان التخلّي عن العمل المسلح والموافقة على إجراء مفاوضات سلمية مباشرة مع إسرائيل والقبول بقرارات الأمم المتّحدة خصوصاً منها القرارين 242 و 338 الصادران عامي 1967 و 1973 على التوالي. ويدعو هذان القراران أطراف النزاع في الشرق الأوسط إلى وقف الأعمال العسكريّة وبدء مفاوضات سلام تنتهي بإنسحاب إسرائيل من الأراضي الفلسطينيّة التي احتلتها في حرب الأيام الستة أي الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة وهو ما قبل به ياسر عرفات خطيّاً وعلنيّاً عبر الإعلام. أخيراً ومع قدوم شهر آب تمّ إقناع ملك الأردن باستقبال جزءٍ منهم بعد ان تبيّن ان حصته من التسوية القادمة المطروحة مسيلةٌ للّعاب إذ أنها تتضمّن شكلا من أشكال الحكم الذاتي للفلسطينيّين تحت إشراف الأردن. كذلك عقد المفاوضون الغربيون صفقاتٍ سريّة مع حافظ الأسد وصدام حسين تضمنت كالعادة أموالاً خليجية أمّنت للآلاف من المحاصرين أماكن إقامة فغادروا على دفعات محمولين على السفن المحميّة بالأساطيل الأمريكية والفرنسية والإيطالية أو براً نحو سوريا التي استقبلت الحصة الأكبر منهم وبلغت حوالي ال 4000 فرداً بينما توزّع البقيّة على العراق واليمنين والسودان والأردن والجزائر وتونس والأخيرة خُصّصت حصراً للزعماء وكبارضبّاطهم وعائلاتهم وأفراد حماياتهم وحاشياتهم وبطاناتهم ودخل لبنان شهر أيلول خالياً للمرّة الأولى منذ اكثر من عقدٍ من البندقية الفلسطينيّة. إنما لبرهة.
——————————————————
ما كاد أمراء الحرب الفلسطينيّون ان يحطّوا رحالهم في فنادق ومنتجعات العاصمة التونسية على ساحل المتوسط وبعد مرور إسبوعين فقط على رحيل الدفعة الأخيرة من المقاتلين من بيروت, حتى بدأت الانباء تتسرّب عن واحدة من أبشع المجازر الجماعية في التاريخ الحديث. في الثامن عشر من أيلول وبعد اربعة أيام على إغتيال زعيم حزب الكتائب اللبنانيّة اليميني والرئيس اللبناني المنتخب بشير الجميّل الذي اغتيل في 14 ايلول بتفجيرٍ ضخم استهدف مقرّ اجتماعاته وأودى بحياته مع 26 آخرين من أفراد حزبه وحرّاسه الشخصيّين تسرّبت الانباء إلى الصحافة اللبنانيّة والدوليّة عن مقتل مئات (أو الآلاف حسب بعض المصادر) من النساء والشيوخ والأطفال من سكان مخيميّ صبرا وشاتيلا الواقعين على أطراف العاصمة اللبنانيّة بيروت. كانت مجموعة من أفراد ميليشيات القوّات اللبنانيّة التابعة لميليشيا القوّات اللبنانية وبإشراف قائدها إيلي حبيقة الذي طلبت منه القيادة الإسرائيليّة العمل على تطهير المخيمين من بقايا المقاتلين الفلسطينيّين في اليوم التالي لإغتيال الجميّل قد توغّلت داخل المخيمين المحاصرين من قبل الجيش الإسرائيلي. وراحت تقوم على مدى ثلاثة أيامٍ كاملة باقتحام المنازل وإطلاق النار عشوائـياً على قاطنيها دون تمييز واستخدمت هذه العناصرفي كثيرٍ من الأحيان الأدوات اليدويّة البدائية كالبلطات والسواطير والسكاكين في عمليات القتل بدمٍ بارد. اليافعات من النساء اغتصبن قبل قتلهن والحوامل بُقرت بطونهن واخرجت منها الأجنّة ورميت على الطرقات. بعض القتلى سُحلو بالعربات العسكريّة وأغلبهم مُثّل بجثثهم.
تمّ كلّ ذلك تحت سمع وبصر الجيش الإسرائيلي. بل أضاءت طائرات سلاح الجوّ الإسرائيلي ليلاً سماء المخيمين بقنابل التنوير التي تلقيها طائراته فوق سمائهما لتسهيل العمل. حين تمكّنت أجهزة الأعلام من الدخول إلى المخيّمين بعد انهاء مجموعة حبيقة واجبها وإتمام انسحابها كانت منازل وأزقّة وزواريب المخيمين تعجّ بمئات الجثث المنفوخة من كافة الأحجام والفئات والأعمار, تغطّيها سُحُب الذباب التي جذبتها رائحة الموت واهتراء الأجساد التي بدأت بالتآكل وبين الجثث. كان هناك أيضاً بعض الأحصنة المقتولة. إختلفت المصادر في تقدير عدد القتلى الذين تمّ دفنهم في مقابر جماعية وتراوحت هذه الأعداد بين 850 و3000 قتيلٍ وقتيلة. لقد نسيت أو تناست قيادة م . ت . ف . أثناء مفاوضاتها الماراتونية مع فيليب حبيب التي طالت لمدة ثلاثة أشهر وبغمرة إنشغالها بتأمين سلامة قادتها وأمنهم الشخصيّ مشترطةً ان ترافق السفن التي سيركبونها إلى جهات الأرض, أساطيل حلف الناتو العسكريّة ناهيك عن اشتراط تقديم التعهدات الإسرائيليّة والدوليّة بضمان وصولهم سالمين إلى الدول التي يتجهون إليها, نسيت ان تشترط إجراءاتٍ عمليّة تهدف إلى حماية مخيّمات اللاجئين الفلسطينيّين في لبنان التي تاجروا بها وقاتلوا بأبنائها لمدة 12 عاماً على أقلّ تقدير, رغم معرفتهم ببطش وبربريّة جنود الطوائف اللبنانيّين وعدم تمييزهم بين مدنيٍّ وعسكريّ او شيخٍ وطفلٍ او رجلٍ وأمرأة. فقد برهنت تلك الطوائف عن وحشيتها في العديد من المناسبات والمجازر التي ارتكبتها بحق الفلسطينيين أثناء الحرب الأهليّة ناهيك عن المجازر التي ارتكبتها بحقّ بعضها البعض على مدى تاريخ لبنان الحديث والقديم.
هذا الإستخفاف الذي أبدته القيادات الفلسطينية بدماء المدنيّين الفلسطينيّين من سكان المخيمات لم يكنّ الأول ولن يكون الأخير, فقد سبق لهم في شهر آب 1976 في أوجّ الحرب الأهليّة ان تركوا سكان مخيم تلّ الزعتر الجوعى والمنهكين من حصارٍ استمر لمدة شهرين ووقّعوا إتفاقاً من النظام السوريّ يقضي بسحب قوّاتهم العسكريّة لتنقضّ بعدها الأحزاب اللبنانيّة المسيحيّة على المدنيّين فيه وتمعن فيهم قتلاً وتشريداً فبلغ عدد القتلى حوالي 3000 وشرّد من تبقى من السكان ثم قامت هذه القوّات بجرف كامل منازل المخيم ليصبح أثراً بعد عين. لم يكن مصير أهالي مخيّمات الجنوب بأفضل من مصير إخوانهم في تل الزعتر وخصوصاً مخيّم عين الحلوة الذي قضمت الجرّافات الإسرائيليّة أكثر من نصف مساحته وسوّت نصف منازله بالأرض بعد ان قتلت المئات وأسرت الآلاف من شبابه وشباب بقيّة المخيّمات بعد ان انسحبت القوّات العسكريّة الفلسطينية بقيادة اسماعيل جبر (الحاج إسماعيل) إثر تلقيه أوامر من القيادة العليا تدعوه للانسحاب قبل وصول الجيش الإسرائيلي في إطار عمليّة سلام الجليل إلى منطقة صيدا حسب زعمه. لم يقف هذا التعاطي مع أهالي المخيمات عند حدود الإستخفاف بأرواحهم ودمائهم بل جاوزه إلى الإستثمار المعتاد لمثل تلك المجازر “المستحبّة” بصفتها أوراقاً رابحةً سياسيّاً خصوصاً في مجال استدرار التعاطف الدولي واستجرار المساعدات الماليّة وكسب المؤيّدين الغربيّين.
بعد خروج م . ت . ف . من بيروت وانفضاض الإشتباكات العسكريّة مع الجانب الفلسطينيّ لم يعد لمرابطة طلاب كليّة البحريّة في ضواحي طرابلس أية جدوى (ان كان لها جدوى قبلها) فوجّهت الأوامر إليهم بالعودة إلى كراتشي عبر مطار دمشق, وذلك لإستكمال الأشهر الستة المتبقيّة من دراستهم في حين عدت انا إلى المداومة في مكتب قيادة القوّة داخل مخيّم البداوي واستانفت روتيني المعتاد مقسماً وقتي بين طرابلس ودمشق وموزّعاً إهتماماتي بين الخمر والقراءة وورق اللعب وأفلام البورنو في قاعة السينما الواقعة على طرف ساحة التلّ وسط المدينة. غريبٌ كيف تستحوذ المرأة عند غيابها ليس على عقلك فقط بل أيضاً على روحك وجسدك وحواسك بأكملها حتى ان ذلك الغياب قد يدفعك أحياناً إلى كتابة الشعر (الرديء غالباً . الشفاء الوحيد الممكن من هذا الإستحواذ ومن قصائد الشعر الرديء هو المرأة نفسها ولا شيء سواها.
———————————————————
إتّكأت سهرتنا ذات ليلة انا وبعض الأصدقاء كالمعتاد على كؤوس العرق ومواويل العتابا والدلعونة والميجانا حتى تمكّن السكر منّا أو كاد وعندها أعلن أحد أفراد الجوقة, وسأتحفّظ على اسمه وأسماء بقيّة المجموعة منعاً لإحراجهم وهم أصدقاء أعزّاء, أعلن انه يعرف امرأة!
لم تكن المرأة موضوع حديثه صديقته أو ما شابه إنما كانت مومساٌ ممن أعتدتهن انا في الباكستان وبيروت وافتقدتهن في طرابلس فوقع عليّ الخبر وقع الصاعقة ولم يبدُ على بقيّة الأصدقاء في الجلسة وكلّهم عزّاب انهم أقلّ اهتماماً مني بالموضوع. قرّرنا جميعا خلال ثوان فقط ان ندع هذا الصديق يقودنا نحوها والساعة حينها تقارب الثانية عشر ليلاً. كنّا أربعة شبّان سكارى يقودنا أشدّنا سكراً فاتجه بنا وسط تأكيداته وتطميناته بانها ليست المرّة الأولى التي يذهب إليها. خرجنا من حارة اليهود واتجهنا نحو الطريق الرئيس الواصل بين المخيّم الواقع على تلّة عند سفح جبل تربل ومركز المدينة وسرنا نزولاً نحو خمسمائة متر ثم انعطف بنا يميناً نحو حيّ المنكوبين حيث يقطن لبنانيون مهجّرون أغلبهم بدوٌ وبعضهم نَوَر. لما اقتربنا من منزلٍ منعزلٍ نسبياً عن بقيّة المنازل, وكلّها بالأحرى بيوتٌ مصنوعةٌ من ألواح التوتياء المستعملة والصدئة اي ما يطلق عليه الفلسطينيّون إسم “التناكيّات“, أشار علينا دليلنا بالصمت الكلّي وبدأ بالتلصّص عبر أحد الشقوق الكثيرة في جدران التنك إلى داخل المنزل المضاء وحاولنا نحن ايضاً التلصّص لنرى بالظبط ما الذي يتلصّص عليه.
لقد أعتقدنا اننا حين وصولنا إلى حيث أخذنا ما علينا سوى طرق الباب والتعريف عن أنفسنا وهدفنا ثم الولوج إلى داخل البيت فالسؤال عن الأسعار فإتيان ما أتينا لأجله, أو شيئا من هذا القبيل. انما ما حدث لاحقاً لم يشبه توقّعاتنا البتّة إذ سمعنا ضجّة فجائية من الداخل ثم تلقيماً لبندقيةٍ حربيةٍ وفتح الباب وخرج منه مسلحاً يطلق النار عشوائياً من رشاشه الكلاشينكوف في كلّ الإتجاهات بسبب انعدام الرؤية كونه خرج فجأة إلى الظلام من مكان منير والأرجح ان ذلك كان العامل الوحيد في نجاتنا جميعاً من موتٍ محقّق. نفرنا بأقصى سرعةٍ وفي كلّ الإتجاهات عدا الإتجاه الذي تأتي منه الطلقات وما هي إلا لحظات حتى كنّا مبطوحين أرضاً على بعد مئات الأمتار بينما عاد الرجل إلى داخل المنزل لإحضار جعبته الملأى على ما يبدو بأمشاط الرصاص وبدا انه ليس مستعجلاً للوصول إلى هدنةٍ أو وقفٍ مؤقتٍ لإطلاق النار. فلقّم بندقيته بمخزن رصاص جديد وتابع الحرب التي أشعلها مما أضطرّ أحدنا إلى إشهار مسدسه وإطلاق بضعة رصاصات نحوه, ليس لإصابته انما لتأمين انسحابناً إلى قواعدنا راكضين بأقصى سرعةٍ ممكنة صعوداً نحو المخيّم.
وصلنا جميعاً دون أية إصابات وشتمنا مرشدنا متوعّدينه بمزيدٍ من الشتائم في الغد حين نصحو ويصحو من السكر واتجه كلٌّ منّا إلى منزله. أوّل ما فعلته في اليوم التالي هو شراء إحدى الصحف اليوميّة وواظبت على ذلك لأيامٍ ثلاثةٍ تلت, بحثاً عن خبرٍ ما يشير إلى هذا الموضوع من قريبٍ أو بعيد إذ كنت أخشى ان يكون الرجل قد أصيب عن غير قصد. مضت الأيام ولم تشر أية مصادر إعلاميّة إلى هذا الموضوع مما يعني انه لم يصب وان الكائن الوحيد الذي أحمل وزر إزهاق روحه على ضميري هو القطةُ الشقراء التي رماها صديقي حسام مصطفى في مياه البحر لتتلقفها رصاصات البي كي سي الذي كنت أرمي به لمجرد التسليّة وهو الأمر الذي ندمت عليه طوال حياتي وحتى هذه اللحظات .
——————————————–
تعتبر حرب ال1982 خاتمة الهزائم للقيادات الفلسطينيّة أمام إسرائيل لكونها ايضاً خاتمة الحروب الفلسطينيّة _ الإسرائيليّة إذ لم تقم بعدها لهم قائمة رغم بعض المعارك التي خاضوها مع شتّى الإطراف المحليّة. ولقد ترتّب على تلك الهزيمة العسكريّة الساحقة هزيمةٌ سياسيّة موازية ومساوية لها عبرت عنها التنازلات التي تضمنّتها شروط وقف إطلاق النار وضمان أمن القوّات العسكريّة المنسحبة من بيروت وشمّلت كل عناصر الخطاب السياسيّ وشعارات ما قبل الحرب. بل ان تلك التسويّة المذلّة (التي تحوّلت كالعادة وبقدرة قادر إلى انتصار) لم تكن لتتاح لهم لولا اكتظاظ المدينة المحاصرة, وهي العاصمة, بمئات الآلاف من المدنيّين الأمر الذي كبّل أيديّ الحكومة الإسرائيليّة ومنعها من مغامرة التوغّل فيها وحسم المعركة عسكريّاً خوفاً من الرأي العام الدولي وأيضاً المحليّ الإسرائيلي الذي كانت ستثيره الأعداد الضخمة للقتلى المدنيّين الذين ولا بدّ سيسقطون لو أقدمت على ذلك الخيار. كانت القيادات السياسيّة والعسكريّة العليّا لمنظّمة التحريرالفلسطينية جميعها تقيم في فنادق وشقق واقعة في أرقى أحياء بيروت الغربيّة المكتظّة وكذلك فان مقرّات أعمال أولئك كانت هي أيضاً بأغلبها مقامة في شققٍ سكنيّة ضمن مبان مكتظّة بالسكان اللبنانيّين انما في مناطق أقلّ فخامةً من أمكنة إقاماتهم وعائلاتهم. وليس بين أمناء سرّ الفصائل أو أعضاء اللجنة المركزيّة لفتح أو اللجنة التنفيذيّة ل م. ت. ف. أو أعضاء المجلس الثوري لحركة فتح أو أعضاء المجلس الوطني الفلسطينيّ (لبرلمان) أو كبار القيادات العسكريّة شخصٌ واحدٌ أقام في مخيمٍ من مخيمات اللاجئين الفلسطينيّين في لبنان!. وهذا هو السبب الحقيقيّ الذي أمكنهم من الصمود لمدة ثلاثة أشهر رغم ان أحداً لا يمكنه إنكارالبطولات العظيمة للمقاتلين الفلسطينيّين واللبنانيّين المتمترسين في المخيّمات والأحياء الشعبيّة الفلسطينيّية واللبنانيّة والذين قاتلوا بشراسةٍ منقطعة النظير وتصدّوا بأجسادهم وأسلحتهم الخفيفة والمتوسطة لآلاف الأطنان من الحمم النارية بشتّى انواعها وأحجامها وأعيرتها فيما كان قاداتهم يعيشون أياماً إعتيادية في شققهم وفنادقهم في شوارع الحمرا والروشة والصنوبرة وفردان, ويتمتعون بالأمن والأمان والرفاهية المعتادة, تماما كما هو الأمر الآن في المنطقة الخضراء وسط بغداد أو الأحياء الدمشقية الفخمة التي يتابع أهلها حياتهم المعتادة غير مبالين بمئات الآلاف من القتلى والجرحى السوريين الذين سقطوا في الضواحي التي لا تبعد عهنم سوى بضعة كيلومترات من الأمتار.
انشأت م . ت. ف . خطابها السياسيّ بأكمله على شعارات تحرير كامل فلسطين وإبادة إسرائيل وإقامة وطن ديموقراطي تعدّدي عاصمته القدس مكانها, وكذلك رفض التفاوض السياسيّ مع الصهاينة وأعوانهم والإصرار على عودة اللاجئين الفلسطينيّين إلى مدنهم وقراهم التي هجّروا منها. ولقد سقطت جميع هذه الشعارات عندما سلّم ياسر عرفات أثناء حصار بيروت للمندوب الأمريكي فيليب حبيب وثيقة موقّعة منه تفيد بإعتراف م.ت.ف بقراريّ مجلس الأمن الدولي رقم 242 و 338 الصادرين تباعاً عقب اندلاع حربيّ 1967 و1973 بين العرب وإسرائيل, والذين يدعوان إلى وقف إطلاق النار وبدء حوارٍ شامل للتوصّل إلى سلام دائم في الشرق الاوسط وينصّان على دعوة إسرائيل إلى الانسحاب من الأراضي الفلسطينيّة التي أحتلتها عام 1967 دون ان يوضّح الجهة صاحبة الحق بهذه الأراضي. وينص القراران أيضاً (في الواقع ان النصّين الواردين هنا هما في القرار 242 وما قرار 338 الصادر اثناء حرب تشرين 1973 سوى دعوة لوقف إطلاق النار وتطبيق القرار 242) على إيجاد تسويّة عادلة للاجئين الفلسطينيّين, وهذه الصيغة توحي بتعويضاتٍ ماليّة تمنح لهم وتوطينهم في أماكن إقاماتهم وإلا لنصّت القرارات على هذه العودة صراحةً. لقد أتى خطاب الرئيس الأميركي رونالد ريغان الذي وعد بتسويّةٍ سلميّةٍ لأزمة الشرق الأوسط بعد الإنسحاب الفلسطينيّ من بيروت والذي احتوى المبادرة المعروفة بإسمه بعد يومٍ واحد فقط من انسحاب آخر المسلّحين الفلسطينيّين من بيروت. إذ أعلن في الثاني من أيلول 1982 ان الولايات المتّحدة الأمريكيّة ترفض إقامة دولة فلسطينيّة مستقلّة ولكنها تدعو إسرائيل إلى الانسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967 على ان يُمنح الفلسطينيّيون في الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة حكماً ذاتيّاً تحت إشراف المملكة الأردنيّة. كما أعلن ريغان ان الولايات المتّحدة تضمن أمن إسرائيل ودعاها في الوقت نفسه إلى التوقف عن بناء المستوطنات في الأراضي الفلسطينيّة المحتلة, وجاء في مبادرته أيضاً ان الولايات المتّحدة تدعو إلى بقاء مدينة القدس موحدة على ان تتمّ تحديد مصيرها خلال المفاوضات العربيّة الإسرائيليّة التي دعا إليها.
بعد مبادرة ريغان بأربعة أيام عقدت قمّة عربية في مدينة فاس المغربية لتقدّم مشروعها للسلام الذي يعتمد أساساً على بنود مبادرة ريغان نفسها انما مع زيادة بنديّ حق تقرير المصير للفلسطينيّن وجعل مدينة القدس عاصمة لدولتهم المستقلّة وهذا الإختلاف نابعٌ من حرص القادة العرب البديهي على عدم التنازل مسبقاً قبل انعقاد المفاوضات بل الانتظار حتى بدئها وليس عن تصلبٍ او تحدٍ لريغان بطبيعة الحال اما في إسرائيل الخارجة للتوّ من نصرٍ مؤزّر فقد واجهت مبادرة رونالد ريغان رفضاً مطلقاً من الحكومة الإسرائيليّة.
————————————————————-
وأخيراً, عبق إمرأةٍ حقيقيةٍ لا تتدلّى من ياقتها بطاقة التسعير. انثىً لا تريد منك سوى ما تريد منها, أو ربما أكثر قليلا. مضت على جلساتنا الإجتماعيّة أسابيعٌ كثيرةٌ شكّلت خبرتي الأولى في السلوك الجنسي التمهيدي عند الرئيسات الذي كنت فيما سبق أستعيضُ عنه بالدولار. سهراتٌ طوالٌ وأحاديث أمسياتٍ متخمات وجداً خفيّاً لا تشي به النكات والضحكات والشهقات الخافتات. رقصٌ تمهيديٌ بالكلمات القائمةِ على حافةِ المحرّم الموشك على الإنهيار. غزلٌ مموّهٌ ومبادراتٌ كثيرةٌ أجهضها التردّد في اللحظات الأخيرة وطقوسُ تودّدٍ أو ربما تعبّدٍ لا تنتهي إلا حين يغلبنا النعاس فينفضُّ السهر ويأوي كلٌ إلى فراشه وفي جعبته ذكرياتٌ قيد التشكّل وخططٌ مقدامةٌ يعدّها لأمسيةِ الغد القادم لا تلبثُ ان يجهضها التردّد بدورها من جديد.
كنا جالسَين أرضاً على “طرّاحتنا” المعهودة وظهرينا متّكئين على كنبةٍ وأمامنا فناجين القهوة سبقتها أكواب شاي وبين يديها ألبوم صورٍلي قديمٌ نستعرضه ساخرين غالباً من الصور التي تجاوز عمرها اكثر من عشر سنين تبدّلت خلالها الأشكال وموضة الشَعر والملابس وجعل هذا التبدّل من الصور القديمة مادةٌ للتندر. راحت تقلّب صفحات الألبوم بين يديها وانا بجانبها تماماً إنما لست ملاصقاً لها فالحشمةُ أستوجبت ان تبقى بيننا مسافةٌ اتسعت إلى حدود النصف سنتمتر وبدت كمسيرة شهر, بل قد مضى بالأحرى شهرين أو أكثر ولم أفلح بعد في إجتياز نصف السنتمتر ذاك. كنت أخشى ان أفقدها مع انني لم أفز بها بعد, وكان مجرد الإستشعار بسخونة جسدها والتمتع بمشهد انفراج شفتيها الحمراوتين أبداً عن ضحكةٍ أو بسمةٍ او كلمة, ثروةً لا يسهل التفريط بها أو المجازفة بخسرانها حتى تلك اللّحظة التي قرّرت فيها ان لا مناص من التقدم إلى الخطوة التالية فإمّا ان أكون “أو أموت فأعذرا“. مددتُ ذراعي اليمنى على الكنبةِ خلفنا كمن يتمطّى نعاساً فبت أحاصر كتفيها الذين بديا متأهبين كانهما على خطوط تماس. انتظرت لحظاتٍ اخرى بينما راح صوتها يتهدج أثناء حديثها مما عنى لي الشيء أو نقيضه. فإما ان تكون قد شعرت بالإحراج ممّا كنت موشكاً على فعله أو انها أرادت ما أردتُ.
نصف دقيقةٍ مرّت قبل ان أضع ذراعي على كتفيها وأحيط بكفّي ذراعها الأيمن وفي نفس اللّحظة التي شعرت بنعومة جسدها لأولّ مرةٍ أرخت برأسها مباشرةٍ على كتفي كأنما انهكها طول الإنتظار فأشتعلتُ كما لم أشتعل من قبل وأيقنتُ ان النساء اللاتي عرفت منذ الأزل وإلى لحظة ان لمست طرف ثديها بأطراف أصابعي الملتفّين حول ذراعها لم يكنّ سوى آلات حلبٍ في أحسن الأحوال كتلك التي يستعملها الهولنديّين في حلب أبقارهم آلياً. كانت أرجلنا ممدودةً ومتجانبة لكنها مالت برجليها نحو رجليّ فغمراهما وعانقت بيمناها خصري فأجّجت نيراني انما لم أعد أدري لوهلةٍ ما الذي افعله في الخطوة القادمة. إذ انني لم أرد ان أقوم بحركةٍ خاطئةٍ قد تفزعها فتطردني من هذا النعيم فتثبتّ بما قد قمت به حتى الآن, ذراعي اليمنى لا تزال تعانق كتفيها وكفّي حول ذارعها وأصابعي تلامس نهدها من فوق كنزتها, بينما رأسها على كتفي الأيمن ورجلاها ملاصقتان لرجليّ وذراعها تحيط بخصري. لحسن حظّي, كانت هي أبعدُ ما تكون عن الفزع وبدت كانها قد ملّت من تردّدي الطويل وان انتظارها لأن أقدم انا على الخطوة الأولى كان خاصاً بالخطوة الأولى فقط امّا ما بعدها فلا انتظار. رفعت رأسها نحوي ومسّدت بشفتيها شفتيّ فأخذت شفتها السفلى بفمي واحطّ كفليها بكفيّ بينما جسدانا يستويان في آن أفقياً ثم اعتليت جسدها انما تاركاً عبء جسدي بأغلبه على ركبتيّ وذراعي, وانتقلت بكفيّ إلى أعلى ظهرها امسّده ورحنا في عناقٍ وقبلاتٍ واحتضان حتى مطلع الفجر أو قبيل ذاك بقليل. كانت ترتدي قميصاً وردياً وبنطال جينز إزرق اللون باهت وكنت انا في بذة رياضية. صار نهداها غير المتواضعين جمرتان تضغطان بنعومةٍ على صدري فتخترقان صدريتها وقميصها وبيجامة نومي وتستقرا في صميم روحي بينما أسفل جزعي يضغط جيئةً وذهاباً بين فخذيها محاولاً تلمّس ما تحت بنطالها السميك. مضت ساعاتُ العناق الطويلة بلمح البصر رغم الألم الذي بدأت أستشعره أسفل بطني بسبب شدّة وطول فترة الانتعاظ وأغلب الظن انه قد أصابها ما أصابني فمدت يدها نحو زرّ بنطالها ففكّته ووضعت كفيّها على قفاها وجردته عنها فبدا من تحته لباسها الداخلي المصنوع من الدانتيل الأبيض, ثم ألحقت بها قميصها فخلعت انا بيجامتي ورحت امسّد بوجهي نهديها المنتصبين شبقا دون ان أصل إلى حلمتيها اللتين بقيتا محتميتين بالصدريّة وجلاً أو ربما دلعا وأسفل جذعي يضغط على الفسحة الضيقة بين فخذيها حتى انخلع قلبي على الدانتيلا الأبيض ثم طلع علينا الصباح وصار لزاماً عليّ ان أغادر. على غير عادتي لم أحتدم غضباً لصعوبة أيقاف تاكسي في الفترة الصباحية حيث تتيح وفرة الزبائن لسائقي التكسيات فرصة ان يتخيّرو زبائنهم فبعضهم يصطفى الزبائن الذين يبدو على سيماهم وبذّاتهم إستعداداً لدفع البقشيش بينما يختار بعضهم الآخر الحسنوات الكواعب لصباحاتهم. ما ان ولجت منزلي ونزعت ملابسي واستلقيت على فرشتي الممدودة وسط غرفة الإستقبال حتى رحت في نومٍ عميقٍ إلى ما بعد العصر.
حين صحوت كنت لا أزال تحت تأثير دهشة القبلة الأولى غير مدفوعة الثمن وجسدي بأكمله يفوح بعطرها وملء قلبي سعادةٌ لا يمكن وصفها كما لو كنت تحت تأثير مخدرٍ ما ويشاغلني توقٌ شديدٌ إليها وليس في ذهني شيءٌ سواها حتى ان قهوتي الصباحية (التي شربتها عصراً) كان لها في فمي طعم شفتيها. لم أخرج من المنزل يومها بل أمضيت ما تبقى من النهار في التهيؤ لزيارتها مساءً, إستحماماً وحلاقة ذقن وقصّ أظافر كإنما أتحضّر للتفتيش المدرسي ودلقت على نفسي أكثر مما يجب من العطور. رغم انني نهضت من النوم عصراً إلا ان نهاري بدا لي أطول من المعتاد بكثير ومرّت الدقائق متراخيةً كسلى تكاد تجرّ أنفسها جرّا. مساءً عند الساعة الثامنة كنت اقف على بابها بكامل قيافتي والكثير من عطر اللابيدوس الفرنسي وما ان طرقت الباب حتى سارعت إلى فتحه كانما كانت واقفةً خلفه مباشرةً وبدت فرحةً كطفلٍ يستقبل أول أيام العيد. كانت متوهجةً أكثر من المعتاد وإشراقة بسمتها التي تمنحها جاذبيتها الغامضة بدت أكثر ألفةً وساقيها الحنطيّان اشدّ جرأةً في التنورة الناعمة السوداء منهما في بنطال الجينز الأزرق الذي ارتدته أمس. كلّ ما فيها كان يتضوع عشقا.
بعد خمسة دقائق فقط كنّا عاريين تماما ومستلقيّين على الكنبة الفخمة متعانقين متداخلين كملعقتين وكلّ خليةٍ من جسدي تلامس أخرى من جسدها الحنطي البياض. لم أكن قد شاهدت نهدين بحجم ونعومة وصلابة نهديها من قبل (ولم أشاهد من بعد اجمل منهما سوى نهودٍ إنكليزيةٍ مصنوعة من السيلكيون لا طعم لها ولا روح فيها). لم يكونا بالغا الضخامة بشكلٍ عام بل فقط نسبياً مقارنة مع جسدها الضئيل على غير نحولٍ أو قِصر فرحتُ اقبل ذا النهد برهةً ثم انتقل إلى النهد الآخر كإن بي حرصٌ على ان لا اطيل تقبيل أحدهما أكثر من الآخر “فيأخذ على خاطره” وكذا كان حال حلمتيها اللتين التقمتهما أيضاً بالتساوي. لم أدع موضع قبلةٍ في جسدها العاجيّ إلا وغمرته بالقبل ولم تبخل هي أيضاً. وأطلت القبل أكثر ما أطلت على شفتيها بل بالأحرى داخل شفتيها اللتين كانتا تمتصا لساني المبلل برحيقها بينما انا أعتصر جسدها بذراعيّ كانني أريد ان أحتوي جسدها بأكمله داخل قلبي أو كأني أريد ان أدخل تحت جلدها وفي ثنايا روحها وكان المسار الوحيد نحوها مغلقاً تماما إذ كنت مضطراً للمحافظة على بكارتها. بقينا نتضاجع حتى الثمالة إلى مطلع الفجر وتخلّلت ليلتنا جلسات للإستراحة وأحاديث الجوى, عاريين, انا على الكنبة وهي في حضنى وطرف إليتيها على فخذي الأيسر ورأسها على كتفي وذراعها اليمنى ملتفةً على عنقي وفخذيها على فخذي الأيمن. بقيت تلك جلستها المفضلة لأشهرٍ طوالٍ, أطول من عامٍ إنما أقصر من عامين. هكذا أتذكرها, عاريةً تجلس في حضني وتقلّد بتهكمٍ ساخرٍ ساحرٍ بطلات الأفلام المصريّة وبنفس لهجتهن حين يتحدّثن عن الفراق والهجران وغدر الحبيب وتضرب بكفيّها الصغيرتين المضمومتين صدري هاتفةً بصوت منخفض وباللهجة المصرية:”كلتني لحم ورميتني عضم. أنا بكرهك. بكرهك!” فأنفجر ضحكاً. كان تفعل ذلك كلّما هممت بمغادرة مضجعها بعد ان يغالبني النعاس في ساعات الصباح الأولى.
الفصل الخامس
سنوات السخرة
حين غادرت مدينة طرابلس اوائل شباط 1983 متجهاً إلى مخيم اليرموك في إجازةٍ دوريّة كانت المدينة لا تزال على رتابتها وهدوئها الملول المملّ عدا عن حروبها الصغيرة المزمنة بين حيّي التبانة وبعل محسن التي تندلع ثم تذوي ثم تعود فتندلع دونما أيّة أسبابٍ ظاهرةٍ. على بعد بضعة عشرات من كيلومتراتٍ إلى جنوب مدينة طرابلس (83 كم بالتحديد) تعجّ العاصمة بيروت بتفاصيل الحياة على تخوم الموت والفرادة والإستثنائيّة واللّحظة التاريخيّة. فبينما كانت نهاراتها تئنُّ تحت وطأة الجيوش وزحمة الميليشيات المحليّة والدولية كانت مساءاتها تلتهب في مرابعها الليلية وترقص على شرف ضبّاط وجنود تلك الجيوش نفسها الذين يكتمون في النهارات انفاسها. كانت القوّات المتعددة الجنسية المؤلّفة من المارينز الأمريكيّين والفرنسيّين والإيطاليّين والبريطانيين التي جاءت للإشراف على خروج المقاتلين الفلسطينيّين من بيروت وضمان تنفيذ إتفاق الإنسحاب المبرم بينهم وبين الإسرائيليّين بوساطة فيليب حبيب, قد غادرت المدينة بعد استكمال مهمّتها تلك واتجهت نحو سفنها العائمة على بعد أميال من الساحل البيروتيّ. ما لبثت ان اضطرت قبل إبحارها نحو بلادانها إلى إعادة انتشارها من جديدٍ في العاصمة اللبنانية إثر مقتل بشير الجميّل رئيس الجمهورية المنتخب قبيل بدء عهده ثم حدوث المجزرة المهولة التي تلت مقتله والتي أرتكبتها الميليشيات المسيحيّة في مخيميّ صبرا وشاتيلا. إستبق الجيش الإسرائيلي مقتل الجميّل وعودة القوّات المتعددة الجنسية, وبادر إلى إقتحام بيروت (دون مقاومةٍ تذكر) بدعوى وجود مئات من المقاتلين الفلسطينيّين الذين تخلّفوا عن الإلتحاق بالمغادرين وبقوا في منازلهم في المخيمات الفلسطينيّة والأحياء البيروتيّة الشعبيّة. ولقد اصطحبت القوّات الإسرائيليّة معها في اقتحامها هذا العديد من الميليشيات المسيحيّة الموالية لها وذلك بهدف تكليفها كالعادة بأداء المهمّات القذرة نيابةً عن جنودها وبين تلك الميليشيات تنظيم النمور الأحرار التابع لآل شمعون والجناح العسكريّ لحزب الكتائب التابع لآل الجميّل ويطلق عليه اسم القوّات اللبنانيّة وكذلك جيش لبنان الجنوبي الذي أنشأته إسرائيل بقيادة الرائد سعد حداد. كان هنالك ايضاً ألوية الجيش اللبناني العائد للتوّ إلى حضن “الشرعيّة” المارونيّة والذي كان في طور إعادة التشكيل ليصبح على قياس الدولة الحديثة الساقطة للتوّ أيضاً في أيدي حلفاء إسرائيل من الموارنة والتي فرضت الإستقالة على أغلب الضبّاط غير الموالين لها بالمطلق وعددهم بالمئات. عدا هؤلاء وأولئك كان هناك المسلّحون الفلسطينيون المحليون من فلول التنظيمات الفلسطينيّة المهاجرة والذين اختاروا البقاء إلى جانب عائلاتهم داخل مخيماتهم ومعهم مسلّحو التنظيمات اللبنانيّة الموالية لمنظّمة التحرير والمتحالفة معها طوال سنوات الحرب الأهليّة اللبنانيّة ومنها السنيّ كحركة المرابطين والدرزي كالحزب التقدمي الإشتراكي والشيعيّ كحركة أمل ومنها ايضاً التنظيمات العابرة للطوائف (نظرياً) كالحزب الشيوعيّ اللبناني الحزب السوريّ القومي الإجتماعيّ. في زحمة الجيوش الخانقة هذه وسط المدينة الصغيرة نسبياً وذات الكثافة السكانية العالية بدأت الإشكالات والإشتباكات والتفجيرات والهجومات تتوالي بشكلٍ يوميّ بين شتّى الأطراف ومختلف الانتماءات. إشكالات بين الجيشين الإسرائيلي واللبناني واخرى بين الجيشين الأمريكي والإسرائيلي, مناوشات بين الفلسطينيّين والميليشيات المسيحيّة, قذائف تنطلق من الضاحية الجنوبية التابعة لحركة أمل لتسقط اينما كان خارجها, كمائن واغتيالات للجنود الإسرائيلين على أيدي رجال المقاومة الوطنيّة اللبنانيّة “جمّول” المكونة رئيسياً من الحزبين الشيوعيّ والقومي السوريّ.
على المستوى السياسيّ كان فيليب حبيب لا يزال ينشط في محاولة الوصول إلى تسويّة سياسية تضمن الانسحاب الإسرائيليّ من العاصمة وفي نفس الوقت يكون بإستطاعة الرئيس امين الجميّل الذي ورث أخاه المقتول تنفيذها والإلتزام بها.أما في الجنوب اللبناني وخصوصاً في مدينة صيدا وضواحيها ومخيماتها فقد بدأ كلّ من تبقّى خارج المعتقلات الإسرائيليّة من المدنيّين الفلسطينيّين يتعرضون لمجزرةٍ هادئة بعيدة عن دائرة الضوء الإعلامية وكانت جثث قتلاهم المحروقة والمشوهة تلتقط من الشوارع والمناطق شبه المعزولة بشكلٍ شبه يوميّ. وقد ترافقت تلك المجزرة مع مئات الانذارات المكتوبة المعلّقة على منازل العوائل الفلسطينية التي تقطن في أحياء المدينة والتي تتهددهم بالقتل إذا لم يغادروها فوراً ويبادروا بالنزوح إلى داخل المخيّمات الفلسطينية.
أما البقاع اللبناني فكان يعجّ بفلول القوّات المشتركة الفلسطينيّة وعلى رأسها الحاج إسماعيل جبر الذي عُيّن لاحقاً قائداً لمنطقة الشمال وأبو هاجم (شقيق أبو الزعيم) قائد منطقة البقاع وعشراتٍ من كبار الضبّاط بينهم أعضاء لجنة مركزية مثل نمر صالح وموسى مراغة وسميح كويك. إن المعضلة الرئيسة في المفاوضات اللبنانيّة الإسرائيليّة الجارية وقتها _إضافةً إلى إصرار الحكومة الإسرائيليّة على توقيع معاهدة سلام مع لبنان_ تمثّلت في ربط الإسرائيليّين لمسألة تنفيذ إنسحاب قوّاتهم العسكريّة, بتنفيذ بقيّة القوى غير الشرعية في لبنان لانسحابٍ متزامن. وقد عنى مصطلح القوى غير الشرعيّة ذلك جهتين رئيستين, الاولى هي مقاتلو المنظّمات الفلسطينيّة المتواجدون في البقاع وطرابلس والتي كان عرفات قد وافق على انسحابها كجزء تفصيليٍ من إتفاقيّة انسحاب قوّاته من بيروت أما الثانية فهي القوّات العسكريّة التابعة للنظام السوريّ والمنتشرة على السفوح الشرقيّة من جبل لبنان وعلى أغلب امتداد سهل البقاع اللبناني حتى تخوم مدينة طرابلس الشماليّة. ولم يكن بنيّة أيٍ من هذين الطرفين سوى التشبّث بآخر أوراقهما السياسيّة حتى الرمق الآخير.
بدأ التراشق الإعلامي بين ياسر عرفات والنظام السوريّ يحتدّ ولاحت في الأفق ملامح أزمة سياسيّة كبيرة بدت واضحةً منذ القمّة العربيّة التي عقدت في مدينة فاس المغربية في أيلول 1982 حيث امتنع حافظ الأسد عن المشاركة في مراسم استقبال رؤساء الوفود لعرفات في المطار ورفض عقد اية اجتماعات معه. وقد استمر هذا الجفاف والجفاء بين الإثنين في التصاعد على مدى أشهرٍ عديدة رغم محاولات بعض الوسطاء وعلى رأسهم المملكة العربيّة السعودية العمل على رأب الصدع وإقناع الأسد بترك القرار الفلسطينيّ بيد الفلسطينيّين. هذا الوضع السياسيّ المتأزم جعلني أتوجّس خشية على المستوى الشخصيّ من ان لا يعود بإمكاني التنقل بحريّة بين مقر عملي في طرابلس ومنزل عائلتي في مخيّم اليرموك والذي كان حتى تلك اللّحظة يعتمد أساساً على بطاقتي العسكريّة الصادرة عن حركة فتح التي كنت أظهرها جنباً إلى جنب مع بطاقتي المدنيّة على المعابر الحدوديّة السوريّة (كنت ولا أزال مسجلاً واخوتي وابي في دوائر النفوس اللبنانيّة والسوريّة بصفتي لاجئاً فلسطينيّا مقيمٌ في كلا البلدين) . وكان دفتر الخدمة العسكريّة في جيش التحرير الفلسطينيّ التابع للنظام قد اصبح في حوزتي بعد ان تمّ تسليمه باليد لأحد أفراد عائلتي وأصبحت اعتبر من الناحية القانونيّة متخلفاً عن الخدمة العسكريّة مما استوجب تقديم معاملة تسوية إداريّة تقضي بتأجيل خدمتي كوني المعيل الوحيد لأسرتي. كان ذلك ليمنحني بضعة سنين من حريّة التجول ريثما يصبح أحد أخوتي الذكور في سن الثامنة عشرة.
بعد تجهيز المستندات المطلوبة خلال بضعة أيام تهيأت للذهاب إلى مؤسّسة شؤون اللاجئين الفلسطينيّن في عين كرش. أواخر شباط خرجت صباحاً من داري في حيّ المغاربة متجهاً نحو “مستديرة فلسطين” حيث المحطة الرئيسة لباصات النقل العام داخل المخيّم وتبعد عن منزلي حوالي خمسون مترا. هناك صعدت إلى سيارة “سرفيس” صفراء ضخمة تعمل على خط المخيم _ كاراج البرامكة ويعود موديلها وتاريخ صناعتها إلى أربعينات القرن الماضي رغم كوننا في العام 1983. كانت سوريا وأفلام الأبيض والأسود هي المكانين الوحيدين الذين كان يمكن فيهما رؤية تلك السيّارات أو “ّالتحف التاريخيّة“. فبسبب الضرائب الباهظة التي فرضها نظام البعث ” الإشتراكي ” على تلك السلعة والتي بلغت أضعاف سعر الكلفة في بلد المنشأ أصبح شراء سيارة في سوريا يحتاج إلى ثروةٍ كبيرة مما اضطر السوريّين إلى صيانة وإعادة صيانة سيارات الخردة تلك إلى ما لا نهاية. بل وأصبح سعر الواحدة من تلك الخردة يساوي سعر سيارة مرسيدس حديثة في بلدٍ مجاور مثل لبنان, فاستعاضت الغالبية العظمى من المواطنين عن السيّارات بالدرّاجات الهوائية. ولعلّ البلد الوحيد في المنطقة الذي يمكن أن يشاهد المرء فيه طبيباً أو مهندساً او مدرّساً ذاهباً إلى عمله في الصباح بكامل اناقته وبذته وربطة عنقه ممتطياً دراجةً هوائية (مكرهاً لا عن مزاجٍ أو رياضة ولا حرصاً على النظام البيئي) هو “القطر العربيّ السوريّ” الذي لا حياة فيه “إلّا للتقدم والإشتراكيّة“.
ولإنْ كانت تلك الطنابر التي تجرها البغال هي رمز التقدّم في سوريا الأسد فلعلّ أفضل رمزٍ للإشتراكية هي حافلات النقل العام التي عالجت الأزمة الجنسيّة عند المواطنين, أكثر مما عالجت أزمة النقل التي حافظت دائماً على وتيرة تفاقمها فقد كانت هذه الحافلات تشكّل في أوقات الذروة المعقل الرئيس لحوادث للتحرّش الجنسي بل وللخبرات العرضيّة غير المقصودة أيضاً, ولي ولأبناء جيلي في تلك الحافلات اجمل الذكريات.
حين وصلت إلى كاراج البرامكة اتجهت نزولاً حسب الوصفة التي زوّدتُ بها من أبناء عمّي إذ لم تكن طرقت دمشق مألوفةً لديّ, ولكن بعد ما يقارب المائتين متر وجدت نفسي في المنطقة الوحيدة التي أعرفها جيداً, وهي صالة السينما الواقعة أمام مركز البريد الرئيس حيث كنت أقضي أيام دراستي في السنة الوحيدة التي درست فيها سوريا وكانت تلك الصالة تقدم عرضاً متواصلاً مقابل تذكرة واحدة وتستطيع ان تقضي فيها كلّ نهارك وهو ما كنت أفعله أحياناً حين أهرب من المدرسة. بعد نصف ساعة وبضعة إستفسارات من المارّة وصلت إلى مركز عين كرش فإذ بالناس حوله كيوم الحشر. تلك هي المرة الأولى التي زرت فيها تلك المؤسّسة بإعتباري قد استخدمت حتى ذلك اليوم وثائق وبطاقات هوية وجوازات سفرٍ صادرة عن الحكومة اللبنانيّة ولولا وفاة أبي وإضطرار أهلي للانتقال للعيش بشكلٍ دائم في سوريا لما كان هناك أدنى حاجة لإستصدار بطاقة هوية هناك.
مئات من المراجعين المنتشرين حول المبنى المكوّن من ثلاثة طوابق ومثلهم على الدرج الموصل إلى الطابق الأول حيث المكتب الذي عليّ تقديم ملفي فيه, مرفقاً بطلب تأجيل خدمتي الذي اعدّه لي أحد “العرضحالجيين” الإثنين الموجودين في المكتبين المقامين على زاوية مدخل المديريّة. لإن صحّت تسميّة الجموع الملتفّة حول المبنى بالحشود فهي لا تصحّ في وصف الجموع المنتشرة على الدرج إذ كانت الأخيرة ملتفّة حول بعضها البعض حرفيّا والناس فيها مكوّمين فوق بعضهم البعض على شكل كرة صوف مشتبكة الخيوط فيما كان الجنديّ المكلّف بإدخال المراجعين عبرالباب الرئيس للطابق حسب دورهم, قد جرّد نطاقه العسكريّ وراح يجلد به من يطاله منهم في محاولة يائسة لتخفّيف الإزدحام. ولست أدري كيف يفترض بذلك الجلد ان يخفّف من أيّ شيء. على أيّة حال, فقد بقيت الأمور على حالها والناس راكبةً ظهور بعضها البعض واستمرّ التدافش على أشدّه ولم يفلح نطاق المجند المسكين سوى في إسالة عرقه واستنزاف طاقته. لم يتذمّر أحد من الذين طالهم الجلد ولم يبدو على الناس أيّ انزعاج منه, عدا الإنزعاج الناتج عن الإزدحام وطول فترة الانتظار. بدا الأمر اعتيادياً وكأن الجلد الذي مارسه عليهم ذلك المجنّد هو من طبيعة الأمور مثله مثل الطوابع الماليّة التي اشتروها وألصقوها على أضابيرهم. تحول الناس بعد عقدين من الإستبداد والطغيان على أيدي علويّي حزب البعث وأفرع المخابرات العديدة إلى أرواحٍ ذليلةٍ تخضع لأوهى رمزٍ من رموز النظام حتى ذلك المتمثل في هذا المجنّد على ضآلته وحقارة شانه. بعد ساعتين أو اقلّ قليلا جاء دوري بالدخول وكنت من الآخيرين بسبب إمتناعي عن التدفيش حتى لا يقع عليّ السوط وراعني اول ما دخلت ان المشهد نفسه الذي شاهدت وخبرت على الدرج كان أيضاً موجوداً امام شبّاك الموظف المولج بإستلام المعاملات وتبويبها وترقيمها ثم تقديمها إلى الضابط المسؤول في غرفةٍ أخرى يحرس بابها المغلق مجنّدٌ آخر ولا يسمح بدخولها إلى لمن يستدعيه ذلك الضابط. وصلت بعد جهدٍ جهيد إلى أوّل الطابور أمام شباك المعاملات, ولأمرٍ ما لا يخفى على أحد, دأب الموظف على تأجيل إستلام معاملتي بعد ان قلّب أوراقها واطلع على فحواها. إذ كانت مثل تلك المعاملات تستدعي رشوةً كبيرة توضع عادةً داخل الإضبارة ولمّا لم يجد المعلوم داخلها بدء بتأجيلي لإفهامي وحضّي على الدفع, الأمر الذي لم أكن مستعداً للتجاوب معه إذ كنت في مرحلة من العمر والمثاليّة “الثوريّة” التي يعتقد المرء فيها ان مبادئه هي ذات قيمة حقيقيّة ويجدر به التمسّك بها وكانت الرشوة ضد مبادئي.
بعد بضعة دقائق من تجاهل معاملتي والانشغال بمعاملات المراجعين الأخرين بدأت أفقد أصبري والحّ في طلب المباشرة في معاملتي مما أثار حفظيته فافتعل نوبة غضبٍ هدفها تهديدي صارخاً: سأسحبك موجوداً إلى مصياف! ثم انتظر بضعة دقائق أخرى راح خلالها يمرّ عبر المعاملات التي أمامه بينما معاملتي مرصوفةٌ على طرف الطاولة.
كانت فترة الانتظار تلك على ما بدا, هي التحذير الأخير لي بأنني إذا لم أبادر إلى دفع مبلغٍ معتبرٍ لذلك الموظف فإنني سانتهي في سجن الشرطة العسكريّة بتهمة التخلّف عن الخدمة الإلزامية. استسشطُ غضباً مكتوماً وحقداً فوق حقدي المعتاد على ذلك النظام القميء إنّما لم يكن بإمكاني ان أفعل شيئاً سوى الوقوف هناك وانتظار ما سيكون. فحتى لو أردتُ ان ادفع الرشوة المرجوة فليس في جيبي ما يكفي لإشباع نهم ذلك الموظف ومعلّمه العقيد القابع في الغرفة المغلقة. بعد حوالي عشر دقائق نهض حاملاً أوراق معاملتي واتجه إلى مكتب العقيد مومئاً لي بان أتبعه, وعند الباب أمرني بالانتظار خارجاً ثم طرقه طرقاً خفيفا ودخل. فتح الباب ثانيةً بعد بضعة دقائق وقال سيادة العقيد بانتظارك. دخلت وحيّيت الضابط الجالس خلف طاولة المكتب بعبارة “إحترامي سيّدي” التي اعتادها الناس مدنيّين وعسكريّين في سوريا عند مخاطبة أي ضابط أو صفّ ضابط, ثم بدأت بشرح قضيتي مسترحماً وراجياً لكن العقيد كان قد حسم أمره على ما يبدو منذ اللّحظة الأولى التي امسك بها معاملتي الفارغة من أي مبلغ فنظر إليّ شذراً وقال: أتريد ان أسحبك إلى الخدمة موجوداً أم ستصمت؟ ( يعني مقبوضاً عليّ ) فاخترت الصمت. وقع إضبارتي ودفتر الخدمة العسكريّة المرفق ثم دفعهما إليّ دون ان ينظرني مكملاً حديثه الودّي مع الشخص الجالس على المقعد الوثيرأمامه.
تصفحـت المعاملة حين أصبحت خارج الغرفة فوجدت مكتوباً على إحدىصفحات دفتر الخدمة جملة: “سيق من تلقاء نفسه“. ذلك يعني انني لن أبات ليلتي وليالٍ أخرى في سجون الشرطة العسكريّة ريثما يتمّ ترحيلي إلى مصياف بل يمكن لي ان أعود إلى منزلي على ان ألتحق بدورة الأغرار الجارية حالياً خلال مدةٍ قصيرة. ولولا هذه الجملة لأضيف الكثير من الأشهر على فترة خدمتي التي كانت قد جاوزت حسب ما كتب على الدفتر مدة 60 شهراً بدل من الثلاثين المعتادة بسبب “تخلّفي عن السوق وعن استلام دفتر الخدمة وعن الفحص الطبي الإبتدائي وعن الفحص الطبي الانتهائي”.
سارعت إلى مغادرة المبنى فرحاً لعدم زجّي في السجن وحزيناً مكتئباً بسبب السنين التي ستهدر من عمري مجاناً في خدمة بلدٍ ليس بلدي ونظامٍ هو من ألدّ أعدائي. فإنّ الخدمة العسكريّة الإلزامية في سوريا هي “سفربرلك” حديثٌ, وسرقةٌ موصوفة لأعمار المواطنين في سخرةٍ اين منها سخرة العثمانيّين. وسوريا ليست بلدي ولا وطني ليس بسبب فلسطينيّتي فانا نصف فلسطينيّ ونصف سوريّ بل كنت لأحمل نفس المشاعر بعدم الإنتماء إلى سوريا تلك حتى لو ولدتُ لأبٍ وامٍ سوريّين فذلك البلد هو (حتى لحظة انطلاق الثورة السوريّة الكبرى في 2011) عبارة عن سجنٍ كبيرٍ يضيق بنزلائه كما يضيقون به ومذبحٍ لتقديم احلام الناس وأموالهم وكراماتهم قرابين للطغاة الذين صدّقوا من فرط ما كذبوا انهم آلهة, وبهذا المعنى فإن إغترابي الثقافي والروحي عن سوريا بما هي “وطنٌ” مفترض هو نفس الإغتراب الذي اشعر به نحو “الوطن” الفلسطينيّ الهجين (أو الوطنين) القائم أو القائمين منذ عقودٍ في الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة.
في مساء ذلك اليوم زرت أبناء عمٍ لي سبق ان أدّوا خدمتهم العسكريّة لاستشارتهم والإستفسار منهم عن موقفي الحالي ومجالات خروجي من ذلك المأزق فأجمع كلّهم على انني منذ اليوم قد أصبحت أعتبر مجنداً بنظر القانون وإذا لم التحق بالخدمة فسأعتبر فارّاً وبناءً على الأحكام العرفية المعمول بها منذ انقلاب حزب البعث العام 1963 فإن عقوبة الفرار من الجيش هي السجن عرفيّاً تسعة أشهر دون محاكمة أو السجن لخمسة سنوات في حالة الفرار الخارجي (اي خارج سوريا) ويعاد الفار بعدها إلى قطعته العسكريّة لإستكمال مدة خدمته. أمّا بالنسبة للستّين شهراً من الخدمة بدلا من الثلاثين التي قيّدت على وثائقي, فقد طمأنني أبناء عمومتي بانها مجرد عقوبة شكليّة يتمّ عادةً إلغاءها في مراسيم العفو الرئاسيّة الدورية التي دأب حافظ الأسد على إصدارها في المناسبات “الوطنيّة” وأعياد الانتصارات والثورات التي حقّقها. إن فرض تلك العقوبات والأحكام القراقوشية العرفيّة الكثيرة ومنها المدني والعسكريّ هو أسلوب النظام في إسعاد المواطنين وإشعارهم بإزاحة عبءٍ كبيرٍ عن كواهلهم بشكلٍ دوريّ, وأغلب تلك العقوبات يتمّ فرضه ابهدف وحيد ألا وهو إتاحة المجال لرأس النظام بممارسة تسامحه وإظهار عفوه ومغفرته وتوزيع مكرماته على المواطنين ليشاركوه أفراحه في أعياده المجيدة.
بقيت أقلّب الأمر يومين او ثلاثة في أصعب قرار إتخذته في حياتي وهو الخيار بين مغادرة سوريا عبر أحد معابر التهريب إلى لبنان تاركاً أخوتي وأخواتي ربما إلى الأبد او البقاء فيها وخسارة ما يقارب الثلاثة سنوات من عمري هي من أهم السنوات والمفترض ان تكون الأكثر حيويةً وبناءاً وانتاجية في رحلة الحياة. في النهاية استقرّ بي الأمر على خيار الإلتحاق بالخدمة الإلزامية. وفي اليوم الرابع وضعت بعض حاجياتي الضرورية في شنطة كتفٍ صغيرة وانطلقت في رحلةٍ طويلة انتهت بي في معسكر تدريب الأغرار التابع لجيش التحرير الفلسطينيّ والواقع في بلدة مصياف الشماليّة.
لم أختبر في حياتي برودة الطقس التي أختبرتها في مصياف منذ اللّحظة التي وطأت بها أرضها وحتى غادرتها للمرّة الأخير بعد حوالي شهرٍ ونصف. ولولا البنطال الصوفيّ الطويل وحزام البطن السميك الذين وضعتهما والدتي في شنطة سفري لازدات معاناتي أضعاف مضاعفةً. كما انني لم أقرأ في حياتي جملةً أسخف من الجملة المكتوبة على اللوحة المعدنية المتقوّسة في أعلى مدخل المعسكر التي تقول “مصنع الرجال“. أما سور المعسكر فمغطىً من الجهتين الداخلية والخارجية بجملٍ خشبيّة ركيكة مقتطفة من خطب حافظ الأسد الطويلة التي كتبها له مستشاروه الثقافيّون واعتبرت رموزاً مقدسةً للحكمة والبلاغة والخطابة, حتى أنها جمعت لاحقاً في كتابٍ يشبه في فخامته كتاب “نهج البلاغة” المنسوب لعليّ ابن ابي طالب حمل عنوان “هكذا قال الأسد“. ولقد صدر ذلك الكتاب عن دار مصطفى طلاس للنشر في تسعينات القرن الماضي ثم حمل نسخه أفراد المخابرات السوريّة العاملة في لبنان بتكليفٍ من العقيد زياد والعميد غازي كنعان وداروا به على أصحاب المحلات والمطاعم والفنادق والأفران والدكاكين ومحطات البنزين وكل من أمكن الوصول إليه من أصحاب الأعمال الصغيرة والكبيرة في لبنان وأجبروهم على شرائه رافضين ان يحدّدوا سعره إذ كانوا يقدمّونه هديةً لصاحب المحل بعد ان يعرّفوا عن انفسهم ويطلبون منه ان يهبهم مقابله اي مبلغ تجود به نفسه! ولقد جادت نفس صاحب محطة البنزين التي كنت أعمل فيها يومها بمبلغ خمسين ألفا ل.ل (30$) دفعها وهو خاشعٌ متصدعٌ من خشية الله. أول من التقيت في ثكنة مصياف, صف ضابط برتبة مساعد قام بتسجيل بياناتي ثم اصطحبني إلى مستودع العُهدة وسلّمني بوطاً وبدلة عسكريّة شتوية ومن هناك ذهب بي نحو أحد المهاجع حيث كان قد سبقني (كما علمت لاحقاً) العشرات من أمثالي المجندين المتخلّفين عن موعد الدورة الرئيسة التي ابتدأت منذ حوالي الشهرين ولم يتبقى على انتهائها سوى ثلاثة أسابيع أو اكثر قليلا. تمّ تجميع المتخلفين جميعاً في مهجعٍ واحد وشكّلوا سَريةً إضافية ألحقت ببقيّة السرايا المشاركة في الدورة التدربيبية تحت اسم “سريّة المتخلّفين“!. إحتوى المهجع على عشرين سريراً مزدوجا ذي طابقين) عشرة على كلّ جانب وكان سريري في الطابق العلوّي في احد الزوايا. وكبقيّة مهاجع المجندين لم يحتوي مهجعنا على أيٍة وسيلة من وسائل التدفئة والموجودة حصراً في غرف طاقم المعسكر. عدا البرد والجوع الشديدين لم أتكبّد أية معاناة تذكر في معسكر التدريب, فقد اعتد مسبقاً على نظام الحياة العسكريّة وأتقنت أساليب الإرهاب المتبّعة من قبل صفّ الضبّاط والضبّاط للتنمّر على المجندين المستجدين تحت غطاء سلطةٍ وهميةٍ يستمدّونها أصلاً من التماهي الخادع مع السلطات المركزيّة واستغلال الرهبة المزروعة مسبقاً في قلوب الآخيرين منها.
كان أولئك المتنمّرون المعتادون في مثل تلك الظروف, دائمي التجوّل في مختلف المهاجع بحثاً عمّا يعيد التوازن إلى نرجسيتهم المغتصبة من قبل السلطة نفسها التي يحاولون التماهي معها فيأمرون المجندين المرتجفين المتشنّجين رعبا وبردا بالإصطفاف امام أسرّتهم ثم يستعرضونهم فردا فردا طالبين منهم التعريف عن انفسهم بأعلى أصواتهم وفق الطريقة العسكريّة الرسميّة المترافقة مع التحية وذكر الإسم والرقم العسكريّ وانهاء الوصلة بعبارة “حضرة العريف” أو الرقيب. غالباً ما كان المجندون المساكين يخطئون تحت وطأة الرهبة فيأمرونهم بالإعادة مراراً وتكراراً ويزيدهم التكرار إرباكاً مما يرضي نفوس ضباط الصفّ المتنمرين. لم اخطأ انا طبعا ولم أكن متشنجاً في أي من المرات التي جرّبوا فيها هذه اللعبة معي, ولم أشعر بالرهبة منهم فأعلنوا استحسانهم وسريعاً ما كفّوا عن محاولات إرهابي التي لا طائل فيها وغالباً ما صاروا يكتفون بصرخات المجندين عن يساري ويميني عابرين عنّي كأن بي جرب.
كما في كلّ جيوش العالم. يبدأ الصباح مبكراً بالإصطفاف بلباس الرياضة “الصيفي” ثم الركض داخل المعسكر لمدة نصف ساعة, لكنني كنت لحسن حظّي معفيّاً من الرياضة بكافة اشكالها إذ طالما عانيت من تسرّع في نبضات القلب وقمت بمفاقمة حالتي عن طريق مضغ تنباك سيجارتين قبل الفحص الطبي مباشرةً. فبينما أنا أخلع ملابسي في قاعة الإستقبال حسب الأوامر ومعي عشرات المجندين العراة إلّا من “كلاسينهم” دسست اللفافتين في فمي خلسةً ومضغتهما جيداً ثم اصطففت في طابور العراة المشكّل أمام باب عيادة “اللجنة الطبيّة” المشرّع على مصراعه كما لو أن أولئك الضباط الأطباء لم يسمعوا بشيءٍ إسمه خصوصية. كان الفحص الطبيّ سريعا, فعادةً ما تكون النتائج مقرّرة سلفاً, وعدا المجندين الذي استبقوا الفحص الطبيّ برشوة أحد أعضاء اللجنة الطبية, فإن الجميع سيجتازون الفحص بنجاح إلا فيما ندر. وتتنوّع الخدمات التي تقدّمها لجان الفحص الطبي الخاصة بالمجندين وتتراوح أسعارها بين بضع مئات من الدولارات هي تكلفة تقرير طبي يفيد بعدم أهلية الزبون للقيام بالرياضة العنيفة, وهذه تسمّى “إعفاء صاعقة” وتقيه شرّ دورات الصاعقة, ويتضاعف السعر إذا طلب الزبون تقرير يفيد بأنه غير قادر على العمل في القطع العسكرية ويجب فرزه إلى أحد المواقع الإدارية وهذه الخدمة تدعى “خدمات ثابتة“. أما الخدمة الباهظة السعر والتي لا يقدر عليها سوى أبناء كبار التجار والأثرياء فهي التقرير بأن الزبون في حالة صحية بالغة السوء تمنعه من أداء أيّة أعمال وبالتالي فإنه لا يصلح للخدمة العسكرية بتاتاً ويجري تسريحه على هذا الأساس, وهذه تتكلّف بين 5000$ و10000$. ومقابل المئات الذين يتمّ تسريحهم سنوياً بهذه الطريقة, هناك مئات آخرون غير صالحين للخدمة فعلياً واعرف منهم بضعة أفراد كانوا يعانون من أمراضٍ عقلية مثل الجنون ومع ذلك فإنهم أجبروا على الخدمة العسكرية. إضافة إلى هذه الخدمات هناك أيضاً خدمة الأجازات الطبيّة ويعتمد سعر هذه الأخيرة على المدة الزمنية التي يريدها الزبون وتبدأ ببضعة أيام وتنتهي بسنتين ونصف هما كامل فترة الخدمة العسكرية.
كنت أنا ضمن الحالات النادرة التي يخشى فيه الطبيب الفاحص أن يلقى فيها المجند حتفه بسبب حالته الصحيّة مما قد يورطه, فيضطر إلى توصيف حالته حسب التشخيص لا حسب المبلغ المدفوع. بدأ الفحص بخلع السروال الداخلي, والوقوف عارياً كما خلقني ربّي أمام اللجنة الفاحصة وعشرات المفحوصين. تفقد أحد أعضاء اللجنة بيضتي ووزنهما بيديه لو كنتُ سأستخدم في تخصيب بيوض الإناث, ثم انتقل إلى صدري فوضع سمّاعته على أذنيه وجسّ صدري بطرفها المعدني هنيهةً ثم كتب شيئاً ما على إضبارتي وناولني إياها وأومأ للمجند الذي يليني بالتقدم. حين غادرت غرفة الفحص فتحت إضبارتي متلهفاً لأقرأ ما الذي كتبه الطبيب الفاحص, فإذ به “تسرّع في القلب. إعفاء صاعقة“, وهذا النوع من الأنباء تثلج قلوب المجندين في الجيش العربي السوري أو جيش التحرير الفلسطينين التابع له أيما إثلاج. إن مقولة “الصحّة تاجٌ على رؤوس الأصحّاء” لا تصحّ في سوريا الأسد, حيث المرض نعمة والصحة نقمة. فدورة الصاعقة التي أعفيت منها, تستغرق ستة أشهر مريرة في معسكرات التدريب ويحاول جميع المجندين اجتنابها.
كنت اكتفي بالإصطفاف لطابور الرياضة الصباحي بكامل لباسي العسكريّ (الذي كنت انام ايضاً مرتدياً إياه كاملاً مع البسطار لشدّة البرد) ثم أعود إلى سريري بعد ان ينطلق الجمع إلى الركض. بعدها يأتي دور الإفطار مع الشاي شبه البارد ثم التدريب على ” النظام منضم ” ثم حلقة تدريس تتضمّن فكّ وتركيب البندقية الروسية AK-47 ( الكلاشنكوف ) يتلوها النظام منضم من جديد. ثم يأتي الغداء البارد المكون غالباً من شوربة العدس وبديله الوحيد هو طعام ” الندوة ” حيث يمكن شراء سندويشات الفلافل “عالرّيحة” الباردة ايضاً والتي تكاد تخلو من الفلافل. من حسن حظّي أنني قد جلبت معي علبة حلاوة وعلبةً أخرى مملوءة بسلطة الزعتر الفارسي مع بصل وزيت زيتون والتي أحضرت والدتي المزيد منهما في زيارتيها إلى مصياف مع أهالي بقيّة المجندين الذين كانوا يتجمّعون فيما بينهم في المخيمات ويقومون بإستئجار حافلةٍ تقلّهم جميعا من مخيم اليرموك إلى مصياف لزيارة أبنائهم ثم تعود بهم عند العصر, وهي رحلة تستغرق أكثر من 7 ساعات ذهاباً وإياباً .
أسعد الأوقات التي قضيتها في مصياف هي الفترتان اللتان أدّيت فيهما مهمّة “السخرة” وتعني الذهاب مع شاحنة القمامة إلى مكبّ يقع على بعد 20 دقيقة من المعسكر مصطحبين معنا الرفوش لنقوم بإفراغ الشاحنة في المكبّ ثم نستريح لمدة نصف ساعة في غرفة المجند المولج “بحراسة!” المكبّ. وسبب سعادتي وسعادة بقيّة المجندين المكلّفين معي بهذه المهمّة هو ان غرفة حارس المكبّ مزودةٌ بمدفأة مازوت “معتبرة“, ودائماً ما يقوم الحارس المعزول بالترحاب بالضيوف لشدّة ملله ويسبغ عليهم نعمة شرب أباريق الشاي الطازج والساخن اما أسوأ اللحظات فهي لحظات الدخول إلى المرحاض ليس فقط بسبب إتساخ المراحيض بل أيضاً بسبب برودة الطقس التي تجمّد قفاك ثم إضطرارك للغسل بماء يكاد يكون متجمداً. أما الحمام الذي يتمّ إسبوعياً فقد نجحت في تجنّبه مرّتين واضطررت إليه مرّتين خلال كامل فترة التدريب. وطقس الحمّام يتضمّن الذهاب إلى موقع الحمام عارياً إلا من لباسك الداخلي ثم المرور مرور الكرام تحت الدوش مدفوعاً بأيدي ضبّاط الصف بعد اقلّ من نصف دقيقة نحو الخارج مجدداً .
من حسن حظّي انني قد دوّنت مهنتي في سجلّات الدولة كبائع خضار وادّعيت انني بالكاد “افكّ الحرف ” أيّ انني لست متعلماً ولكنني أجيد القراءة والكتابة بعض الشيء وحتى حين دار طاقم المعسكر على السرايا ليسجّلوا أسماء الذين يتقنون قيادة السيّارات لم أرفع يدي إذ كنت أعلم ان ذلك سيتبعه دورة عسكريّة مدتّها ستّة أشهر في مدرسة السياقة التابعة لجيش ” أبو شحّاطة ” حيث الظروف اسوأ بعدّة مرّات منها في جيش التحرير . هذه الأميّة مشفوعةٌ بالتسرع في نبضات القلب عنت انني عند انتهاء دورة الأغرار هذه بعد حوالي 24 يوماً سأغادر هذا المعسكر ويتمّ فرزي مباشرةً إلى إحدىالقطع العسكريّة دون المرور في أية دورة اخرى مثل دورة الصاعقة , ومعلّم الصاعقة , أوصفّ الضبّاط , أوالسياقة وذلك هو ما رغبت به. انتهت الدورة إذن بعد ثلاثة أسابيع أو أكثر قليلاً وكان أخر الدروس في حقل الرماية حيث أعطي كلّ منّا 12 طلقة لبندقية الكلاشينكوف التي يحملها وامرنا ان نطلق منبطحين ثلاث طلقات منها على دريئةٍ منصوبةٍ على بعد مائة متر( أو ربما مائتين ) ثم نغيّر عتلة أمان البندقية إلى وضعية الرشّ ونطلق الرصاصات التسع وقوفاً نحو الدريئة نفسها بينما يقف خلف كلّ من الرماة صف ضابط يمسك به من ياقته بإحكام خوفا من حوادث عرضيّة أو قصدية وكانت تلك الرصاصات الإثناعشر هي كامل التدريب الذي يحصل عليه المجند قبل فرزه إلى قطعته العسكريّة. ولا أريد ان اغادر في إجازة المبيت الثانية في باصات مدنيّة مستأجرة على حساب المجندين انفسهم دون ان أذكر ذلك الضابط حديث التخرّج كما يبدو والذي يحمل رتبة ملازم وأسمه محمد البديري ويمتّ بصلة قرابة لمصباح البديري القائد السابق لجيش التحرير الفلسطينيّ, وقد كان يحلو له يومياً وفي أغلب الأوقات التجول بين المجندين في ساحة المعسكر بخطواتٍ عسكريّة كما لو انه يسير في طابور ويبالغ في مدّ خطوته ويديه خلف ظهره فيبدو كطاووسٍ مراهق بينما هو يحسب نفسه “كما كان واضحاً ” بمنزلة مونتغمري أو رومل ثعلب الصحراء.
قبل إلتحاقي بمعسكر مصياف كنت أتفقت مع والدتي على ان تذهب إلى قيادة أركان جيش التحرير الفلسطينيّ مصطحبةً معها المستندات التي تبيّن انني المعيل الوحيد لعائلتي ومستندٌ أخر قامت بإستصداره من المخابرات العسكريّة, فرع فلسطين وهو عبارة عن شهادة وفاة لوالدي ذكر فيها ان سبب الوفاة هو:”أحداث لبنان” مما يعني بلغة اهل المخابرات انه شهيدٌ فلسطينيّ ولست متأكداً بالظبط ما إذا كان الضابط الذي قابلته أمي قد ظنّ المستند المعطى لوالدتي من المخابرات هو نوعٌ من التوصيّة أو انه حقاً كان مقدّراً لوالدي وقد سمع عن نضالاته كما قال كلّ ما أدريه انه وعدها خيراً حين يحين موعد فرز المجندين المتدربين إلى قطعاتهم.
انتهت إجازة نهاية الدورة سريعا وانطلقنا انا وبقيّة المجندين على متن الباصات نفسها التي أحضرتنا من مصياف, وقد تجمّعت فجراً عند مستديرة فلسطين, عائدين إلى معسكر التدريب. هذه المرّة كنت مجهّزاُ تجهيزاً جيداً بعلب الحلاوة والخبز وسلطة الزعتر كما عملت على تكييف بدلتي العسكريّة عن أحد الخياطين كونها تتسّع لشخصين بحجمي إذ ان البدلات لا توزّع حسب المقاسات انما على طريقة “انت وحظّك“. بعد مضي خمسة أو ستّة أيام على عودتنا إلى مصياف جاءت أوامر الفرز من هيئة الأركان وتمّ تجميعنا في طوابير وبدأوا بقراءة اسمائنا واسم القطعة التي تمّ فرز كل مجند إليها وكدت أطير من الفرحة حين قُرئ اسمي ثم تبعه اسم قطعتي: الرحبة – جرمانا. فتلك القطعة, إضافةً إلى بضعة قطع اخرى مثل جهازالإستطلاع وهيئة الأركان وملعب فلسطين, مخصّصةً للقادرين على دفع الرشاوي الماليّة الطائلة وتمتاز هذه القطع بقربها من مساكن الجنود من أهل مخيمات السبينة وجرمانا واليرموك وأيضاً بكون الدوام فيها شبيه بدوام الموظفين المدنيّين وينتهي ظهراً. في اليوم التالي لإبلاغنا بأوامر الفرز منحنا أجازة مدتها يومين على ان يلتحق كلٌّ منّا بعدها بقطعته العسكريّة المحدّدة.
“الرحبة” هي الكاراج المركزي لإصلاح عربات جيش التحرير الفلسطينيّ وتقع في الشارع الرئيس لحيّ جرمانا الذي أقيم على تخومه مخيّم جرمانا للاجئين الفلسطينيّين وتبعد عن مخيّم اليرموك بضعة كيلومترات اي أقل من ربع ساعة بالسيّارة. ومخيّم جرمانا هو المنطقة الوحيدة المألوفة لديّ خارج مخيّم اليرموك بسبب ان إحدى عمّاتي تقطن فيه وكثيراً ما اصطحبنا عمّي محمود في طفولتنا انا وأخوتي معه على طنبره الخشبي لزيارتها عبر بساتين يلدا وببّيلا الساحرة والملأى بأشجار الجوز التي اعتدنا أثناء عبورنا سرقة بعض ثمارها الدانية.
قائد قطعة الرحبة ضابطٌ فلسطينيّ من آل جرّار ويحمل رتبة رائد ويعمل تحت امرته ضبّاط أربعة آخرون وخامسٌ ملازمٌ مجنّد من آل الخضرا ومعهم حوالي 60 أو 70 جنديّاً وصفّ ضابط أغلبهم من الميكانيكيّين وبعضهم من المدعومين أو “المحظوظين” من غير ذوي الإختصاص.
ثمة حوالي عشرة أو خمسة عشر فرداً من المدنيّين المتعاقدين أغلبهم يعمل في الشؤون الإداريّة وبعضهم في ميكانيك العربات. تبلغ مساحة الرحبة حوالي الخمس مائة مترمربع وتحتوي على ما يقارب العشرة كاراجات من مختلف الإختصاصات وتقوم بإصلاح عربات جيش التحرير الصغيرة مثل ” جيبات ” الضبّاط وسيّاراتهم المدنيّة وعربات النقل الضخمة من انواع زيل وتاترا روسية الصنع. وتضم أيضاً مساحة مائتيّ متراً مربعاً إضافية أقيم عليها مدفنٌ للعربات المنسّقة (السكراب) والتي يتمّ تفكيكها حسب الحاجة واستخدام قطعها في عمليّات الإصلاح. عدا عن الكراجات تحتوي الرحبة على مستودعٍ لقطع السيّارات وفيها اربع مكاتب إدارية هي قلم الدخول و الذاتيّة ومكتبّ نائب قائد القطعة (كان برتبة نقيب) ثم مكتب قائد القطعة. عملت انا ومعي مجندٌ أخر في قلم الدخول تحت أمرة موظفٍ مدنيٍّ يبلغ حوالي ال60 من عمره ويقضي جلّ وقته في حلّ الكلمات المتقاطعة في جرائد “البعث” و“الثورة” و“تشرين” أو بالأحرى في محاولة حلّها وأعتقد يقيناً انه نادراً ما أفلح في إكمال حلّ أيٍ منها قبل إلتحاقي بمكتبه وسبب أعتقادي هذا هو انني أمضيت الأشهر الستّة الأولى من خدمتي العسكريّة في حلّها نيابةً عنه إذ اعتاد أن يبدأ نهاره بعد شرب الشاي والقهوة بأسئلته التي لا تنتهي: وسخ الظفر من حرفين ؟ (تفّ ان كنت لا تعلم اخي القارئ) فأجيبه أحياناً او تستعصي عليّ الإجابة المباشرة فاستمهله دقائق او ربما ساعات ريثما ابحث في أرشيف ذاكرتي أو اسأله أحياناً عما يتعامد مع الكلمة عامودياً أو افقياً وغالباً ما كنت انهي حلول الجرائد الثلاثة قبل نهاية اليوم عند الثالثة عصراً ولقد كانت تلك التجربة هي المرّة الأولى في حياتي التي أستفيد فيها من ثقافتي إذ منحتني قدرتي على حلّ الكلمات المتقاطعة التي يعشقها المسؤول المباشر عني نفوذاً وسطوةً عنده فصار يتحاشى إغضابي ويسعى إلى مرضاتي خوفاً على كلماته المتقاطعة التي وجد نفسه فجأة قادراً على حلّها.
المجند الآخر في قلم الدخول هو برتبة عريف وعازف عودٍ موهوبٍ واوّل ما تعرفت على نغم تلك الآلة كانت في إحدىالأمسيات حين أحضر عوده إلى المناوبة الليلية الدوريّة واكتشفت في الدقائق الخمسة الأولى انني أعشق صوت تلك الآلة. وبدأتُ رحلةً شاقّة دامت سنين في محاولة تعلّم العزف عليها على يديّ زميلي هذا ثم لاحقاً على أيدي أصدقاء آخرين لكن محاولتي جميعاً باءت بالفشل ولم أفلح سوى في عزف مقطوعاتٍ قصيرة وقليلة العدد بينها مقدمة موسيقيّة لإحدىأغاني أم كلثوم وبضعة أغانٍ للشيخ إمام ووديع الصافي واغاني شعبية اخرى مما أجبرني على الإعتزال مبكّراً إذ يبدو لي الان انني أفتقد لما يسمى بالأذن الموسيقيّة حتى انني بقيت لمدة سنوات أحتاج لمن يقوم بدوزنة العود الرخيص الذي أشتريته وهي عمليّة تعتبر من أوليّات العزف الموسيقي!. فشلت في تعلّم عزف العود إنما لم أشفَ أبداً من عشقي لتلك الآلة التي لا زالت انغامها تسكن روحي حتى هذه اللّحظة.
إضافةً إلى الدردشة وشرب أباريق الشاي وحلّ الكلمات المتقاطعة وقراءة أخبار الجرائد السوريّة التي تتركّز أغلب مقالاتها وانبائها حول محصول الزيتون وأهراءات وصوامع الحبوب ومخزون الدولة من الشمندر السكّري واستقبالات السيد الرئيس واجتماعات قادة الحزب وافراح النقابات واعراس الانتصارات, كنا في أوقات الفراغ نقوم بمهمّة تسجيل تاريخ دخول العربات إلى مركز الإصلاح ونوع الأعطال ثم تاريخ خروجها في سجلٍ لا يقرأه أحد ولم يحتج إلى مراجعته أحد. إن وظيفتي تلك هي من اجمل ما مارست من مهامٍ في حياتي ولولا انني كنت أعمل مجاناً لوجه الله تعالى ثم وجه الوطن لربما كنت قد وقّعت عقداً تطوعيّاً لأزاول تلك المهنة بقيّة حياتي. كان لوظيفتي في قلم الدخول, جانب سيءٌ وحيد هو إضطراري إلى المناوبة بشكلٍ دوريٍّ شبه إسبوعيٍ وهو ما يقتضي بقائي في القطعة في ليلة المناوبة حتى الصباح, الأمر الذي كان ليكون هيّناً لو أتيح لي النوم الهانئ فغرفة قلم الدخول احتوت, إضافةً إلى طاولتيّ المكتب التي “نعمل” خلفهما, على سريرين عسكريّين معدنيّين أحدهما فوق الآخر, وكان سريري في الطابق الأعلى.
المشكلة الرئيسة كمنت في الحراسة الليليّة التي تستغرق أربع ساعاتٍ متواصلة. ورغم انني اعتدت أن أحضر معي كتباً وأقضي وقتي في القراءة إلّا ان أربع ساعات متواصلة هيّ مدةٌ طويلة بكلّ المقاييس خصوصا في برد الشتاء القارس مما جعلني في كثير من الأحيان أرفض القيام من نومي رغم طرقات رئيس الحرس المتوالية على باب مكتب الدخول طوال الساعة الأولى من موعد حراستي حتى يملّ ويغلبه اليأس والنعاس فيذهب بدوره إلى النوم ويبقى محرس “السكراب” فارغاً من الحرس وأيضاً من اللصوص فمن ذا الذي سيسعى في ظلام الليل إلى سرقة سيّارات مفكّكة ومدفونة منذ عقود حتى أصبحت كتلاً من الحديد الصدئ. رغم تمنّعي عن الحراسة في كثيرٍ من المرّات إلا انني لم أواجه اية ّعقوبة خلال سنوات خدمتي التي قاربت الأربع سنوات لسببٍ بسيطٍ هو انني بعد بضعة مناوبات تحت إمرة الضابط المناوب المجنّد محمد الخضرا (وهو خرّيجٌ جامعيٌ) واكتشافه منذ اللّحظة الأولى لمحادثتنا انني لست بائع الخضار شبه الأميّ الذي أزعم, نمت بيننا صداقةٌ حقيقيةٌ وتوطدت مع مرور الأيام.
تخرّج الملازم محمد من كليّة العلوم في جامعة دمشق قبل إضطراره للإلتحاق بجيش التحرير الفلسطينيّ لأداء الخدمة الإلزامية. ورغم قرابته من قائد الجيش العميد طارق الخضرا إلا انه كان على خلقٍ عظيمٍ ونقاوة انسانية إضافةً إلى سعة معرفة وثقافة واقتصرت قرابته منه على تمكينه من الخدمة في قطعة عسكريّة مريحة. لم نكن نجرؤ على المحادثات الصريحة في الأمور السياسيّة لخوفنا المبرر من بعضنا البعض انما كنا كأغلب مثقّفي زماننا المقيمين في سوريا قد أتقنّا المحاورات الهامشيّة التي تشي بالشيء ولا تشي, عباراتٌ ومواقفٌ لا تجرّم ويمكن تقليبها في شتّى الأوجه, أحاديث تدور على تخوم النقد الأدبي والفلسفي وتنظر في نشوء الكون وسايكولوجيا الانسان ونظريات علم الإجتماع وكل ما لا يمتّ ظاهرياً إلى قطاع السياسة بصلة. واستشففت فيه نفس النقمة التي احملها انا على نظام البعث المستبدّ ونفس التوق إلى التحرّر من نير الطغيان والعبودية. صداقتي الناشئة مع الملازم محمد الخضرا وقرابته الواضحة من طارق الخضرا أوحت كما يبدو لزملائي المجندين وضبّاط الصفّ انني قد أكون “عواينيّاً” وساعدتهم انا بشكلٍ إيحائيٍ على تعزيز ظنونهم حين اكتشفتها. وقد أدركت ظنونهم تلك في المرّة الأولى التي صرخت فيها في عريف الحرس الذي أيقظني من نومي العميق:”حلّ عن ربّي! ما بدي أحرس. بكرا بلّغ عنّي!” ثم عدت إلى نومي ولم أتلقَ في اليوم التالي أية عقوبة. إنني إذن عواينيٌ خطيرٌ يتقى المجندّين شرّي وهذا يمنحني بعض النفوذ ويقيني شرّ ضباط الصفّ ورؤساء الحرس. كذلك ساعدت انطوائيتي وتفضيلي للكتب التي دائماً ما اصطحبها معي إلى المناوبة عن مسامرة الزملاء وتزجية الوقت بلعب “الشدّة” معهم على وصمي بالعجرفة كما ان عدم معرفة أي منهم لي رغم ان أغلبهم من أبناء جيلي ومن سكان مخيّمي “مخيم اليرموك“, بإعتباري عشت أغلب سنوات عمري في لبنان قد أضاف أيضاً غموضاً مريباً ورجّح كفّة ان أكون مزروعاً لمراقبتهم وهو ما ناسبني تماما.
يبدأ الدوام في الرحبة بالطابور الصباحي بعد ان تلمّنا سيارة المبيت من أماكن تجمّع معيّنة في مخيم اليرموك والتي كثيراً ما كنت أتأخرعن موعدها فأضطر إلى استئجار تكسياً تكلّف عشر ليرات من أصل خمسين ليرة هي كامل راتبي الشهري ( ما يعادل العشرة دولارات أمريكية) يضاف إليها مبلغ 190 ليرة ( 40 دولاراً ) بدل طعام كون الرحبة التي أعمل فيها لا تقدّم الطعام إسوةً بأغلب القطع العسكريّة. بعد الطابور الصباحي وعمليّة التفقّد اليوميّة عبر قراءة أسماء جميع المجندين لمعرفة من منهم لم يحضر تتمّ تحيّة العلم وصيحات ترديد شعار حزب البعث المعهود “أمة عربية وأحدة ذات رسالة خالدة” ثم ينصرف الجمع كلٌّ إلى عمله وترفع أسماء الغائبين إلى مكتب الذاتيّة لقيدها ومعاقبة أصحابها. ينعقد في نهاية اليوم عند الساعة الثالثة عصراً طابورٌ آخر ويجري تفقّدٌ آخر لمعرفة من من المجندين قد تسرّب دون إذن خلال الدوام, ثم نركب في صندوق سيارة المبيت من نوع “زيل” التي تعيدنا إلى مخيم اليرموك أما من كان يسكن منطقةً أخرى فكان عليه إستخدام وسائط النقل العام. كان ثمّة طابور أخر ينعقد مرةً واحدةً في الإسبوع وهو الطابور الخاص بإلقاء بالأمر الإسبوعي الصادر عن هيئة الأركان السوريّة على مسامعنا والذي يستمر حوالي نصف ساعة. وهو عبارة عن كلامٍ خشبيٍّ مكرّرٍ عن الصمود والتصدي والنضال القومي لا يستمّع إليه أحد انما يحرص الجميع على التصفيق بحرارة كلّما أتى القارئ على ذكر الرئيس القائد حافظ الأسد وهو عادةً ما كان يذكر أكثر من عشر مرات في تلك الصفحات الثلاثة أو الإثنتين وطيلة فترة خدمتي لم ألحظ شخصاً وأحداً يخفق في إختلاق الحماسة اثناء التصفيق أو يختصر مدته.
في جيش التحرير الفلسطينيّ , كما في الجيش العربيّ السوريّ لا وجود للزمن كقيمة متحولة او متغيّرة بل يكاد يكون ثابتاً ثبات الأمكنة. وحياة المجنّدين فيهما تشبه حياة المذيع في الفيلم الأمريكي “يوم السنجاب” الذي يجد بطله نفسه عالقاً في يومٍ زمني وحيد, فينهض من نومه كل صباح ليجد ان التاريخ في الروزنامة لم يتغيّر وانه يعيش أحداث اليوم السابق نفسها دون أدنى تغيير حتى بات يحفظ تلك الأحداث ومواقيتها ودقائق تفاصيلها عن ظهر قلب. هناك طبعا طائفةً من المجندّين المحظوظين, ولا أقصد هنا العلويّين منهم, والذين يفضلون العمل المجهد على النهارات البطيئة المتشابهة في القطع العسكريّة فيعمدون إلى دفع مبالغ ماليّة شهريّة لأحد الضبّاط او المساعدين على ان يتمّ التغطية على غيابه طوال فترة خدمته العسكريّة وهذه العمليّة ذائعة الصيت ويطلق عليها إسم “التفويج” وتتراوح تكاليفها بين 200$ و 400 $ حسب قدرة المجنّد الماليّة ومكان تواجد قطعته العسكريّة, فتفويج مجند يخدم في قطعة عسكريّة عاملة في لبنان يكلّف اكثر من تفويج مجندٍ في دمشق. وتختلف أسعار التفويج ايضاً بين مجندٍ يخدم في قطعة عسكريّة مقرّها في مدينته وآخر يخدم في محافظة تبعد خمس او ستّ ساعات عن منزله.
وتلك المبالغ المالية التي يتطلبها التفويج تعتبر مبالغ طائلة في سوريا حيث معدّل دخل الفرد فيها أقل من 100$ شهريّا (1100$ سنوياً) لذا فان المجنّدين المفوّجين هم إما من العوائل الغنيّة او من الكادحين الذين يفضّلون العمل في أشغالهم المدنيّة ليل نهار كالعبيد لسدّ نَهم الضابط او صفّ الضابط المفوِّج, على قيد الخدمة العسكريّة البغيض وانا لم أكن من الأولين ولا من الأخيرين وان كنت قابلت الكثيرين من الصنفين أثناء خدمتي وبعدها ومنهم أقرباءٌ لي أحدهم هو ابن عمتي (محمّد السيّد) الذي عمل أثناء تفويجه مع أخيه وأبيه في سوق الخضار المقام في في شارع فلسطين,مخيّم اليرموك بدءاً من الخامسة فجراً موعد التسوّق في سوق الهال الدمشقي وحتى الثامنة أو التاسعة مساءً دون توقّف ولقد اشترط عليه المساعد الذي تعهّد بتفويجه ان يملأ له ثلاجته من مختلف انواع الفاكهة والخضار بشكلٍ يوميّ فكان يبدأ نهاره بالتسوق في سوق الهال وجلب البضاعة إلى السوق في مخيّم اليرموك ثم ملء بضعة أكياسٍ ورقيّة من أفضل انواع السلع المتواجدة في السوق من “بسطته” وبسطتيّ أخيه وأبيه الذين كان يدفع لهما سعر التكلفة فقط دون أرباح, كذلك يشتريها من البسطات الأخرى المتواجدة في السوق ثم ينقلل تلك الأكياس إلى بيت المساعد المقيم أيضاً في مخيّم اليرموك قبل أن يعود إلى بسطته ليبدأ البيع والإسترزاق. ولقد بقي محمّد على هذه الحال طوال فترة خدمته العسكريّة (2003_2006) وكانت أرباحه اليوميّة تقتطف صباحاً من قبل المساعد حتى قبل ان يباشر عمله. ولقد كاد ان يفتضح أمره ذات مرّة حين توجّه إلى سوق الهال قبل الفجر كعادته في أيام التسوّق حامل كامل رأس_ماله المتكوّن من 50 ألف ليرة سورية ( ما يعادل 1000 دولارا حسب تداول عام 2005 ) فأوقفته إحدىالدوريّات الأمنيّة واعتقلته في أحد مقارها بسبب عدم حيازته لبطاقة هويّته (كونها تُسحب من المجندين طوال فترة الخدمة العسكريّة) وقد بقي والداه واقرباؤه يبحثون عنه لمدة اسبوعٍ كامل في المشافي والمشارح والمخافر قبل ان يكتشفوا “فرحين” انه قابعٌ في أحد فروع المخابرات ويتعرّض للتعذيب منذ لحظة أختفائه وليس مقتولاً من قبل أحد قطّاع الطرق بهدف سلبه المال الذي بحوزته. ثمن إطلاق سراحه كان طبعاً سلبه كامل المبلغ الذي بحوزته.
عشت إذن تكراراً يوميّاً لأحداث يومٍ لا يذهب أبدا. صحوٌ في السادسة والنصف صباحا ثم انتظار عربة المبيت الزيل التي تأخذنا إلى الدوام, في ساحة دوّار فلسطين عند السابعة والنصف أو الركض بعد موعدها بعشرة دقائق ومحاولة إيجاد تاكسي لتأخذني إلى جرمانا قبل موعد طابور التفقّد الصباحي في الثامنة. ثم أباريق الشاي والكلمات المتقاطعة وهي الجزء الوحيد في الجرائد السوريّة الذي يمكن إفتضاح أمره إذا ما قرّر رؤساء التحرير أعادة طبع نفس النسخة لبضعة أيام مع عدم تغيير أي شيءٍ فيها سوى تاريخها. فعودةٌ إلى المنزل عند الثالثة فتناول طعام الغداء ثم نوم القيلولة ثم سهرة لعب الورق حتى منتصف الليل (أو زيارة صديقتي والسهر عندها), ثم النوم بانتظار اليوم التالي.
بعد مرور أقلّ من شهرين على التحاقي بالخدمة العسكرية لم يتبقَ من راتبي الشهري الأخير الذي استلمته من حركة فتح ولو شروى نقير فبدأت بالإستدانة لشهرٍ آخر استلهكت خلاله كلّ المُدينين المحتملين وبدأت رحلتي مع الفقر المدقع والجوع الكافر واكتشاف حقيقة ان تعابير مثل رفاق الدرب و“أخوة التراب” والدم الواحد ليست سوى ثرثرةٍ وإطنابٍ لا طائل فيه. الشخص الوحيد الذي أمكننا عائلتي وانا الإعتماد عليه في تلك الظروف كان توفيق “المغربي” صاحب البقاليّة على ناصية حارتنا الذي كنّا نستدين من عنده كلّ حاجيّاتنا من المعلّبات والخضار وحتى علب السجائر. بل وكنّا أحياناً نضطر إلى إستدانة ثمن أوقية اللحمة التي سستستخدمها امي في الطبخ , كونه لا يبيع اللحمة في بقاليته. صارت صفحتنا في دفتر الإستدانة عنده من اضخم الصفحات وأطولها. علب لحمة, جبنة, لبنة, خيار, حلاوة الطحينة, بيض, بندورة, علب سردين, علب تونه, 5 ليرات (ثمن أوقية لحمة), 10 ليرات (ثمن أوقية قهوة), طحين, سكّر, ملح, مكنسة, مسحوق غسيل,مسحوق جلي, سيفة, ليفة, 10 ليرات (ثمن مازوت للتدفئة) 5 ليرات (كاز للبابور). كلّ ما قد يخطر على بالك من سلعٍ أو أثمانها. تجاوز رصيدنا عنده (أو بالأحرى رصيده عندنا) الآلاف من الليرات وصارت أية مبالغ يرميها في أيدينا حسن الطالع تذهب مباشرةً إلى صندوق حساباته لتسديد جزءِ منها. لم يبخل أبداً أو يذكّرنا ابداً بحجم الدين الكبير الذي صار له بذمّتنا وحين كانت والدتي تقول له:”إذا متُّ يوماً فان حقّك بذمّة أولادي وهم جميعا يعلمون بديوني“, يجيبها: يا خالة , إذا متِّ فأنت مسامحة بالدَين كلّه. هناك أيضاً شخصان آخران لا بد من ذكر أياديهم البيضاء عليّ وعلى اخوتي وهم أولا عمّي صلاح, بائع الخضار الكادح الذي كان بالكاد يقوم بأود اسرته الكبيرة والذي مدّني بمساعداتٍ ماليّة بين الفينة والأخرى, وامرأة شبه ميسورة جارةٌ لنا في حيّ المغاربة من آل الطيّب, كانت ملجانا الأخير حين نضطّر لسببٍ أو لآخر إلى استدانة مبلغٍ ماليٍ اكبر من المبالغ المتاحة لدى بقاليّة توفيق.
—————————————————–
بعد الهزيمتين المتتالتين للنظام البعثي في سوريا أمام إسرائيل عامي 1967 و1973 أدرك حافظ الأسد حدود قدراته وأيقن ان حرباً ثالثةً ستعني نهاية نظامه ولكنه, وقد بنى سلطته واستمدّ شرعيته من شعارات النضال والكفاح ومقاومة العدو الصهيوني, كونها الظهير الوحيد المتاح له ليس فقط بسبب إستيلائه على السلطة بقوة السلاح بل أيضاً لكونه من الطائفة العلويّة المكفَّرة عند أغلب أئمة السنّة الذين يشكّلون الغالبية السكانية في البلاد بينما لا تشكّل الطائفة العلوية أكثر من 10% منهم, فقد أدرك أن السلام أيضاً يتهدّد نظامه كما الحرب أو ربما أكثر قليلا. ولذلك فقد سعى منذ اليوم الأول لانقلاب الضبّاط العلويّين عام 1963 وتبوؤهم سدّة السلطة على إستمالة الفصائل الفلسطينيّة وتبنّي مشروعهم ومحاولة استيعابهم وامتطائهم. ثم ازدادت هذه علاقة النظام العلوي بالفصائل الفلسطينية شدةً بعد انقلاب شباط 1966 الذي تخلّص فيه الضبّاط العلويون من ميشيل عفلق وصلاح البيطار الذين شكّلا الواجهة المدنيّة للجنتهم العسكريّة الحاكمة الفعلية للبلاد, فقام حافظ الأسد بمنح عرفات ورفاقه مكاتباً ومعسكراتٍ للتدريب وسمح لهم بإقامة إذاعة خاصة بهم تبثّ من دمشق ومدّهم بالسلاح والعتاد وأمّن لهم القدرة اللوجستية لإستقبال الأسلحة السوفياتيّة والصينية التي بدأوا بشرائها بالأموال الكويتيّة ثم الخليجية ولاحقاً الليبيّة والعراقيّة.
كان الشرط الوحيد لحافظ الأسد هو ان لا يتمّ القيام بأي نشاط عسكريّ دون إطلاع أجهزته الأمنيّة عليها أولاً, وزيادةً في الأمان أوعز لقادة الجبهة الثوريّة لتحرير فلسطين والتي كانت أجهزة المخابرات السوريّة قد شكّلتها من ضبّاط فلسطينيّين في الجيش السوريّ بالإتحاد مع حركة فتح التي تحصّلت على شرعية ودعمٍ عربيّين لا يمكن ان تحصل عليه جبهته البعثيّة (وكان على رأس تلك الجبهة الضبّاط البعثيون يوسف عرابي ومحمد حشمة وأحمد جبريل). وقد وافقت حركة فتح على هذا الإتحاد نتيجةً للضغوط السوريّة انما لم يستمرّ شهر العسل طويلاً إذ حاول يوسف عرابي ومحمد حشمة الإستيلاء على التنظيم الذي انضما إليه, وإزاحة الأخرين عن قيادته. ولقد انتهى ذلك الصراع على السلطة بإغتيال كلٍّ من يوسف عرابي ومحمد حشمة في أيار وحزيران 1966 . بعد عملية الإغتيال, اعتقل النظام السوري ياسر عرفات ورفاقه بعد إتهامهم بالإعداد لذلك الإغتيال ثم أطلق سراحهم بعد بضعة أسابيع نتيجة ضغوطٍ عربية (جزائرية وكويتيّة على وجه الخصوص) عدا عبد المجيد الزغموط الذي نفّذ عمليتيّ الإغتيال فقد بقي في السجون السوريّة حتى وفاته عام 2001. إثر ذلك الصراع فكّكت الجبهة الثورية اتحادها مع حركة فتح وانضمّت إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ثم اشنقّت عنها واطلقت على نفسها اسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة, وبقيت على ولائها التام للنظام السوريّ حتى اليوم بقيادة احمد جبريل وقد عمد الإسد في نفس العام إلى تشكيل تنظيم فلسطيني مسلح آخر رديف اطلق عليه اسم “طلائع حرب التحرير الشعبيّة _ قوّات الصاعقة ” في محاولة لإغراق الساحة الفلسطينيّة بتنظيمات تابعة له .
ان الإمساك بالتنظيمات الفلسطينيّة يؤمن للنظام السوريّ ميزة تحكّمه بورقتي الحرب والسلام في المنطقة بهدف الإبقاء على الظروف الوحيدة التي يزدهر فيها ويستديم بقاؤه ألا وهي حالة اللاحرب_اللاسلم التي برع فيها وطبّقها على مدى عقود. إن حالة اللاحرب واللاسلم مع الإبقاء على شعار الصمود والتصدي كان لها فائدةٌ أخرى لحافظ الأسد لا يمكن إغفالها, فقد أمّنت له من دول الخليج (كونه دولة مواجهة مع “العدو الصهيوني“) دخلاً مالياً ضرورياً احتاجه لبناء حرسه الجمهوري وتنظيم سرايا الدفاع وتنظيم الإمام علي المرتضى الذين ترأسهما اخواه رفعت وجميل إضافةً إلى بناء العشرات من الأجهزة والأفرع الأمنيّة والشرطة السريّة الضروريّة لبقائه فهي تأتي كحزمةٍ وأحدة مع شعارات الكفاح والنضال فمن أفلت من هذه الأخيرة من السوريّين فانه بالتأكيد لن يفلت من الأولى. على مدى العقود الثلاثة والنصف التي تلت راوحت العلاقة بين الأسد وحركة فتح بين مدّ وجزر وتنقّلت ما بين خصامٍ ووئامٍ حسب تبدل المعطيات السياسيّة فقد كان عرفات كما الأسد براغماتياً ماهراً في اقتناص الفرص والتنقل بين عربات القطارات في شتى الإتجاهات.
في الحسابات السياسيّة, حقّقت عمليّة “سلامة الجليل” لإسرائيل عدة مكاسب أهمها إقرار م . ت . ف بالقرارين الدوليّين 242 و 338 وتجريد المنظّمة من قدراتها السياسيّة التي نتجت عن إمتلاكها للقرار السياسيّ لعاصمة عربية وسيطرتها على أكثر من نصف الجمهورية اللبنانيّة وإضعاف القوّة العسكريّة للمنظّمة مع الحفاظ على على حياتها بواسطة أجهزة الانعاش بهدف إشراكها بخطة ريغان التي أعلن عنها في واشنطن في اليوم التالي لخروج عرفات وقوّاته من بيروت والتي وافق عليها القادة العرب مباشرةً في قمّة فاس التي عقدت بعد خمسة ايام من إعلان خطة ريغان (خروج عرفات في 30 آب 1983 _ الإعلان عن خطّة ريغان 1 أيلول _ قمة فاس 6 أيلول). هذا على المستوى الفلسطينيّ اما على المستوى السوريّ فلم تكن إسرائيل راغبةً بتحقيق نصرٍ قاصمٍ على نظام الأسد الجار الموثوق الذي أحكم إغلاق كامل المساحة الحدودية معها في وجه كافة التنظيمات المسلحة الفلسطينيّة واللبنانيّة من حلفاء وأعداء على وجه السواء وضمن أمنها وسلامتها كبلطجيٍّ مرعب يتحاشى مثيري الشغب المرور من قربه. اما الضربات التي كان لا بدّ منها والتي وجهتها إسرائيل لطائراته ودباباته وشبكات صواريخه أثناء الإجتياح فقد كانت عمليات ثانوية ( ( Byproduct لا مفرّ منها بسبب تغلغل قوّات الأسد العاملة في لبنان في أغلب المناطق التي تتواجد فيها قوّات “الهدف” وقد حرص كلا الطرفين على حصر مناوشاتهما في المنطقة الجغرافية “ّالمحايدة” أي خارج الحدود السوريّة وضمن شروطٍ مخبرية تمنع تمددها.
على عادة النظام السوريّ التي درج عليها في تحويل الهزائم العسكريّة إلى انتصاراتٍ دعائية فقد ساهمت حرب سلامة الجليل في انتشال إعلامه من حمأة الصراع مع الداخل السنّي الممثل بالإخوان المسلمين والذي كاد ان يطيح به لولا حجم البطش والتغوّل التي واجهه بهما. وفي نفس الوقت بثت تلك الحرب الروح من جديد في شعاراته الخشبية عن المقاومة والتصدي للإمبريالية العالميّة والدفاع عن الأمة العربيّة وحقوق الشعب الفلسطينيّ المضطهد والمشرد. انما لم يكن ذلك كافياً لتعويض الخسائر العسكريّة والسياسيّة الضخمة في حسابات المجتمع الدولي القادم على ما يبدو على مرحلة صرف (Cashing) السندات التي تم تجميعها من قبل كافة الأطراف على طاولة مفاوضات سياسية أعلنتها خطة ريغان ووافق عليها الفلسطينيّون والغالبية العظمى من القادة العرب وكان على الأسد تجميع سنداته “القليلة” تحضيراً لجولة السلام التي تهدد كيانه كما قلنا مثلما تهدده الحرب.
لبنانياً, أوعز الأسد إلى حلفائه اللبنانيّين أو بالأحرى أطلق أياديهم في تفجير الهدوء النسبي بين الطوائف المتحاربة والذي فرضه الوجود العسكريّ الإسرائيلي في منطقتي الجبل وبيروت الكبرى حيث خطوط التماس التقليدية بين أطرافها. لم يمرّ في خلد وليد جنبلاط او نبيه بري زعيمي الطائفتين الدرزية والشيعيّة ومعهم الفصائل السنيّة الصغيرة (المرابطون والناصريون) التسليم بالانتصار الماروني الوهمي الذي نشأ عن إعتقاد القادة الموارنة ان بإمكانهم تجيير انتصار حليفهم الإسرائيلي إلى انتصارٍ خاصٍ بهم إلى ان فاجأتهم إسرائيل بعدم التعرض مطلقاً لأي من الطوائف الأخرى أوأسلحتها فأبقت على بناهم العسكريّة بل زوّدت بعضهم بالمزيد من الأسلحة وانشأت لهم في المناطق التي عانت من الفراغ الأمني بسبب انسحاب القوّات الفلسطينيّة منها, جيوشاً صغيرة للحفاظ على أمنها أسمتها “قوّات الدفاع الوطني” وانخرط فيها الفلسطينيّون كما اللبنانيون. ما ان انسحبت القوّات الإسرائيليّة إذن من جبل لبنان في 3 أيلول 1983 من طرفٍ وأحد ودون تسوية سياسية تضمن أمن المناطق المحتلة بعد الانسحاب, تلك التسوية التي تعذّرت بسبب رفض النظام السوريّ سحب قوّاته من لبنان بالتزامن مع الانسحاب الإسرائيلي, حتى استحضر الموارنة والدروز كلّ ثارات “إمارة جبل لبنان” من القرن الثامن عشر وانقضوّا على بعضهم البعض وأغلوا قتلا وتذبيحاً وسفكاً عشوائيا لدماء بعضهما البعض في كافة قرى الجبل المتداخلة. وآزر الموارنة بقيّة الطوائف من مسيحيّي لبنان وكذلك الألوية المسيحية من الجيش اللبناني. كما أمنت لهم أحياناً القوى المتعددة الجنسية المتواجدة في بيروت وبحرها أغطيةً نارية وشاركت في الحرب إلى جانبهم بطائراتها الحربية أحياناً أخرى, خصوصاً عندما شارفت بلدة سوق الغرب, الجبهة الرئيسة والمطلّة على معاقل المسيحيّين في بيروت, على السقوط.
اما الدروز فقد ساندتهم المنظّمات المسلحة الفلسطينيّة الموالية لسوريا وأمدّهم حافظ الأسد بالسلاح بينما تكفّل معمّر القذافي بالمال وازدات وتيرة المعركة شدّة وتوسّعاً وتضخمت أعداد الضحايا من الطرفين حتى بلغت الآلاف من أهالي القرى من كلا الطائفتين. كانت الطوائف اللبنانيّة تتناتش لحوم ابناء بعضها البعض بحكم العادة أو كما ذكر وليد جنبلاط على فضائية الجزيرة :”هم غزو ونحن غزونا“, بينما عينا حافظ الأسد تتجه نحو العاصمة بيروت التي طمح إلى ضمّ قرارها السياسيّ إلى جعبته التي سيصطحبها إلى المفاوضات الدولية الموعودة إذا ما جرت.
على صعيد الصراع الأسدي_العرفاتي و“صك” القرار الفلسطينيّ, استشعرت أجهزة الأسد الأمنيّة درجة الوهن العسكريّ والسياسيّ لمنظّمة التحرير التي نجمت عن هزيمتها العسكريّة وتجريد كيانها من البعد الجغرافي الذي كانت قد إكتسبته في لبنان بعد ان أصبحت بقيّة قوّاتها العسكريّة المتواجدة في البقاع وطرابلس مجرد جزائر في بحرٍ من القوّات السوريّة والفصائل العسكريّة الفلسطينيّة واللبنانيّة التابعة والدائرة في فلك الأسد. ورغم ان عرفات قد قام بنقل أمواله وإداراته وأجهزته اللوجستيّة إلى تونس إلا انه لم يكن باستطاعته التخلّي بسهولة عن مكاتبه الموجودة في دمشق والتي تمتاز بقربها من أماكن تواجد مسلّحيه المتبقين في لبنان, أما دمشق فقد حدّدت سعرها مقابل إستمرارها بدعم “الأشقاء“ الفلسطينيّين وهو موافقة عرفات على “مشاركة” قراره السياسيّ مع حافظ الأسد وعدم الدخول في أية تسوية سياسية لا يوافق عليها الآخير مسبقاً اي ان المشاركة عند الأسد تعني المصادرة. إن الثمن الذي طلبه الأسد إذن لا يقلّ عن وضع عرفات في حقيبة سفره مع بقيّة الأوراق ولم يبدُ ان عرفات مستعدٌّ لدفع ذلك الثمن, حتّى ان أضطره الأمر إلى خوض معركةٍ جديدة.
دائماً ما وفّرت حالات الصراع على المناصب والنفوذ والثروات بين كبار ضبّاط حركة فتح الظروف المناسبة لتغلغل أجهزة المخابرات العربيّة فيها, خصوصاً منها الأجهزة السوريّة واللبنانيّة والأردنيّة والعراقية والليبيّة وهي الدول المعنيّة مباشرة “بالإستثمارات” الوطنيّة وأضيف إلى قمّة هرمها في العقود الثلاثة إيران. وكما كان الحال دائماً في كلّ التجاذبات السياسيّة السابقة التي وجدت من يغذّيها وينفخ فيها ويستثمر أمواله في أطرافها, فان التململ الفتحاوي الذي بدأ قُبيل الخروج من بيروت وكان على رأسه نمر صالح (أبو صالح) الذي حملت مواقفه السياسية تغايراً وعدم إنسجام مع موقف عرفات ومواقف وأغلبيّة أعضاء اللجنة المركزيّة لحركة فتح أثناء المفاوضات مع فيليب حبيب, والتي أفضت إلى خروج المقاتلين المحاصرين عبر البحر إضافة إلى بعض التنازلات السياسيّة التي سبق ذكرها, مما جعل عرفات يأمر بتجميد مشاركة أبو صالح في إجتماعات اللجنة المركزيّة التي هو عضوٌ فيها. المسألة الثانية التي أجّجت حالة التململ بين الضبّاط المتمردين وأبرزهم هم العقيد سعيد مراغة (أبو موسى) وسميح أبوكويك (قدري) وموسى العملة (أبو خالد) والمقدّم واصف عريقات والياس شوفاني ومهدي بسيسو ومحمود عيسى (أبو عيسى) وجميعهم كانوا أعضاءً في المجلس الثوري لفتح الذي تنبثق عنه اللجنة المركزيّة التي تقبع على رأس الهرم التنظيميّ, كان مسألة التعيينات العسكريّة التي رأوا فيها إجحافاً بحقّهم وعلى وجه التحديد منها تعيين كلّ من الحاج اسماعيل جبر وغازي عطالله (أبو هاجم) على رأس قيادة القوّات العسكريّة في كلّ من الشمال والبقاع على التوالي. كانت غالبية القوّات العسكريّة التابعة لمنظّمة التحرير والمتبقيّة في لبنان تقبع في وادي البقاع اللبناني تحت سيطرة غازي كنعان رئيس جهاز المخابرات السوريّة في لبنان والحاكم بأمره فيها والمسيّر الحقيقيّ لأغلب الفصائل العسكريّة “اليسارية” الفلسطينيّة واللبنانيّة بإستثناء جبهة التحرير العربيّة التابعة لمخابرات صدام حسين والتي سارت في طريق الزوال بعد الإجتياح واقتيد من تبقى من عناصرها وكوادرها في لبنان إلى سجون المخابرات السوريّة.
ان استثناء عرفات وحركة فتح من الهيمنة السوريّة والقذّافيّة مرده إلى حجم الشرعية التي استمدها عرفات من المجتمعَين الدولي والعربيّ إضافة إلى ضخامة حجم الأموال التي تزوّده بها دول الخليج العربيّ كونه قائداً لأكبر فصيل فلسطينيّ من حيث تعداد مقاتليه وحجم شعبيّته بين الفلسطينيّين. التقط غازي كنعان حالة التململ تلك ونفخ فيها وأوحى إلى قاداتها المقيمين جميعا في مناطق سيطرته إنْ في البقاع او داخل العاصمة دمشق ان وقت التغيير قد حان وان سوريا لم تعد ترغب في رؤية عرفات على رأس السلطة في المنظّمة وهي بالتالي مستعدةً لدعم حركتهم حتى النهاية المأمولة. في نفس الوقت جرت إتصالات سرية بين الأسد والعقيد القذافي الذي وافق كعادته على دعم “الثورة” المستجدّة بالمال اللازم والكافي لمواجهة عرفات عسكريّاً وعلى المستوى الشعبي.
إلتقط كبار الضبّاط المستاؤون الإشارة السوريّة – الليبيّة واكتسبوا منها جرأة في التعبير عن استيائهم علنا عبر بياناتٍ مطبوعةٍ ومعدّةٍ للتدوال التداخلي بين كوادر وعناصر قطعات فتح العسكريّة أو مذكّرات موجهّة إلى القيادة مباشرةً يطالبون فيها بعدة أمور على رأسها عزل اسماعيل جبر وغازي عطالله من منصبيهما ومحاكمتهما بتهمة الفرار من ساحة المعركة أبان الإجتياح, وإعادة القوّات الفلسطينية المنتشرة في البلدان العربيّة إلى لبنان (وهو ما يعني عملياً نقلها إلى مواقع السيطرة الأسدية) وإعلان رفض خطّة ريغان وقرارات قمّة فاس العربيّة. قد تبدو هذه المطالب ثوريةً ومحقّة خصوصا انها صادرة عن مجموعة من الضبّاط المعروفين بتوجهاتهم اليسارية والماركسيّة لكنها في الحقيقة لم تكن سوى تخريجٍ دراميٍّ لتململ مناطقي قام به تجمّع ضبّاط منحدرين من مدن وبلدات الضفّة الغربيّة وعلى رأسها مدينة الخليل التي يمثّل الضبّاط المنحدرين منها أغلبيّة الكوادر المنتمين لحركة التمرّد الناشئة , في مواجهة هيمنة مناطقية أخرى تمثّلت بسيطرة ذوي الأصول الغزّاوية على المناصب العسكريّة والمقدرات الماليّة للحركة. إضافة إلى طموحات كبار الضبّاط الذين شعروا بالغبن بسبب إستثنائهم من تعييناتٍ رأوا انهم كانوا يستحقونها وكانت اللّحظة السياسيّة موآتية والفرصة التمويلية سانحة فعملوا على اقتناصهما.
هذان العاملان, اللّحظة والفرصة هما اللذان حدّدا دائما كمّ ونوع وإيديولوجيا جميع التنظيمات والفصائل المسلحة الفلسطينيّة (واللبنانيّة) وانشقاقاتها العديدة عن بعضها البعض, ومهما قيل عكس ذلك أو حاول المتفزلكون تغليف المصالح الشخصيّة بشعاراتٍ سياسيةٍ برّاقة أو رومانسيةٍ ثوريّة زائفة. إذ ليس من المهم أية أيديولوجيا يعتنق التنظيم المسلّح ولا ماهية الشعارات التي يرفعها ولا ألوان الراياتٍ التي يستظلّها, فان صاحب القرار الحقيقيّ هو الجهة التي تزوّده بالمال ليدفع ثمن أسلحته ورواتب مقاتليه ويبقي شيئاً منه في أرصدة زعمائه كأرباحٍ “نضالية”.
في العقد الثاني من عمرك لا تستطيع إدراك هذا الذي جاء في الفقرات السابقة مهما امتلكت من أدواتٍ تحليلية وقدراتٍ إستشفافيّة إذ تبقى تعوزك الخبرات التي تزوّدك بالمعلومات الحقيقيّة لا تلك التي تقرأها في الكتب أو تشاهدها أو تستمع إليها في نشرات الأخبار والتحليلات السياسيّة التي تحمل أجندتها الخاصة بها وتعمل هي الأخرى لصالح مموّليها. في أواخر الربع الأوّل من العام 1983 أنهى زملائي في الدورة البحريّة الثانية دراستهم وحضروا إلى سوريا عبر مطار دمشق وتوزّعوا على فنادق العاصمة بانتظار ما تؤول إليه الأمور في مسألة الانقسامات الداخليّة حيث كانوا في حالة قلقٍ وجوديٍ على مستقبلهم الوظيفي باعتبار ان المؤسّسة العسكريّة التي ارتبطوا بها بدت في طريقها إلى الزوال ككيان سياسي بعد ان زالت تقريباً ككيان جغرافي. كانت حالة التمرّد في أوجها واصطف أفراد دورتي وأنا ومعنا ضبّاط الدورة البحريّة الأولى الذين كانوا متموضعين في معسكر البحريّة في مدينة اللاذقيّة في طابورين سياسيّين كبقيّة ضبّاط الحركة وكوادرها. وكان محور هذه الإصطفافات وبوصلتها هو الإنتماء الأيديولوجي وغريزة القطيع ورغم ان أغلبنا آمن بضرورة الإصلاح الإداريّ والتنظيميّ ودافع بحماسة الشباب عن ضرورة التراجع عن إعلان الموافقة على قرارات الأمم المتّحدة 242 و338 وكذلك عن وجوب إعلان رفضٍ حازمٍ لخطّة ريغان التصفويّة. إلا ان ذلك لم يمنع الإنحيازات من التشكّل بالزبط حسب التمحور السابق الذي ساد بيننا أثناء فترة وجودنا في الباكستان وتلخّص بكتلتين أولاهما عصابة الأربع ومداهنيهم الذين جدّدوا ولاءهم للقيادة “التاريخيّة” للحركة والأخرى المعترضين على سياساتهم والمجابهين لهم وكنت انا من الكتلة الأخيرة وفيها الضبّاط ذوي الميول اليساريّة وهم قلّة. وكنّا نميل إلى تيّار “المنتفضين” حسب الإسم الذي أطلقوه على انفسهم, لكن تلك الميول والولاءات اقتصرت على المواقف المعلنّة في النقاشات السياسيّة الدائرة ليل نهار ولم تتطور إلى مرحلة الانخراط المباشر في الصراع الدائر إلّا في حالاتٍ قليلة أبرزها حالة الزميل عادل خليل وهو من أعضاء الدورة البحريّة الثالثة الماركسيّين وكانت عائلته تقطن في محيط مدينة دمشق وهو نجل أحد الضبّاط العاملين في قطاع المتمرّدين.
أواخر نيسان وبداية أيار 1983 بدأت الإحتكاكات العسكرية بين المتمرّدين والموالين تتفاقم وقام المتمردين بإقتحام عدّة مواقع عسكريّة موالية في البقاع وسيطروا عليها كما سيطروا أيضاً على 7 مبانٍ تابعة للحركة وتقع في مخيم اليرموك ومدينة دمشق دون أي اعتراض من قبل الحراس السوريّين التابعين لفرع فلسطين عليها. وفي نفس الوقت أرسل عرفات في طلب كلٍّ من فهد القواسمة ومحمد ملحم رئيسيّ بلديتيّ الخليل وحلحول في الضفّة الغربيّة واجتمع بهما في تونس في العاشر من أيّار في محاولةٍ لرفع شعبيّته بين الضبّاط من أهل تلك المدن وقراها إضافةً إلى إستخدام مرجعيّتهما التمثيليّة للتأثير على توجّهات خصومه ولكن محاولته تلك باءت بالفشل.
راح عرفات ومعاونوه يجوبون المشرق والمغرب في محاولة مستميتة لحشد جبهة سياسية عربية ودولية ضاغطة على النظام السوريّ علّها تفلح في لجمه والتخفيف من حدّة طموحاته وبدأ تقاطر الوفود والمبعوثين والوساطات والرسائل والمناشدات إلى دمشق من روسيا والهند و فرنسا وتشيكوسلوفاكيا ويوغوسلافيا و السعودية والبحرين والجزائر و اليمنين واليابان وكوبا والنمسا وحتى موريتانيا!. ولكن كلّ تلك الوساطات والمناشدات والضغوطات لم تفلح في ثني الأسد عن قضم اللقمة السائغة التي بدت عليها منظّمة التحرير الفلسطينيّة في تلك المرحلة. قامت بعض هذه الوساطات طبعا بالتوجّه إلى ليبيا باعتبار القذافي هو المموّل لحركة التمرّد ولكن التركيز بقي على دمشق كونها بيضة القبّان في مشروع السيطرة على القرار الفلسطينيّ وبلغت حدّة المواجهات بين النظام السوريّ وعرفات ان عبدالحليم خدام أعلن للصحفيّين بعد إجتماع مع القدومي جرى في 31 أيار:”ان سوريا ترى ان نصف أعضاء اللجنة المركزيّة والمجلس الثوري لحركة فتح يجب ان يكونوا من ممثلي المعارضة من الان فصاعداً“. ذلك عنى ان اقلّ ما يمكن ان تقبل به سوريا كتسوية هو نصف القرار الفلسطينيّ ان عجزت عن ابتلاعه كلّه.
تبع تصريح خدام هذا اندلاع إشتباكاتٍ طاحنة بين الفريقين الفتحاويّين في البقاع وبدأت الصحف السوريّة بشنّ حملةٍ واسعة وممنهجة على عرفات مؤكدّةً “انحرافه” عن الخطّ الوطني وإذعانه للمخططات الأمريكية “المشبوهةّ“. وبلغ التصعيد السياسيّ السوريّ ذروته صباح 24 حزيران 1983 حين أرسل العماد حكمت الشهابي رئيس هيئة الأركان أحد ضبّاطه إلى مقرّ عرفات في دمشق ومعه رسالة تطلب منه مغادرة الأراضي السوريّة قبل الساعة الواحدة ظهراً من نفس اليوم. وقد شمل قرار الطرد نائبه خليل الوزير(أبو جهاد) وطال ايضا الأراضي اللبناني التي تضمّنها القرار إلذي نصّ على منعهما من دخول الأراضي السوريّة وكافة الأراضي التي يتواجد عليها الجيش العربيّ السوريّ. بعد تكشّف الانخراط المخابراتي السوريّ في “انتفاضة” يساريّي الحركة والذي توّج بقرار الطرد هذا المنتفضون أغلبيّة المتعاطفين معهم من الكوادر العسكريّة والسياسيّة ولم يتبق معهم سوى المفرطين في السذاجة السياسيّة والمنتفعين والمتحزبين لهم على أساسٍ مناطقيّ اما من ضبّاط القوّة البحريّة فقد انضم إلى صفوفهم بضعة ضبّاط من الدورة الأولى في الباكستان أبرزهم النقيب بحري يوسف عمر (وهو من مدينة الخليل) وضابط آخر من آل أبو مرزوق قتل لاحقاً في غارة جويّة إسرائيليّة على أحد المواقع العسكريّة في البقاع, كما انضم إليهم من الدورة الثالثة زميلنا علي الخليل, اما الدورة الثانية فقد خلت كليّا من المتعاطفين معهم حتى اولئك الشيوعيّين المتشدّدين أمثالي وأمثال صديقي جمال لافي.
منذ الأيام الأولى للتمرّد وحتى لحظة قرار الطرد ولعدة أسابيع تلته لم تكن المخابرات السوريّة قد حدّدت بعد انتماءات وخيارات أغلبيّة الضبّاط الفتحاوين على أراضيها مما ترك لهم باب السفر عبر مطار دمشق والمعابر الحدودية مع لبنان مفتوحاً وبدأ الضبّاط الموالون في التسرب في كلّ الإتجاهات فمنهم من غادر إلى لبنان ليستقرّ في مدينة طرابلس اومنطقة البقاع ومنهم من ارتحل عبر المطار إلى تونس والجزائر واليمن وبقيّة الدول التي تتواجد بها القوّات العسكريّة وكان الخيار الأفضل والمتاح فقط للمقربين من القيادات, لأسبابٍ كثيرة اجتماعية وبيئيّة وتنظيمية هو تونس (التي استقرت أغلب القيادات العليا فيها). اما بالنسبة لضبّاط البحريّة بالتحديد فقد كان الخيار الوحيد المتاح هو مدينة الحُديدة اليمنيّة حيث أقيم معسكرهم الرئيس ومنحوا مساكن عائليّة في محيطه ومن هناك منح البعض منهم فرصاً للإلتحاق بدوراتٍ تدريبيّة في الكليّة البحريّة المدنيّة التابعة لجامعة الدول العربيّة والتي كانت قد انشأت أساساً في مصر ثم تمّ نقل مقرّها إلى دولة الإمارات العربيّة المتّحدة إثر زيارة السادات لإسرائيل التي ادّت طرد مصر من الجامعة العربيّة وعزلها بشكلٍ كامل عن النشاطات السياسيّة والدبلوماسية العربيّة العلنيّة. ولقد التحق بتلك الدورات ودوراتٌ أخرى أجريت في الباكستان العديد من الضبّاط البحريّين وتحوّل بعضهم إلى ضبّاط ملاحة مدنيّة وعملوا على سفنٍ بحرية مملوكة لصناديق استثماراتٍ سريّة تابعة للحركة.
مع تصاعد حدة الإشتباكات في البقاع واحتدام معركة كسر العظم بين المنشقين والموالين أمر غازي كنعان في 23 أيلول 1983 قادة القوّات الموالية لعرفات بمغادرة منطقة البقاع تحت طائلة حملهم على المغادرة بالقوّة العسكريّة وبدأت هذه القوّات البالغ عددها نحو 4000 عنصراً بالتوجه تدريجياً إلى المدينة الشماليّة الساحلية التي كان الجيش السوريّ على وشك الانسحاب منها بفعل الضربات والكمائن العسكريّة اليومية التي تعرضت لها عرباته من قبل حركة التوحيد وبقيّة التنظيمات السنيّة الأصولية على خلفية معارك النظام مع جماعة الإخوان المسلمين داخل سوريا. في تلك الفترة كان أغلب الضبّاط والكوادر الفتحاويين لا يزالون يتمتعون بحريّة الحركة من وإلى سوريا بإعتبار ان الخيارات لم تحسم بعد وكانت القطاعات العسكريّة كثيرا ما تشهد تنقلات الضبّاط بين الفئتين, ولكنني شخصيّاً كنت محروماً من تلك القدرة بسبب الخدمة العسكريّة مما جعلني أرسل والدتي إلى طرابلس للقاء أبو جهاد وتقديم طلبٍ بتسليمي رواتبي المنقطعة منذ تاريخ إلتحاقي بالخدمة الإلزامية وقد ساعدها على تأمين لقائه ابن عمي النقيب زيد أبو العلا الذي كان قد التحق بالقوّات هناك ولكن زيارة الوالدة تلك لم تسفر سوى عن 50 دولاراً منحها لها أبو جهاد ولكنها رفضت إستلامها وابلغته ان عائلة روبين أبو العلا لا تشحذ منه انما تطالب بحقها في العيش بكرامة ثم غادرت عائدةً إلى مخيم اليرموك.
ان الإنذارات التي وجّهها النظام السوريّ إلى القوّات الموالية لعرفات بضرورة إخلاء منطقة البقاع والانسحاب إلى مدينة طرابلس هدف منها انقاذ نفسه من معركة قادمة يضطر فيها الموالون لعرفات المحاصرون في البقاع إلى القتال حتى الموت. إذ كان لمثل هذا السيناريو أن يسفر عن حربٍ يسقط جرّاؤها من الضحايا من كلا الطرفين عددٌ أكبر من ان يستطيع تحمّل مسؤوليته لذا فقد عمل على ترتيب خشبة المسرح للحرب القادمة بعنايةٍ تامّة بحيث تجري في المدينة الساحلية المحاصرة مسبقاً من ثلاث إتجاهات إحداها البحر المتوسط من إتجاه الغرب اما الشرق والجنوب فمغلقان تماماً من قبل القوّات المسيحيّة خصم الفلسطينيّين خلال سنوات الحرب الأهليّة ولا يحتاج السوريّون سوى إلى إغلاق الممر الشمالي الواقع تحت سيطرتهم ليتم خنق هذه تلك المدينة بشكلٍ كامل. كما ان وجود ميناء في المدينة عنى ان القتال لن يكون طويلاً إذ يكفي انهاك القوّات إلى الحدّ المطلوب ليتمّ استدعاء الأساطيل نفسها التي أخرجتهم من بيروت قبل بضعة أشهر لتقوم بإخراجهم مرّةً ثانية لتصبح الساحة اللبنانيّة ملعباً حصريّاً للأسد وحلفائه من الفلسطينيّين واللبنانيّين. تعلّم الأسد هذا الدرس من الإسرائيليّين وبدا واضحاً انه بصدد تكرار حصار بيروت في طرابلس ولم يكن أمام القوّات الفلسطينيّة في البقاع إلا الانصياع للتهديدات السوريّة والانسحاب نحو الشمال إذ ان قوّاتهم بأكملها كانت مجمّعةً في جيبٍ ضيّق ومحاصرة من جميع الجهات ولإن كان بإمكانها مشاغلة المنشقين وحلفائهم في منظمّتي القيادة العامّة والصاعقة فانها كانت بالتأكيد عاجزةً عن مجابهة عشرات الالاف من جنود جيش الأسد وترسانتهم العسكريّة خصوصا وان القوّات الفلسطينيّة كانت قد خسرت أغلب قدراتها التسلّحيّة خلال الإجتياح وتركت وراءها في بيروت كلّ الآليات والمدافع والصواريخ وخرجت عاريةً إلّا من البنادق الفرديّة حسب ما نصّ عليه إتفاق الخروج.
ان القيمة السياسيّة لمدينة طرابلس في تلك اللّحظة الزمنيّة كانت أكبر من تلك التي امتلكتها بيروت باعتبار ان خسارة طرابلس ستعني خسارة كلّ لبنان بينما لم يكن الخروج من بيروت سوى هزيمة جزئيّة إذ بقي الآلاف من مقاتلي المنظّمة متواجدين في البقاع والشمال. ولم تمض بضعة أشهر حتى بدأت القيادات بالعودة تدريجياً إلى لبنان لترَؤس قواته العسكرية المتجمّعة في المدينة وكان بين العائدين ياسر عرفات وخليل الوزير. وقد أعلن عرفات أكثر من مرّة أمام الصحفيّين عن إستعداده لإستجلاب بقيّة القوّات العسكريّة الفلسطينية الموزّعة في عدة بلدان عربية إلى لبنان حين تسمح الظروف قاصداً طبعا حين توافق دمشق على مرورهم عبر أراضيها, لمتابعة المعركة ضدّ العدو الصهيوني. لكن تلك التصريحات كانت معدّة للإستهلاك المحليّ فقد كان عرفات يعلم تماما ان دمشق الأسد قد قرّرت توجيه الضربة القاضية له وان الأهميّة الكبيرة لتلك المعركة الفاصلة اقتضت حضوره شخصيّاً ليكون على رأس قوّاته تثبيتاً لشعبيّته ورفعاً للمعنويّات إضافةً إلى تحشيد الرأي العام العربيّ والدولي معه, فعاد بحراً بتاريخ 20 أيلول 1983 ولم يتعرّض له الإسرائيليّون رغم ان عودته كانت شبه علنيّة بل ان إحدىالمحطات الإذاعية (راديو مونتي كارلو) كانت قد أعلنت في نشرتها الإخبارية صباح ذلك اليوم نقلاً عن مسؤولٍ سوريّ لم تذكر اسمه ان عرفات قد شوهد في قبرص ويرجّح ان يكون متوجهاً إلى طرابلس بحراً. ليس هذا فحسب بل ان البحريّة السوريّة نفسها كانت ترابط مقابل المياه الإقليميّة الطرابلسيّة منذ شهر تمّوز فارضةً حصاراً بحرياً على المدينة المتمرّدة والأرجح أنّ حصانة عرفات الدوليّة بصفته رجل التسويّة القادمة جعلت منه شخصيةً لا يستطيع الأسد إزدرادها وان كان يستطيع تحجيمها فإن تجريده من أوراق اللعبة على يد حافظ الأسد كان يتناغم مع الهوى الأمريكي والإسرائيليّ ويسهّل عليهم مشروعهما إذ أن المزيد من الضغوطات على الشريك القادم في مفاوضات التسويّة لن تضيرهما.
عند وصول عرفات إلى المدينة كان قد مضى على انسحاب الجيش السوريّ منها حوالي الشهرين واكتظّت المدينة ومخيماها نهر البارد والبداوي بآلاف المقاتلين الفلسطينيّن ومعهم بضعة مئات من مسلحي حركة التوحيد الإسلامي ومنظّمات أصولية صغيرة أخرى. وكانت سفن الأسلحة الألمانية والصواريخ الكورية قد أفرغت حمولاته في ميناء طرابلس الضّيق بعد استحداث رصيفٍ خاصٍ لها على عجل. استقرّ عرفات بجانب كبار ضبّاطه في حيّي الميناء والزاهرة وأحياء أخرى داخل مدينة طرابلس بينما انتشر صغار الضبّاط في مخيميّ نهر البارد والبداوي مع جنودهم. بعد تهيؤ جميع الأطراف ظهر طارق الخضرا رئيس جيش التحرير الفلسطينيّ التابع للنظام السوريّ على التلفزيون السوريّ في 17 تشرين الأول 1983 قارئاً ما دعاه بالبيان الأول واعلن فيه الانقلاب على “الخائن” ياسر عرفات وبدء معركة القضاء عليه وعلى اتباعه بهدف انشاء منظّمة تحرير جديدة واندلعت بعدها المعارك الطاحنة بمشاركة جيش التحرير الفلسطينيّ بكامل قواه العسكريّة.
ومن غريب الصدف انني كنت أحد الجنود العشرة في الرحبة الذين أرسلت قوائم بأسمائهم للذهاب إلى مستودعات الأسلحة التابعة للجيش السوري للمشاركة في تحميل عربات الزيل والتاترا الضخمة بالعتاد المرسل إلى قوات جيش التحرير الفلسطيني في طرابلس بُعيد اشتعال المعارك, وقد صدف ان قريباً لي من آل بهيج كان يؤدّي خدمته الإلزامية كسائقٍ لعربة زيل كان قد قتل منذ يومين إثر حادث سير وقع على طريق دمشق – حمص أثناء توجّهه إلى مدينة طرابلس فأحضرتُ ورقة نعوته (كما هو متّبع) إلى قائد القطعة في صباح اليوم المفترض ان أذهب فيه إلى المستودعات, طالباً إعفائي من هذه المهمّة والسماح لي بإجازة للمشاركة في دفن الشهيد وهو ما تمّ الموافقة عليه فنجوت شخصيّاً من إثم تحميل القذائف التي سترمى على فلسطينيّي شمال لبنان انما لم يمنع ذلك سقوطها.
عدا الجبهتين الديموقراطية والشعبيّة, شاركت جميع الفصائل الفلسطينيّة الموالية لسوريا (أو ما يعرف بالفصائل العشرة) في المعركة إلى جانب الجيش السوريّ الممثّل بجيش التحرير الفلسطينيّ الذي ما هو في الحقيقة ليس سوى فرقةٍ عسكريّة سورية تعمل تحت اسم فلسطينيّ واستخدمت فيها جميع الأسلحة الثقيلة التي انصبّت حّممها على مدينة طرابلس ومخيميها صغيريّ الحجم. سريعاً ما سقط مخيم نهر البارد في أيدي القوات المهاجمة في الخامس من تشرين الثاني ولحقه مخيّم البداوي بعد اسبوعين, فيما تموضع القادة والقوّات المنسحبة داخل أزقّة المدينة متحصّنين بمبانيها وأهلها متبّعين نفس التكتيك الذي إتّبع في بيروت.
إثر سقوط مخيم نهر البارد صعّدت الدول العربيّة المناهضة للهجوم من ضغوطاتها على سوريا وارسلت كل من السعودية والجزائر والكويت واليمنين الشمالي والجنوبي وزراء خارجيتهم إلى دمشق وأفلحوا في التوصل إلى وقفٍ لإطلاق النار لم يصمد طويلاً. بعد تحصّن القوّات الفلسطينيّة الموالية داخل المدينة وصلت الظروف القتالية إلى حالة الستاتيكو بعدم تمكّن أي من الطرفين من التقدم في المجال الجغرافي للآخر واقتصرت الحرب على تبادل رشقات الصواريخ والمدفعية والرشاشات الثقيلة على المحاور القتالية واصبح المجال مفتوحاً للمبادرات السياسيّة واهمها كانت المبادرة الفرنسية التي تضمّنت خروج القوّات الفلسطينيّة بحراً بحراسة السفن الحربية الفرنسية وقد تمّ أخذ الضمانات الإسرائيليّة وصرّح انذاك رئيس وزراء إسرائيل اسحاق شامير ان اسرائيل تعارض مبدئيّاً خروج عرفات لكنها لن تتصدى له فاستأجرت خمس سفن يونانية اتجهت نحو ميناء طرابلس بحراسة حاملة الطائرات الفرنسية ” كليمنصو” ترافقها ثلاثة طراداتٍ حربية وجرى ترحيل عرفات ورجاله البالغ عددهم 4700 مقاتل وضابط وانتهت العمليّة بتاريخ 20 كانون الأوّل 1983.
———————————————————
بينما انغمس الأسد في العمل على طرد خصمه السياسيّ الأكبر من لبنان بهدف الإستئثار بكافّة الأوراق اللبنانيّة تهيّأ خصمٌ جديدٌ أشدّ وأدهى وفائق الثراء لإمتلاك اللعبة كلّها في لبنان وفلسطين ودولٍ عربية أخرى اوّلها سوريا. في 23 تشرين الثاني 1983 فجّر انتحاريان يقودان شاحنتين مفخّختين نفسيهما في مقريّ قيادة الوحدتين الأمريكية والفرنسية وأدّى الإنفجاران إلى مقتل 144 أمريكيّاً و32 فرنسياً وجرح أكثر من 200 فرداً من كلا الجنسيّتين في واحدة من أقسى الضربات التي تلقاها البلدين منذ الحرب العالميّة الثانية. بعد بضعة أيام من تاريخ هذين التفجيرين تبنّى تنظيم الجهاد الإسلامي تفجيراً انتحاريّاً ثالثاً طال مقرّ المخابرات الإسرائيليّة في صور قاتلاً 29 جنديّاً إسرائيلياً ومعهم 75 مدنياً من المعتقلين الفلسطينيّين واللبنانيّين. هذا التنظيم نفسه كان قد تبنّى قبل عام التفجير الإنتحاري الذي استهدف مقر القوّات الإسرائيليّة في 11 تشرين الثاني 1982 وأدّى إلى مقتل أكثر من مائة إسرائيلي بين جنودٍ وضبّاط وكان ذلك التفجير هو الأوّل من نوعه وفاتحةً لإسلوبٍ جديدٍ من القتال ستتبنّاه لاحقاً الكثير من التنظيمات المحليّة والدوليّة.
هذا التنظيم صاحب الإسم الوهمي “الجهاد الإسلامي” لم يكن في الحقيقة سوى “حزب الله” الذي تشكّلت نواته من بضعة عشرات من الكوادر التي انشقّت عن حركة أمل المتحالفة مع الأسد وأعلنت إتباعها للوليّ الفقيه القابع في إيران آية الله روح الله الخميني, وكانت قيادة الحرس الثوري هي التي أعدّت لذلك الانشقاق وموّلت التنظيم الناشئ وامدته بالسلاح. ولقد كان على الأسد تجرّع ذلك المدّ العسكريّ الإيراني في حديقته الخلفية على مضض كون جمهوريّة آيات الله الناشئة حديثاً قد باتت حليفه الإستراتيجي والمصدر الرئيس لأمواله بعد ان اوقفت دول الخليج دعمها له بسبب جرائمه ضد المسلمين السنّة في سوريا وضد الفلسطينيّين في لبنان ناهيك عن موقفه من حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران وتحالفه مع الأخيرة.
تعود علاقة نظام الأسد مع ملالي إيران إلى ما قبل مجيئهم إلى السلطة وقد بدأت هذه العلاقات حسب ما جاء في كتاب عبدالحليم خدّام المعنون “التحالف السوريّ الإيراني والمنطقة” عبر حليف الأسد الشيعي اللبناني ذي الأصول الإيرانية موسى الصدر مؤسس ميليشيا حركة أمل ورئيس “المجلس الشيعي الأعلى” في لبنان وهو المرجعيّة الدينيّة العليا عند شيعة لبنان. وكان موسى الصدر هو اوّل من أعلن من المراجع الدينية ان الطائفة العلويّة هي واحدة من الطوائف الشيعية المتعدّدة بعد ان كانت تعتبر من الطوائف المارقة عن الدين الإسلامي عند أئمّة كلٍّ من الشيعة والسنّة بسبب تأليهها لعليّ ابن طالب وإعتقادها بان روح الله قد حلّت فيه وجاء إعلانه ذلك في السبعينات من القرن الماضي. وقد بقيت الطائفة الشيعيّة ممثّلة بحركة أمل الحليف الرئيس لنظام الأسد طوال فترة الحرب الأهليّة وما بعدها وعندما اختفى موسى الصدر في ليبيا انتقلت قيادة حركة أمل وصداقة حافظ الأسد معاً إلى نائبه نبيه برّي الذي أصبح قائدا للحركة وقد ثابرت سوريا على دعمها ومدّها بالسلاح في كلّ حروبها بدءاً من مواجهاتها مع تنظيم المرابطين السنّي إلى معاركها مع حزب وليد جنبلاط ثم حربها ضد الفلسطينيّين وآخيراً خلال المواجهات الدامية بينها وبين حزب الله في الثمانينات وهذا أيضاً ما ذكّره خدام في نفس الكتاب المذكور أعلاه. ولقد بدّلت كلّ التنظيمات والطوائف اللبنانيّة مواقفها أكثر من مرّة عبر سنوات الوجود السوريّ في لبنان عدا الطائفة الشيعيّة وخصوصاً منها الجزء الموالي لحركة أمل بعد ان انقسمت الطائفة بين أمل وحزب الله أما الحليف الآخر الذي لم تفتر علاقته بآل الأسد فهو آل فرنجيّة بسبب الصداقة العائليّة بينهما والتي انتقلت إلى أبنائهم ولا تزال راسخةً بين طوني فرنجية وبشار الأسد.
حين انتصرت الثورة الإسلامية في إيران واستولت على السلطة تنفس الأسد الصعداء فقد جاءه من يؤنّس وحدته السياسيّة كونه الرئيس الوحيد في العالم العربيّ الذي لا ينتمّي إلى الطائفة السنيّة مما اضطره للجوء إلى البطش والتغوّل وارتكاب أفظع المجازر للحفاظ على سلطته في بلد تبلغ نسبة السنّة فيه اكثر من 85%. جاء نشوء هذه الدولة الثيوقراطية الشيعيّة والتي تعتبر نفسها المرجعيّة السياسيّة والدينيّة لشيعة العالم ومنهم العلويّون المعترف حديثاً بانتمائهم إلى تلك الطائفة بمثابة هديّةٍ من السماء لحافظ الأسد والطوائف الشيعيّة العربيّة بشكلٍ عام. وقبل ان تتمّ الثورة الدينيّة عامها الثاني اهدت حافظ الأسد ما لم يكن يحلم به إذ اندلعت حربٌ ضروس بين إيران وخصمه اللدود صدام حسين أشغلته عنه ونمت خلال السنوات الطويلة لتلك الحرب, العلاقات الإيرانية السوريّة على كلّ الأصعدة بدءاً من لعب سوريا دور الوسيط لتزويد إيران بالأسلحة عبر أوروبا الشرقية وانتهاءً بتشكيل الأسد لتحالف عربي مؤيّد لإيران ضد العراق في حربهما وضم هذا التحالف كلّ من الجزائر وليبيا, وبتولّي سوريا مهمّة الدفاع عن السياسة الإيرانية في كلّ المؤتمرات والإجتماعات والمنتديات العربيّة والدوليّة. “إن تقديم نظام الأسد جميع أنواع المساعدات الممكنة والدعم السياسيّ الثابت للثورة الإسلامية الإيرانية, عرّضه إلى أضرارٍ كبرى بسبب وقف الدول الخليجيّة مساعداتها إلى سوريا, لكن القيادة الإيرانية عملت على تعويضه عن ذلك عبر تقديم مساعدة بمليون برميل نفط سنوياً إلى سوريا إضافة إلى مجموعة من الإتفاقات والإستثمارات الإقتصاديّة“.
ولعلّ من أهم النتائج الإقتصاديّة الإيجابية على النظام السوريّ هي إتفاقيات السياحة الدينيّة التي بدأ مئات اآلاف من الإيرانيين على أثرها بالتقاطر إلى سوريا لزيارة المقامات الدينيّة الشيعية المقدّسة بتشجيعٍ من الدولة الإيرانية مما عوّض الإقتصاد السوريّ عن السياحة الجنسية العربيّة التي كان الخليجيون يقومون بها, وانقلب حافظ الأسد من قوّادٍ للعرب الخليجيّين إلى إمامٍ للتقاةِ وراعٍ للحجّاج الإيرانيّين. وحين أبدى الإيرانيون رغبتهم بالمشاركة في القتال ضد الإسرائيليّين أبّان إجتياح 1982 رحّب الأسد بهؤلاء “المتديّنين المعاتيه” ووافق فوراً على طلبهم بإرسال لواءٍ من الحرس الثوري الإيراني عبر مطار دمشق للمرابطة في منطقة بعلبك _ الهرمل وذلك اللواء بالتحديد هو الذي عمل على انشاء حزب الله وتدريب عناصره ومدّه بالمال ليمسك عبره بالورقة اللبنانيّة لعقودٍ طوال.
يبوّب عبد الحليم خدام في كتابه المذكور أعلاه , ثلاثةً من العوامل الرئيسة التي حدت بسوريا الأسد إلى التحالف الإستراتيجي مع جمهورية آيات الله ويأتي في قمّتها حسب زعمه, أولها:”دعم موقفنا من الصراع مع إسرائيل, وبصورة خاصة فإن الثورة الإسلامية اتخذت مواقف صلبة منذ الأيام الأولى لنجاح الثورة الإسلامية في دعم الشعب الفلسطينيّ وفي الدعوة لتحرير فلسطين“ ويأتي ثالثاً “تجنيب الدول العربيّة امتداد الحرب إليها, لإن ذلك سيؤدي إلى إغراق المنطقة في ويلات الحرب من جهة, ومن جهة ثانية سيدفع بالدول العربيّة إلى الإحتماء بالولايات المتّحدة, وتنقطع الصلة بينها وبين ساحة الصراع مع إسرائيل“. بين العاملين الإثنين , الأول والثالث, يرطن خدّام بحكم العادة بالشعارات الخشبيّة التي اعتاد تردادها طوال عقودٍ من الخدمة لدى حافظ الأسد بينما يخفي بينهما السبب الحقيقيّ الوحيد, إلى جانب الإحتماء الطائفي بمظلّة الخميني وهو السبب الذي لم يأتِ على ذكره لا من قريبٍ ولا من بعيد, ألا وهو: “إسقاط النظام العراقي”.
تعتبر إيران الدولة الثيوقراطية الوحيدة في العالم المعاصر (الفاتيكان ليست دولة بالمعنى الشامل) وبقيت كذلك منذ نشوئها وحتى الأمس القريب حين ولدت “الدولة الإسلامية في العراق والشام“. وهذ الدولة الثيوقراطية لا يكتفي الكهنوت الإسلامي الشيعي بالجلوس على قمّتها بل يمتدّ داخل مؤسّساتها التنفيذيّة والتشريعيّة والقضائيّة. فرئيس جمهوريتها وأغلبيّة وزرائها نوّابها وقضاتها وقادة جيوشها ومؤسّساتها الأمنيّة الداخليّة والخارجية هم من نفس السلك الكهنوتي التابع للوليّ الفقيه القابع كإلهٍ على رأس الهرم السلطوي والممسك بكل خيوط اللعبة “الديموقراطية” التي يتمّ فيها تداول المناصب بين اتباعه بينما يحتفظ هو بالسلطة الحقيقيّة حتى وفاته أو ربما إلى ما بعد وفاته إذ ان تأثير الخميني وشعاراته وطموحاته وفتاويه لا زالت ساريةً حتى بعد مرور سنواتٍ عديدة على وفاته, وللتدليل يكفي ان نذكر ان سلمان رشدي الكاتب البريطاني الذي أهدر الخميني دمه لا يزال شبه مختبئ وبعيداً عن أغلب النشاطات الإجتماعيّة بل ولم تبادر الدولة الإيرانية حتى هذه اللّحظة إلى مراجعة تلك الفتوى الصادرة عن أوّل أوليائها. هذه الحقيقة, أي تداول المناصب لا السلطات مع الحفاظ على نفس الأشخاص بعد خلطهم وإعادة توزيعهم كورق اللعب (Shuffle), هي انعكاسٌ دقيقٌ “للعمليّة الديموقراطية” التي تهبنا إياها انظمتنا الشمولية في سوريا والجزائرو العراق واليمن وليبيا (قبل الثورة) بل وداخل إمارتيّ السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة. رغم التشابه في الإسلوب “الديموقراطي” العجائبي لتداول المناصب والإعتماد على الشرطة السريّة في إدارة شتّى أمور الدولة والرعيّة يبقى هناك فارقٌ جوهريٌّ بين النظام الإيراني وانظمتنا الشموليّة العسكريّتارية ويكمن هذا الفارق في سمّةٍ أساسيّة لا تشاركه فيها من الدول المعاصرة إلّا الدولة الإسلامية في العراق والشام .
ان الكهنوت الإيراني الشيعي القادم من رحم الفكر الغيبي الضارب في عمق التاريخ يؤمن هو وأتباعه وأغلب رعيّته بربوبيته تماماً كما يؤمن علويّو سورية بحلول روح الله في عليّ بن أبي طالب. والوليّ الفقيه المستمدّ سلطته من السماء والقادر على الإتصال بالمهدي المنتظر أي الإمام محمد العسكريّ الذي اختفى خلال الربع الأخير من القرن التاسع ميلادي داخل أحد السراديب القريبة من بغداد. ويعد التكليف الشرعي الأول للوليّ الفقيه الذي هو نائب صاحب الزمان هو الإعداد لعودته وهذا الإعداد يكون بتجهيز بضعة شروطٍ شرعيّة معروفة لرجال الدين من العامّة والخاصّة منها وجود قائدٍ محنّكٍ يقود عمليّة تغييرٍ شاملٍ, “خروج رجلٍ من قُم يدعو الناس إلى الحق يجتمع معه قوم قلوبهم كزبر الحديد لا تزلهم الرياح والعواصف لا يملون من الحرب ولا يجبنون وعلى الله يتوكلون والعاقبة للمتقين“ وينطبق عندهم هذا الشرط على “آية الله , روح الله” الخميني قائد الثورة الإيرانية, وكذلك نشوء قوة إعلامية وعسكريّة عظيمة يخرج بعدها المهدي ليقودها وهو ما تعمل عليه إيران من الإستثمار في عشرات المحطات الفضائية ومئات المراكز الإعلامية والصحفية إضافةً إلى مئات المحلّلين الإستراتجيّين المتأيرنين المتطوّعين ومدفوعي الثمن الموزّعين بين لبنان وسوريا وفلسطين والعراق واليمن والأردن وحتى شمال افريقيا في تونس والمغرب والجزائرالذي يغزو بهم النظام الإيراني عقول وقلوب ملايين من العرب من الطائفة الشيعيّة وسواها من الطوائف. تمهيداً لخروج “قوم يبعثهم الله قبل خروج القائم فلا يدعون وتراً (أي عدواً) لآل محمد صلى الله عليه وآله إلا قتلوه“.
ان تصدير أيديولوجيا آيات الله (التشييع) إلى خارج إيران وكذلك تسليح الطوائف الشيعيّة في منطقة الشرق الأوسط والقوقاز وإفريقيا ومقاتلة أعداء آل البيت (الروافض) كلّها تكليفات شرعيّة سماويّة تقع على عاتق الوليّ الفقيه وصحبه وأعوانه ومريديه وهي إلى جانب كونها إلزاماتٍ فقهيّة فانها في نفس الوقت تلبّي الطموحات العرقيّة (الآريّة) والتي لها امتداداتٌ تاريخيّة مغرقةً في القدم. فلا زال الفرس يحلمون ويعملون على إقامة إمبراطوريتهم التي زالت على أيدي مقاتلي القبائل البدوية العربيّة وثابروا منذ ما قبل العهد الاموي على محاولات تقويض الدولة الإسلامية الناشئة إيديولوجيا وعسكريّاً فليس صدفةً ان يكون قاتل عمر بن الخطاب هو الفارسي فيروز نهاوند (أبو لؤلؤة المجوسي) وان المكان الذي دفن فيه لا يزال حتى اليوم مقاماً دينيّاً في مدينة كاشان الإيرانية يحجّ إليه ابناء الطائفة الشيعية من شتّى انحاء العالم. كما ان الدعوة العبّاسيّة في أساسها وكذلك الدعوتين الفاطمية والإسماعيليّة وما تفرّع عنهما ليسوا سوى دعواتٍ فارسيّة شعوبيّة ابتدأت على يديّ ابي مسلم الخراساني واتصلت إلى خامنئي ونصرالله والحوثي والصدر مروراً بعبيد الله المهدي والحسن الصباح وحمدان بن قرمط مؤسّسي الدولة الفاطمية ودولة الحشاشين والدولة القرمطية بل وأزعم انا ان طقوس المذهب الشيعي وأساطيره وقواعده الفقهية هي بغالبيتها صادراتٌ فارسيّة زرادشتيّة وان كان هذه الجذور لم تجد بعد من يتطرّق إلى دراستها والقاء نظرة معمّقة عليها ربما بسبب التابو الدينيّ أو اتقّاءً لفتوى جديدة من فتاوي آيات الله بهدر الدماء.
عكس الانظمة الشموليّة المعتادة في الشرق الأوسط والتي تسعى دوماً إلى الحفاظ على الأوضاع الراهنة التي تطيل عمرها وتضمن لها بقائها إذ يأتي على رأس أولوياتها الحفاظ على سلطتها وتخشى مقاربة أية تغييرات أو استطالات إلى خارج قوقعتها التي هي كيانها السياسيّ والجغرافي (إلا حين تكون هذه الإستطالات ضرورية لبقائها) قد تخلخل تماسك بنيتها, فإن الدولة الثيوقراطية الإيرانية القائمة على الإيديولوجيا الدينيّة _ القومية لا مفرّ لها من تجاوز حدودها الجغرافية كون تعدّي تلك الحدود أمرٌ تحتّمه العقيدة التي قامت عليها ولن يقف في وجهها سوى جدارٍ قويٍّ صلبٍ بنفس صلابة منهجها يقيّد طموحاتها ويواجه اهوائها وهذه ما أدركه صدّام حسين تماماً منذ اللّحظة التي سيطرت فيها الثورة الإيرانية على مقاليد الحكم في الدولة الجارة وأصبح للكهنوت الشيعي الإيراني الذي طالما شكّل مرجعيةً دينيّة لأكثر من نصف الشعب العراقي المعادي له, كيانا سياسياً قوياً وطموحاً وأعلن نواياه التوسعيّة مباشرةً بعد تمركزه على سدّة السلطة عبر شعارات تصدير الثورة وإزالة إسرائيل من الوجود ومواجهة “الإستكبار العالمي“.
إنّ حرب الوجود التي شنّها صدام حسين على الدولة الإيرانية الدينية جاءت بمثابة ضربةً إستباقيّة لحربٍ بدا اندلاعها اللاحق حتميّاً على أية حال, ولقد بادر صدام حسين إليها مستغلاً حالة اللاتوازن التي اعقبت التغيير السياسيّ الشامل بدلاً من الانتظار ريثما يعيد الوليّ الفقيه بناء جيشه الدينيّ ويشن حربه بالتوقيت الذي يناسبه هو. ولإنْ بدا ظاهرياً ان تلك السنوات الثمان التي استغرقتها واحدة من اشدّ المعارك دمويةً في العصر الحديث لم تسفر عن انتصار أي من الطرفين فالواقع هو غير ذلك تماماً فما احتلال الكويت ثم عاصفة الصحراء فمرحلة الحظر الجوي التي تلت الانتفاضات الشيعية والكردية وانتهت إلى حرب “حرية العراق” واقامة دولة عراقٍ شيعيّة, إلا بعضاً من إرتدادات الحرب الإيرانية – العراقية التي حاول صدام حسين من خلالها عبثاً احتواء الثورة الشيعية الإيرانية.
————————————————————-
بعد عودة والدتي من طرابلس بخفيّ حنين بدأ يتوضحّ لي عمق المأزق الذي انا فيه. كنت مسؤولاً نظرياً عن إعالة اخوتي السبعة بينما انا في واقع الحال لا أعلم من أين سآتي غداً بثمن علبة السجائرالتي أدخنّها. وكان راتب والدي الشهريّ الذي تقلّص بعد استشهاده إلى حدٍّ كبير والموزّع عليهم لا يكاد يكفي ليقوم بأودهم لبضعة أيامٍ عدا عن عدم انتظامه وغالباً ما صار يتأخّر عن موعده (بعد خروج فتح من لبنان وسوريا) لبضعة أشهر ليستأنف بعدها صرفه دون تعويض عوائل الشهداء عن الأشهر الماضية كإن شيئاً لم يكن وأيتاماً لم تتضور جوعا. رويداً رويداً بدأ طبيخ أمي المشهود لها بمهارتها على مستوى حَمولة آل أبو العلا يتحول تدريجياً إلى ما يشبه طبيخ الجيش العربيّ السوريّ حيث يغوص المجندون دون جدوى في الطنجرة الرئيسة بحثاً عن قطعة لحمة صغيرة أو حبّة فاصوليا غارقةٍ في قاعها.
للتعويض عن ندرة اللحوم في غذائنا وجدت أمي كعادتها مخرجاً لنا إذ كان أحد أبناء عمومتي (المرحوم طافش أبو العلا) قد افتتح مطعماً للدجاج المقلي والمشوي (بروستد ومسحّب) في منطقة الساحة وسط شارع فلسطين وكانت رؤوس الدجاج ورقابها ترمى في القمامة أو تباع بسعرٍ زهيدٍ لمن لا يملكون ثمن الدجاج وكانت لنا حصّةٌ شبه إسبوعية من هذه الرقاب والرؤوس التي تفنّنت والدتي في طرق تحضيرها فمرةً تكون شورباء الرقاب واخرى صينيّة بطاطا مع رقاب وثالثةٌ وجبة محمّر بالرقاب. ولا زلنا للان أخوتي وانا نعشق من الدجاج رقابها ونبرع في فصفصة رؤوسها.
إلى ذلك بدأنا كعائلة ننظر بشغف إلى اليوم الذي يزورنا فيه أحد أخوالي الثلاثة الفقراء من قرية عين الدبّ القريبة من صافيتا ليحمل لنا الزيتون وزيت الزيتون أو الكشك والشنكليش المرسلين من خالتي المقيمة في إحدىقرى مصياف وباتت هذه الرحلات, النادرة بسبب المسافة الكبيرة بيننا وبين مناطق سكن أخوالي, تصبح اهمّ مصادر رزقنا كرحلة الشتاء والصيف عند قريش. كان خالي الأكبر (والأفقر) أبو نزيه المقيم في منطقة سهليّة خارج ضيعته الأصلية, غالباً ما يحمل لي في زياراته الفصليّة غالوناً من العرق البيتي المثلّث ومعه أحياناً شوالاً من الفستق إذا كان موسمه. وخالي أبو نزيه هذا هو ملك العرق البيتيّ صنعا وشربا وإهداءا. كان نحيلاً قصير القامة وهو الذي اورثني قصر قامتي ونحولي قبل ان اتكرّش في سنيني الآخيرة وأورثني أيضاً عشقي للخمور بانواعها. عمل في أرضه طوال حياته وأورث مهنته لأبنائه وبناته الكثر وقسّم أرضه الصغيرة بينهم قبل مماته ومن معجزاته انه شرب قنينة عرق يوميّاً وغسل وجهه بآخر شفّة منها حتى توفي في الخامسة والثمانين من عمره.
كان هناك أيضا للمؤازرة دجاجاتٌ خمسة وسادسهم ديكٌ أحضرتهم والدتي يافعين في إحدىزياراتها القليلة إلى ضيعتها وصنعت لهم خمّاً متواضعاً على سطح منزلنا وكان لهم عليّ الفضل الكبير. وكثيرةٌ هي المرّات التي لم أجد فيها ما آكله فصعدت إلى الخمّ لأكتشف فيه بيضةً أو بيضتين. وفي تلك الفترة تعلّمت كيف آكل البيضة الواحدة مع رغيف خبزٍ سميكٍ كامل. طبعا كان ثمة كثير من خيبات الأمل حين يخلو الخمّ من البيض أو أكون زرته في الوقت غير المناسب, ثم صارت أمّي بحكم خبرتها تعلم بالمواعيد التي تبيض فيها كلّ دجاجةٍ والنغم الذي تقاقي به عندها, فكنت أحياناً بناءً على الأحداثيات التي تزوّدني بها الوالدة اختصر المدة الزمنيّة بين خروج البيضة من قفا الدجاجة وفقسها في المقلاة إلى حوالي الأربعين ثانية.
وكان هناك ميراثٌ صغيرٌ تركه لنا والدي هو عبارة عن قطعة أرض في منطقة الصبّورة في ريف دمشق, ولولا غدر السمسار الذي باعه إياها وسمسارٌ آخرٌ من الذين ظلمهم أشدّ مضاضةً لأمكن ان يقوم ثمنها بأود اخوتي ويقينا شرّ العوز طوال فترة خدمتي الإلزامية. وكان والدي قد اشترى قطعة الأرض تلك في أواخر حياته من سمسارٍ فلسطينيّ يدعى “العبد عوض” ووكّل بها أحد أبناء عمومته وسجّلها بإسمه كونه مقيماً في لبنان ونادراً ما كان يزور سوريا. وعلى قطعة الأرض تلك هيكلٌ إبتدائيٌ لمنزلٍ من أربع حجرات (عالعضم) وفيها بئرٌ ومحرّك ديزل لجرّ المياه وعشرات الشتلات الحرجيّة الواعدة.
لم نحدّث الشخص المعنيّ بالموضوع إلا بعد مرور أكثر من سنتين على وفاة والدي وحين أصبحت انا مسجوناً في الخدمة الإلزامية وكان أول ردوده ان الناطور الموكل بالعمل في قطعة الأرض قد تركها بسبب عدم تلقي أجرته, وهو ما كان مفهوماً, وقد أبلغته انني اود بيع الأرض لاننا بحاجة إلى ثمنها ووعد بالعمل على بيعها. عاد بعد بضعة أسابيع ليبلغني بان “موتور الميّ” قد سرق ومعه جميع الشتلات المزروعة وان عليّ ان أقوم بشيئ ما في هذا الصدد فأُسقط بيدي. إذ ما الذي يمكن ان أقوم به؟ ابلغ مخفر الشرطة مثلاً؟ قال: لا أدري. قلت له لا يهم. فلنبعها بدون الموتور والشجيرات. نخسر فيها بعض الشيء فليس هناك ما يمكن عمله فمخافر الشرطة في سوريا هي مكاتب سمسرة أكثر منها مراكز حفظ أمن ودخول المخفر لأية سببٍ كان يستدعي 500 ليرة ثمن فنجان قهوة للمساعد قبل فتح أي محضر, والمحاضر ترمى بعدها في الجوارير بانتظار 500 ليرة أخرى وهكذا دواليك. مرّت أسابيع ليعود أبو خالد ليبلغني بأن قطعة الأرض في الصبّورة قد استملكتها الدولة مما يعني ان سعرها قد هبط إلى حدٍّ كبير, قلت لا بأس, دعنا نبيعها بسعرها الجديد.
مرت أشهرٌ طوالٌ وكلّما فاتحته بالموضوع أجابني ان ” السوق داقر” ولم يتمكن من بيعها. بعد طول إلحاحٍ قال لي ان السمسار عبد عوض عرض ان أستبدلها بشقة سكنيّة ” على العضم ” في حارة المغاربة وأخذني وأراني إياها وقال لي ان بيع الشقّة أسهل من بيع قطعة الأرض فوافقت فوراً إذ لم يكن لديّ خيارٌ آخر ثم تبيّن لي ان لا هناك شقّةٌ ولا ما يحزنون وصار عليّ ان أستردّ ثمن قطعة الأرض المفترضة منه على شكل دفعاتٍ بالغة الصغر وبعد إلحاحٍ طويل. ولكثرة إلحاحنا دون كثير جدوى صرنا, والدتي وخالتي وانا نخجل من الطلب كأي شحّاذٍ كريم ولا نقدم عليه إلا حين الضرورة القصوى كأن لا يكون لدي ثمن علبة سجائر او اوقية لحمة او رغيف خبز. غالباً ما كانت امي هي التي تزوره في منزله بناءً على إلحاحي فيعطيها مائة وأحياناً خمسمائة ليرة وتعود غاضبةً بسبب عزّة نفسها. استمرّ هذه الحالة لمدة أربع سنوات وبعد ان انهيت خدمتي بأربعة أو خمسة أشهر وبينما انا انتظر الموافقة الأمنيّة على طلبٍ لإستصدار جواز سفر يتيح لي الخروج من هذه المحنة جرى فتح الحديث مرة أخرى وأخيرة مع أبي خالد الذي أظهر دفتراً كان قد كتب فيها مئات المبالغ التي “وهبنا إياها” من أموالنا طوال السنوات الأربع وأبلغنا بثمن الشقّة وبحسبة بسيطة وجد ووجدنا معه ان حسابنا قد أغلق بعد ان سدّد لنا كامل ما لنا بذمّته. طوال السنوات الستّة التي كانت قد مضت على وفاة والدي لم يسبق لي أو لأحد من أخوتي أو أعمامي ان شاهد صكَّ بيعٍ لقطعة الأرض أو للشقة الموهومة التي كان ثمنها الذي أضطررنا لاسترداده على شكل دفعاتٍ شحيحة بالكاد تكفي أحياناً لشراء علبتيّ سجائر, ليصلح لو امتلكناه كاملا وبدفعةٍ واحدة لتمويل مشروعٍ صغيرٍ يدرّ علينا مبلغاً شهريّا يقينا العوز والفاقة التي كنّا فيها. رحم الله العمّ حسن أبو العلا فقد أصبح الان في الدار الآخرة.
بعد مرور حوالي عشرة أشهر على بدء خدمتي الإلزامية ازدادت أوضاعنا الإقتصادية سوءاً ووجدت انني غير قادرٍ على إكمال خدمتي في ظل تلك الظروف القاهرة وبدأت أفكّر جديّاً بالفرار من الجيش وترك سوريا إلى الأبد انما كمنت المشكلة الأساس في تطبيق ذلك القرار في ان غالبية أفراد وكوادر التنظيم الذي انتمي إليه قد غادروا لبنان وسوريا وكانت المناطق اللبنانيّة بمجملها واقعة إما تحت الإحتلال الإسرائيلي في صيدا والجنوب أو السوريّ في طرابلس والجبل وجزءٍ من البقاع أو تحت الإحتلال الإيراني الليبيّ الحليف لسوريا في الجزء الآخر من البقاع. أما تركيا والأردن فمغلقتان أمام الفلسطينيّين والحدود مع العراق تعجّ بالعسس والأجهزة الأمنيّة, ومطار دمشق يلزمه جواز سفر لا أملكه إضافةً إلى موافقة الخروج الأمنيّة المستحيلة. كان الفرار الداخلي خارج الطرح كونه لا يحلّ المشكلة الماليّة. سمعت ذات يومٍ عن معاملة “وقف الخدمة العسكريّ” والتي تتيح للمجند المعيل لأسرته فرصة الانقطاع عن الخدمة ريثما تتغير ظروفه ويبلغ أحد أخوته سنا تمكنّه من العمل فقرّرت ان أقدم على تلك المعاملة رغم خطورتها الناشئة عن ان مرور هذه المعاملة, كغيرها من المعاملات عبر الأجهزة الأمنيّة سيفتح عليّ عيون الأجهزة الأمنيّة مما قد يعرضني للكثير من الاخطار. ففي الفترة التي تلت اندلاع الإشتباكات بين جماعة عرفات من جهة وجيش التحرير الفلسطينيّ والفصائل المتحالفة مع سوريا من جهةٍ أخرى شنّت أجهزة النظام الإستخبارية حملةً شعواء على من أصبح الإعلام السوريّ يطلق عليهم تسمية “زمرة عرفات – الوزير” واستضافت في معتقلاتها السريّة الآلاف من الموالين لهذه الزمرة واستطاعت “تطهير” المخيمات الفلسطينيّة في سوريا (وبعض مخيمات لبنان في المناطق الواقعة تحت سيطرتها) من رجسهم. قلةٌ من المحظوظين أفلتوا والعشرات قتلوا تحت التعذيب بعيد أيامٍ قليلةٍ من إعتقالهم وسلّمت جثثهم لأهاليهم ليلاً ودفنوا بصمت وسريّة ومنع الأهل حتى من إقامة بيوت عزاء لأبنائهم أو أزواجهم او آبائهم المقتولين. قد يكون إملاقي وعدم إدراج إسمي على أيٍ من كشوفات الرواتب التي كانت أحياناً تفلح في التسلّل إلى الكوادر الفتحاوية المختبئة أو غير المعروفة هو سبب نجاتي من الإعتقال إذ ان حملات دوريّات الإعتقال الليلية كانت تشتدّ خصوصاً كلّما يتمّ إعتقال أحد المسؤلين عن توزيع المخصصات ومعه كشفٌ بأسماء المستفيدين الذي يتمّ جلبهم تحت جنح الظلام ليعترفوا بعدها عن المزيد من رفاقهم.
بما ان خيار وقف الخدمة كان الوحيد أمامي فقد أقدمت عليه مضطرّاً بعد تحضير المستندات المطلوبة وقمت بتقديمها إلى ” قلم الذاتيّة ” في وحدتي ومنها إلى هيئة الأركان لتذهب في طريق طويلٍ بلغ أمده أكثر من خسمة عشر شهراً لفّت خلالها, لابدّ, جميع الدوائر الأمنيّة والعسكريّة والسياسيّة والحزبيّة والإقتصاديّة والعلميّة وعادت بعدها إليّ على شكل عنصريّ مخابراتٍ علويّين زاراني بعد ظهر أحد الأيام (وأرعباني). حين طرقا بابي وحيّوني وسألا عن إسمي حسبتهما لأوّل وهلةٍ, بسبب لهجتهما العلويّة, من أقاربي في طرطوس الذين اعتادوا زيارتنا كلّما ابتدأ أحدهم خدمته العسكريّ في “الشام” وكان أغلبهم يفرزون للخدمة في القصر الجمهوري وأفرع المخابرات. وكنّا يومها أقاربهم الوحيدين الموجودين في الشام الذين يمكن لهم زيارتهم وشرب كأس متّة والحديث عن الضيعة وربما تناول طعام غداء بسيط. سرعان ما عرّفا عن نفسيها وأبلغاني بانهما آتيان بمهمّة رسميّة من فرع الأمن السياسيّ فرحّبتُ بهما مذعوراً (إذ كنت قد نسيت معاملة وقف الخدمة المشؤومة) وقدتهما إلى غرفة الإستقبال حيث جلسا جنبا إلى جنب الكنبة صامتين. تساءلت بيني وبين نفسي عمّا يمكن ان يكون سبب زيارتهما إذ لم يبدوان مستعجلين مما يعني انهما ليسا هنا لإعتقالي لأمرٍ ما! سألتهما إذا ما كانا يفضّلان شرب القهوة أو المتّة ويبدو انني تعمدت رمي كلمة السرّ هذه إلا انهما لم يباليا بسؤالي وباشر أحدهما الحديث:
– هنت قدّمت معاملة بتاريخ كذا وكذا ؟
– نعم سيدي. كان واضحاً انه مجرد عسكريّ أو ان شقّ حاله رقيب لكن هكذا يخاطب رجال المخابرات في سوريا.
– وصلت هالمعاملة عندنا عالفرع. -هون معي بالملف هاد .. قال زميله.
– نحن هلّق آخر فرع وآبقى تروح هالمعاملة علي غير فروعا. تابع الأول.
– يعني هلّق اللي نحنا منقرّروا هوي البَدّو يصير.
– عراسي. شرفتو. طبعا طبعا فهمت. لحظة ممكن؟
خرجت من الصالون وتوجّهت إلى حجرة “القعدة والنوم” في منزلنا المكوّن في غرفتين. كانت أمي تجلس وحيدةً (أحسب ان إخوتي كانوا في المدرسة) وواجمةً لا تدري ما إذا كان عليها ان تجزع أم لا بسبب زيارة هؤلاء الغريبين. أخبرتها عن الأمر بسرعة ورجوتها ان تذهب إلى بقالية توفيق وتحاول ان تستدين منه مبلغ 1000 ليرة سورية فوافقت (على غير عادتها) على الفور ووضعت على رأسها غطاء شعرها وانطلقت بينما عدتُ انا إلى فاعليّ الخير ورجوتهما ان يشربا القهوة ريثما تعود والدتي التي ذهبت “لتدبير شيءٍ ما” لهما فوافقا وباشرت انا في عمل القهوة راجياً ان لا يطول غياب أمي.
عادت بعد ربع ساعة خالية الوفاض. أبلغتني ان توفيق ليس في البقاليّة وانها سألت جارتين لنا ولم تستطيعا ان تسلّفانها المبلغ المطلوب لعدم توفّره.
عدت إلى الصالون واعتذرت منهما وطلبت مهلة ربع ساعة أخرى ريثما يشربا القهوة وانطلقت شبه راكضٍ إلى سوق الخضار القريب حيث يعمل عمّي صلاح “أبو إياد” بائعاً على عربة فاكهة واخبرته بالامر على عجل فناولني قبل ان أكمل حديثي مبلغ 1000 ليرة فشكرته وعدت إلى منزلي وناولت كلّ منهما خمسمئة ليرة داعياً لهما بالخير وشاكراً زيارتهما. كانت تلك هي المرّة الأخير التي أسمع بها عن تلك المعاملة المشؤومة ولعلها لا تزال قابعةً حتى الآن في أحد أدراج الأمن السياسيّ تنتظر من يوقّعها بالرفض أو الموافقة.
في بداية العام الثاني من خدمتي في الرحبة أنهى صديقي الملازم مجنّد محمد الخضرا خدمته الإلزامية انما لم يتمّ تسريحه بانتظار ان ترسل هيئة الأركان بديلاً عنه بسبب أهميّة المهمّة المناطة به وهي “مندوب لدى الجيش العربي السوريّ“. والمقصود هنا مستودعات الجيش العربي السوريّ أو بالتحديد مستودعات قطع غيار العربات ومراكز السكراب في حرستا والتلّ وبضعة أماكن في سفوح جبال القلمون. كانت صداقتي بمحمّد قد توطّدت فعرض عليّ ان أكون بديله لهدفين, أولهما التسريع في علمية تسريحه بوجود البديل له,وثانياً لتحسين ظروف خدمتي الإلزاميّة فوافقت على الفور. بعد بضعة أيام تحدّث محمد إلى الرائد جرّار قائد الوحدة بهذا الموضوع وأبلغه بأمري فطلب منه إحضاري إلى المكتب, ويبدو ان فرع الإستطلاع في جيش التحرير كان قد أبلغه منذ لحظة فرزي إلى الرحبة بكوني ضابطٌ سابق فلم يسألني عن قدراتي أو أي شيءٍ آخر سوى عمّا إذا ما كنت اقبل بهذه المهمّة فأجبت بالإيجاب فوافق هو على الفور وأصدر أمراً بتعيّيني منتدباً لدى مستودعات الجيش السوريّ. أمضى محمد الأسبوعين الآخيرين من خدمته في تعريفي على مواقع المستودعات ونوعية القطع الموجودة فيها كما عرّفني على منطقة السكراب الرئيسة وكذلك على ورشة صيانة المحركات وطرق العمل وطلب القطع والمستندات التي يجب ملؤها لكلّ من الأغراض المطلوبة.
منذ اليوم الأول لإستلامي مهامي بعد تسريح الملازم محمد الخضرا تغيّرت ظروفي وخفّت وطأة الخدمة الإلزاميّة عليّ إذ لم أعد سجيناً للفراغ الثقيل وأصبح لديّ ما أفعله عدا شرب الشاي وحلّ الكلمات المتقاطعة لمدير قلم الدخول. صار نهاري يبدأ ببعض الأعمال الورقيّة الضرورية مثل استلام طلبات قطع الغيار غير المتوفّرة داخل مستودع الرحبة وتنظيم قيدها في سجلاتٍ خاصة بها ثم تجميعها في ملفٍ واحد أعرضه على الرائد جرّار (أو نائبه النقيب محمود) ليقوم بتفحّص الطلبات وتوقيعها ثم انطلق إلى المساعد المسؤول عن النقل وأطلب منه تحضير عربة مع سائقها وبعض المجندّين للتحميل والتفريغ, وكان عددهم يتغيّر وفقاً لحجم لطلبيّة المتوقعة وثقل القطع المتضمنّة فيها, ثم ننطلق جميعا بعربة الزيل 157 او الجاز عبر منطقة الطبّالة فباب توما وساحة العبّاسيين ثم شمالاً نحو المستودعات المنتشرة بين حرستا وسلسلة جبال القلمون وجميعها, عدا مستودعات حرستا, أقيمت في خنادقٍ تمّ شقّها في عمق الجبال وتقع على مسافة عشرات الأمتار تحت الأرض وتمّت هندستها مداخلها على شكل متاهة بحيث يصعب إستهدافها بالطيران.
تستغرق المسافة من الرحبة إلى أحد هذه المستودعات ما بين ساعة إلى ساعة ونصف أو أحياناً ساعتين حسب المستودع المطلوب. كنت أتقدم بالطلبيّات الجديدة التي أحملها معي إلى مكتب قائد مديريّة النقل في حرستا واتركها هناك للتوقيع على ان أعود بعد بضعة أيامٍ لإستلامها وفي نفس الوقت يسلّمني المساعد اوّل المسؤول عن بريد المديريّة الطلبات السابقة الموقّعة الجاهزة للإستلام فانطلق بالعربة إلى المستودع المعيّن حيث يتمّ تجميع الطلبيّة ثم يحمّلها زملائي المجندين في العربة ونعود بها إلى الرحبة. حين لا تتوافر القطع المطلوبة في مستودعات الجيش السوريّ كان على الرائد جرّار تجهيز طلبات خاصة بالشراء من السوق المحليّة واحملها معي أيضاً إلى مدير النقل الذي يؤكّد بعد مراجعة كافة المستودعات ان القطع فعلا غير موجودة فيؤشّر بهذا على الطلب ويعيده عَبري إلى الرحبة حيث يدفع الرائد جرّار بهذه الطلبات إلى لجنة المشتريات التي يرأسها الملازم أوّل اسماعيل. وقد توجّب علي أحياناً مرافقة الملازم اول اسماعيل إلى المستودعات في بعض المراجعات الإداريّة بعربة الجيب المتهالكة التي يقودها بنفسه.
كان هذا الضابط دائم التجهّم ولا يعدل دماغه سوى سندويشة فلافل ضخمة أدفعُ انا ثمنها مع ثمن سندويشتي ونشتريهما من بسطة فلافل مقامة على بوّابة مستودعات حرستا وأجزم انها أطيب سندويشة فلافل على مستوى سوريا. بسطةٌ دائمة الإزدحام بالزبائن العسكريّين من المداومين في حرستا أو المارّين من هناك ليس فقط بسبب جودة السندويشة بل أيضاً بسبب رخصها إذ يبلغ ثمنها خمس ليرات فقط ولكنّي أكاد اقسم بان صاحب البسطة كان يضع بالسندويشة أقراص فلافل يساوي سعرها أكثر من عشر ليرات! ليس هذا فحسب بل بعد ان يحشي رغيف الخبز الكبير بالفلافل والسلطات والطراطور حتى يكاد ينفجر ثم يلفّ السندويشة بالورق ويمدّها إليك فإنه يحشي في أعلاها قرصاً آخر إضافياً ويدلق عليه الكثير من الطراطور قبل ان تلتقفها! لم أذق في حياتي منذ تسريحي من الجيش سندويشة فلافل أطيب أو أكرم أو أضخم من سندويشة حرستا تلك ولا غرو انها كانت تعدل دماغ الملازم أوّل بل ايضاً دماغي ودماغ مجنّدي التعتيل الذين كنّا نحملهم معنا. كان المجندون يدفعون أثمان سندويشاتهم طبعا.
لا يفوتني هنا ان أذكر أيضاً بائع الفول على الطريق إلى حرستا الذي تتراكم حوله عربات نقل الجيش العربيّ السوريّ حتى تحسب مطعمه الصغير هيئّة أركان أو ما شابه. كان ذلك المطعم يقدّم جميع أطباق الحمّص والفول بدءاً من الفتّة بسمنة أو زيت مروراً بالمسبّحة والحمّص بلبن وانتهاء بالطبق المفضّل عندي : الفول بلبن.
يتطلّب عملي القيام بزياراتٍ دورية إلى السكراب الرئيس لعربات الجيش السوريّ المقام أيضاً في جبال القلمون على طريق حمص وهو عبارة عن قطعة جرداء شاسعة وتحتوي على عشرات الآلاف من العربّات المنسّقة من كافة الأحجام والأشكال والانواع. قبل تحويل ملفّ القطعة إلى لجنة المشتريات كان على المسؤولين التأكّد أولا من عدم وجودها في السكراب فان وجدت كان يتمّ شطبها من ملف طلبيّة الشراء ويكتب أمامها “سكراب” فأصطحب معي ميكانيكيّاً من الكراج الموكل بالعربة التي تحتاج إلى تلك القطعة المعيّنة ونذهب إلى السكراب بعد أخذ موافقة مديرية النقل وهناك يوجّهنا أحد الجنود العاملين فيه إلى مكان العربة التي تحتوي تلك القطعة ويقوم الميكانيكي بفكّها بينما انا أشرب الشاي مع الجنود المولجين بحراسة السكراب. كان أصعب ما في مهمّتي هو حفظ أسماء قطع الغيار باللغة العربيّة حسب ما أقرّته على ما يبدو لجنةٌ علميّةً سورية في وقتٍ ومكان ما بهدف محاربة الإمبريالية العالميّة بالتعريب ولن أذكر هنا الكثير من أسماء هذه القطع انما يكفي فقط ان تعلم ان إسم صحن الدبرياج في الجيش العربيّ السوريّ الممانع هو ” صحن الفاصل واصل!”.
كان من ضمن مهامي أيضاً نقل محركّات عربات النقل الخفيفة والمتوسطة والثقيلة من حجم جيب حتى حجم تاترا والتي تحتاج إلى عمليّة “قلب مفتوح” إلى الورشة الرئيسة لخراطة المحركات الواقعة أيضاً في ضواحي حرستا حيث أستلم مكانها محركاتٍ شبيهة أعيدت خراطتها.
خلال مدة شهرٍ وأحد من بداية عملّي بمهمتي الجديدة بدأت وتيرة العمل في الرحبة تتقدّم بشكلٍ ملحوظ وصرت ألاحظ الإمتنان على وجه الرائد ونائبه النقيب كلّما أتيتهم آخر نهار العمل لتسلميهم نسخة من القطع المستلمة ونبذة عن سير العمل. وذلك التقدّم في وتيرة العمل مردّه إلى سببٍ بسيط وهو انني كنت أفضّل تمضية نهاري متجولاً بعربة الزيل داخل شوارع دمشق وغوطتها وفي براري جبال القلمون الجرداء على الجلوس خلف طاولتي منصتاً لأحاديثٍ بليدةٍ تطيل عمر الوقت بدل ان تختصره وكان ذلك النشاط هو طريقتي في الهروب منها. فكنت أقوم بعملي أولاً بأول ولا أنتظر حتى تكبر الطلبية وتصبح الرحلة “محرزة” مما قصّر فترة توقّف العربات المُدخلة للإصلاح وعجّل بخروجها. وسرعان ما بدأت بإستثمار ذلك الإمتنان غير المعلن وكثيراً ما صرت أضع في آخر كومة المعاملات التي اقدّمها لقائد الوحدة عند نهاية النهار لتوقيعها ورقةً صغيرة الحجم من تلك المستخدمة لطلب “نهاريّة” وهو الإسم الشائع لطلب أجازة مدّتها يومٍ واحد ولم يحدث ان رفض طلبي ولو مرةً واحدة! الشيء الوحيد الذي عجزت عنه طوال ما يقارب الأربع سنوات من خدمتي الإلزامية هو الحصول على إجازة “الستّة أيام” والتي كانت محفوظةً للمجندين القادرين على الدفع وكان لها سعراً محدّداً وموحّداً كإنما قد سعّرته وزارة التموين. ولقد كانت محاولتي الأخيرة للحصول على مثل تلك الإجازة (مجاناً طبعا) في الإسبوع الإخير من الخدمة وكان أمر تسريحي قد صدر وتمّ تكليف الملازم اوّل اسماعيل بالقيام بمهامي إضافة إلى مهامه في لجنة المشتريات ريثما تزوّد هيئة الأركان الوحدة بضابطٍ مجندٍ جديد يقوم بها, ولم يبقَ عليّ سوى ان أسلم عهدتي وأوقع بيان “براءة الذمة” ولكن طلبي رُفض!
في الشهرين التاليّين لتعييني مندوباً صارت نتائج مجهودي تتضاعف بعد ان أتقنت تقديم الهدايا الخفيفة لضبّاط الصف في المستودعات السوريّة – أو وعدهم بها عند توفّرها! – وأغلبها بدلاتٍ عسكريّة (فوتيك) كان يؤمّنها ضبّاط جيش التحرير عبر ابتزاز مجنّديهم. ومع تضاعف النتائج وإزدياد السرعة في إتمام المعاملات وتوفير قطع الغيار إزداد نفوذي في الرحبة وصرت أتجاوز ضبّاط الصفّ وآخذ أوامري فقط من قائد الوحدة ونائبه فأقوم بإختيار المجنّدين المرافقين والسائق بنفسي (وكان الجميع يتنافسون للخروج من نهار العمل الروتيني ويرجونني ان أصطحبهم في تلك المهام) حين تكون مهمّتنا قصيرة كأن أكون ذاهباً فقط إلى حرستا لتسليم بعض المعاملات كنت أطلب إلى السائق في طريق العودة إيصالي إلى منزلي وابلغه بان يذهب بدوره إلى منزله على ان يعود وحده إلى الرحبة آخر النهار قبيل انتهاء العمل ببضعة دقائق إذ كنت قد أبلغت قائد الوحدة انني كثيرا ما اتأخر في مهامي إلى ما بعد انتهاء الدوام في الرحبة فأعود وقد غادر الجميع مما يسبّب لي عوائقاً ويجعلني اهمل بعض الأعمال حتى أستطيع اللحاق بطابور التفقّد المعقود في آخر النهار (وهو أمرٌ صحيح) فأصدر أمراً بإعفائي منه. وبعدها بعدّة أسابيع نوهت له بانني أحياناً أضطر إلى الذهاب مبكراً إلى مديرية النقل لمتابعة أعمالٍ ضرورية وملحّة ويستحسن ان انتقل إليها مباشرةً من منزلي مستخدماً وسائط النقل العام لتوفير الوقت والجهد (وكان ذلك صحيحاً أيضاً) فقام بإعفائي أيضاً من الطابور الصباحي (والمناوبة والحراسة!) وصرتُ حرّاً طليقاً لا يدري أحد متى ألتحق بعملي ومتى اغادر حتى انني بدأت أنتدب أحد السائقين بعد ابتداء الدوام بنصف ساعة حين لا يكون لدي عمل (وقد أصبحوا زملاءاً لي وأحدهم كان جاري) مدعياً ان لدي مهمّةخارجية (خارج الرحبة) ليذهب كلٌ منا إلى منزله كالمعتاد على أن يعود السائق إلى الرحبة قبيل موعد طابور التفقد عن نهاية يوم العمل. الأمر الوحيد الذي حرصت عليه وبتُ أجيده هو القيام بعملي على أكمل وجهٍ وبأسرع وقتٍ ممكن وهو ما ساعد في تغطية مثل تلك التصرفات وأحياناً التغاضي عنها فلم يحدث طوال فترة خدمتي ان تلقيت عقوبةً أو توبيخاً أو حتى تأنيباً ما.
————————————————–
بعد مرور سبعة أو ثمانية أشهرٍ على مغادرة زملائي من الضبّاط البحريين لسوريا وإلتحاقهم بمقرّ قيادة القوّة البحريّة في محافظة الحديدة في اليمن الشمالي ثم إخلاء قوّات حركة فتح لمدينة طرابلس وخروجها للمرة الثانية من لبنان بحراً بدا واضحاً ان لا أحد من أصدقائي قد فكّر بالطلب إلى منذر أبو غزالة ان يعيد إدراجي على كشوف الرواتب أو على الأقل مساعدتي ببعض المبالغ الماليّة كما كان يحصل في أغلب الحالات التي أرغم فيها كوادر الحركة وضبّاطها من سكان سوريا على أداء الخدمة الإلزامية. ورغم ان المئات من الكوادر الذي اضطرتهم ظروفهم إلى عدم مغادرة سوريا كانوا يتلقون سرّاً رواتبا شهريّة إلا ان أحداً لم يذكرني بشيء منها, وصارت أحوالي واحوال اخوتي تزداد سوءاً على سوء فعزمت أمري على أخذ بعض مستحقاتي من الطرف الآخر في الحركة والوحيد المتاح أمامي مخاطبته أي جماعة المنشقّين. أخذت إجازةً نهارية من قائد قطعتي وتوجّهت صباح اليوم التالي إلى بلدة عين ترما حيث يقع مكتب الماليّة ومقرّ أحد قيادات المنشقّين (أو المنتفضين إن شئتَ) ولم أكن أعرف أحداً منهم انما عرّفت عن نفسي ورتبتي وطلبت مقابلة الضابط المسؤول وميّز الجميع إسم والدي فترحمّوا عليه واستقبلوني بالترحاب بعد ان علموا انني إبن الشهيد روبين أبو العلا وطلبوا لي إذناً ثم أدخلوني مكتب أحد الضبّاط (الرائد أبو رعد, واصف عريقات) الذي رحّب بي بدوره وترحم على والدي. شرحت له وضعي والأزمة الماليّة التي أعاني منها منوّهاً (كذباً بانني “انتفاضيّ” الهوى ولولا انني قد سحبت قسراً إلى الخدمة العسكريّة لكنت أول الملتحقين بهم ومؤكداً انني سألتحق بالقوّة البحريّة عندهم حال تسريحي من جيش التحرير, فحمّلني كتاباً ممهوراً بتوقيعه وموجهاً إلى إدارة الماليّةيقضي بصرف مبلغ 500 ليرة سورية شهريّة لي (50 دولاراً) فشكرته وودعته واتجهت مباشرةً إلى مكتب الماليّة الواقع على بعد أمتار من مكتبه لإستلام أول مبلغٍ وبقيت أتردد شهريّا لإستلام نفس المبلغ حتى تاريخ تسريحي مما ساعد بسدّ بعض نفقاتي.
المصدر الثاني لدخلي كان بسطة بطّيخٍ موسميّة لعمي أبو إياد يشاركه فيها أحد أصدقائه إضافةً إلى عمّي الآخر أبو عصام في بعض المواسم, وتقع على الرصيف المقابل لدوّار فلسطين وكنت أتولّى انا حراستها ليلاً والنوم عندها حتى الصباح مقابل أجرِ يوميّ لا بأس به (إضافة إلى أوقيّة كباب أحياناً أو زجاجتيّ بيرة من مطعم أبو الخير على الرصيف المقابل). كنت ألتحق بالبسطة مساءً عند الثامنة حين تكون حركة البيع قد خفّت ثم يزورني نحو الساحة العاشرة بعد ان تتوقّف حركة البيع أو تكاد, أصدقائي من الجيران ومنهم المهندس الصديق أمين عودة والمرحوم سمير تميم خرّيج قسم الرياضيات الذي خطفه الموت مبكراً في حادث سير أليم, وكان هناك ايضا الأصدقاء عبدالله الطيّب وابراهيم وطارق تواتي وهم من الفلسطينيّين المغاربة ونقضي السهرة في لعب الطرنيب والتركس يغادرون بعدها إلى منازلهم وألتفّ انا ببطانياتي وأذهب إلى النوم حتى الصباح قبيل موعد بدء دوامي في الرحبة بساعة, متكّلاً على الله وراجياً ان يبعد صوت شخيري لصوص البطيخ المتسلّلين اما اللصوص العلنيّين من رجال الشرطة فلم يكن إبعادهم يتمّ بنفس السهولة فقد حدث ذات يومٍ ان توقّفت امام البسطة دورية من المخفر ونزل أحد العناصر من السيارة وسألني: هاي بسطة أبو إياد مو هيك؟ فلما أجبت بالإيجاب قال: نقّيلي شي بطيخة عزوقك. فشعرت بالإشمئزاز من طريقته في الطلب بفوقيّة وقرّرت تلقينه درساً فانتقيت له بطيخةً ضخمةً سال لها لعابه ولكنني بدلاً من مناولته إيها وضعته على الميزان فطار صوابه وقال: لا لا ما توزنا .. سلّملي على أبو إياد وإلو إجو عناصر الدورية استحلو بطّيخة.
أجبته وعلى وجهي علامات التقوى: انا مجرد عامل مؤتمن على الرزق ولا أستطيع ان أهبك شيئاً مجانيّاً إذا اردت بطيخاً مجانياً فعليك المجيء في النهار حين يكون صاحب الرزق موجوداً.
يمكنك ان تفعل هذا مع رجال الشرطة غير العلويّين إذا كنت بريئاً إنما لا انصحك بتجربته في حالة دوريّات المخابرات حتى لو كنت الذئب الذي لم يأكل يوسف.
نظر إلي بغضبٍ وصرخ: ماشي الحال! قلّو لأبو إياد منتفاهم!! وانطلقت به سيارة الدورية والشرر يتطاير من دواليبها. بينما رحنا انا ولعّيبة الشدّة نقهقه حتى انتهاء ” لبرتيّة” الثالثة أو الرابعة وحين أبلغت عمّي في اليوم التالي بما حدث لم يعلّق على الموضوع إذ كان يعرف ان “رأسمال” الدورية هو بطّيخة كبيرة حينما يأتون من جديد.
———————————————–
تزوّجَت أنثاي الأولى من رجلٍ آخر بعد أقلّ من عامٍ على بدء علاقتنا وبدأت أعاني أقسى أعراض الإنسحاب (Withdrawal Sypmtoms) الذي لا يشبه بشدّته سوى أعراض الانقطاع عن التدخين الذي جرّبته بضعة مرّات حتى نجحت في المرة الأخيرة منها بعد ان جاوزت الخمسين من عمري. لا يُذهب وجعُ فقدان إمرأة إلّا إمرأةٌ أخرى, ولم أكن قد تهيّأت بعد لسواها إذ كنت أحسب ان علاقتي بها ستستمرّ إلى ما بعد زواجها ولكن صعوبة تدبيرأمكنةٍ للقاءات الحميمة إضافةً إلى انشغالها بحياتها الزوجيّة الجديدة وخوفها من اكتشاف امرها جعلها تفقد حماسها تدريجيّاً. في الشهرين الأولّين من زواجها لم أرها أبداً ثم تلاقينا صدفةً ووافقت بعد شديد إلحاحٍ منّى على موعدٍ للتلاقي وسط مدينة دمشق حيث رحنا ندور بين شارع الصالحيّة المزدحم وحديقةٍ عامة صغيرة قريبة منها أظن ان اسمها حديقة الجاحظ. كان دمي يغلي في عروقي توقاً لجسدها واحاول تهدئة ذلك التوق بالضغط على كفّها الساكنة في كفّي أثناء سيرنا على الأقدام فلا ينتج هذا الضغط على ذلك الجزء الصغير منها سوى مزيداً من الأشتعال.
مررنا بمبنىً سكنيٍّ يحتوي على مصعدٍ كهربائيّ فلمعت في ذهني فكرةٌ ظننتها مخرجاً فملت بها إلى مدخل المبنى نحو المصعد وضغطت زرّ طلب المصعد ثم دلفنا سوياً وضغطت على زرّ الطابق الأعلى. ما ان اغلق باب المصعد حتى انثنينا إلى بعضينا عطاشى نطفئ ظمأنا بالعناق والقبلات. قبلتها كلّها من الأعلى, فمها وخدّيها وشعرها رقبتها وأذنيها وضغط بفخذيّ على فخذيها وعصرت بكفّي إليتيها وشددتها حتى كاد نهداها الليّنان على قساوةٍ ان يخترقا أضلعي لولا ان رحلة المصعد كانت قصيرة. قمنا ببضعة رحلاتٍ أخرى تخلّل بعضها إيقاف المصعد بزرّ الطوارئ أمام الواجهة الإسمنتيّة التي تتوسط طابقين انما كلّ ذلك لم يكن كافياً فهنالك حدودٌ لما تستطيع ان تقدم عليه في مصعد مبنى لا تعرف من يسكنه. في الحديقة شبه الخالية بسبب شدّة الحرّ جلسنا متلاصقين في ظلّ شجيرةٍ ورحت اختلس من جسدها بضعة لمساتٍ بعد كلّ تفحّصٍ دائريّ شامل لا أجد خلاله أحد المتلصّصين, فتارةً انزل بكفّي التي تحضنها نحو فتحة قميصها وأغوص تحت حمّالة صدرها لأتلمّس برهبةٍ وقداسةٍ أحد ثديّيها وأعتصر بأصابعي حلمتها حتى أكاد أتشظّى شبقا, وأخرى اتلمّس بيدي موضع انوثتها من فوق بنطال الجينز الأزرق الذي ترتديه. تلك أصبحت الحدود الجديدة لعلاقتنا المستجدة التي كانت في ما مضى تطفيء شهوتينا, وأصبحت الآن مرجلاً يغلي جسدينا حتى يتصاعد البخار من أذنينا كما في أفلام الكارتون. مرّة واحدة وأخيرة امكن لي ان اقنعها رغم خوفها بمرافقتي إلى منزلٍ أخلاه بعض أقاربي بهدف بيعه ورجوت ابنهم الشاب ان يزوّدني بمفتاحه وقد تطلّب أقناعها الكثير من الرجاء والضغوط والإبتزازات العاطفية حتى لانت ربّما شفقةً عليّ!
يقع المنزل في الطابق الأول من أحد مباني شارع اليرموك أو بجانب آخر موقف للباصات في ذلك الشارع بالتحديد. وهو خالٍ من أيّ أثاث عدا سجّاداتين ملفوفتين وموضوعتين بجانب جدار إحدىالغرف فمددتُ أحداهما أرضاً واستلقينا عليها. ان الإستلقاء على سجادةٍ رفيعةٍ رخيصةٍ ليس مريحاً خصوصاً عند انعدام وجود المساند. كما ان خوفها وتوتّرها دفعنا للعجلة وبرغم كلّ هذه الظروف فقد كان التمكن من معاشرتها بشكلٍ كامل لأوّل مرة بعد ان أزال الزوج بكارتها التي كنا نخشى عليها, كافياً لغمري بفرحٍ صوفيٍّ نادراً ما اختبرته وزادت تنّورتها الملونة بدلاً من بنطال الجينز الذي اعتادت ارتداءه من انوثتها. لم تخلع سوى سروالها الداخليّ الأبيض وفككتُ انا زرّي قميصها العلويّين لأتلمس طريقي إلى نهديها بعد ان خلعت كامل ملابسي واستلقيت بين فخذيها .
لا أذكر الآن ما إذا كنت قد عاشرتها بعدها أم لا ولكن ما انسى لا انسى نصف الساعة تلك وعبق عطرها وملمس جسدها وفرجها الذي كان قد نزع عنه سترة العزوبيّة وصار ناعماً كخدّيها. تلا ذاك اللقاء بضعة لقاءات أخرى في الأماكن العامّة داخل دمشق وقبلاتٍ مختطفات وعودةٌ مسائيةً أو عودتان في باصٍ يصبح شبه خالٍ قبيل المحطات الأخيرة فيتيح لنا مقعدنا الخلفيّ فيه فسحةً للمساتٍ مقتنصاتٍ من بين فخذيها. أذكر بعدها مواعيداً لا تأتي إليها ورجاءاتٍ لا تلين لها وفتوراً تدريجياً وشوقاً وحزناً وغضباً حتى جاء الشفاء متلبّساً شكل إمرأةٍ أخرى.
——————————————————————-
في سوريا الأسد كلُّ شيئٍ يحيا إلى الأبد. سيّارات الأربعينات, مشاريع التشجير الحرجي, الوزراء, السفراء, المدراء, رؤساء أفرع وشعب الحزب القائد, بائعي الفول, بسطات الفلافل, أمناء الأحزاب في الجبهة الوطنيّة, المناظرات الفلسفيّة الأزليّة حول أفضل السبل للنهوض برغيف الخبز حتى يصبح بمستوى الرغيف اللبناني, عبدالله الأحمر, عزّة الشرع, وزحمة السير, والأخيرة هي أعظم انجازات الحركة التصحيحيّة بعد مكننة الأفران وقذف محمّد فارس إلى الفضاء الخارجي. ففي الباصات الخضر ساعة الذروة عشت أجمل فترات عمري وتكدّست أبهى ذكرياتي. نساءٌ من كلّ الأحجام والألوان والأعمار, منقبات ومحجبّاتٌ وكاسياتٌ عاريات. نهودٌ أمامك وخلفك وعلى جانبيك. أجسادٌ ملساء ليّنة تحيط بك من كل جانب. عطورٌ نسائيةٌ رخيصة ممزوجةٌ بعرق الظهيرة الحارقة. أقفيةٌ تلتصق بك وأخرى تلتصق بها ثم تترك للسائق مهمّة “التنتيع” في السواقة. كان مجرد ولوج الباب الأمامي لأحد الباصات يصيبني بالانتعاظ. ذات مرّة ولولوت إحدىالسيدات في باصٍ يعمل على طريق البرامكة – يرموك فتبادر إلى ذهني (وذهن بقيّة الركاب) ان راكباً ما لا بدّ قد بالغ بعض الشيء في استيفاء ثمن تذكرته منها, ثم بدانا نتبيّن ان صياح المرأة ناجمٌ عن شيء آخر.
كانت تصرخ : “يا ولاد الحرام .. دهباتي .. مشان الله .. يا ناس .. سرقوا دهباتي ..” فتصاعدت فجأة وتيرة التزاحم والتدافش انما لأهدافٍ أخرى هذه المرة إذ أصبح الفضول سيّد الموقف والجميع أراد ان يرقب المشهد عن قرب ويدقّق في تفاصيله وينظر ولو مرّة واحدة إلى وجه المرأة المولولة. بيضاء في العقد الرابع من عمرها وتضع على شعرها غطاء شامياً ويحمل وجهها حسناً شامياً أيضا. صرخت المرأة بالسائق ان يغلق الأبواب ووافقها بعض فاعلي الخير من الركاب الذين لم يكن لديهم ما يصبون إليه حين الوصول إلى وجهتهم. توقف الباص برهةً تدوال الجمعُ خلالها وجهات النظر ثم صرخ أحدهم: روح دوز على مخفر باب مصلّى معلّم. قالها بنبرةٍ من اعتاد على إسداء الأوامر فانصاع السائق تحسباً لان يكون صاحب الأمر يتبع لأحد الأفرع الأمنيّة وتابع طريقه, فيما راحت المرأة الضحيّة تتنقلّ بين الركاب مفتشةً جيوب هذا وفاتحةً “جزدان” تلك حتى وصلت إليّ وبرقت عيناها واشتعلتا أملاً لحظة ان نظرَت إلى ما تحت حزامي ورأت الانتفاخ المعهود الذي لا يفارقني في الباصات وصرخت: ليكوون! وبادرتني بكلتا يديها تتلمّس وتعصر ذكورتي. رغم الإحراج الذي شعرت به ومشاعر الحزن والأسى التي انتابتني على المرأة المسكينة التي فقدت للتوّ كامل ثروتها إلا انني لم أستطع منع نفسي من الإستمتاع بعمليّة التفتيش التي تعرّضت لها. بعد ثبوت براءتي (أو بالأحرى ثبوت إدانتي انما بجريمةٍ أخرى) تابعت المرأة العويل وعمليات التفتيش بضعة دقائق أخرى حتى وصلنا إلى مخفر باب مصلّى وكان رأي الجمع قد قرّ بن السارق (أو السارقة) لا بد قد نزل من الباص قبل اكتشاف المرأة للسرقة وربما يكون قيظ الصيف هو ما دعاهم للإلتفاف حول هذا الرأي ورأوا ان تنزل المرأة من الباص وتذهب مباشرة إلى قسم باب مصلّى بينما يكمل الباص طريقه وهو ما تمّ تنفيذه فرضخت الضحية وغادرت الباص بعد ان تيقّنت بان الأكثريّة كانت ضد التحفّظ على جميع الركاب ريثما ينتهي التحقيق فاستعاضت بالله أو ربما تكون قد ذهبت أولاً إلى المخفر ثم استعاضت بالله.
——————————————————
في أحد صباحات آذار 1984 غادرت الرحبةَ راجلاً حوالي التاسعة والنصف صباحاً بعد ان قمت ببعض الأعمال “المكتبيّة” تجهيزاً لطلبيّة يوم غد. كان الجو باردا بعض الشيء ولكنني لم استقلّ باصاً من أمام مدخل الرحبة بل اتجهت سيراً على الأقدام نحو حيّ الطبّالة حيث مطعم السندويشات المفضّل لدي ويبعد عن الرحبة حوالي عشرة دقائق. هناك اشتريت سندويشتين محمّصتين إحداهما جبنة قشقوان والأخرى مرتديلّا طلياني وتلك هي وجبتي المفضّلة والمعتادة حين يكون في جيبي بعض المال. التهمتهما واقفاً داخل المحلّ الضيّق الذي لا يتّسع لطاولاتٍ أو كراسي ثم ركبت باصاً متجّها نحو باب مصلّى لأقوم هناك بتغيير الباص واتجه نحو المخيّم. تتناقل الإشاعات المتواترة منذ عدّة أيّامٍ أخباراً عن توتّرٍ أمنيٍّ وحركات آلياتٍ عسكريّة غير إعتياديّة وسط مدينة دمشق وأردتُ ان ألقي نظرةً عابرةً على محيط المدينة لإشباع فضولي. كانت حركة المدنيّين خفيفةً والجوّ مشحونٌ بالترقّب وينذر بشيءٍ ما قادمٍ والأنباء عن اشتداد المرض على حافظ الأسد وتأهب أخيه رفعت للانقضاض على السلطة يتم تداولها همساً. لا شيء في الصحف او نشرات الأخبار المحليّة يشير إلى هذا الموضوع من قريبٍ أو بعيد ولا حتى في إذاعتي مونت كارلو ولندن الوحيدتين المتاحتين في تلك المرحلة خارج إطار إعلام النظام.
ساد الناس في تلك الفترة فرحٌ خفيٌ لم يختبروا طعمه منذ الستينات وتفاؤلوا بالموت القادم رغم علمهم بان ما سيتلو حافظ الأسد هو أحد شخصين, اخوه رفعت أو ابنه باسل. إذ ان مجرد موت الرئيس الخالد يعتبر في حدّ ذاته انتصاراً من الله لهم يثبت بالدليل القاطع ان الموت حقّ حتى على الطغاة الخالدين. ثم ان تغييراً ما حتى لو كان ضئيلاً يعيد لهم الأمل بان الزمن لم يقفّ حقّاً كما يتبدّى لهم منذ أكثر من عقدين. الفلسطينيّون بالتحديد كانوا فرحين بإستنفار سرايا رفعت الأسد وينظرون بشوق إلى لحظة الانفجار وانقضاض رفعت على سدّة السلطة فقد كانت تسري بينهم إشاعة لا أدري مصدرها تفيد بان رفعت الأسد هو صديقٌ مقرّب من ياسر عرفات وانه لم يكن راضياً عن مسألة طرده. بالنسبة إلى رفعت كان عرفات آخر ما يشغل باله في الحقيقة. كذلك لم تشغل باله مصالح امريكا التي أشاع النظام عنه قربه منها وتأييده لسياستها “الإمبريالية“. الشيء الوحيد الذي كان في بال رفعت الأسد هو المزيد من السلطة التي أدمنها وصار يحتاج جرعاتٍ أكبر منها وهيّأ له جنون العظمة الذي يسكنه كما يسكن أخاه حافظ الراقد على فراش الموت بانه خير من يستحق خلافته لا الشاب الأرعن باسل الأسد الذي لم يكد يبلغ سنّ الرشد ولم تستطع حتى والدته بإقناعه بعكس ذلك رغم محاولاتها اللجوجة. بالنسبة لي شخصيّاً كان يكفيني ان تندلع الإشتباكات بينهما ليسفك أحدهما دم الآخر ويريحنا منه ثم ندعو الله بعدها ان يريحنا من الحيّ الذي انتصر.
دائماً ما حملت مشاعري السياسيّة طابعاً شخصيّاً فانا لا أستطيع سوى ان أكره الطغاة كرهاً شخصيّاً وليس فقط سياسياً. المفارقة ان الشعب السوريّ بأكمله نأى بنفسه عن الصراع بين الأخوين واختار الوقوف على الحياد بسبب قداسة الشخصيّتيّن التين أسبغت اجهزة الإعلام الأسدية عليهما صفات الآلهة على مدى سنواتٍ طويلة حتى بات النطق بإسم أحدهما دون آيات التبريك التي تخفّف من وطأته كعبارات “سيادة الرئيس” أو “سيادة العميد” تابو لا يمكن مقاربته دون نتائج سلبيّة خطيرة. وقد عنى هذا المأزق ان “الجماهير” باتت لا تستطيع حتى ان تعلن ولاءها لحافظ الأسد حتى لا يُعتبر انها قد أساءت إلى أحد أفراد العائلة المجيدة فوقفت ترقب بصمت.
———————————————————–
وسط هذه ” المنعطفات التاريخية “, كان ينتظرني منعطفٌ شخصيٌّ “تاريخيٌ” هو أيضاً فقد التقيت على متن الباص الذي صعدت إليه في باب مصلّى متجهاً إلى المخيّم بإمرأة لم أشاهدها منذ أكثر من عشر سنوات. شاميةً شقراء في أواخر العقد الرابع من عمرها لم تفلح عشرات الكيلوات من الدهون التي راكمتها السنين على جسدها في إخفاء بقايا جمالها. وكانت تصطحب معها أولادها الثلاثة وابنتيها الذين توزّعوا على المقاعد المحاذية. كانت تلك السّيدة ذات يوم جارةً لنا حين أسكننا والدي في بلدةٍ بقاعية حدودية تدعى “الصويرة” لفترة قصيرة من الزمن, ولقد قتل زوجها اللبناني أواسط السبعينات, الأمر الذي دفعها إلى الانتقال إلى سوريا حسبما قالت لي وهي الان تسكن في مخيم اليرموك وقد كانت للتوّ في زيارة لمنزل والديها. تبادلنا أحاديث الذكريات وما آلت إليه الظروف ثم ودّعتها حين قاربت على الوصول إلى محطتي بعد ان سألتها عن عنوانها ووعدتها بان أقوم بزيارتها قريباً. بعد يومين كنت أطرق باب منزلها المستأجر الواقع في الطابق الأرضي من مبنىً مكوّن من طابقين, ويتكون من حجرتين ومطبخ تفصل بينها فسحةً عاريةً من البلاط. كان الجوّ في منزلها بسيطاً وأليفاً وحنوناً ورغم ان تلفازها في غرفة النوم التي كنّا نجلس جميعنا فيها, فنتوزّع بعضنا على السرير وآخرين على الكنبة, كان يقدّم نفس البرامج التي يقدّمها تلفازنا, إلّا أنني أدمنت السهر عندها نشاهد التلفاز و“نفصفص” البزر ونتبادل الأحاديث غير ذات الأهميّة. وكانت ابنتها الكبرى دائماً ما تجلس إلى جانبي ملتصقةً بي كلّ الأوقات ولا تقوم إلّا لتحضير الشاي أو القهوة ثم تعود لتجلس في مكانها المفضّل حتى لو اضطرت إلى إزاحة اخوتها لتحشر نفسها بالقرب مني. بالكاد كانت قد بلغت السادسة عشر من عمرها, تلك السنّ الذي تبدأ فيه الانثى بإختبار أنوثتها وقدرتها على جذب الإهتمام, وقد اكتسبت من امّها بعض جمالها الشاميّ الأصيل وكذلك بياض جلدها انما دون الشعر الأشقر. جميلة إنما ليست فائقة الجمال, ولكن جاذبيتها الطاغية تنبع من توثبها الدائم وإقدامها مثل قطّة بريّة, ليس عن شبقٍ وشغف انما بدافعٍ الفضول الغريزيّ والرغبة بالإستحواذ على الإهتمام والحب.
كانت أشبه ما تكون بنبتةٍ يقتلها الظمأ ورويداً رويداً صرنا نذهب سويةً انا وهي إلى المطبخ لتحضير الشاي وتبادل الحديث وأشياء أخرى. ثم صرنا نقضي الكثير من أوقاتنا وقوفاً على باب الدار المطلّ على حارةٍ جانبية هادئة وكان بين الباب وصحن الدار ستارةٌ قماشيّةٌ خفيفةٌ معتادة تعلّق على حبلٍ معدنيّ, وتستخدم لحجب سكان البيت عن أعين المارّة حين يُفتح الباب في أيام الصيف القائظة في محاولةٍ يائسةٍ لإستجلاب نسمةٍ عابرةٍ ما إلى الداخل خصوصاً حين لا يكون استخدام المروحة الكهربائيّة ممكناً بسبب ساعات التقنين الكهربائي المعمول بها في سوريا منذ نصف قرنٍ وحتى الآن وربما تكون الحاجة إلى هذا التقنين قد انتفت منذ عقودٍ انما لم ينتبه أحد إلى ضرورة إيقاف العمل بجدول التقنين ذاك. تلك الستارة التي تهدف إلى الحفاظ على خصوصيّة أهل البيت كانت أيضاً تمنحني وإياها عزلةً كنا بأمسّ الحاجة إليها. فمساحة المتر المربّع بين الستارة وباب الدار كانت معتزلنا الأمين في أغلب الأمسيات إذ أن شفافيّة الستارة منحتنا القدرة على مراقبة التحرّكات في الداخل المضاء مساءً والإستعداد لأية مفاجأات, بينما باب الدار المشقوق شقّاً صغيراً والمسنود بقدمي التي تمنع فتحه من الخارج في أية حالة طوارئ كانت توفّر لنا الغطاء الضروريّ لوقوفنا الطويل عند الباب بحجّة اننا نتسامر في برودة الحارة النسبيّة.
في تلك المساحة الضيّقة سافرت كفّايّ عبر تضاريس جسدها اليافع واليانع في كلّ الإتجاهات وتلمّست على مدى شهورٍ تفتّح ورودها. لم تكن تجيد القبل طبعاً ولكن طعم شفتيها الشهيّتين كفّر عن انعدام خبرتها وكان نهداها برعمين لم يبلغا بعد كامل تفتّحهما فشكلّا نتوءين صغيرين بينما لا تزال حلمتيهما بحجم حبتي صنوبر ولم تنضجا كليّاً ولكنهما كانتا أيضاً شهيّتين كخوختين فجّتين حامضتين أو لوزتين خضراوتين. ساعاتٌ من العناق المتقطّع بسبب إضطرارنا بين الفينة والأخرى للدخول لبعض الوقت إلى الغرفة التي تجلس فيها أمها وأخوتها كي لا نثير أكثر من الحدّ الأدنى المسموح به من الشُبهات, ثم نعود بعدها إلى ما نصبو إليه. حين أكون محظوظاً في زياراتي المتكرّرة, تكون في بنطالٍ منزليّ يسهل مرور كفّي عبر حدود دكّته لتصفّح كنوزها أما سوء الحظ فكان يكمن في بنطال الجينز الضيّق الذي نضطرّ إلى عدم فتح زرّه وسحّابه تحسبّاً لقدومٍ مفاجئ لا يتيح لنا الوقت الكافي لإعادة الأمور إلى نصابها.
بعد حوالي شهرين أو ثلاثة من الشرب المثير للظمأ تمكّنت عبر أحد الأصدقاء من تأمين منزلٍ فارغٍ من أهله لبعض الوقت مما أتاح لنا فرصة أكبر للتمتّع بجسديّ بعضينا وسبر أغوارهما. كانت لا تزال ترتدي ملابساً تحتيّة قطنية محايدة وليست مصنوعة من الدانتيلا المفترض انها أكثر إثارةً ولكنها شيئاً فشيئاً بدأت تتبدّل مع الأيام وبدأ الشعر الخفيف ينمو بين فخذيها وتعاظم تكوير نهديها وراحت حلمتيها تنتفخان لتملان فمي فكان ذلك التبدّل التدريجيّ في تضاريس جسدها الذي يحدث أمامي يبدو كما لو انها تتشكّل تحت يديّ كمعجون صلصالٍ بيد نحّاتٍ خبير. حرصنا طبعا على عدم التعرّض لبكارتها حتى جاءتني يوماً بعد انقطاعٍ غير مبرّرٍ طال أسابيع كنت خلالها مشغولٌ بمحاولة التقرّب إلى امرأةٍ حلبيّة التقيتها صدفةً خلال زيارةٍ إجتماعيّةٍ لدار أحد الأصدقاء المشتركين ووقعت في قلبي موقع القدر الذي لا مفرّ منه. فاجأتني بعد ان خلعنا ملابسنا ورحنا نتعانق في إطار الحدّ المعتاد المسموح به بأن طلبت مني إكمال الإتصال الجنسي حيث انها لم تعد بكراً فانصعت تماماً دونما أي تعليقٍ حتى لا أفسد علينا اللّحظة. جلسنا بعدها على الكنبة واستللت انا سيجارةً معتادةً وسألتها عن موضوع بكارتها فقالت ان جارٌ لها مقرّبٌ إليها قد فضّها بعد ان وافقت وانهما قد أتفقا على الزواج ذات يوم ولكنها حافظت على علاقتنا رغم إتفاقهما ذاك لأشهرٍ تلت.
———————————————
بينما كانت حاملة الطائرات الأمريكيّة “نيوجيرسي” ومدمّرات القوّات المتعدّدة الجنسيات وطائراتها تدكّ مواقع جيش النظام السوريّ وحلفائه من ميليشيات حركة أمل والحزب التقدّمي الإشتراكي في البقاع والجبل أوائل شباط 1984 بعد ان أوعز النظام إلى تلك التنظيمات التي تدور في ركبه ومعها تنظيماتٌ فلسطينيّة موالية له, بشنّ هجومٍ عسكريّ على بيروت مستهدفاً الجيش اللبناني, وطالت بعض قذائفهم وصواريخهم مقرّات القوّة المتعددة الجنسيات المتواجدة في المدينة, وعلى انغام تصريحات عبد الحليم خدّام اليومية عن هجوم إسرائيلي وشيك على سوريا وعن استعداده ونظامه الكامل لخوض المعركة القادمة وقدرته على التصدّي لأي عدوان (عدا العدوان الأميركي كما يبدو) راح عشرات الآلاف من عناصر مخابرات النظام يقومون حرفيّاً بإحصاء أنفاس الرعيّة عبر زياراتٍ ليلية مباغتة لمساكن المواطنين تبدأ مع الساعات الأولى للصباح وتنتهي قبيل مطلع الفجر ويتخلّلها دخول عناصر أمنية ترتدي البسةً مدنية وتتسلّح ببنادق “كلاشينكوف” إلى منازل المواطنين وتفتيش الحجرات بعد تجميع أفراد العائلة المرعوبين جميعاً في مكان واحد ثم يستعرضون بطاقات هوياتهم كانهم أوقفوا على حاجزٍ في الطريق العام لا في حجرات نومهم وبعد التأكد من تعدادهم والسؤال عن عمل كلّ منهم وأسمائهم واسماء الغائبين ان كان هناك غائبين يأمرونهم بالعودة إلى نومهم ويغادرون.
طرقٌ شديدٌ على باب الدار, أو ربما بدا شديداً بسبب الصمت المطبق والظلام الدامس, أيقظنا جميعا انا واخوتي ووالدتي من عميق نومنا مذهولين, وعلى وجوهنا نظراتٌ متسائلةٌ بريبة عمّن يمكن ان يكون الطارق. نظرت إلى ساعة يدي لأتأكد من الوقت وكانت الساعة تشير إلى الثالثة إلا ربعٍ صباحاً فازداد ذهولي وتردّدت في فتح الباب ولكن الطرق تكرّر واشتدّ فنهضت من فراشي على وجلٍ دون ان يكون لديّ أية فكرةٌ من سأجد بالباب. فتحت الباب دون ان أضيء النور الكهربائي حتى يتسنّى لي رؤية الطارق بنفس الوقت الذي يتسنّى له رؤيتي تحسباً لأي احتمال فإذا بالباب أربعة ٌ مسلّحين يرتدون جميعا لباساً مدنياً وكان معهم رجلٌ من آل الطيّب المغاربة الذين يسكنون في المنزل الأول عند مدخل الحارة ويفصلهم عنا خمسة منازل ولم يسبق لي ان تحدّثت إليه ولكنه أخيه الأصغر عبدالله الطيب كان من أصدقائي المقربين. لم يتحدّث الرجل بشيء ولكن أحد الرجال المسلّحين طلب الدخول للتفتيش دون حتى ان يعلن عن نفسه ولكن وقاحته ولهجته العلويّة أعلنتا بوضوحٍ عن كونهم تابعين لأحد أفرع المخابرات العديدة, فاستأذنتهم ريثما أوقظ اهل بيتي ليرتدون ملابس لائقة فوقفوا ينتظرون في صحن الدار وعدت انا إلى حجرة النوم وأبلغتهم العائلة بالأمر وخلال دقائق كنت وإياهم واقفين وسط صحن الدار بينما راح رجال المخابرات يتجولون في الحجرتين والمطبخ الصغير المكوّن منهما منزلنا وانتهى التفتيش في دقيقة واحدة إذ اننا لم نكن نعيش في سرايا والحمدلله.
كتمت غضبي مكرهاً وبدأت أجيب عن أسئلتهم بينما حقدي يتعاظم ليس عليهم بالتحديد انما على جارنا الذي حسبته يعمل مخبراً لديهم ثم تبيّن لي لاحقاً انهم منتشرون في أغلب حارات المخيّم ويقومون بإختيار شخصٍ من أول منزل يدخلونه ويأمرونه بالتجول معهم في بقيّة المنازل ليشكّل درعاً بشريّاً لهم في حالة وجود مسلّحين.
أراحني انني كنتُ مجنداً فلم أحتج إلى تلفيق روايةٍ عن عملي وعرضت عليهم بطاقتي العسكريّة وبطاقات هويّات امي وإخوتي فدوّنوا جميع المعلومات في استماراتٍ حملوها معهم ثم غادروا إلى المنزل الذي يلينا وعدت واخوتي الخائفين إلى نومنا أو بالأحرى حاولنا العودة للنوم إنما دون جدوى. ليس لديّ أية معلومات عن الحيّز الجغرافي الذي شملته عمليّة “الإحصاء” هذه والتي كان الناس يتناقلون اخبارها همساً مثل كل الأخبار التي تتعلّق بأيٍ من فروع المخابرات المثيرة للرعب كما ان الستار الحديديّ الذي فرضته الأجهزة الأمنيّة في طول البلاد وعرضها والتعتيم الإعلامي الشامل طال حتى الصحافة العالميّة التي عجزت في الغالب عن إيجاد مصادرٍ لها داخل سوريا وقيّدت حركة مراسليها الأجانب إلى حدّ ان مجازر حماة التي ارتكبها النظام في شباط 1982 والتي قضى فيها عشرات الآلاف من السوريّين مرّت عليها أشهرٌ طوالٌ قبل ان يبدأ جزءٌ يسيرٌ من انبائها بالتسرّب إلى الصحافة العالميّة, لكنني ارجح ان يكون ذلك الإحصاء قد شمل معظم الأراضي السوريّة وقد تزامن مع قيام النظام بتغيير بطاقات الهويّة السوريّة وفرضه على جميع المواطنين الذهاب شخصيّاً إلى فروع المخابرات التي انيطت بها مهمّة إصدار البطاقات الجديدة وملء إستماراتٍ أمنية لكلّ فرد وأخذ بصمات أصابعه كشرطٍ أساسيّ للحصول على البطاقة الجديدة. كان الهدف من تلك البطاقات هو التخلّص النهائي من عشرات آلاف المتعاطفين مع جماعة الإخوان المسلمين الذين فرّوا أبان الأحداث الدامية إلى منطقة الخليج العربيّ او الدول المجاورة إذ ان وقف العمل بالبطاقات القديمة وعدم قدرتهم على الحصول على البطاقات الجديدة التي لا بدّ منها لتجديد جوازات سفرهم عنت عمليّاً إسقاط الجنسيّة السوريّة عنهم وحرمانهم من حقوق المواطنة التي اكتسبوها أباً عن جدّ.
كانت تلك الخطوة بمثابة الضربة القاضية التي وجّهها النظام إلى جماعة الإخوان المسلمين وبقيّة معارضيه السياسيّين الفارين وبينهم حزب العمل الشيوعيّ. فبعد ان قتل وسجن عشرات الألاف منهم قام بالتخلّص ممن تبقى حيّاً وطليقاً عبر تجريدهم من مواطنيتهم بل ان النظام بشكلٍ من الأشكال لم يتخلّص من جماعة الإخوان المسلمين فحسب بل عمد إلى التخلّص من الإسلام نفسه فارضاً مكانه إسلاما جديداً فصّل على مقاسه حتى صار السوريّون السنّة يخشون تربيّة لحاهم خوفاً من الشبهات, فلم يبق ذو لحيةٍ في بلاد الشام إلا بين شيوخ النظام الذين انقسموا إلى فئتين, الأولى فئة المخبرين الصغار الذين يعملون لدى الأجهزة الأمنيّة والثانية هي فئة الشيوخ الكبار ذوي الحضور الإعلامي والذين يعملون في تلميع النظام وترويج وجهة نظره والدعاء المتلفز في الأعياد والمناسبات الوطنيّة لحافظ الأسد وآل بيته. ولقد أشرفت الأجهزة الأمنيّة مباشرة على افتتاح وإدارة عشرات المدارس الدينيّة “المبسترة” ومعاهد تحفيظ القران والفرق الإسلامية الصوفية التي تلهو بقشور الدين كحلقات الدروشة وأمسيات الاناشيد الدينيّة والمدائح النبويّة وتنأى بنفسها عن أمور الحياة الدنيا السياسيّة والإجتماعيّة. وعلى رأس تلك الجماعات يأتي شيخهم البوطي إضافة إلى “الشيخة” منيرة القبيسي التي انشأت تنظيماً صوفياً نقشبندياً خاصاً بالنساء بلغ تعداده حسب بعض المصادر أكثر من 500 ألف إمراة في سوريا وحدها وهو التنظيم المعروف بإسم “القبيسيّات“. وقد تمدّد هذا التنظيم إلى دول الجوار في لبنان والأردن حيث عرف هناك بإسم مؤسّستيه في كلّ منهما فصار اسمه في لبنان “السحريّات” نسبةً إلى سحر بينما سميّ في الأردن “بالطباعيات” نسبةً لفتاةٍ من آل طبّاع ولا زال تجمّع (أو حزب) أو تيّار القبيسيات حتى الآن من أكثر التجمّعات ولاءً لبشار الأسد وقد دأب الأخير مؤخّراً على الإجتماع بمندوبات ذلك التنظيم وبث تلك الإجتماعات على محطات التلفزة السورية, وكذلك نشرها على بقيّة أجهزة الإعلام كنوع من الدعاية له في أوساط الطائفة السنيّة. جدير بالذكر ان أحد أبرز قادات هذه المؤسّسة الضخمة التي يقبع على قمّة هرمها الثريات من نساء الشام السنيّات هي أميرة جبريل شقيقة أحمد جبريل الحليف المزمن لنظام الأسد والتي أسّست فرعاً لها في الكويت يدرّ عليها دخلاً لا بأس به عن طريق التبرعات التي يؤدّيها الأثرياء الكويتيون لمؤسّساتها “التربوية” القائمة تحت اسم “جمعيّة بيادر السلام النسائية“. هذا الإسلام الهجين والمدجّن هو الذي دعا إليه بشار الأسد في أحد خطبه بعد الثورة السوريّة وسمّاه بالإسلام “الشامي” الوسطي بينما هو يقصد الإسلام الأسدي المعتدل الذي انشأه الأب وترعرع في كنفه الإبن ومن أبرز ممثليه هو احمد الحسون مفتى النظام وعمران الزعبي وزير إعلامه ومحمد السيد وزير أوقافه وجميعهم تربّوا في حضن النظام و “مداجنه” الدينيّة.
——————————————————
أواخر العام 1984 حضر إلى مدينة دمشق عبر مطارها الملازم البحري ثائر حجّو (وهو من دورة الباكستان الثانية) أحد الضبّاط المقيمين في معسكر البحريّة الرئيس على سواحل مدينة الحُديدة اليمنيّة, الأمر الذي كان ينطوي على خطورةٍ كبيرة كون الآلاف من المنتمين لحركة فتح كانوا يقبعون في سجون المخابرات السوريّة ولم يبق خارجها أحد منهم. ولكن الصديق ثائر كان محميّاً بحكم وظيفة والده (أبو خلدون حجو) الذي يعمل في شعبة الإستخبارات العسكريّة التي تسيطر على أغلب أجهزة الدولة وتضمّ العديد من أفرع المخابرات وأشهرها “فرع فلسطين” و“الفرع 291″. وبحكم عمله هذا كان يعرف الكثير من ضبّاط المخابرات معرفةً شخصية وكانوا يثقون به رغم معرفتهم بان أغلب أبنائه الذكور (وهم كثر) كانوا من الموالين “للزمر العرفاتية“. وقد استشهد العديد من أبناء أبو خلدون الفتحاويّين وأبناء عمومتهم أثناء العمل العسكريّ المباشر وأعرف منهم معرفةً شخصية الشهيد جمال حجّو الذي قضى في عمليّة الهجوم الذي وقع على مركز المخابرات السوريّة في مدينة الرميلة اللبنانيّة الساحلية والذي كان حاجزه المقام على بوابة مدينة صيدا يؤرّق فلسطينيّي الجنوب اللبناني, إذ أوقف عنده المئات منهم وأودعوا في السجون السوريّة وسآتي لاحقاً على تفصيل الهجوم الذي شارك به المرحوم جمال في كانون الأول 1989. كان ثائر جاراً لي ولا يبعد منزل والديه الواقع عند “موقف أبو حسن” عن منزلي سوى عشرة دقائق سيراً على الأقدام وكثيراً ما كنّا نجتمع في منزله أو منزلي ونشرب بضعة أقداحٍ من البيرة التي كان يحلو لثائر ان يسمّيها بإسمها العربيّ الفصيح “الجعة“. والحقيقة انه زار الشام أكثر من مرّة بعدها ولكن زيارته تلك كانت مميّزة بالنسبة لي لانه حمل لي معه مبلغ 1000$ أرسلته لي القوّة البحريّة ولا زلت إلى اليوم لا أملك أية معلومات عن السبب أو الظروف التي دفعت بهم للقيام بهذا المعروف وما الذي ذكّرهم بي وهل طرح هذه المسألة أحد من أصدقائي ام جاءت بمحض الصدفة. المهم انها كانت مفاجأة سعيدة لي في زمن الطفر المدقع وقد يبدو المبلغ صغيراً فهو أقلّ من راتب شهرين قياساً بمرتبات زملائي من نفس الرتبة المتواجدين في اليمن ولكنه بدا لي مبلغاً ضخماً لم أكن أحلم بمثله منذ تم سوقي إلى “السفربرلك” الأسدي مقابل راتبٍ شهريّ مقداره 5 دولارات. حين حوّلت المبلغ إلى العملة السوريّة عن طريق السوق السوداء (إذ ان مصرف الدولة يقوم بسرقة ربع المبلغ عبر الأسعار الرسميّة التي يفرضها على العملات الأجنبيّة) كانت قيمته 10000 ليرة سورية. طبعا ثمّة مخاطرة كبيرة في القيام بعمليّة الصرف في السوق السوداء, خصوصاً ان عناصر المخابرات يقومون أحياناً بانتحال صفة صرّافين ويتجولون في الأمكنة العامّة المعروفة مثل مدخل سوق الحميديّة ويبدأون بالهمس بالقرب من آذان المارّة “صرافة, صرافة” ثم يقبضون على الزبائن الذين يقودهم سوء حظّهم إلى الوقوع في أيديهم. بل هذا بالتحديد هو ما حصل لأحد زملائنا في دورة كراتشي الثانية, عطالله أبو ربيع, حين سافر في إحدىإجازاته الصيفيّة (أظنها حدثت في صيف 1980) إلى دمشق للترفيه والسياحة. إذ تمّ اعتقاله لبضعة أيام بعد ان حاول صرف مائة دولار لدى أحد عناصر المخابرات هؤلاء كما روى لنا ولولا ان علاقة م . ت . ف. نظام دمشق كانت ممتازة في تلك الفترة لطالت فترة اعتقاله أشهراً أو ربما أعواما.
حين أطلق سراحه بعد تدخل مندوب المنظّمة وقاموا بإرجاع “أماناته” قبل إطلاقه وهي بضعة مئات من الدولارات, أمره الرقيب المسؤول عن تلك الأمانات بأن يقوم بعدّها ليتأكد من انها كاملة فوجدها ناقصةً 100$ وهنا ارتكب خطأه الثاني حين أجاب عن سؤال الرقيب عمّا إذا كان المبلغ كاملاً بالنفي عندها ” طرقه ” الرقيب كفّاً أرجعت الجدران صداه وأمره بان يعيد عدّها ففعل ثم قال “نعم سيدي كاملة“. سددتُ ببعض المبلغ الذي وصلني جزءاً من الديون المتراكمة عند “الأخنش” وهو اسم بقالية توفيق بسبب ان أخاه الأكبر صاحب البقاليّة كان أخنباً وقد تحوّلت صفته تلك مع الأيام لتصبح أخنشاً بدلاً من أخنب, ثم باشرت بصرف بقيّة المبلغ على الرفاهيّة الشخصيّة وبعض تلك المصاريف طال أمي واخوتي مثل أطايب الطعام والفاكهة وبعضها كان حكراً عليّ وحدي كزجاجات الويسكي الفاخرة.
بعد أسبوعين أو ثلاثة من وصول هذا المبلغ إلى يديّ أرسلت إليّ الحسناء الحلبيّة التي كانت قد خلبت لبّي وامتنعت عليّ رغم محاولاتي اللجوجة لمدّة شهرين, عبر أصدقائنا المشتركين تطلب ان أقرضها مبلغ 2500 ل.س للضرورة حيث انها كانت قد باعت إحدىقطع الزينة الذهبية لتفكّ وزوجها ضائقتهما الماليّة إلا ان حماها بدأ يضيق عليها الخناق ويسأل عن تلك القطعة التي زعمت أمامه انها وضعتها لدى أحد محلات الصاغة لإصلاحها. لا أذكر بالـظبط السبب الذي جعل حماها معنيّاً بهذه المسألة ولكنني أذكر أنها أرادت إعادة شراء تلك القطعة خوفاً منه. كان المبلغ المطلوب هو كلّ ما تبقّى لديّ من ال 1000$ التي أرسلت لي لكن جمالها وولهي بها جعلني أوافق على إقراضها إياه وأرسلت لها موافقتي شرط ان تأتي إلى منزلي لإستلامه وكان المنزل فارغا إلّا منّي حيث كانت والدتي قد اصطحبت اخوتي في زيارة إلى بيت جدي في الساحل السوريّ, فوافقت وضربت لي موعداً في عصر اليوم التالي. جاء اليوم التالي بعد طول انتظارٍ وتلهف ورحت أرقب الساعات والدقائق حتى أزفّ وقت الموعد المضروب وحضرت حسب الإتفاق وإنْ متأخرة بضع دقائق. رحبت بها وسألتها ما إذا كانت ستشرب شاياً أو قهوة فاختارت القهوة فأجلستها في حجرة النوم على الطراريح التي نمدّها في النهار للمجالس ووقفت انا في المطبخ لتجهيزها ثم احضرت القهوة والفناجين وجلست ملاصقاً لها وحاولت وضع يدي على كتفها فابتعدت رافضةً بغنج ورحت أتغزل بها وطلبت منها ان تخلع غطاء شعرها لأرى جمال وجهها كاملاً فرفضت أيضاً. بعد بضعة محاولاتٍ مني لسرقة قبلةٍ من خدّها نجحت في طبع نصف قبلةٍ خاطفة وبدا لي انها لا تريد ان تستجيب لمحاولاتي فشربت قهوتي ثم نهضت إلى خزانة الملابس واخرجت المبلغ من أحد الأدراج وناولتها إياه فشكرتني وودّعتني ورافقتها إلى الباب.
بعد يومين كنت في زيارةٍ لنفس الأصدقاء المشتركين وبعد وصولي بربع ساعة حضرت هي أيضاً ورحّبنا بها وجلست على الطرّاحة بقربي بل ملتصقةً بي رغم اتساع الغرفة وعدم وجود أحدٍ سوانا انا وهي وصديقتنا المشتركة وطفلتها الصغيرة. كان وجهها مشرقاً وباسماً ويبدو انها كانت تترقّب قدومي وترقب الطريق من نافذة منزلها القريب فما ان رأتني حتى تبعتني. إذ ما ان ذهبت صديقتنا لصنع القهوة حتى ناولتني شريط كاسيت وطلبت منّي إخفاءه مباشرةً ففعلت. شربنا القهوة وتبادلنا أحاديثاً إعتياديّة لم تشغلني كثيراً إذ كنت مذهولاً تحت وطأة التغيرات الجديدة التي طالما انتظرتها ومحاولاً استجماع كافة حواسي في الجانب الأيمن من فخذي الذي كانت فخذها تلاصقه. كانت تجلس متوسطةً بيني وبين صديقتنا وكانت بجلستها تلك تحجبني نوعاً عن مجال رؤية الصديقة مما أتاح لي فرصة ان أتسلّل بأصابع كفيّ اليمنى التي كنت أجلس متكئاً عليها, وأغرزهما تحت قفاها تدريجياً وبقيت جالسةً كما هي ولم يبدُ عليها الانزعاج فأدخلت كامل كفّي وأبقيتها هناك دقائق طويلة وكان ملمس قفاها على ظاهر كفّي سحرياً لا ينتسى وما ضاعف فتنته هو إكمالها لدردشتها كإنما موضع كفّي ذاك يتناغم كلّيا مع طبيعة الأمور.
أنهت زيارتها بعد نصف ساعة وفنجانيّ قهوة وغادرت إلى منزلها وغادرت انا بعدها إلى منزلي متحرقّاً لمعرفة محتوى الشريط الذي تبيّن انه أغنية “انا بعشقك” للمطربة السوريّة ميّادة الحنّاوي التي اصبحت من أكبر معجبيها منذ تلك اللّحظة ولا أزال إلى اليوم عاجزاً عن منع نفس من محبّتها رغم محاولتي, بعد ان علمت انها من مؤيّدي بشار الأسد!. كان مع الشريط أو بالأحرى داخل علبة الشريط ورقة صغيرة كتبت عليها موعداً لليوم التالي.
لم يكن ممكناً لنا اللقاء داخل المخيّم فزوجها فلسطينيّ وجميع أقربائه وأصدقائه هم من سكان المخيّم لذا فإنّ مكان لقائنا الذي اختارته هو مدخل سوق الحميديّة ومن هناك انطلقنا نحو الأزقّة الداخليّة للمدينة وما ان غادرنا مدخل السوق المزدحم نحو شارع جانبيّ حتى مدّت يدها كفّها اليسرى وعانقت بها كفّي وسرنا يداً بيد من شارعٍ إلى شارع نتبادل الأحاديث ونداعب كفيّ بعضينا. حدّثتني عن كلّ شيءٍ, عن عائلتها في حلب وزواجها المضطرب وطفليها وشؤونها اليوميـّة وكنت انا كعادتي منصتاً أكثر منّي متحدثاً إذ كنت منشغلاً بكفّها النائمة في كفّي. تجولنا لمدة ساعتين لم تغادر كفّها الصغيرة مرقدها إلّا دقائق لتعود من جديد إليه ثم اتجهنا نحو موقف البرامكة متفقين على ان نسير منفردين قبيل الوصول وان نجلس في نفس المقعد عند صعودنا إلى الباص انما كغريبين وكانت قد وافقت أيضاً على اللقاء في منزلي صباح اليوم التالي بعد ان علمت ان أهلي في الساحل وليس في المنزل سواي. من حسن حظّي انني أسكن في آخر خطّ الباصات وكانت هي ايضاً تسكن على بعد ربع ساعة منّي وستغادر الباص في المحطة الآخيرة مثلي مّما أتاح لي فرصة مداعبة فخذيها لدقائق قليلة من تحت تنّورتها السوداء بعد ان أصبح الباص شبه خالياً حين كاد ان يبلغ نهاية خطّه.
الساعة الثانية عشرة ظهراً طرقت الباب فتسارع خفقان قلبي من شدّة لهفتي ولمّا فتحت تبسّمت بخفرٍ وحيّتني ثم دخلت. أغلقت الباب والتفتُ نحوها فإذ بها تنزع غطاء رأسها لتكشف عن شعرٍ أسودٍ حريريٍ يزيد من بياض وجهها فتأملتها لبرهةٍ ثم قلت:واه. كم انتِ جميلة!. اقتربت منها وعانقتها وطبعت على جانب رقبتها قبلةً طويلةً طال انتظارها فعانقتني بدورها ولما انتقلت بشفتيّ نحو شفتيها سلّمتني إياهما تلقائيّاً ورحنا في قبلٍ وعناق حتى تعبت أقدامنا من الوقوف فجررنا بعضينا إلى غرفة النوم واستلقينا على الطرّاحة المعهودة. استمهلتني لتخلع عنها قميصها الرماديّ وتنورتها السوداء وأبقت على صدّارتها وسروالها الأحمرين. جسدها جميلٌ كوجهها ومتناسقٌ وقليل الدهون إلّا في الأمكنة المناسبة, بيضاء هيفاء أقصر منّي طولاً بسنتيمتراتٍ قليلة أمّا نهديها فصغيران إنما منتصبان كنهديّ مراهقةٍ رغم كونها في الثامنة العشرين من عمرها. أمضينا ساعتين بين مطارحة الغرام وشرب القهوة وحان موعد عودتها إلى منزلها فودّعتني وغادرت على ان تعود في الغد وبنفس التوقيت.
حضرت في اليوم التالي وبين يديها طنجرةٌ صغيرةٌ جلبت بها نصف طبختها اليومية لإنني كنت لا أتناول سوى البيض والأجبان و“النواشف” منذ سافرت والدتي فأرادت ان تدلّلني قليلاً كما قالت. استمرّت زياراتها اليوميّة لي مدة إسبوعٍ عاد أهلي بعدها ولم نعد نستطيع اللقاء في منزلي فعدنا إلى البديل الوحيد المتوفّر وهو التجوال في مدينة دمشق على غير هدى وأحياناً الجلوس في حديقةٍ عامة لبعض الوقت لكن ذلك لم يكن كافياً ليشفي غليلنا. وقد بلغ بها التوق يوماً ان أحضرت معها “بطانيّةً” واقترحت ان نذهب بتاكسي إلى طريق دمّر حيث اوقفنا التاكسي في مكان خالٍ منتصف الطريق وغادرناها وبدأنا بالسير بحثا عن منطقةً معزولةٍ يمكن لنا ان نختلي ببعضينا فيها فلم نجد مبتغانا. بعد مسير ربع ساعة اقترحَت ان نذهب صعودا نحو الجبل المتاخم للطريق الخالي إلّا من الأيكات الشوكيّة والشجيرات الصغيرة, ففعلنا ومشينا صعوداً نحو عشرين متراً وتوقفنا بجانب أيكةٍ نشرنا عليها البطّانية التي أحضرتها لنفترشها, مما شكّل لنا خيمةً صغيرةً تقينا عن أعين سائقي وركاب السيّارات المارّة على الطريق العام. وضعت ابنتها الرضيعة التي غفت بين يديها في زاوية “الخيمة” ثم بدأت بمعانقتي وبسبب الظروف الحرجة لم تخلع من ملابسها سوى سروالها التحتيّ وبقيت انا بكامل ملابسي وضاجعتها عبر “السحّاب“.
ما ان انتهينا من ممارسة الحب حتى فاجأنا شابان من الجهة الثانية التي اعتقدناها مأمونةً إذ انحدرا نحونا من أعلى الجبل وسألانا عمّا نفعله في تلك الأرض الجرداء. لست متأكداً ما إذا كان الشابان تابعين لجهةٍ أمنيّة ما أو لا لكنني أرجّح ذلك, إذ ليس من سببٍ آخر يدعوهما لتسلق ذلك الجبل القاحل. اجبتهما بانني وزوجتي في “سيران” وهو اسم النزهة باللهجة الشاميّة وبدا عليهما التشكّك بإجابتي لكن وجود الطفلة الرضيعة معنا جعلهما يقتنعان فغادرا. أكتشفت يومها انني لا أحبّ الجنس في العراء, وخصوصاً بجانب الطرقات العامّة المزدحمة بالسيارات! ولم أعد إليه في حياتي بعد تلك الرحلة إلّا مرّتين وبعد سنواتٍ طويلة الأولى منها مضطّراً لعدم توفّر الأمكنة وكانت في جبل الباروك اللبناني والثانية في الريف الجنوبي لبريطانيا, تلبيةً لرغبة صديقة انكليزيّة كنت تعرّفت عليها حديثاً.
إستمرّت علاقتنا أكثر من عام ولكن صعوبة إيجاد منزلٍ نلتقي فيه بقيت عائقاً رئيساً أمامنا وأيضاً العائق الرئيس في جميع العلاقات التي سبقتها والتي تلتها فمرة أذهب بها سفر ساعتين إلى القطيفة حيث كان ابن خالي الرقيب المتطوع في الجيش السوري يستأجر منزلاً صغيراً من مؤسّسة الإسكان العسكريّ ويقوم بإعارتي مفتاحه كلمّا سافر إلى ضيعته او ذهب في مشروعٍ مع قطعته العسكريّة, وطوراً كنت أستعير مفتاح مزرعة قرب بلدة الحسينيّة من أحد أقربائي الشباب وأحياناً أخرى كانت هي التي تجترح مكان اللقاء في بيت صديقة لها تسكن في حيّ التقدّم ولكن ذلك الحلّ كان يحتاج إلى ترتيبٍ مسبق كون صديقتها تلك متزوجةٌ ونحتاج إلى التأكد من ان زوجها سيكون خارج البيت عند قدومنا كما ان وجود الصديقة نفسها معنا في البيت ضروريٌ تحسباً لعودة زوجها إلى المنزل بشكلٍ فجائيٍ وبالتالي كانت تدعونا للدخول إلى أحد الغرف وتبقى هي جالسةً في غرفةٍ أخرى بانتظار انتهائنا من ممارسة الجنس وكان ذلك محرجاً بعض الشيء. بعد بضعة أشهر انتقلت وزوجها من المنزل القريب إلى منزلٍ آخر يقع في الطابق الثاني لمبنىً ذي أربع طوابق في حيّ ” الساحة ” وسط شارع فلسطين. وكون المبنى التي انتقلت إليه فيه اربع طوابق وثمان شققٍ سكنيّة فقد أصبح بالإمكان زيارتها بعد موعدٍ مسبق إذ لم يكن أحد ليعرف تماما إلى أي شقةٍ يتجّه الزائر عبر مدخل المبنى.
صرنا نحدّد مواعيدنا عبر الهاتف ووضعنا بيننا علامة هي منشفةٌ حمّامٍ حمراء اللون تضعها على حبل الغسيل الممدود على شرفة منزلها حين يكون الطريق مأموناً والمنزل خالياً إلا منها ومن طفلتيها وفي هذه الحالة تترك باب شقتها موارباً بحيث أدخل مباشرةً دونما حاجة لطرق الباب وتنبيه الجيران إلى صوت الطرق. أمّا في حالة عدم وجود المنشفة الحمراء فيعتبر الموعد لاغياً ونحتاج إلى ضرب موعدٍ آخرٍ بيننا. بعد بضعة أسابيع أصبح زوجها عاطلاً عن العمل فأضطررنا إلى تغيير مواعيد لقاءاتنا إلى ما بعد منتصف الليل الأمر الذي بات بالغ الخطورة بسبب وجود زوجها في المنزل أثناء اللقاء. حين كنت اصلّ منزلها بينما لا يزال الزوج صاحياً كنت أضطر إلى انتظار ذهابه للنوم في غرفة الإستقبال ذات البابين أحدهما خارجيٌ تتركه لي موارباً عند موعد قدومي والآخر يفتح على صحن الدار وتقوم بإقفاله واخفاء مفتاحه تحسباً. يوجد للشقّة بابان كأغلب الشقق في المخيم إذ اعتاد الناس ان يجعلوا باب غرفة الإستقبال هو المدخل لإستقبال الضيوف والباب الآخر الذي يفتح على صحن الدار هو لأهل البيت والأقرباء إذ ان أغلب العائلات تستخدم صحن الدار كغرفة جلوس عائليّة بالتالي لم يكن من المعتاد إستخدام غرفة الإستقبال أو الدخول والخروج عبرها وهو ما جعلها مكاناً شبه آمن لي.
منذ أصبحت مواعيدنا ليليةً ازدادت جمالاً إذ أصبحت تأتيني إلى غرفتي حيث انتظر وهي بكامل تبرجّها ومرتديةً أجمل حللها كإنما هي ذاهبةٌ إلى حفل عرسٍ فازاددت جاذبيتها وصارت لقاءاتنا شبه يوميّة رغم ارتفاع درجة خطورتها خصوصاً ان صوت إغلاق وفتح الباب الداخلي لغرفة الإستقبال بالمفتاح عدة مرّات كان مسموعاً مهما حاولت مداراته خصوصاً في ساعات الليل المتأخرة إذ انها عادةً ما تأتي حين يتأخر زوجها في سهرته إلى غرفتنا عند وصولي لتقبّلني وتبلغني ان عليّ الانتظار بعض الوقت ثم تذهب لتجلس عنده في غرفة النوم بعد ان تعيد إغلاق الباب عليّ بالمفتاح. الخطورة الأخرى في هذه العلاقة نبعت من كون شقتها الجديدة هذه تقع خلف مخفر مخيّم اليرموك مباشرةً وعليّ ان أمرّ أمام المخفر مرّتين ليلياً, الاولى في الثانية عشرة عند منتصف الليل والأخرى عند عودتي في ساعات الفجر الأولى .
————————————————–
ان أشدّ ما يخيف النظام السوريّ ويتهدّد وجوده بعد الحرب هو السلام فان حالة اللّاحرب واللّاسلم التي أقام على تخومها أكثر من أربعة عقود مردّها أولاً إلى يقينه التامّ بان حرباً حقيقيّة مع إسرائيل ستؤدي إلى انهيار نظام حكمه بشكلٍ كامل وليس فقط إلى هزيمة عسكريّة يمكن له تجاوزها إذ ان انعدام التوازن الإستراتيجي بين سوريا وإسرائيل كان يتّسع يوميّاً وفق متواليةٍ هندسيّةٍ حتى أصبحت الهوّة بين قدرات البلدين شاسعةً إلى حدٍّ لا يمكن تصوّره وكان ذلك طبيعيّاً إذا ما قارنت قدرات الدولة الحداثيّة الديموقراطيّة الإسرائيليّة ونهضتها الإقتصاديّة والعلميّة والتكنولوجيّة مع تلك التي يمكن ان يحوز عليها خصمها, الكيّان الأوليغاركي البائس واقتصاده الفاسد المحكوم بالرشى وعصيّ الأجهزة البوليسيّة والقائم على البطش والإرهاب والأحقاد الطائفّية. إذ ان انتفاء تهويل الإعلام “الحربي” وانعدام وجود العدو المشيطَن سيُجرّد النظام السوريّ وكلّ نظامٍ يشبهه من المشجب الذي يعلّق عليه كلّ أزماته ويضعه أمام تحدّيات تنمويّة إقتصادية واستحقاقاتٍ سياسيّة وإجتماعية يعجز عن مواجهتها بحكم طبيعته التي لا تتيح له البقاء إلّا وسط الفساد والعسكرتاريّة والطائفيّة التي نما وترعرع فيهم. ان الشرط الموضوعي الذي أتاح لنظام الأسد ان يستمرّ بشعاراته القوميّة وعنترياته اليوميّة على مدى عقودٍ طوال رغم عزوفه عن المجابهة العسكريّة الحقيقيّة هو وجود لبنان القابع أبداً على فوّهة بركان طائفيّ وتقاطعٍ إقليميٍّ ودوليّ والجاهز أبداً للانفجار عند أوّل عود كبريت وكان لدى آل الأسد وشُرطهم السريّة مصنعاً ضخماً لعيدان الكبريت.
حين تمّ توقيع إتفاق 17 أيّار بين لبنان وإسرائيل الذي نصّ على وقف حالة الحرب بين البلدين وتطبيع العلاقات وحظر الميليشيات المسلّحة جنّ جنون حافظ الأسد من هذا الخطر المحدق بنظامه وقرّر مجابهته بكلّ قوته. فقد كانت المسألة بالنسبة له هي مسألة حياة أو موت خصوصاً ان القوّات الإسرائيليّة جعلت من الإنسحاب السوريّ والإيراني من لبنان شرطاً لإنسحاب جيشها منه, كما ان وجود القوّات متعدّدة الجنسيّة مع بوارجها وطائراتها وقدراتها النارية والتكنولوجيّة والإقتصاديّة جعلت من لبنان الرسمي المستقوي بهذه القوّات ندّاً للجيش السوريّ لأول مرّة منذ تأسيسه. كان من شان هذا الإتفاق ليس فقط إعادة السلام للبلد الذي أثخنته الحروب بل أيضاً إطفاء جذوة “المقاومة” الشعاراتيّة الإقليميّة المتّكئة كليّاً على بنادق الميليشيات اللبنانيّة والفلسطينيّة المنفلتة والتي أتقن نظام الأسد اللعب على تناقضاتها واستخدامها وفقاً لمصالحه السياسيّة والإعلاميّة وفصّل من أعلامها رايةً مقاومة ومجابهة “بطوليّة” بقي يلوذ بها ويرفعها بوجه تطلّعات الشعب السوريّ الذي ناء به وبطائفته وكذلك بوجه الدول العربيّة الخليجية لإبتزازها ماليّاً وسياسيّاً. من وجهة نظر الحكومات الإسرائيليّة المتعاقبة فانها جميعا لم تكن ترى غضاضةً في “مقاومة” النظام السوريّ ذات الحجم الصغير والنكهة “السوبر لايت” فقد كان يريحها من عبء حراسة الحدود السوريّة الإسرائيليّة ويضمن لها بقاء نظام الأسد صاحب الفضل في تأمين تلك الحدود كما ان حرص هذا النظام على “مقاومتها” فقط على الأراضي اللبنانيّة شكّل حمايةً مضاعفةً لمواطنيها وإقتصادها واستقرارها وازدهار كافة مجالات الحياة فيها.
ما صعّب مسألة إتفاق 17 أيار على النظام السوريّ وهوّل من شأنه كان إتجاه عرفات العلني نحو التسويّة السياسيّة وتوافق الجوّ العام الرسمي العربيّ مع ذلك التوجه والذي عبر عنه في قمّة فاس التي تبّنت بدورها تلك التسوية. وكذلك الدعوات التي باشر بها أولاً خصمه عرفات إلى إستعادة مصر لدورها العربيّ وميل أغلبيّة أعضاء جامعة الدول العربيّة إلى تبنّي تلك الدعوات إضافةً إلى الموقف الدولي الغربي الذي أعلن تأييده لمبادرة ريغان. أشارت كلّ تلك التحولات والتوجّهات السياسيّة إلى ان التسويّة السلميّة قادمة لا شكّ فيها مما سيعرّي الأسد من أغلى ما يملك ألا وهو “الشعارات والعنتريّات المقاومتيّة“, إلا إذا استطاع أعادة خلط أوارق اللعبة من جديد كعادته.
رغم تفاقم الحالة المرضيّة لحافظ الأسد بداية عام 1984 وانشغاله بتطويق محاولات أخيه الأصغر الطموح رفعت بالوثوب إلى سدّة الحكم, بعد تيقّنه من ان أخيه الأكبر بدأ يعدّ العدّة لتسليم الحكم من بعده إلى ولده باسل, إلّا أنّ المسألة اللبنانيّة والسلام الإسرائيلي الداهم المحدق بنظامه كانا أشد أهميّةً بالنسبة له خصوصاً انه كان يعلم في قرارة نفسه ان شهيّة أخيه المفتوحة على السلطة يمكن في أسوأ الأحوال ملؤها بالعملات الأجنبيّة. في شباط 1984 استنفذ النظام السوري كلّ السبل والضغوطات السياسيّة في محاولة ثني الفريق اللبناني الحاكم عن تطبيق الإتفاق الموقّع مع إسرائيل ودفعه إلى التراجع عنه فأوعز إلى “حلفائه” في حركة أمل والحزب التقدّمي الإشتراكي وفصائل منظّمة التحرير الفلسطينيّة بتصعيد القتال وبدء الزحف نحو بيروت الغربيّة وطرد ألويّة الجيش اللبناني وميليشيات المسيحيّين الموالين لأمين الجميّل والداعمين للإتفاق. جاءت ساعة الصفر في 6 شباط بالتحديد وخلال بضعة أيام تمّت هزيمة ميليشيات المقاومة اللبنانيّة المسيحيّة والألويّة المسيحيّة في الجيش اللبناني. شاركت القوّة المتعدّدة الجنسية في هذه المعركة بزعم تعرض مواقعها لقذائف الحلف السوريّ لكنها عادت فآثرت الانسحاب من بيروت بعد انتفاء الحاجة إليها لحماية الإتفاق السلمي بسبب انهياره وأيضاً بسبب عودة الفصائل الفلسطينيّة المسلّحة إلى المخيّمات وعدم حاجة فلسطينيّي المخيمات إلى حماية القوّات الدوليّة. وقد كانت هذه الحماية هي السبب المعلن لإعادة انتشار تلك القوّات في بيروت عقب مجزرة صبرا وشاتيلا بعد ان كانت قد غادرتها عند إكتمال الانسحاب الفلسطينيّ في العام 1982.
بعد هزيمة الألويّة المسيحيّة وانسحاب القوّات المتعدّدة الجنسيّة وسيطرة الميليشيات المواليّة لسوريّة واللواء السادس الشيعي في الجيش اللبناني على المنطقة الغربيّة لبيروت وعودة الدولة اللبنانيّة إلى التشظّي بين المسيحيّين والمسلمين, وإعادة الإعتبار إلى خطوط التماس التقليديّة بين الطوائف صار سقوط اتفاق 17 أيار أمراً محتوماً وأشتعلت جذوة “المقاومة” بمنفاخ حافظ الأسد ودولارات كلٍّ من آية الله الخميني وآيه الله الأخرى العقيد معمّر القذافي. كذلك استعان الأسد بخزائن القذافي لإشباع نهم وجشع أخيه الطموح الذي وافق ان يغادر دمشق حاملاً حقائب أموالٍ لا تأكلها النيران واحتفل النظام السوريّ بانتصاره الجديد الذي كلّف وسيكلّف “الأشقّاء اللبنانيّين والفلسطينيّين” على مدى السنوات القادمة عشرات الآلاف من القتلى ومئات الألاف من الجرحى والمهجّرين والمهاجرين.
في نفس الفترة التي بدأ فيها نظام الأسد بإستعادة سيطرته على لبنان تدريجيّاً راحت الجارتان اللدودتان إيران والسعودية تتغلغلان في النسيج الطائفي اللبناني. ولإن طمح الإيرانيون بمشاركة الأسد في استثمار الطائفة الشيعيّة, فإن الإستراتيجيّة التي اتبعها السعوديون هي التودّد إلى كافة الطوائف والفصائل المسلّحة اللبنانية عبر الملياردير السعودي من أصلٍ لبناني رفيق الحريري, الذي تجمعه بالملك السعودي فهد بن عبدالعزيز صداقةً شخصيةً وعلاقةً عائليّةً. إذ ان طليقة الحريري, نضال بستاني وأمّ أبنائه الثلاثة بهاء وحسام وسعد كانت متزوجة من فهد. راح سعد الحريري يتقرّب أولاً من أمراء الحرب اللبنانيّين المتقاتلين من كافة الطوائف وعلى كافة الجبهات ومدّهم بمئات الملايين من الدولارات السعودية لشراء ذممهم وولاءاتهم. دفع الحريري عملياً, أثمان كل الصواريخ والقذائف والرصاصات التي أطلقها أطراف الحرب اللبنانيّة على بعضهم البعض منذ العام 1982. كما بدأ بتقديم المساعدات العينيّة والطبيّة والتعليميّة عبر مئات من المنح الدراسيّة التي شملت كافة الطوائف مع التركيز على الطائفة السنيّة حتى استطاع سحب ولاءاتها من زعاماتها التاريخيّة التقليديّة مثل آل الصلح وآل سلام وآل كرامة وتحويلها إلى طائفة موالية له بأغلبيتها, مما مكّنه من اكتساح الانتخابات البرلمانيّة مع حصّة كبيرة من النوّاب السنّة التابعين له وتأمّنت له كتلة نيابيّة كبيرة خوّلته بأن يصبح رئيسا شبه دائم لمجلس الوزراء اللبناني والرجل السنّي الذي يحكم قبضته الناعمة على اكبر قدرٍ من السلطة والقدرة في تاريخ لبنان.
ما كان النظام السوريّ ليستطيع منافسة الإيرانيّين والسعوديّين من حيث الدعم الماليّ وإغداق العطاءات على الموالين له لكن سيطرته الإستخباريّة على مقاليد الأمور جعلته قادراً على تمكين حلفائه من التمويل الذاتي بل وتمويل رجالاته النظام السوريّ أنفسهم عبر تلك السيطرة. إذ كانت المناصب الوزاريّة والرئاسيّة والعسكريّة والأمنيّة وكافة التعيينات الإداريّة العليا في الدولة تمرّ من تحت يديّ مندوبه السامي غازي كنعان الذي تحكّم حتى بالانتخابات النيابيّة وتشكيل اللوائح وتركيب التحالفات, لذا فان حلفاء هذا النظام كان يتمّ تمويلهم عبر تمكينهم من مناصب تدرّ عليهم الثروات. يذكر مثلاً روبير حاتم مرافق إيلي حبيقة والمسؤول عن أمنه الشخصيّ لسنواتٍ في كتابه “إيلي حبيقة من إسرائيل إلى دمشق” انه شاهد جهاد ابن وزيرالخارجّية السوريّ عبدالحليم خدّام أكثر من مرّة في مكتب إيلي حبيقة عندما أصبح وزيراً للكهرباء وسمعه يقول له: بيسلّم عليك البابا وبيقولّك ما في حواليك شي مشروع بحدود الأربع أو خمس ملايين دولار, وكان حبيقة يستمهله بضعة أيام ثم يقوم بتلزيمه أحد المشاريع المتوفّرة والتي يقوم جهاد بدوره بإعادة بيعها للمتعهدين محقّقاً نسبةً كبيرةً من الأرباح على حساب الخزينة اللبنانيّة. كان النظام أيضاً يستعين بقدرات كبار المستثمرين والإقتصاديّين اللبنانيّين عبر فرض خوّات ماليّة عليهم ويذكر روبير حاتم في نفس الكتاب المذكور ان عبدالحليم خدّام كلّفه بإختطاف رجل الأعمال المصري من أصل لبناني روجيه تمرز وإحتجازه وعدم إطلاق سراحه حتى يدفع مبلغ خمس ملايين دولار تقاسمها خدّام مع إيلي حبيقة. كما ان هناك قضيّتان معروفتان تكشفان حجم الإموال التي جناها رجال النظام السوريّ في لبنان مع حلفائهم السياسيّين أولهما قصة النائب اللبناني وتاجر المخدّرات الدولي يحي شمص الذي أسقطت عنه النيابة وحُوّل إلى القضاء العام 1995 وحكم عليه بالسجن بتهمة تهريب المخدّرات إثر خلافٍ مع غازي كنعان حول بنايةٍ تقع وسط بيروت كان قد تخلّى له عن ملكيّتها مقابل فوزه بالانتخابات البرلمانيّة ثم تراجع عن الإتفاق وأراد تغيير بنوده, ثم عاد مجلس المجلس النيابي اللبناني, بعد استعادة شمص لرضى كنعان, فأقرّ تعديلاتٍ قانونية أتاحت إطلاق سراحه. أما القضية الثانية فهي قضيّة إفلاس مصرفيّ “الإعتماد” و“المدينة” غسّالتي أموال صدام حسين وابنائه الذين انهارا عام 2003 بعد ان فقدت منهما اموالٌ بلغت قيمتها 1,65 مليار دولار ذهب أكثر من نصفها إلى جيوب غازي كنعان ورستم غزالة وماهر الأسد بمساعدة رنا قليلات حاكمة بنك المدينة وأخيها طه. ومن ضمن تلك الإختلاسات, مئات الملايين من الدولارات التي استولى عليها متنفذون في سوريا وأخرى أمر غازي ورستم بمنحها إلى حلفاء سوريا في لبنان وعرف منهم:
• كريم بقرادوني : خمسة ملايين دولار
• ناصر قنديل : سبعة ملايين دولار
• محمود علوان : خمسة ملايين دولار
• إلياس سكاف : تسعة ملايين دولار
• وئام وهّاب : ثلاثة ملايين دولار
• اسعد حردان : مليونا دولار
• الياس المر: تسعة ملايين دولار
• إميل إميل لحود : سبعة ملايين دولار
• محمد وبرهان وناظم غزالة أشقاء رستم غزالة : 8 ملايين و396 ألف دولار.
• ماهر الأسد: خمسين مليون دولار ( عبر خالد قدّور)
ناهيك طبعاً عن عشرات الملايين من الدولارات التي كانت تذهب بإستمرار إلى جيوب رستم غزالة وغازي كنعان مباشرةً وحين انعدم وجود السيولة النقديّة وشارف البنكان على الإفلاس صار كلّ من غازي ورستم يجبران اصحاب البنكين على الدفع بالسبائك الذهبية.
———————–————————–
بعد أشهرٍ طويلةٍ من علاقتي بإمرأة “المخفر” طرأ على حماسي لها فتورٌ مردّه بالدرجة الأولى إلى إرتفاع درجة الخطورة التي أحاطت في ظروف تلك العلاقة, وصارت المسافة الزمنيّة التي تفصل بين لقاءاتنا تتباعد شيئاً فشيئاً خصوصاً انني كنت قد تعرّفت إلى امرأةٍ لبنانيّة تقطن في أطراف مدينة دمشق بعد ان فرّت وعائلتها إبّان الإجتياح الإسرائيلي والحروب المتلاحقة التي تبعته. ورغم ان زوجها يعمل في بيروت ويتردّد عليها في الإجازات فإن منزلها لم يكن مكاناً ملائماً للقاءاتنا لكونها تسكن مع أقرباءٍ لزوجها في منزلٍ واحد مما أثار مشكلة إيجاد المقرّ الآمن من جديد, والذي كنّا نستعيض عنه في غيابه بالمتاح. أول الحلول الجزئية التي بدت لي مقنعةً كان خيار الذهاب إلى إحدىدور السينما في دمشق ولم أعد أذكر ما كان الفيلم المعروض يومها, بل ولست أعتقد انني شاهدت أيّ مقطع منه. اخترت لنا مقعدين في طرف صفّ من المقاعد يجاوره حائط مدخل القاعة واجلستها في الجهة الخارجية مقابل الحائط محاولاً الإبتعاد قدر الإمكان عن المشاهدين الآخرين. كان عدد الحضور قليلاً نوعاً ما ممّا أتاح لنا فسحةً من الخصوصيّة إنما فقط بالقدر الذي يمكن لك ان تحوزه من الخصوصيّة في قاعة سينما!. اطفأت الانوار ورفعت الستارة وبدأ الفيلم وبدأت انا بمداعبة يد رفيقتي وذراعها وكانا كافيان لإشتعالي, فالمرّة الأولى التي تقرب فيها امرأة ما, دائماً ما تكون ساحرة وترتفع فيها درجة الانجذاب الجنسي والروحي إلى أقصى معدّلاتها وكانت تلك هي المرّة الأولى معها, وزاد اشتعالي طبعاً, جمالها وتناسق جسدها. بعد دقائق من مداعبة ذراعها وكفّها مددت ذراعي حول كتفيها معانقاً لبرهةً ثم متسلّلاً من فتح قميصها نحو ثدييّها ورحت أمسدهما وأعتصرهما وأحاول تصور شكلهما عبر أصابعي وراحة يدي. كانا جميلين وزاد جمالهما توقي إليهما لمدة أسابيعٍ طويلة. بقيت كفّي تجول بين ثديّيها مدة عشر دقائق أو ربما نصف الساعة إذ ان الزمن نسبيٌّ حسب نظرية أينشتين ولا يمكن تحديده في ظروف الإثارة تلك. ما أعلمه على وجه الدقّة هو ان خصيتيّ كادتا أن تنفجرا من فرط انتعاظي. انتقلت بكفّي من صدرها نحو فخذيها وكانت لسوء حظّي ترتدي بنطال جينز لا فستاناً أو تنورةً فاضطررت إلى ان اكتفي بتلمّس فخذيها عبر قماش الجينز السميك ثم قرّرت التمادي فرحت اتلمس فرجها وأعتصره بحنان ورقّة من فوق البنطال أيضاً.
بعد دقائق لم تعد تحتمل الإثارة ويبدو انها هي أيضاً كادت ان تنفجرّ ففتحت بنفسها زرّ بنطالها وأرخت سحّابه فبات الطريق مهيئاً لكفّي فتطاولْتُ نحو بطنها حيث حافة سروالها الداخلي وتسللت نزولاً نحو فرجها الشهيّ. كان مشعراً بعض الشيء انما ليس بكثافة وبدا من ملمسه انه لم تمضِ على حلاقته سوى أيامٍ قليلة, ورحت أستكشف معالمه وسط الظلام الذي خفّت حدّته بعد ان تعودت عليه عينيّ وكذلك طبعا أعين بقيّة المشاهدين ولكني لم أملك خياراً آخر سوى متابعة ما أقوم به.
بعد ان اكتفيت من تمسيده رحت أدخل أصابعي داخله والعب بهما ضاغطاً على طرفه الإعلى برسغي وهنا بدأت صوت تنهيداتها يعلو فتوقفت عن الحركة لكنها امسكت ذراعي من رسغي بكلتا يديها وراحت تقوم بتحريكها بنفسها بعد ان سيطرت عليها وتحوّلت تنهيداتها إلى شهقاتٍ تتلاحق وتتعالى بعد كلّ حركة حتى كادت ان تطغى على أصوات الممثلّين في الفيلم!.
انتزعت يديّ من بين كفّيها بعد ان صارت أغلب الوجوه تتجّه نحونا بدلاً من متابعة الفيلم وسحبتها من ذراعها بعد ان أبلغتها بضرورة الخروج من قاعة السينما للتوّ فأحكمت زرّ بنطالها وسحّابه وانصاعت مكرهةً وخرجنا ملتهبين كقرنيّ فلفلٍ هنديّين. سألتها كم تحمل من المال في محفظتها فأجابت بضعة مئات من الليرات وجدت معي أيضاً حوالي المائة ليرة (اذ كان الشهر في اوّله) فتوجّهت إلى أحد الفنادق القريبة والرخيصة نسبيّاً كما يوحي منظره إذ ان مدخله كان عبارةً عن درجٍ ضيّقٍ يرتفع مباشرةً إلى الطابق الأول بينما الطابق الأرضي مشغولٌ كمحلٍ تجاريٍ أظنه لبيع الملابس. وعند مدخل الطابق طاولةٌ صغيرةٌ يجلس أمامها موظفٌ على كرسيٍّ خشبيّ وأمام على كرسيٍ آخر زميلاً له فبادرته بالسؤال عن اجرة الغرفة ليومٍ وأحد وانتبه مباشرةً إلى انني لا احمل حقائب سفر فتبيّن مرامي بحكم خبرته على ما يبدو فسألني من تكون المرأة التي ترافقني فأجبته بانها زوجتي فقال : هل معكما ما يثبت انكما زوجان ؟
قلت لا , فانا لا أحمل مستنداتي زواجي أينما ذهبت!
– هل تحملا جوازي سفركما؟
– لا
إعتذر عن إستقبالنا مبرّراً ان القوى الأمنيّة لا تسمح له بذلك وعدنا إلى الشارع الذي جئنا منه والخيبة تغمرنا والشهوة تحرقنا فقرّرنا ان تخترع كذبةً لأقربائها عن صديقةٍ قديمة تريد زيارتها على أن تتسلّل مساءاً إلى منزلي حيث صرت أسكن وحيداً في الغرفة الخارجيّة وهو ما فعلَته فأطفانا نيراننا التي تآكلتنا طوال النهار. بعد أيامٍ عدت إلى البحث المحموم عن أمكنةٍ أستعيرها من أصدقاء وأقرباء لمدّة ساعات في النهار وقضينا أشهراً طويلة نتقلب في أسرّةٍ مستعارةٍ ونقتنّص لذّاتٍ مسروقات.
عصر أحد أيّام حزيران 1984 طرقت باب دارنا فتاةٌ سمراء فائقة الجمال أو ربما ان تبرّجها وهندامها الفخم ورشاقتها أضافوا عليها الكثير من السحر والجاذبية. بدت كانها مضيفة طيران في أبهى حُللها وبلغ طولها حوالي 168 سم (أطول مني بأربعة سم تقريباً) قد أخذ بتلابيبي منذ ان فتحت الباب. عرّفتني بنفسها فإذ بها تلك الفتاة الأقل من العادية التي عرفتها في طفولتها بحكم علاقاتٍ إجتماعيّة بين أسرتينا وكانت تصغرني بعامٍ واحد أي انها كانت في العشرين عمرها. كان ذلك التحول العظيم في شكلها مذهلاً بالنسبة لي. هي فتاةٌ لبنانيّةً من أصلٍ فلسطينيّ تقوم حالياً بزيارة والدتها المطلّقة التي تزوجت ثانيّة من فلسطينيّ سوريّ وتقيم على بعد بضعة حاراتٍ من منزلنا. رحّبت بها وقالت لي بعد شرب القهوة وتبادل أحاديث الذكريات والسؤال عن المستجدات انها بحاجة إلى ان تذهب إلى دائرة الهجرة والجوازات لإجراء معاملة “التخريج” إي الإستحصال على إذن خروج تحتاجه لمغادرة سوريا متوجهةً إلى لبنان, فاقترحت عليها فوراً ان ارافقها كونها لا تعرف المكان فقد كانت تلك هي المرّة الأولى التي تزور فيها سوريا فوافقت شاكرةً واتفقنا على اللقاء صباح اليوم التالي في منزلنا.
جاء صباح اليوم التالي وجاءت هي معه ترتدي طقماً مؤلفٍ من سترةٍ بنيّةٍ فاتحة اللون دون أكمام (حفر) وتحتها قميصاً ضارباً إلى الخضرة قليلاً وبنطالاً من نفس لون ونوعية السترة. كانت ألوان ملابسها وتناسقها تشبهها في اناقتها وفتنتها إلى حدٍ بعيد انما الشيء المفاجئ كان ان بنطالها كان أيضاً بدون أكمام!. ارجّح ان يكون ذلك “الشورت” ذو اللون البنيّ الفاتح هو أول شورت نسائيٍ يسير في شوارع المخيم وبل وأول من سار أيضاً في شوارع دمشق في تلك الأيام. كان يظهر بشكلٍ خاصٍ سحر ساقيها الرشيقتين الطويلتين وفتنة فخذيها الحنطيّين المكتنزين على غير سمنة. بدا صباحها ذاك صباحاً جميلاً وجذّاباً بشكلٍ إستثنائي انما خلال شربي القهوة معها من جديد أفقت بعض الشيء من سحرٍ ساقيها وذهولي لمرآى فخذيها وبدأ يتنازعني شعوران غريبان أحدهما تمتعي بالسير إلى جانب كلّ هذا الجمال والتنعّم بمرآه وملامسته وانزعاجي من كثرة العيون الفضوليّة التي ستلاحقنا طوال الساعات الأولى من النهار ريثما تنتهي مهمتنا وانتصر الشعور الأول منذ الجولة الأولى وبالضربة الفنيّة القاضية. أنهينا قهوتنا وانطلقنا سيراً نحو الطريق العام ومنطقة الدوّار وقد عزمت سلفاً على استئجار “هونداية أو سوزوكّايّة” (شاحنة صغيرة منتشرة في سوريا) بدلاً من التاكسي الأصفر العاديّ. سوف تتيح لي الأولى الإلتصاق بذلك الجسد المثير طوال الفترة التي تستغرقها رحلتنا وقد برّرت لها خياري بان هذا النوع من وسائل النقل أرخص بكثير ولا أدري ما إذا كان ذلك صحيحاً أم لا. تجاهلت السيّارات الصفراء التي بدت كبيرةً أكثر من اللزوم وأشرت لأحد “الهونديات” وبعد إبلاغه عن وجهتنا والإتفاق معه على السعر صعدت انا أولاً إلى جانبه وصعدت بعدها صديقتي الجديدة لتجلس ناحية الشبّاك.
الله كم كان ملمسها جميلاً! ما ان انطلقت الهونداية حتى وصلت مباشرةً حسب نظرية النسبيّة في تغيّر قيمة الزمن, فغادرنا العربة الصغيرة وولجنا إلى مبنى شؤون اللاجئين الفلسطينيين في منطقة عين كرش حيث قمنا بإجراءات المعاملة المطلوبة وكلّي شوقٌ إلى “هونداية العودة“. حين خرجنا من الدائرة الحكوميّة عرضت عليها ان نسير في شوارع دمشق نحو سوق الحميديّة لأعرّفها على بعض معالم المدينة الأثريّة فوافقت واتجهنا نزولاً نحو مدخل الحميديّة الذي كان يبعد عنّا حوال ربع ساعة وكنت خلال الطريق أضع يدي على خاصرتها كلّما أحتجنا إلى الانتقال إلى الضفّة الأخرى من الطريق وفي العبور الثالث أخترت التقاف كفّها بدلاً من خصرها وعمدتُ إلى إبقائها محتجزةً داخل كفّي طوال بقيّة الطريق وحتى لحظة ركوبنا بعد حوالي ساعتين من التجول في هونداية أخرى (أو ربما سوزوكّاية !). كنت قد تجهّزت منذ ليل امس بمفتاح منزلٍ خالٍ داخل المخيّم تحسباً لأيّة تطورات فعرضت عليها بعد تناولنا لطعام الغداء في أحد مطاعم اللحمة بعجين الشاميّة المنتشرة داخل سوق الحميديّة بان نتوجه إلى ذلك المنزل لشرب الشاي وإستكمال أحاديثنا فوافقت.
وصلنا إلى “المقرّ الآمن” وجهّزنا الشاي سويّاً ثم القهوة لاحقا وجلسنا على الكنبة متلاصقين وبدأ الحديث يخبو حتى كاد ان يصبح همساً, وكفّانا تتعانقان أحياناً وأحياناً أخرى تعانق كفّاي فخذها وتداعبه في محاولةً الإقتراب إلى أقصر مسافة ممكنة من سروالها الداخليّ, كما لو كنت لاحماً بريّاً يتهيّأ للانقضاض على فريسته ويحاول التسلل نحوها بضعة أمتار قبل هجومه المباغت. بدأت بتقبيلها فتجاوبت انما بقيت تقاوم كلّما حاولت دفعها للتمدد على الكنبة مكتفيّةً بالقبل التي كنت امطرها بها. بعد عدّة محاولات استجابت بصعوبة واستلقت على ظهرها واستلقيت انا فوقها اعانقها وأقبلها وبقيت أكافح لأكثر من عشرة دقائق حتى نجحت بعد لأيٍ بنزع بنطالها القصيرة وعشرة دقائق أخرى لنزع سروالها الداخليّ بينما هي تهمس بتهجّد :لا. لا غسّان. وانا أهدّئ من روعها قائلاً لها ان لا تقلق إذ انني لن أخدش بكارتها.
بعد ان انتهينا , أو بالأحرى بعد ان انتهيت انا إذ ان قلقها البالغ أشغلها عن سواه, عدنا فاستوينا على الكنبة ودخنت انا سيجارةً ثمّ تهيّانا للذهاب ومشيت معها حتى أصبحنا على بعد بضعة امتارٍ من منزل والدتها ثم ودّعتها دون ضرب موعدٍ آخر إذ كانت ستسافر في اليوم التالي عائدةً إلى لبنان. حين التقيت بها في المرّة التالية في طريقٍ فرعيٍ ضيّق وسط مدينة صيدا حيث كانت قد اوقفت السيّارة رباعيّة الدفع التي تقودها لتتحدّث لصبيّةٍ تقف على الطريق وإلى جانبها في السّيارة يجلس زوجها, اكتفينا بالإيماء لبعضينا من بعيد فقد كانت قد مرّت أربعة سنواتٍ على “علاقتنا” القديمة التي استمرت نصف يومٍ أو أقلّ قليلا.
——————————–
ان عملية 6 شباط 1984 العسكرية التي قامت بها الميليشيات المواليّة للأسد وسيطرت على أثرها على بيروت الغربيّة, أعادت الأوضاع فيها إلى ما كانت عليه قبل الإجتياح الإسرائيلي للمدينة حيث أعيد الإعتبار لخطّ التماس العسكريّ التقليدي المقام طوال الحرب الأهليّة اللبنانيّة بين شطريّ بيروت المسيحي والإسلامي. كذلك أدّت العملية إلى استسلام الرئيس اللبناني أمين الجميّل وانصياعه لرغبات حافظ الأسد بإلغاء إتفاقيّة 17 أيار في محاولة منه لإخماد شرارة الإحتراب الأهلي التي اندلعت من جديدٍ في أكثر من منطقة وبدأت نيرانها تهدّد كافة المناطق اللبنانيّة فقام على أثرها بزيارة دمشق واللقاء بحافظ الأسد. إلّا ان عملية 6 شباط قد انتجت في نفس الوقت حالة من الفراغ الأمني في العاصمة وبدأت المنظّمات الفلسطينيّة المشاركة في تلك الانتفاضة بإستغلال ذلك الفراغ لإعادة بناء قدراتها العسكريّة ومن ضمن تلك المنظّمات كانت حركة فتح التي بدأ كوادرها في بتلّقي الأموال من ياسر عرفات في المخيمات الفلسطينيّة الثلاثة الموجودة في بيروت الغربيّة والمتاخمة للمناطق الشيعيّة الواقعة تحت سيطرة حركة أمل. كان هناك أيضا عرفاتيون لبنانيّون ربما أكثر خطورة على النظام السوريّ من عرفاتيّي المخيّمات في تلك اللّحظة التاريخيّة إذ انهم كانوا يسيطرون بحكم الانتماء الطائفي على معظم أحياء بيروت السنيّة وأتحدّث هنا عن التنظيم الناصري المستقل المعروف بإسم “المرابطون” والذي يقوده إبراهيم قليلات. إعتمد قليلات وتنظيمه وتمويله وتسليحه كليّا على حركة فتح التي ساهمت بانشائه أبان الحرب الأهليّة كحليف إستراتيجي سنّي بيروتي أي من الطائفة اللبنانيّة التي يعيش في أحيائها جميع القيادات العسكريّة والسياسيّة الفلسطينيّة لذا فان تلك الأحياء السنيّة اكتسبت أهميّة إستراتيجيّة كبرى ربما حتى أكبر من المخيمات الفلسطينيّة التي وان شكّلت رافداً بشريّاً للتنظيمات المسلّحة الفلسطينيّة فانها لم تكن بذات أهميّة حين يتعلق الأمر بالأمن الشخصيّ لتلك القيادات التي تعيش وتعمل خارجها. مع عودة التنظيمات الفلسطينيّة إلى المخيّمات بدأ تنظيم المرابطون ينتعش من جديد ويعيد افتتاح مقرّاته ومكاتبه الميليشياويّة في مناطق حاضنته الإجتماعيّة أي “السنّة البيارتة“. لم يكن التموضع الجغرافي الطائفي حكراً على تنظيم “المرابطون” بل قانوناً عاماً تعمل وفقه جميع الأحزاب والفصائل اللبنانيّة حتى الحزب الشيوعيّ الذي تتقاسمه المناطق الشيعيّة والمسيحيّة وكذلك الحزب ” العلماني” الآخر اي الحزب القومي السوريّ الإجتماعيّ. كان الفارق الوحيد بين الفصائل الشيعيّة والدرزيّة وبين فصيل المرابطون هو ان الأخير لا يعيش تحت جناح النظام السوريّ ووجب الخلاص منه خصوصاً انه يشكلّ الواجهة السياسيّة للطائفة الكبرى في بيروت الغربيّة, أي نصف العاصمة اللبنانيّة وبالتالي نصف القرار السياسيّ للدولة اللبنانيّة.
بعد تراجع الدولة اللبنانيّة عن اتفاق 17 أيّار نفّذت إسرائيل تهديداتها بالانسحاب من طرفٍ واحد دون التشاور والتنسيق معها, مما أدّى إلى تمدّد الفراغٍ الأمني إلى تلك المناطق التي انسحبت منها بدءاً من مدينة صيدا الجنوبيّة التي أخلتها منتصف شباط 1985 ثم البقاع في 24 نيسان من نفس العام ثم مدينة صور التي أكملت انسحابها منها بعد بضعة أيام من إكتمال انسحابها من البقاع. كان المسيحيّون ومعهم ميليشياتهم المسلّحة وعلى رأسهم “القوّات اللبنانيّة“, الفصيل المسلّح الأكبر والأشد قوّة والتابع لحزب الكتائب, قد استغلوا فرصة وجود القوّات الإسرائيليّة للعودة إلى بلداتهم في الضواحي الشرقيّة الجبليّة لمدينة صيدا ومع الانسحاب الإسرائيلي وجدوا انفسهم بين خيارين إما ان يتركوا تلك البلدات من جديد ويعودوا إلى بيروت الشرقية والمناطق المسيحيّة المجاورة لها أو ان يحاولوا السيطرة على مدينة صيدا التي تمدّهم بالحياة ويمرّ عبرها شريانهم الإقتصادي والخدماتي فاختاروا الثاني من هذين الخيارين وانقضّوا على المدينة السنيّة بالمدفعية الثقيلة والصواريخ في محاولةٍ لفرض سيطرتهم عليها. تصدّى التنظيم الصيداوي السنّي التابع لمصطفى سعد للقوات المسيحية المهاجمة, وهو تنظيمٌ صغيرٌ نسبيّاً يستمدّ قوّته من القدرة العسكرية للفصائل الفلسطينيّة وقد شارك أهالي مخيمي عين الحلوة والمية مية في تلك الحرب الضروس بالبنادق القليلة التي كانت مدفونة في بيوتهم منذ بدء الإجتياح وتمكّنوا من إجبار القوّات اللبنانيّة المسيحيّة على الانسحاب بعد سقوط المئات من القتلى والجرحى وتهجير أكثر من 60 ألفاً من المسيحيّين من جديد وقد تمّ الانسحاب بحراً عبر بلدة “الجيّة” في 24 نيسان بعد ان تجمع عناصر القوّات اللبنانية الذين بلغ عددهم حوالي 400 مقاتل في بلدتي عبرا ومجدليون.
في الوقت نفسه الذي كانت فيه القوّات المسيحيّة الحليفة لإسرائيل تصبُّ حممها الناريّة على مدينة صيدا السنيّة في محاولةٍ لفرض سيطرتها عليها كان حلفاء سوريا في “حركة أمل” يصبّون نار حممهم على نفس الطائفة إنما في العاصمة بيروت وقد آزرها في الهجوم الذي شنّته على تنظيم “المرابطون” فصائل لبنانية أخرى متحالفة مع سوريا كالحزب الشيوعيّ اللبناني والحزب التقدّمي الإشتراكي. وقد نجحت تلك الفصائل في دحر التنظيم الصغير خلال بضعة أيام خصوصاً ان قائده إبراهيم قليلات كان قد فرّ إلى خارج لبنان قبل تلك المعركة بعدّة أشهرإثر إشتباكاتٍ مع حزب وليد جنبلاط. ومع هزيمة تنظيم المرابطون, عادت الطائفة السنّية البيروتيّة إلى الحظيرة الأسديّة وعادت تسميّة رئيس الوزراء اللبناني الذي هو أعلى منصب للطائفة السنيّة في لبنان لتصبح شاناً خاصاً يقرّره حافظ الأسد لا زعماء الطائفة, واختفى التنظيم العسكريّ كليّاً من الساحة البيروتية واختفى ايضاً تواجده السياسيّ وبقي مجرد ذكرى حتى العام 2001 حين شجّعت المخابرات السوريّة أحد أقرباء ابراهيم قليلات وهو عميد متقاعد من الجيش اللبناني يدعى مصطفى حمدان على إعادة انشاء التنظيم سياسياً واستدرّت له دعماً ماليّاً من العقيد القذافي بهدف شقّ الطائفة السنيّة التي كاد الحوت الماليّ السياسيّ رفيق الحريري ان يتبلعها بأكملها ويعيد إليها قرارها السياسيّ المفقود وولائها التقليديّ لحكّام آل سعود أكبر المرجعيّات السنيّة.
—————————————————–
كان الخلاص من تنظيم المرابطون سهلا وسريعاً وبقي على النظام السوريّ ان يخشى العرفاتيّين الذين بدأوا يتضخمون أعداداً وعتاداً بفعل المبالغ الماليّة الطائلة التي عاد ياسرعرفات إلى ضخّها من جديد. وكان على حافظ الأسد ان يتحرّك بسرعة قبل ان يستفحل خطرهم ويبدأوا بالتمدّد نحو حواضنهم الإجتماعيّة والطائفيّة خارج المخيّمات في المناطق التي خسروها أبان الإجتياح الإسرائيلي. ولقد بدأ التحرك السوريّ بتاريخ 16 أيار 1985 أي بعد شهرٍ وأحد أو أقلّ من تاريخ القضاء على حركة “المرابطون” التي مهدت للقضاء على حركة فتح, إذ شنّت حركة امل ومعها اللواء السادس في الجيش اللبناني معركة داميةً سقط خلال اليوم الاوّل منها فقط اكثر من 40 قتيلاً و200 جريحا وارتفع العدد في اليوم التالي إلى 100 قتيل و500 جريح وفي اليوم الثالث دعت صحيفة الثورة الناطقة بإسم النظام السوريّ إلى وقف الحرب بين الأخوة ورفاق السلاح مضيفةً في نفس المقالة “ان تطهير المخيمات من الموالين لعرفات سيسهم في إرساء السلام في لبنان!”. أمّا القذّافي فقد دعا فصائل المقاومة الفلسطينيّة “إلى الحضور مع مخيّماتهم إلى ليبيا لمتابعة نضالهم هناك من أجل تحرير الأراضي المحتلّة“! ولقد رفض الحزب الشيوعيّ اللبناني والحزب التقدّمي الإشتراكي حليفا سوريا الآخرين المشاركة في ذلك القتال وأعلنا انه يهدف إلى إستكمال المشروع الإسرائيلي بالقضاء على ما تبقّى من المقاتلين الفلسطينيّين. وبل إن جنبلاط قد تحالف ضمناً مع المنظّمات الفلسطينيّة التي وقفت معه وقاتلت إلى جانبه في حرب الجبل فسمح لها بإستخدام مواقعه العسكريّة في جبل الدروز منطلقاً للقصف المدفعي على الضاحيّة الجنوبية معقل حركة أمل وعلى محيط المخيمات لمنع حركة أمل من التقدم.
إستمرّت المعركة الأولى من حرب المخيّمات شهراً كاملاً وأُطلق عليها إسم حرب رمضان وقتل فيها 210 فلسطينيّاً بعضهم ذبحا بالسكاكين وبين المذبوحين أطباءٌ وممرضاتٌ وجرحى تمّ إعتقالهم في مستشفى غزّة الواقع على أطراف مخيم شاتيلا وبلغ عدد الجرحى 620. وكذلك تمّ تهديم 40% من المنازل وتهجير 15 ألف شخصاً من سكان المخيمات ناهيك عن مئات المخطوفين من الشباب الفلسطينيّين الذين كانوا يقطنون خارج المخيمات في ضواحي مدينة بيروت الفقيرة وآخرون ألقي القبض عليهم عند حواجز حركة أمل في الجنوب البقاع والذين لم يعرف مصيرهم أبدا. ولقد انتهت تلك المعركة بوقف إطلاق نار تمّ التوصل إليه في دمشق بعد ضغوطات دولية وعربيّة ولكن اللواء السادس وحركة أمل أبقيا على حصارهما للمخيمين.
ما كاد مخيما صبرا وشاتيلا التوأمان يلملمان جراحها حتى فتحت حركة أمل نيران مدافعها ورشّاشاتها الثقيلة عليهما من جديد وبشكلٍ مفاجئ في الرابع من أيلول 1985. وقد تركّز هجومها هذه المرّة على مخيّم برج البراجنة المتاخم لحيّ حارة حريك الشيعي بأغلبيته, كما حاولت التقدم عبر بعض المواقع الدفاعية الفلسطينيّة المحيطة بالمخيم ولكنها فشلت واستمرت الإشتباكات عشرة أيام سقط خلالها من الفلسطينيّين 20 قتيلاً و85 جريحاً إضافةً إلى ثلاثين مدنيّاً من الفلسطينيّين الذين كانوا يقطنون في حارة حريك, وقد طوّقهم عناصر الحركة صبيحة الهجوم على المخيّم وانزلوهم من شققهم إلى الشارع حيث اطلقوا النار عليهم بعد تجميعهم وقتلوهم بدمٍ بارد. بعد اليوم العاشر من الإشتباكات تمّ التوصّل إلى إتفاق وقف إطلاق نار جديد بضغوط من رجال الدين وبعض السياسيّين اللبنانيّين. في الحقيقة فان وقف إطلاق النار ذاك, وعشرات الهدن الآخرى التي تم الإتفاق عليها, جميعها لم تصمد إلا لفترات طويلة أو قصيرة لا تلبث بعدها الهجومات على المخيمات ان تشنّ من جديد في تلك الحرب التي طالت متقطّعةً لمدة ثلاثة وثلاثين شهراً. بعد بضعة أيّامٍ من وقف إطلاق النار هذا شنّ علويو جبل محسن في مدينة طرابلس ذات الغالبيّة السنية هجوماً على الفصائل المسلحّة المحليّة بإيعازٍ من مخابرات النظام السوريّ أسفر عن سقوط أكثر من 120 ضحية بين قتيلٍ وجريح ولم تتوقف تلك الإشتباكات إلّا بعد إتفاقٍ تمّ التوصّل إليه في دمشق وأسفر عن دخول القوّات السوريّة إلى المدينة لحفظ الأمن فيها مسيطرةً في نفس الوقت على مخيميّ اللاجئين الفلسطينيّين فيها وهما نهر البارد والبدّاوي وبدا حينها ان أغلب الحروب التي تدور بين الأطراف المتقاتلة في كلّ المدن والبلدات اللبنانيّة عادةً ما يكون المنتصر الوحيد فيها هو نظام حافظ الأسد.
في الشهر التالي وبالتحديد في 7 تشرين الأوّل شنّت حركة أمل هجوماً جديداً على ما تبقّى من مخيم شاتيلا واستمر هذا الهجوم مدة سبعة أيام قتل وجرح فيه المزيد ممّن بقي حيّا في المخيم ودمّرت أيضاً بعض المنازل المتبقيّة.
أواخر الشهر الآخير من العام 1985 شنّت حركة أمل حملة مداهماتٍ واسعة على مخيمّات مدينة صور المعقل الرئيس للحركة وللطائفة الشيعية التي تشكّل غالبية سكان المدينة الجنوبية وقراها كافةً بل وغالبية الجنوب اللبناني بأكمله من جسر سينيق جنوب صيدا حتى الحدود الإسرائيليّة الشماليّة مع وجود بعض القرى المسيحيّة والدرزيّة, فاختطفت على حواجزها العسكريّة مئات الشبّان من المخيّمات الثلاثة, البصّ وبرج الشمالي والرشيديّة وأودعتهم في سجونها وقتل منهم الكثير تحت التعذيب بعد ان وصل الإحتقان الطائفي والعنصري ضد الفلسطينيّين إلى ذروته.
ان تلك الحروب الطائفيّة التي شنّتها الحركة بالتحالف مع النظام السوريّ عبر التجييش الطائفي وتحت شعار التصدّي للقوّات المواليّة لعرفات و“ورفض العودة إلى ما قبل 1982″ إنما هدفت في الحقيقة إلى بسط هيمنة الحركة على بيروت الغربيّة وقرارها السياسيّ وعدم السماح لمنظّمة م . ت. ف, خصوصاً منها الجزء الموالي لياسر عرفات من تقاسم ذلك القرار معها ومع حليفها السوريّ. كما انها هدفت في الوقت نفسه إلى فرض السيطرة السياسيّة والعسكريّة على الطائفة الشيعيّة التي بدأت إيران تنافسهما على اسثتمارها, تسندها عشرات المليارات من دولارات النفط الإيراني والآلاف من اللحى والمراجع الدينيّة ذات القداسة بحكم انتسابها المزعوم لآل البيت المقدّسين عند الطائفة الشيعية إلى حدّ التأليه.
رفضت الشخصيّات والفصائل الوطنيّة اللبنانيّة تلك التصفيّة التي لحقت بالفلسطينيّين وعبّرت علناً عن شجبها ومعارضتها لتلك الحرب خصوصاً ان تلك الفصائل أدركت ان هيمنة الحركة على المخيّمات والفصائل الفلسطينيّة المسلّحة, سيعني في نفس الوقت هيمنتها على الاحزاب اللبنانيّة مثل الحزب التقدمي الإشتراكي والحزب الشيوعيّ ومنظّمة العمل الشيوعيّ وتنظيم الناصريين الصيداوي. إنما لم تتمكّن تلك التنظيمات من فعل الشيء الكثير على المستوى العسكريّ عدا عن الدعم اللوجستي الذي قدّمه وليد جنبلاط للفلسطينيّين وبعض التسهيلات العسكريّة في منطقة الجبل التي بقيت محدودة بسبب خوفه من النظام السوريّ. لك يكن مفاجئاً ان أكبر المعارضين لحرب أمل على المخيمات هو حزب الله المتكون حديثاً والذي حمل نفس المشروع السياسيّ الذي حملته حركة أمل, إنما لصالح ربّ عملٍ مختلف هو الوليّ الفقيه آية الله الخميني, الطامح بدوره أيضاً إلى بسط نفوذه على الطائفة الشيعيّة. ولقد لعب هذا الحزب الذي بدأ بالتوسّع بشكلٍ سريعٍ دوراً كبيراً بإدخال الأسلحة إلى الفلسطينيّين في المخيّمات المحاصرة في أكثر من مرة.
لقد شهدت تلك الحرب كمثيلاتها من الحروب الطائفيّة التي سبقتها, الكثير من المآسي والمعاناة والمجازر التي ارتكبت بحق الفلسطينيّين المحاصرين بدءاً من الجوع والقهر وصولاً إلى الموت المجّاني لمجرد تسليّة القاتل. ويقول محمود نوفل عضو اللجنة المركزيّة والمكتب السياسيّ للجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين والقائد العسكريّ لقوّاتها في تلك الفترة في كتابه “مغدوشة: قصّة الحرب على المخيّمات في لبنان” (الفصل الأول ص 9) “تحمّلت (المرأة الفلسطينيّة ) الهبوط بعيشها من مستوى حياة أواخر القرن العشرين إلى مستوى القرون الوسطى. ولم يتوقف الأمر عند هذا الجانب، بل قدمت نساء المخيم عشرات الشهيدات اللواتي سقطن في القصف على منازلهن و في خطوط التماس وهن يدافعن عن بيوتهن ويسعفن أزواجهن وأولادهن. وفي “ممرات الموت“، كانت المرأة تعبر مجازفة بحياتها من شاتيلا والبرج باتجاه الأحياء المجاورة لإحضار حليب الأطفال وما تيسّر من موادٍ تموينية أخرى، لان الرجال صاروا هدفا للقتل والإعتقال المحققين بين جولات المعارك المتلاحقة وخلال فترات الهدنة المتقطعة. وعلى هذه الممرات، يلهو قناصة “امل” بتصيد النساء بطلقات بنادقهم؛ بعد ان يسمحوا لهن بالمرور من ممرات إجبارية ثم يتبارون في دقة الإصابة بالمسدسات والرشاشات. هنا يتمّ القتل بمزاج.
————————————————–
مع استكمال محاصرة مخيّمات صورمن قبل حركة أمل أواخر كانون الأول 1985بعد ان أطبقت حصارها سابقاً على مخيّمات بيروت, ومع دخول قوّات الجيش السوريّ إلى مدينة طرابلس السنيّة والسيطرة عليها وعلى مخيّماتها وبإعتبار ان مخيّم بعلبك البقاعي كان واقعاً تحت سلطة النظام السوريّ وقوّاته المتواجدة هناك منذ اندلاع الحرب الأهليّة اللبنانيّة منتصف الثمانينات, استدعى النظام إلى دمشق كلّاً من وليد جنبلاط ونبيه برّي وإيلي حبيقة لإبرام إتفاقٍ سياسيٍّ جديد كان فيه رابحان أساسيّان أوّلهما النظام السوريّ كالعادة والثاني هو حليفه نبيه برّي واستثنيت الطائفة السنيّة من اللقاء إذ كان النظام وحلفاؤه قد قضوا على أمراء الحرب فيها وعلى القدرة العسكريّة لحلفائها التاريخيّين في الفصائل الفلسطينيّة ممّا جرّدها من إيّ ثقلٍ يؤهلها للمشاركة في تفاصيل الإتفاق لتحمي مصالحها إسوةً بأمراء الطوائف الثلاثة الكبرى الأخرى الشيعيّة والدرزيّة والمارونيّة.
كان إيلي حبيقة رجل المخابرات القوّاتي القوي الذي قاد في آذار من نفس العام انقلاباً عسكريّاً على قائد القوّات اللبنانيّة السابق فؤاد أبو ناضر واستولى على قيادتها بمساعدة القائد العسكريّ في القوّات سمير جعجع والقائد السياسيّ الأرمني كريم بقرادوني, قد أمضى الأشهر التي تلت سيطرته على القوّات في خلواتٍ وزياراتٍ سريّةٍ إلى منزل رفيق الحريري في باريس تلقّى منه خلالها عشرات الملايين من الدولارات مقابل السير في مشروعٍ سياسيٍ تهيّؤه دمشق ويهدف إلى وقف الحرب اللبنانيّة التي كان رفيق الحريري مستعجلاً على انتهائها ليبدأ مشروعه الإستثماري الخاص الذي سيدرّ عليه المليارات من الدولارات. ولقد التقى حبيقة خلال تلك الزيارات بوزير خارجية الأسد عبد الحليم خدّام أكثر من مرّة واطلع منه على تفاصيل المبادرة السورية المدعومة سعودياً.
ولقد تضمنّ ذلك المشروع نقطتين رئيسيّتين أولها تعديل الميثاق اللبناني الذي انشئت على أساسه الدولة اللبنانيّة والذي يقضى بتقاسم السلطة مناصفةً بين المسيحيّين والمسلمين إلى مثالثةً بين الطوائف الثلاثة الرئيسة, الموارنة والشيعة والسنّة, مع الإحتفاظ برئاسة الوزراة للطائفة السنيّة (منزوعة السلاح) كجائزة ترضيّة لرفيق الحريري. اما النقطة الرئيسة الثانية في الإتفاق الذي تمّ توقيعه في 28 كانون الأوّل 1985 فقضت بإقامة علاقات “مميّزة” بين سوريا ولبنان وهو ما عنى في تفاصيله الإعتراف بمصالح النظام السوريّ الإستراتيجيّة في لبنان ومنحه الكثير من الصلاحيّات السياسيّة والعسكريّة ومنها التواجد العسكريّ في المناطق التي يراها هو ضرويّة أي ان هذا الجزء من الإتفاق قد نصّ فيما نصّ على الهيمنة العسكرية السوريّة على لبنان.
في 31 كانون الاوّل 1985 اليوم الثاني لتوقيع الإتفاق الذي عرف بإسم “الإتفاق الثلاثي” تعرّض موكبٌ مفترض لإيلي حبيقة إلى كمين مسلّح على أوتوستراد الزلقا – نهر الموت نجا منه لانه على ما يبدو كان قد سلك طريقاً آخر بموكبٍ آخر. بعد عشرة أيام على محاولة الإغتيال الفاشلة وفي صباح 10 كانون الثاني شنّ سمير جعجع هجوماً مباغتاً على المواقع العسكريّة المواليّة لحبيقة ونجح بالتحالف مع أمين الجميّل رئيس حزب الكتائب بالسيطرة عليها فيما فرّ إيلي حبيقة بعد اتفاق وقف إطلاق نار قضى بنقله مع معاونية بملّالاتٍ عسكريّة إلى وزارة الدفاع ومنها توجّه بحراً إلى قبرص متوجّهاً نحو باريس في طريقه إلى البرازيل للإقامة فيها نهائيّاً. وقد زوّده الحريري الذي التقاه في باريس, ببضعة ملايين أخرى من الدولارات وتكفّل بمصاريفه ومصاريف أتباعه وأقنعه بزيارة دمشق حيث أبلغه عبد الحليم خدّام ان هزيمته في بيروت الغربيّة لا تعني ان سوريا ستتخلّى عنه وان هناك الكثير ممّا يمكنه القيام به فتخلّى عن فكرة البرازيل وعاد إلى الإقامة في بيروت الغربيّة بعد فترة قصيرة أقام خلالها في مدينة زحلة البقاعيّة وأسس هناك واجهةً حزبيّة أسماها حزب الوعد وأصبح وزيراً في مجلس الوزراء اللبناني عدّة مرّات كممثّل للتيّار المسيحي الموالي لسوريا كما انتخب عضواً في مجلس النوّاب اللبناني المنتخب عمليّا وفق “تفصيلات” غازي كنعان للوائح والتحالفات النيابيّة في دورتيّ 1992 و 1996. انتهت حياة إيلي حبيقة السياسيّة بفضيحةٍ كبرى فجّرها روبير حاتم في كتابه الذي سبق ذكره وكشف فيه العديد من أسرار حبيقة الشخصيّة والسياسيّة وكان من ضمنها شهادته الشخصيّة على اضطلاعه بالدور الرئيس في مجازر صبرا وشاتيلا وهو ما كانت أكّدته لجنة التحقيق الإسرائيليّة برئاسة القاضي إسحق كاهانا والمعروفة باسم لجنة كاهانا.
يعود الإثر السلبي الكبير الذي تركته تأكيدات روبير حاتم على مسؤوليّة حبيقة عن تلك الجرائم إلى كون الأخير قد بنى مساره السياسيّ منذ انقلاب جعجع عليه سنة 1986 على قاعدة التحالف مع النظام السوريّ “الممانع والمقاوم” لإسرائيل و“المدافع الشرس” عن حقوق الشعب الفلسطينيّ ثمّ جاءت هذه الفضيحة لتحرج النظام السوريّ الذي ضُبط متلبّساً بالتحالف مع مجرم حربٍ قتل بدمٍ بارد اكثر من ثلاثة آلاف فلسطينيّ عُزّل من السلاح, واغلبهم نساءٌ وأطفالٌ وشيوخ فوجد نفسه مضطّراً للتخلّص من هذا الحليف الذي لم يعد صالحاً للإستخدام بل وصار عبئاً سياسياً عليه, فكلّف أحد حلفائه الآخرين المختصّين بعمليّات التصفية بالتخلّص منه فقتل في بيروت بانفجار سيارة مفخّخة فجّرت عن بعد بتاريخ 24 كانون الثاني 2002.
أحد أهم أسباب نجاح انقلاب سمير جعجع على إيلي حبيقة كان تحالفه مع الرجل القوي الآخر في القوّات اللبنانيّة رئيس جهاز الإستخبارات الخارجيّة بيار رزق المعروف بأكرم الذي كان تحت أمرته أكثر من 2000 مقاتل إضافةً إلى قوّته التي استمدها من كونه حلقة الوصل بين القوّات والعديد من أجهزة المخابرات الدوليّة بينها السي آي آي والمخابرات الفرنسيّة والإيطاليّة والإسرائيليّة إضافة إلى بعض اجهزة المخابرات العربيّة. بعد اصطفاف إيلي حبيقة إلى جانب النظام السوريّ بادر رزق إلى فتح قنوات إتصالات سريّة مع غريميّ النظام اللدودين صدّام حسين وياسر عرفات وكان الأوّل يسعى للإنتقام من الأسد لوقوفه مع إيران في الحرب الدائرة بينهما فيما كان الثاني بأمسّ الحاجة إلى قناةٍ سريّة يمكن ان يتسلّل عبرها مقاتلوه وضبّاطه إلى الساحة اللبنانيّة بعد ان أغلق السوريّون جميع القنوات الأخرى إذ اعتقلوا أغلب من حاول عرفات إرسالهم بصفتهم مدنيّين عبر مطار دمشق وكذلك عبر مطار بيروت الذي سيطرت عليه أيضاً المخابرات السوريّة وكذلك سيطر السوريّون على الساحل الشمالي بإحتلالهم لمدينة طرابلس أما الساحل الصيداوي فقط كان محروساً من قبل الإسرائيلّين.
مع إفتتاح هذه القنوات الجديدة بدأ الدعم الماليّ والعسكريّ يتدفّق من العراق إلى بيروت الشرقيّة عبر مرفأ جونية لصالح كلّ من القوّات اللبنانيّة والجزء المسيحي من الجيش اللبناني المعارض للوجود السوريّ والذي كان يقوده الجنرال ميشال عون. وقد ساهمت وساطات عرفات مع صدام حسين في توطيد العلاقة مع عون وجعجع وبالمقابل فقد أمّن رزق تسلّل مئات من الكوادر الفتحاوية بحراً عبر مدينة قبرص حيث أمّنت م.ت.ف. نقاطاً لإستقبال العناصر القادمة من اليمن والعراق وتونس والسودان والجزائر وإسكانهم في شققٍ تمّ شراؤها لهذا الغرض ريثما يتمّ نقلهم عبر سفن ركّاب مدنيّة تعمل على خطّ قبرص – جونيّة البحري الذي سبق إنشاؤه أساساً لتأمين تنقلات المسيحيّين الذين لم يكن بإمكانهم السفر عبر مطار بيروت في المنطقة الغربيّة. في جونية يقوم جهاز المخابرات الخارجيّة القوّاتي بإستقبال هؤلاء الكوادر وإسكانهم في شققٍ سريّة آمنة ريثما يتمّ تدبرّ أمر تهريبهم إلى صيدا تدريجيّاً على شكل مجموعات.
ان عمليّة نقل أولئك الكوادر من جونية إلى مخيم عين الحلوة في صيدا عبر حواجز حركة أمل والمخابرات السوريّة كانت الجزء الأخطر من الرحلة, إذ كان رزق وبالتعاون مع المخابرات العسكريّة التابعة للجنرال عون يجهّز أفراد تلك المجموعات ببذات الجيش اللبناني كاملة مع الرتب وبنادق الأم 16 ويحمّلهم في جيبات عسكريّة تابعة للجيش اللبناني يقودها أحد الجنود اللبنانيّين نحو صيدا حيث يتمّ إيصالهم إلى شقق سريّة في المدينة وهناك يقومون بخلع الزي العسكري اللبناني واستبداله بملابسهم المدنيّة العاديّة ثم ينطلقون إلى مخيّم عين الحلوة. بينما كانت حركة أمل والنظام السوريّ إذنْ يحكمان حصارهما على مخيّمات الفلسطينيّين في بيروت وطرابلس وصور والبقاع كان المئات من كوادر حركة فتح يتسلّلون أمام أعينهم نحو مخيّمي عين الحلوة والميّة وميّة المحصّنين بالطائفة السنيّة في مدينة صيدا. ولقد ساهم رزق المعروف بدوره في مجزرة صبرا وشاتيلا, أيضاً بتوريد السلاح لصالح حركة فتح في لبنان إضافةً إلى الإسناد الناري الذي كان يقدّمه لمخيمّات بيروت كلّما كانت الهجومات تشتدّ عليها عبر القصف المدفعي لمحيطها.
في العام 1990 غادر بيار رزق بيروت إثر خلافاتٍ مع قائد القوّات اللبنانيّة سمير جعجع حول أولويّات القوّات ورفضه للحرب بين القوّات والجيش اللبناني واستقر في باريس وانقطعت علاقته بالقوّات لكن علاقته بالإستخبارات الأمريكيّة لم تنقطع وكذلك علاقته بياسر عرفات بل إنها إزدادت قوّة. وأصبح رزق الصديق الحميم لسهى الطويل زوجة عرفات التي تقضي معظم وقتها في باريس ثم تحول لاحقاً بعد وفاة عرفات إلى شريكٍ ومدير أعمالٍ لها. وكانت علاقته المتينة مع سهى قد سمحت له بأن يحصل من ياسر عرفات في منتصف التسعينات من القرن الماضي, على عقود استثمار عديدة منها عقدٌ وقّعه عرفات مع شركة إتصالات أمريكيّة كان رزق وشركاءٌ لبنانيّون آخرون وكلاءاً لها تتولّى بموجبه إنشاء وإدارة شبكة هاتفية في مناطق السلطة ثم عاد لاحقاً عن تعهّده ومنح الترخيص إلى أحد أثرياء عائلة المصري الفلسطينيّة مما جعل رزق يلجأ عام 1999 إلى القضاء الأميركي لمقاضاة عرفات وقد حكمت له المحكمة الامريكية بتعويضٍ قدره 18 مليون دولارا مما أضطر عرفات إلى مساومته خوفاً من ان لا يعود بإمكانه السفر إلى الولايات المتّحدة بسبب هذه القضية ودفع له 5 مليون دولار كتسوية نهائية. ولقد بقيت علاقة بيار رزق بسهى الطويلة قويّة حتى تاريخ وفاته في العام 2010 في ظروفٍ غامضة نوعاً ما إذ أنه أدخل إلى المستشفى بسبب إصابته بالتيفوئيد ولكنه توفّي فيها بعد نحو إسبوع.
————————————————
ان الحريّة النسبيّة التي وفّرها لي موقعي كمندوبٍ لدى الجيش السوريّ أثناء خدمتي العسكريّة كان لها جانب سيءٌ أو بالأحرى ثمنٌ يجب ان أدفعه. فحين انهيت خدمتي العسكريّة بعد عامين ونصف وبدأنا دفعتي وانا نترقّب بحماسة شديدة أمر التسريح الصادر عن هيئة أركان جيش التحرير الفلسطينيّ. في تموز 1985 كانت بانتظاري خيبة أمل لا توصف إذ ان الأمر الذي كنت أعدّ الأيام والساعات بانتظار صدوره لم يتضمّن إسمي بل تضمنّه أمرٌ آخر يقضي بالإحتفاظ بي في الخدمة العسكريّة ريثما يتمّ تأمين بديلٍ لي يقوم بما أقوم به! شعرت بالغثيان لحظة علمي بالنبأ واسودت الدنيا في وجهي خصوصاً ان أمر الإحتفاظ لا يحدّد الفترة الزمنيّة له ويتركه معلّقاً ويربطه بما لا أستطيع التنبؤ بزمنه. بعد أيام بدأت أخرج من فترة الإكتئاب الذي سبّبته لي كارثة الإحتفاظ وما بدا في البدء حدثاً مأساويّاً صار مع مرور الزمّن حزناً إعتياديّاً يمكن التعايش معه, شأن المصائب جميعا. ثمة جانب إيجابيٌّ أيضاً حتى في الإحتفاظ وهو ان راتبي قد أصبح 1000 ليرة سورية (تساوي مائة دولار) بدلاً من ال 50 ليرة التي تقاضيتها خلال سنتين ونصف وهو ما ترك أثراً كبيراً على ظروفي الإقتصاديّة. فحين يقفز راتبك بين ليلةٍ وضحاها من 5 دولارات إلى 100 دولاراً تشعر بانك أوناسيس حتى انني حين تلقيت راتبي الضخم ذال أوّل مرّة توقفت أثناء عودتي إلى منزلي في منطقة الساحة واشتريت لنفسي علبة سجائر مهرّبة من نوع روثمانز الفاخر كما وأوصيت إحدىالبقاليّات التي تتاجر بالمواد المهرّبة التي يجلبها الضبّاط وصفّ الضبّاط في القوّات السوريّة العاملة في لبنان, على قنينة ويسكي فاخرة هي الأخرى من نوع جوني وولكر بلاك ليبل”.
بقيت مهامّي في الرحبة بعد أمر الإحتفاظ على ما هي عليه وثابرت على أدائها في أسرع وقت ممكن وإختزال فترات التواجد في العمل أيضاً إلى أقصى حدٍ ممكن. واستمرّت أيّامي موزعةً بين لعب الشدّة والقراءة وتناول المسكّرات, وكذلك استمرّت علاقتي النسائية بالإزدهار خصوصاً بعد تعرّفي على صبيةٍ جديدةٍ خفيفة الدم من النوع الأسمر الداكن إنما لم تدم علاقتنا سوى أشهرٍ قليلة حيث انها أرادت الإرتباط الدائم وتكوين أسرة ولم أكن انا في المزاج المناسب لهكذا مشاريع. قبل تعرّفي على تلك السمراء بعدة أشهر كنت قد لاحظت صبيةً بيضاء مكتنزةً وذات طولٍ فاخرٍ غالباً ما يستهويني, بعد مصادفتها في العديد من المرّات عند مستديرة فلسطين صباحاً كلّما تأخرت عن عربة المبيت التيؤ توصلني إلى الرحبة واضطررت إلى استئجار تاكسي. مرّ أسبوعان على تلك المصادفات شبه اليوميّة حتى قرّرت ان استقل يوميّاً نفس السرفيس (الحافلة الصغيرة) التي تستقلّه لتذهب إلى معهدها والذي يقع في إتجاهٍ معاكسٍ تماماً لمكان عملي مما يضطرني بعد الدردشة معها طوال الطريق إلى المعهد الذي تدرس فيه, ان انزل في المحطة التاليّة ثم أستأجر تاكسي آخر ليوصلني إلى جرمانا. نمت بيننا صداقةٌ بعد بضعة جولاتٍ بالسرفيس وصارت تقبل دعواتي لها لزيارتي في منزلي حيث تحولت غرفتي التي أقيم فيها مع الأيام إلى ما يشبه المكتبات العامّة لكثرة ما فيها من رفوف وخزائن متخمةٍ بكلّ انواع الكتب, لشرب القهوة والتدخين والدردشة وإعارتها بعض الكتب التي تبدي رغبتها بقراءتها إضافةً طبعاً إلى بضعة محاولاتٍ معتادةٍ للعناق والقبل.
بعد بضعة أسابيع من محاولاتي الفاشلة لمضاجعتها وإصرارها على خاتم الخطوبة أولاً أيقنت انها لن تغيّر موقفها فصنّفتها ضمن الحالات الميؤوسة وبدأت علاقتنا بالفتور التدريجي حتى تلاشت تماماً. بعد حواليّ شهرين من انقطاع علاقتنا, وكنت قد نسيت أمرها تماماً استوقفني شابٌ يمتلك محلّاً تجارياً على الدوّار لم يسبق لي رؤيته وطلب منّي الإذن بزيارتي في المنزل لأمرٍ ضروريّ يتعلّق بالفتاة الطويلة المكتنزة فرحبت به واتفقنا على ان يزورني عصراً. جاء في الموعد المحدّد فاستقبلته ورحّبت به وجهّزت لكلينا ركوة القهوة ثم بادرني بالحديث قائلاً انه معجبٌ بالفتاة الذي ذكرها ويريد خطبتها لكنه قلقٌ من طبيعة العلاقة التي جمعتني بها حيث اعتاد ان يشاهدها تسير بصحبتي وتزورني في منزلي, فطمأنته إلى كوننا مجرد أصدقاء وحلفت له أغلظ الأيمان بانني لم أمسها وان علاقتنا تمحورت حول إستعارة الكتب المتعلّقة بدراستها وأرجوا ان يكونا قد تزوجا وعاشا حياةً هنيئة. ثمّة كثيرٌ من النساء اللاتي ينسى المرء وجوههن وربما أسماءهن وان يلتقي بهن في الطريق لن يلاحظ حتى ان وجوهن مألوفة لكن الشيء الوحيد الذي لا يمكن نسيانه هو مشاعرك التي أجّجنها وشدّة النار التي أشعلنها داخلك.
مضت ثلاثة شهور دون ان تجد هيئة الأركان بديلاً لي كما لو كنت خبيراً نوويّاً أو قائداً إستراتيجيّاً خطيراً إنما مع مجيء الشهر الرابع لم تعد خزينة وزارة الدفاع السوريّة تتحمل الألف ليرة سورية التي أستنزفها منها شهريّا من الموازنة المخصّصة لبناء التوازن الإستراتيجي مع العدو الصهيوني, فأصدرت أمر تسريحي في تشرين الثاني 1985 على ان أقوم في الإسبوعين الآخيرين قبل موعد التسريح بتسليم أعمالي إلى الملازم أول إسماعيل رئيس لجنة المشتريات ليصبح حاملاً لحقيبتين, واصطحابه معي أثناء أدائي مهامي لإطلاعه على طريقة العمل وكما قمت خلال هذين الإسبوعين أيضاً بتسليم عهدتي والحصول على براءة الذمّة المعهودة وانا في سعادةٍ مطلقةٍ ونشوةٍ روحيّة لا يمكن وصفها فالحريّة قيمةٌ انسانيّةٍ لا يشعر بها ولا يقدّسها سوى العبيد والسجناء وكنت انا في كلّ ساعةٍ قضيتها من عمري في سوريا الإثنين سويّاً, عبداً سجيناً.
ما ان وصلت إلى منزلي بعد اليوم الأخير من خدمتي العسكريّة وولجت عبر باب الدار حتى مزّقت سترتي العسكريّة عن جسدي تمزيقاً دون فكّ أزرارها كما كنت قد عاهدت نفسي منذ زمن ورميتها في صندوق الزبالة ثم سكرتُ حتى الثمالة منتشياً بخروجي من السجن وتحوّلي إلى عبدٍ طليق. في الأيام التالية لم أفعل شيئاً سوى التمتّع بحرّيتي المجتزأة بفرحٍ مطلقٍ كانني في رحلة استجمامٍ في ربوع مدينةٍ فرنسية. بعد اسبوعين بدأت بإعداد العدّة لمغادرة ذلك الخراب البائس.
عليّ أولاً ان أستصدر جواز سفرٍ وهو ما باشرت به فوراً بعد إستلام بطاقة هويّتي المدنيّة أو بالأحرى باشرت بتقديم طلبٍ إلى فرع المخابرات المختصّ بإصدار موافقات أمنيّة لا يمكن الحصول على جواز سفرٍ دونها ثم جلست في المنزل انتظر وصولها. مرّت أيامٌ وأسابيعٌ وأشهر طوالٌ وانا مسقطٌ في يدي لا أستطيع متابعة حياتي دون ان تأتي هذه الموافقة ولم يكن بإمكاني القيام بأي عملٍ إذ انني لا أجيد أية صنعة سوى بيع البطيخ ولم نكن في موسمه. كان لي قريبٌ من الساحل يعمل في الأمن السياسيّ في دمشق برتبة رقيب وقد أصبحنا أصدقاء أو بالأحرى زملاء وكنا نزور بعضنا البعض ونشرب العرق سوياً رغم كونه مسجّلٌ في كليّة الشريعة بجامعة دمشق. في الواقع كان قريبي مفروزاً من قبل جهازه للدوام في ذلك الفرع للمراقبة, وأجزم انه لم يختم القران ولا حتّى جزء عمّ. طلبت منه ان “يبحبش” لي عن أسباب تأخّر صدور الموافقة الأمنيّة فعاد بعد يومين ليقول لي:”تحيّاتي سيادة الملازم!” ولم يكن يعرف تفاصيل عملي قبل خدمة العلم كونه من الأقرباء العلويّين البعيدين القاطنين في مدينة مصياف وليس من الأقرباء المباشرين الذين يقطنون في ضواحي مدينة صافيتا. لم يبدو ان الإفراج عن الموافقة قريبٌ.
وبمناسبة الحديث عن العلويّين أود ان اسجلّ شهادتي بانهم بغالبيتهم من ألطف وأبسط المجتمعات السوريّة وأفقرها. وحين كنت أزور أخوالي قبل سحبي إلى الخدمة الإلزامية كنت أواجه معضلةً حقيقيّة بسبب معاناتي الأزليّة من القولون العصبي وعدم توفّر المراحيض في منزل جدّي ولا حتى في الضيعة كلّها وأسمها “عين الدبّ“. كان يتوجّب عليّ, كما على بقيّة أهل البيت والضيعة, ان أذهب إلى الوعر لقضاء حاجتي ثم مسح مؤخّرتي بالحجارة إذ لم يكن للمحارم الورقيّة وجودٌ في تلك الضيعة الجبليّة المنسيّة. وكانت كلّ أرزاقهم لا تعدو ان تكون بضعة شجرات زيتون رغم ذلك فقد تمكّن أحد أخوالي من إلإلتحاق بجامعة روسيّة ودراسة هندسة البترول عن طريق منحةٍ من الحزب الشيوعيّ السوريّ. كان خالي الأكبر مزارعاً يقيم في منطقة ساحلية في قرية زوجته وكانت أرضه أكثر خصوبةً من أرض عين الدب, وزرع فيها الخضروات بكافة أشكالها امّا خالي الأصغر ففد اعتاد العمل الموسميّ في تبليط ورش البناء في مدينة بيروت. هناك أيضاً أبناء خالتي وأخوالي الذين تطوع أغلبهم في الجيش وأيضاً في سرايا الدفاع لعدم توفّر أية أعمالٍ في مناطقهم وهو ما حرص النظام على استمراره. أعلم تماماً مدى قذارة وبلطجة علويّي النظام في الأجهزة الأمنيّة والشرطيّة وحتى في المؤسّسات المدنيّة لكنني أجزم بان النظام هو الذي يحوّلهم بطريقةٍ ما إلى كائناتٍ أخرى حالما يلتحقون بأجهزته انما لست أدري كيف بالظبط وأعتقد ان تفسير هذه الظاهرة يحتاج إلى دراساتٍ سيكولوجيّة يقوم بها مختصّون في سايكولوجيا الجماعات.
من المزايا الحميدة للعيش في سوريا الحديثة التي بناها الأسد ان المرء يمكن ان يعيش في “بحبوحةٍ” تحت خطّ الفقر وينعم بالأمان والإستقرار الذين توفّره له وزارة “التضليل الإعلامي” عبر صحفها ومحطاتها التلفزيونيّة والإذاعيّة. ولولا العولمة والتطوّر الهائل في تكنولوجيا المعلومات لما قيّض للسوريّين ان يطردوا من نعيم العماء الذي هم فيه. بينما كان نظام الأسد يعمل على تأمين هذه البحبوحة والحداثة فانه ظلّ أيضاً يسطّر أروع الملاحم والانتصارات على شذّاذ الآفاق من عملاء الصهيونية والإمبرياليّة العالميّة وأعداء الأمّة العربيّة. أغلب ساعات البثّ المرئي والمسموع ومساحات الإعلام المكتوب كرّست لإلقاء الضوء على إعجازات الرئيس الخالد تلك ودورة حياته اليوميّة. فإذا ما عطس أو ضرط أقيمت له الإحتفالات والأعراس الجماهيرية وإستدعي مثقفي وأدباء الدرجة الثانية لملء ساعات البثّ ومساحات الصحف وإشباع عطسته أو ضرطته تحليلاُ وتمحيصاً وفصفصةً وتدليساً لإظهار الفلسفة الخفيّة الكامنة وراء عطسته المجيدة والحكمة التاريخيّة والتوقيت المناسب والقيمة الثقافية لضرطته الخالدة فتمتلأ كل ساعات البث التلفزيوني الترفيهيّة ولا تعود تتسع للمزيد من ذلك القيئ فتقوم وزارة الإعلام بسرقة الساعة الثقافيّة الوحيدة المتاحة للجماهير العريضة آلا وهي المسلسل التلفزيوني اليومي الذي عادةً ما تتمحور حبكته حول بطولات أجداد الرئيس الخالد في مقارعة الروم والترك والفرنجة, وتملأ مساحته بالحديث عن ضراط السيّد الرئيس.
الجهة الوحيدة التي إستطاعت إختراق تلك الحلقة مُحكمة الإغلاق هي محطّة التلفزيون الأردني التي عملت في إطار الحرب الكلاميّة الدائرة بين النظام الأردني وشقيقه السوريّ على تقويّة بثّها ليغطّي جنوب سوريا. وكانت تلك المحطة هي المتنفّس الوحيد الذي يتيح لنا الهروب من برامج إرشادية وتوعويّة وتوجيهيّة مثل حماة الديار” و“مع العمال” و” السالب والموجب” واستبدال المسلسل التلفزيوني السوريّ بمسلسلٍ بدويٍّ يحكي عادةً عن قصة الحب التي جمعت بين وظحة وإبن عجلان. كانت هناك أيضاً نشرة الأخبار الأردنيّة المغايرة للنشرة السوريّة والتي احتوت أحياناً على بعض الأخبار الحقيقيّة التي لا يمكن مشاهدتها أو سماعها في النشرات السوريّة فأصبحت مصدر معلوماتنا الوحيد. وحين أكتشف الأجهزة الأمنيّة هذا الإختراق الخطير استوردت على جناح السرعة أحدث أجهزة التشويش العالميّة وصار بثّ التلفزيون الأردني ينقطع حالما يبدأ نشرة أخباره ويتحول إلى مجرّد وشّة ثم يوقف التشويش بعد النشرة مباشرةً تاركةً لنا مشكورة المسلسلات الأردنيّة البدويّة. تلك “البحبوحة” الإعلامية حرمتني من أمكانية ان أعرف ان هناك شريطٌ حدوديٌ متنازعٌ عليه بين ليبيا وتشاد إسمه قطاع أوزو وكاد هذا الجهل ان يغيّر مسار حياتي.
—————————————————
الفصل السادس
الطريق إلى الله
بعد بضعة أسابيع من تسريحي التقيت صدفةً بالنقيب بحري يوسف عمْر يقود سيّارته العسكريّة نوع لاندروفر أثناء مروره من أمام حارتنا فتوقّف وسلّم عليّ وسألني عن أحوالي وهو من دورة الباكستان الأولى وقد سبق ذكره كأحد الضبّاط البحريّين القلائل الذين انضمّوا إلى جماعة أبو موسى, وكنت قد التقيت به مرتين أو ثلاث سابقاً. حين أبلغته بنبأ تسريحي من الجيش سألني مباشرةً عمّا إذا كنت أرغب بالذهاب إلى ليبيا حيث هناك معسكرٌ للقوّة البحريّة, وكنت أعلم من خلال ثائر حجّو ان قاعدة القوّة البحريّة التابعة لجماعة عرفات كانت لا تزال موجودةً في طرابلس بقيادة زوج شقيقته نادر خليل. فسألت يوسف عمّا إذا كان معسكرهم هو نفسه معسكر جماعة عرفات فقال لا لدينا معسكرٌ آخر خاصّ بنا. أعجبتني الفكرة إذ انها كانت مخرجاً معقولاً إذ كان بإمكاني القفز من معسكرهم إلى المعسكر الآخر ببساطة, لكن مشكلة عدم توفّر جواز السفر كانت لا تزال قائمة فأبلغته بموافقتي انما بعد صدور جواز سفري فأجابني فوراً:”لا داعي لجواز السفر” قلت:”كيف ذلك!” قال:”أستطيع تدبير هذا الأمر فدعه لي, حضّر حقيبة سفرك ولاقني غدا في العاشرة صباحاً في معسكر عين ترما“. شكرته ثم تصافحنا وذهب كلٌ منّا في طريقه على ان نلتقي في الغد . جهّزت مساءً أغراضي وملابسي ووضّبتها في حقيبة سفرٍ لديّ قديمة وفي الصباح ودّعت والدتي وأخوتي وانطلقت بالتاكسي إلى حيث موعدنا.
معسكر عين ترما هو عبارة عن قطعة أرضٍ رمليّة بحجم ملعب كرة قدم مع مبنيين متّسعين على أحد أطرافها. وقد سُميَ المعسكر على اسم البلدة الريفيّة الدمشقية المعروفة بهذا الإسم التي أقيم فيها, وكان في ما مضى ملكاً لحركة فتح ثم انتقلت ملكيّته إلى تنظيم المنشقّين عن الحركة المعروفين بإسم “فتح الانتفاضة” بعد ان سيطرت المخابرات السوريّة على كافة ممتلكات الحركة في سوريا ونقلت حيازتها إليهم. وصلت إلى المعسكر حسب الموعد بل أبكر قليلاً واتجهت نحو مدخله المحروس بفتىً يرتدي زيّاً مدنيّاً ويحمل بندقية كلاشينكوف فأومأت إليه بالسلام متسائلاً في نفسي عمّا إذا كان أحد عسكريّي التنظيم أم رجل مخابرات سوريّا, فقد كانت بعض مكاتب ومقرّات الفصائل في دمشق محروسة من قبل الأجهزة الأمنيّة السوريّة. حين تخطّيت المدخل تفاجأت بوجود أكثر من أربعين شاباً بألبستهم المدنيّة وشنط سفرهم إلى جانبهم ملتمّين في مجموعات عشوائية فظننت أوّل وهلة انهم أعضاء دورة عسكريّة على وشك الإفتتاح أو ربما قد انتهت للتوّ وهم في طريقهم للمغادرة. تابعت سيري نحوهم وكانوا في منتصف الساحة الرمليّة تقريباً متّجهاً إلى أحد المبنيين في الجهة المقابلة ولحظة وصولي إلى منتصف المجموعات بدأ شاباً يرتدي زيّاً عسكريّاً أخضر اللون يعطي أوامر عسكريّة للجميع بان يصطفّوا في طابورٍ أمامه ففعلوا بينما أكملت انا سيري فنادى عليّ قائلاً:”وين يا أخّ؟” فألتفتّ إليه وقلت:”انا هنا لمقابلة يوسف عمر“. فقال:”انه ليس موجوداً, انا هنا انوب عنه أدخل في الطابور” فثارت ريبتي بل تيقّنت بان أمراً ما يطبخ ها هنا غير الذي قاله لي صديقي يوسف إذ لا يعقل ان يكون كلّ هؤلاء ذاهبون إلى معسكر القوّة البحريّة في ليبيا. وساءني جداً ان لا يكون يوسف هناك حسب الموعد وان يسلّم أمرتي انا الضابط إلى شابٍ لا يبدو عليه حتى انه صفّ ضابط ليعطيني أمراً عسكريّاً للإصطفاف في طابور جنود. كانت خدمتي العسكريّة عند النظام قد انتهت وعدت أمام نفسي ضابطاً برتبة ملازم وما كنت لأقبل هذه المعاملة حتى لو كان صحيحاً انني ذاهبٌ إلى معسكر القوّة البحريّة. توجهت نحو الجهة الخلفية للطابور ثم تخطّيته متجهاً نحو المدخل الذي أتيت منه قبل دقائق فبدأ آمر الطابور بمناداتي بنبرةٍ فوقيّة آمرة وصلت حدّ الصراخ فتجاهلته كأنه رجلاً خفيّاً لا يُرى ولا يُسمع وتابعت سيري فاستشاط غضباً وبدأ بالصراخ على الحرس الواقف عند المدخل: “لا تسمح له بالخروج , أرجعه هنا“.
كنت لحظتها قد استشطٌ غضباً بدوري وتهيّأت للمواجهة وبدا من لغة جسدي ونظراتي ما لا يبشر بخير. نظر الجندي الذي يحرس المدخل نحوي كأنه لا يراني ولم يقدم على أية حركة تماماً كما لو انه هو أيضاً لا يسمع صوت آمر الطابور فأيقنت عندها انه ليس رجل مخابراتٍ سوري بل عسكريّ يخدم في التنظيم الصغير وجلّ همّه هو راتبه آخر الشهر الذي يعتاش منه وما كان “فدائيّو” التنظيمات الفلسطينيّة العاملون داخل سوريا يجرأون أصلاً على إطلاق النار خوفاً من مساءلات أجهزة المخابرات. تخطيّت المدخل الباطوني أمام لامبالاة الحارس ولم انظر ورائي ثم سرت في طريق العودة شبه الخاليّة من السيّارات مفضلاً السير بدلاً من انتظار تاكسي هناك. فرغم ان آمر الطابور لم يجرؤ على ان يتبعني فان وقوفي أمامه فترةً طويلةً قد يستفزّه إلى الدرجة التي تضطره للعراك معي لحفظ ماء وجهه أمام طابوره.
علمت لاحقاً ان تنظيم “فتح الانتفاضة” ومعه كافة فصائل المقاومة الفلسطينيّة المنضويّة وغير المنضوية تحت لواء م . ت . ف وكذلك كافة الفصائل المسلّحة اللبنانيّة (عدا المسيحيّة) والتي كانت جميعها تعتاش من أموال النفط الليبيّ التي كان القذافي يبدّدها على “الحركات النضالية” بعد ان هيّأ له خياله المهووس بانه قائدٌ تاريخيٌّ مهمّته تحرير العالم ونشر التعاليم الفلسفيّة والسياسيّة والإقتصاديّة والإجتماعيّة التي اجترحها وجمعها في كتابه الاخضر والتي فيها الخلاص والحريّة لكلّ شعوب العالم, قد وجدت نفسها في مأزقٍ حين دعاها مموّلها إلى مشاركته في حربه كما يشاركهم في حروبهم انما ليس بالمال والسلاح الذي ينثره عليهم هو بل بالمقاتلين.
ان الهوس الذهاني الذي عانى منه معمّر القذافي (Megalomania) أو ما يترجم شعبيّاً باسم جنون العظمة دفعه إلى البحث الدائم عمّا يشبع نهم نرجسيّته وأناه المتضخّمة من “أمجادٍ” متوهّمة. وذلك الهوس هو الذي دفعه إلى ابتكار “النظريّة العالميّة الثالثة” بمساعدة كتّابٍ مستأجرين, وكذلك إلى مدّ العشرات من الفصائل المسلحّة في الدول العربيّة والغربيّة بالمال حتى وصلت أمواله إلى الجيش الجمهوري الإيرلندي. ولم يكتف القذافي بالمجد” الذي صنعه في أوروبا وآسيا وفي الشرق الأوسط بل امتدّت طموحاته التي غذّتها الثروة الهائلة التي تجمّعت لديه خصوصاً بعد الإرتفاع الصاروخي في أسعار النفط في الثمانينات, لتشمل القارة الأفريقية. وقد آتته الفرصة في البلد الإفريقي الملاصق لحدوده الذي يعاني من أزماتٍ سياسيّة وعرقيّة وعدم إستقرار أمني, وهو تشاد الذي يساهم القذافي بدعم الصراعات فيه عبر تمويل بعض فصائله المسلّحة بحثاً عن النفوذ.
رغم ان مساحة ليبية هي مليون وسبعمائة وخمسون ألف كم مربّع أي ان نسبة الكثافة السكانيّة فيها مقسومةً على 6 ملايين هو عدد سكان ليبيا تجعل حصة الفرد الليبيّ من المساحة تبلغ 30 كيلومتر مربّع وهي واحدة من أقلّ نسب الكثافة السكانية في العالم, إلّا ان العقيد القذافي اختلق مع تشاد أزمةً سياسيةً استمرّت سنواتٍ طويلة واستعرّت أكثر من مرّة وتحوّلت إلى صراعٍ مسلّح. أساس تلك الأزمة كان ادّعاء القذافي ان الشريط الحدودي التشادي المحاذي لليبيا والمعروف بإسم قطاع أوزو هو أرضٌ ليبيّة وتبلغ مساحة القطاع أكثر من مائة ألف كيلومتر مربع وهو غنيٌّ باليورانيوم. ورغم ثروة القذافي الهائلة وضخامة حجم الأموال التي بدّدها على التسلّح إلّا انه لم يفلح رغم ترسانته العسكريّة في بناء جيشٍ قويٍّ بسبب افتقار ليبيا إلى البُنى الحداثيّة والحضاريّة والإجتماعيّة التي يستوجبها بناء جيوشٍ قويّة أو أية مؤسّساتٍ عسكريّة أو مدنيّة أخرى, فقد تشتري الثروات عتاداً وربما جيوشاً انما لا يمكنها ان تشتري انتصارات.
دائماً ما يبالغ قادة الفصائل المسلّحة الفلسطينيّة واللبنانيّة وسماسرة المقاومة والنضال والكفاح في عديد قوّاتهم وقدراتهم العسكريّة أمام القذافي لتبرير حجم “المصروفات” الهائلة التي يتقاضونها منه مما أوهمه ان لديهم جيوشاً عرمرميّة ودفعه إلى الإستعانة بهم لبسط نفوذه في القارة الإفريقية بشكلٍ عام وفي تشاد وقطاع أوزو بشكلٍ خاص. فحين استعرّت الأزمة مع البلد الإفريقي المجاور وتحت شعار قوميّة المعركة وجّه القذافي إلى هؤلاء القادة “دعوةً” لا يستطيعوا رفضها لمشاركته شرف النضال في أوزو كما يشاركهم شرف النضال ضد إسرائيل فاُسقط في أيدي أولئك المناضلين ووجدوا انفسهم في ورطة. فإنهم من جهة أولى إذا ما فشلوا في تزويد القذافي بالمقاتلين فسوف يمنع عنهم الأموال المستقبليّة ومن جهة أخرى فانهم في الحقيقة لا يمتلكون العديد الذي يوهمون به القذافي فابتدعوا فكرة التسويق لدوراتٍ عسكريّة تجري في ليبيا يتلقون خلالها الشاب المنضوي في تلك الدورات راتباً مقداره 1500 دولاراً عدا عن الرتبة العسكريّة التي سيحصل عليها في نهاية التدريب. هذا الراتب الشهري الموعود يعتبر ثروةً في بلدٍ مثل سورية يكاد راتب العامل فيه, مع حساب فترات البطالة لا يتجاوز الخمسين دولاراً شهريّا. كذلك كان الامر في لبنان المنشغل بحروبه الداخليّة حيث يخوض أتباع الفصائل اللبنانيّة العسكريّة حروباً ضروس مقابل مائتيّ أو ثلاثمائة دولاراً في أحسن الأحوال.
بعد استلام دعوة (أو أمر) القذافي بادر المتموّلون إلى إطلاق حملة ٍإعلاميّة تضليليّة استطاعوا من خلالها جمع الآلاف من الشباب المغرّر بهم وسمحت لهم سوريا – التي شاركت أيضاً في تلك الحملة بطيّاريها وضبّاط مدفعيتها كون نظامها من أبرز المستفيدين من ثروات الليبيّين _ بإستخدام مطارها للمغادرة دون وثائق سفرٍ على طائراتٍ ليبيّة عملت لهذه الغاية على خط دمشق وطرابلس.
إضطرّت كللّ الفصائل التي تتلقى أموالها من العقيد القذافي إلى المشاركة في تلك الخدعة ومن بينها الحزب الشيوعيّ اللبناني, الحزب القومي السوريّ, التقدمي الإشتراكي, القيادة العامّة, الجبهتين الشعبيّة والديموقراطيّة, فتح الانتفاضة, جبهة النضال الشعبي , لمجلس الثوري وما إلى هنالك من “بسطاتٍ” نضاليّة وكنت انا من ضمن هؤلاء المغرّر بهم انما تحت شعار آخر هو الإلتحاق بالقوّة البحريّة فكوني ضابطاً لم يستطع صديقي “سمسار النضال“ يوسف عمر إيهامي بقصّة الدورة العسكريّة.
من حسن حظّي انني اشتممت مبكراً الرائحة الكريهة لتلك الخدعة اما الآخرون فقد وجدوا انفسهم فجأةً وسط الصحراء الليبيّة الحارقة عند شريط أوزو التي تتجاوز فيها درجة الحرارة أحياناً ال 50 درجة مئوية, والمشهورة بثعابينها وعقاربها وعواصفها الرملية. أما ظروف أولئك المغدورين المعنويّة فكانت أسوأ, حيث عاملهم الضبّاط الليبيّون الذي أشرفوا عليهم معاملة المرتزقة (وهو ما كانوا عليه في الحقيقة) وحين نشبت المعارك زجّوا بهم في المقدمة وتخلّفوا عنهم بدعوى انهم انما يدفعون المال لهم ليقاتلوا عنهم. وفوق هذا كلّه فان أحداً من أولئك الجنود لم يتلقَ أية رواتب سوى الرواتب المعتادة التي كان تدفعها لهم تنظيماتهم كون القذافي يدفع ملايين الدولارت لتلك التنظيمات شهريّا وكانت تلك الملايين تتضمّن رواتبهم. لم يكن باستطاعة أولئك المساكين حتى مجرد التذمّر خصوصاً انهم متموضعين وسط صحراء لا يعرفون طريق الخروج منها إضافةً إلى كونهم في بلدٍ غريبٍ لن يستطيعوا مغادرته دون وثائق سفر إلّا حين يوافق ذلك هوى أسيادهم الذين ورّطوهم. كانت الظروف مأساوية وانتهت الحرب بعد عامٍ أو عامين كما هو متوقّع بهزيمة جيش القذافي ومرتزقته ولاحقاً حكمت المحكّمة الدولية بأحقيّة الدولة التشاديّة بقطاع اوزو وانتهت معركةٌ أخرى من معارك القذافي ومناضليه الكاريكاتوريّة كالعادة نهايةً تراجيديّة.
——————————————————-
كان أمين عودة أحد أصدقائي المقربين وقد جاء ذكره في فصلٍ سابق وأعيد هنا التذكير بشخصيّته الطهرانية والتزامه الفرائض والأحكام الإسلامية وايديولوجيته الدينيّة الصوفيّة المسالمة إضافةً إلى حيائه وأخلاقياته العالية وحدة ذكائه التي خوّلته التخرّج بتفوق من فرع الهندسة بجامعة دمشق. أهدف من إعادة التذكير هذه مقارنته بأخيه مصطفى الذي يكبره بعامٍ وأحد وكلاهما من جيلي ولم أشهد في حياتي أبداً أخوين شقيقين يختلفان عن بعضهما البعض إختلاف مصطفى عن أمين. تقاطعت مسيرتي المهنيّة أكثر من مرّة مع مصطفى وقام بمساعدتي كما قمت بمساعدته في أكثر من مرّة وهو خدومٌ وكريمٍ إلى درجة السخاء المفرط كما انه مرحٌ حلو المعشر يعشق الحياة ويعيشها إلى حدّ الثمالة لكنه في نفس الوقت رجلٌ خطرٌ يجب الحذر في التعاطي معه الذي قد يودي بالمرء إلى التهلكة, حرفيّاً.
كان مصطفى مثالاً نموذجيّاً عن الشخصيّة السايكوباثيّة بكل إضطراباتها ومفارقاتها وتجلّت فيه كل الخصائص النفسيّة التي تنتج عن هذا النوع من الإضطراب النفسي الذي يعتقد علماء السايكولوجيا انه ينتج بالغالب عن طفرة جينيّة مع أخذ الظروف الإجتماعيّة في مرحلة الطفولة بعين الإعتبار ومن خصائص هذه الشخصيّة السايكوباثية:
• عدم القدرة على التناغم مع المعايير الإجتماعيّة والقانونيّة السائدة مما يجعل المريض أكثر عرضة لإرتكاب مخالفات أو جنح تضعه في مواجهة مع القوانين.
• الخداع والمخاتلة التي تتمظهر بالكذب المتكرّر والميل إلى انتحال الشخصيّات والحصول على منافع ومكاسب شخصيّة عبر إدعاءاتٍ كاذبة.
• الإندفاع والتهوّر وعدم القدرة على التخطيط المسبق .
• النزق وحدّة الطبع الذين يتجليّان بالكثير من العراكات والإعتداءات.
• الإحساس بالأهميّة والتميّز الشخصيّ غير المبني على وقائع حقيقيّة.
• إنعدام واضح لحسّ المسؤولية وعدم القدرة على الانتظام في عملٍ ثابت أو إحترام إلتزاماته الماليّة.
• الإفتقار إلى مشاعر الندم والتانيب التي تظهر عند صاحب الشخصيّة السليمة حين يقوم بما يؤذي الآخرين أو يسيء معاملتهم أو يسرق منهم .
• الإستهتار بالمخاطر التي قد تواجهه هو أو تواجه المحيطين به وغالباً عدم القدرة على إدراك مثل هذه المخاطر إو إستشرافها.
وهذا البند الآخير هو ما يلاحظه المرء بشكلٍ صارخ عند التعامل مع مصطفى لفترة قصيرة والإطلاع على أفعاله وطرقه الخطيرة في تحصيل المال عبر كافة الأشكال عدا إتخاذ مهنةٍ أو عملٍ ما. أمّا بقيّة الخصائص الشخصيّة فيتحاج المرء إلى فترة أطول لإكتشافها بسبب قدرته الفائقة على الكذب ومهارته التلقائيّة في الخداع وتزيّين الأمور بحيث تنطلي تبريراته على الضحيّة بسهولة فلا يدرك أنه وقع في فخٍّ أو تعرض لعمليّة نصبٍ إلّا بعد فوات الأوان .
رغم ان منزل والديّ مصطفى مواجهٌ تقريباً لمنزلنا وكلاهما يطلّان على نفس الزقاق الضيّق إلا ان انتقال والدي للعيش في لبنان مبكراً شكّلا انقطاعاً لي مع أصدقاء الطفولة ومن ضمنهم مصطفى, وحين عدت شاباً لم نستعد صداقتنا إلا بعد فترةٍ طويلة بسبب وجود مصطفى في لبنان في أغلب الأوقات إضافةً إلى عدم انتمائه إلى “شلّة الشدّة” التي تشكلت في الحارة كعادة أهل المخيم في التعاطي فراغهم القاتل وعطالتهم عن العمل في أغلب الأوقات. ولكنّني علمت من خلال المحادثات مع أخيه أمين ومع الأصدقاء الآخرين من الجيران انه حين استدعِيَ للخدمة العسكريّة إدّعى الجنون وانغمس في الاداء والتمثيل مدة ستّة أو سبعة أشهر رغم سجنه ثم عرضه على اللجان الطبيّة. وارتكب أثناء إدعائه هذا أفعالاً جرميّة كان يمكن ان تؤدّي به إلى السجن المؤبّد في بلد تحكمه اجهزةٌ أمنيّةٌ تقوم بالإعتقالات لمجرد الشبهات ولا تخضع لآية قوانينٍ أو مساءلة. بعد تلك الأشهر السبعة إضطرت السلطات إلى تسريحه رغم وجود حالاتٍ كثيرة لأفرادٍ يعانون من أضطرابات عقليّة حقيقية إضطروا لإكمال خدمتهم العسكريّة او قضائها في السجون.
في ربيع 1985 وبعد ان طال انتظاري للموافقة الأمنيّة على استصدار جواز سفر دون جدوى وآخذاً بالإعتبار ان حتى حصولي على جواز السفر لم يعني بالضرورة انعتاقاً تاماً إذ ان السفر أيضاً يحتاج إلى موافقةٍ أمنيةٍ أخرى قد يطول انتظارها أكثر من فترة انتظار موافقة الجواز, وإضافةً إلى أن الخدعة القذرة التي حاول يوسف عمر عبرها نفيي إلى الصحراء الليبيّة من اجل الحفاظ على تدفق الأموال القذافيّة له ولإسياده جعلتني عرضةً للمسائلة الأمنيّة ولإتهاماتٍ بالعرفاتيّة إثر وشايةٍ محتملةٍ منه كوني قد نجوت من مصيدة اوزو التي نصبها لي, كان لا بدّ من الرحيل عن سوريا دونما تأخير. كانت الوجهة الوحيدة المتوفرة هي لبنان إلذي عاد إلى ذروة الإقتتال الطائفي خصوصاً بعد اندلاع إشتباكاتٍ طائفيّة جديدة تلت كلّ انسحاب إسرائيلي ترك فراغاً أمنيّاً تتقاتل الطوائف المتنافسة على ملئه. كان الجيش الإسرائيلي قد غادر مدينة صيدا في شباط 1985 مخلّفاً وراءه فصيل “القوّات اللبنانيّة” والفصائل الأخرى المتحالفة معه إضافة إلى قوّات تابعة لسعد حداد ولكن تلك الفصائل كانت أعجز من ان تحكم سيطرتها على المدينة المعادية لها والتي تعجّ بالفلسطينيّين الذي خبروا حروب المدن واكتسبوا مهاراتها, فاستطاعوا بعتادٍ قليلٍ دحر تلك الفصائل وإجبارها على الانسحاب من المدينة.
بدأت الفصائل الفلسطينيّة وعلى رأسها حركة فتح التي انتمي إليها بالعودة إلى مخيميّ صيدا بشكلٍ خجولٍ معتمدةً كخطوة أولى على إرسال عددٍ قليلٍ من الكوادر مع تحميلهم مبالغ طائلةٍ تسمح لهم بإعادة استدراج أبناء المخيّمات الذين كانت هذه التنظيمات قد تركتهما قبل بضعة سنوات لمصيرهم المظلم وسط الخراب والدمار والقتل والإعتقالات والإهانات التي تعرضوا لها على أيدي الجيش الإسرائيلي وحلفائه في الميليشيات المسيحيّة. لم يكن لهذا التكتيك المتّبع من قبل الفصائل الفلسطينيّة ان يفشل في ظلّ حصارٍ سياسيٍّ وأمنيٍّ وإقتصاديّ فرضته القوى المحتلة أهالي المخيمات إضافةً إلى القوانين اللبنانيّة العنصرية التي كانت ولا تزال تحظر على الفلسطينيّين العمل في الأراضي اللبنانيّة إلّا في المهن الحقيرة متدنّية الأجور, وإضافة إلى معاناة الفلسطينيّين الخاصّة كان عليهم مشاركة “أشقّائهم” اللبنانيّين في المعاناة والضائقة الإقتصاديّة العامّة الناتجة عن الانهيار السريع والكبير في سعر صرف الليرة اللبنانيّة والتضخم الهائل والسريع الذي أكلّ مدخّراتهم وزاد في صعوبة إيجاد فرص عملٍ تسد رمق أطفالهم فما كاد القادة العائدون من تونس يلوحون أمام فقراء المخيمات بالراتب الشهري (بحدود المائة دولار للشخص الواحد) حتى انهالوا زرافات زرافات ليتطوّعوا في هذه التنظيمات خصوصاً منهم الجيل الشاب الذي سدّت في وجهه كلّ الطرق عدا اللجوء إلى أوروبا الذي يحتاج بدوره إلى مبالغ خيالية لم يفلح إلا القليل في جمعها .
كنت على معرفةٍ بهذه الظروف بحكم ان شقيقتي الكبرى قد تزوجت من شابٍ فلسطينيّ كان قد التحق بالمنشقّين مضطراً بحكم كونه مهجّراً من عين الحلوة ويقيم عند شقيقته المتزوجة في مخيّم اليرموك, ومع الأيام الأولى للإنسحاب الإسرائيلي من صيدا الذي كان يستقي أخباره في البقاع اللبناني حيث يوجد مركز عمله, سارع إلى العودة إلى مخيمه ومعه زوجته. وقد كانت مسألة الخروج من سوريا سهلة بالنسبة له كونه فلسطينيّ لبنانيٌّ. كنت انا أيضاً أحمل إضافةً إلى بطاقتي السوريّة بطاقة هويّة فلسطينيّة / لبنانية ورثتها عن جدّي الذي أستحقّها حين أقام وأهله عند هجرته عام 1984 في أحد مخيّمات اللاجئين الفلسطينيّين في لبنان قبل انتقاله إلى مخيم اليرموك في دمشق عام 1957 للإلتحاق بإخوته المقيمين هناك. ورغم امتلاكي لبطاقة الهويّة هذه لم أكن استطيع مغادرة سوريا بها كونها تحمل نفس الإسم الموجود في سجلّي لدى أفرع المخابرات السوريّة التي تحكم السيطرة على المعابر الحدوديّة.
كثيراً ما لاحظت مصطفى يتجول بسيارة بيجو 504 بيضاء اللون (كسيّارات المخابرات) تحمل لوحة لبنانيّة, وعلمت من أخيه أمين أنه يستطيع المرور بها على الخط العسكريّ بين لبنان وسوريا. وبعد حديثٍ أو حديثٍ مع مصطفى بهذا الخصوص أبلغني انه الأمين العام المساعد لتنظيم “اللجان الثوريّة الفلسطينيّة” الذي لم أكن قد سمعت به من قبل لكنّه أكد لي وجوده وان أمينه العام هو عارف هدروس أحد سكان مخيّم اليرموك الذي كان يعمل في ليبيا, وان التنظيم حديث الانشاء وكونه على “علاقة” جيّدة بالقذافي فإنه بالتالي على علاقة “حميمة” بأجهزة المخابرات السوريّة خصوصا منها تلك المسؤولة عن المعبر العسكريّ في جدَيدة يابوس (أو ما يسمّى بالمصنع) كونه دائماً ما يقدم لهم الرشاوي الماليّة والعينيّة على شكل هدايا. رغم كونه خدوماً وشجاعاً ورغم علمي انني لو طلبت منه كصديقٍ وجار ان ينقلني إلى لبنان عبر المعبر العسكريّ فإنه سيوافق, إلّا أن حبّه للتباهي وإكثاره الحديث عن نفسه أمام الجميع كان لا بّد سيجعله يسرّب طلبي هذا عن غير قصدٍ إلى الملأ عاجلاً لا آجلا. كذلك منعني من هذا الطلب انني لم أملك أجرة الطريق ومصاريف الأيام أو الأسابيع الأولى في صيدا حيث سألتحق بحركة فتح ريثما تتمّ معالجة الأمور الإداريّة وحلول الراتب الأول بعد شهر. استقرّ رأيي بعد تردّدٍ قصير على ان أتطوع عندهم في هذا الفصيل “الطارئ” ريثما أتدبّر أمري في منطقة البقاع ومن هناك اشدّ الرحال بعد قبض الراتب الأوّل لي فعرضت عليه هذه المسألة (طبعا دون ذكر مسألة المغادرة بعد شهر) فرحّب بالفكرة وعرض عليّ ان يصطحبني في الغد لدى عودته إلى منزله في البقاع حيث تزوّج من فتاةٍ فلسطينيّة من سكان تلك المنطقة وأقام في منزلٍ قريبٍ من منزل أهلها في بلدة برّ الياس.
———————————————
ألقيتَ حقيبة الكتف الصغيرة على المقعد الخلفي لسيارة البيجو 504 ورميت نفسي إلى جانب السائق (مصطفى عودة) وانطلقنا متجهَين نحو المصنع الذي هو الإسم المتداول لمنطقة الحدود اللبنانيّة السوريّة. نصف ساعة أو اقلّ قليلاً تفصل بين مخيم اليرموك وخط الحدود الغربيّة, وتسمية الحدود هنا هي مجازية إذ انها حدودٌ معترفٌ بها من جانب واحد فقط هو الحكومة اللبنانيّة وعلى إستحياء. إذ لم يسبق لها ان جاهرت برغبتها بإسباغ صفةٍ شرعية على تلك الحدود التي ترفض سوريا أساساً حتى البحث في ترسيمها إذ يعتبر نظام البعث الحاكم في سوريا منذ ستينات القرن الماضي ان منطقة البقاع اللبناني وكذلك محافظة الشمال اللتين تشكّلان ثلث مساحة لبنان تقريباً هما منطقتان سوريتا الأصل تمّ سلخهما عام 1920 من قبل الحكومتين الفرنسية والبريطانية إثر اتفاق سايكس–بيكو والحاقهما بإمارة جبل لبنان ليشكّلوا معاً ما سُمي يومها بدولة لبنان الكبير, هذا طبعاً إذا اعترفت أصلاً بإمارة جبل لبنان. فسوريا رغم العلاقات السياسيّة والإقتصاديّة والإجتماعيّة المتشابكة والمتداخلة مع لبنان رفضت تاريخياً السماح بتبادل السفارات بين البلدين لرعاية مصالح كل منها في الدولة الأخرى بدعوى ان العلاقة بين الدولتين الجارتين أكبر من ان يشرف عليها سفيرٌ أو سفارة! وهذا للمفارقة صحيحٌ بالمطلق فسوريا وعن طريق أجهزة استخباراتها والأحزاب والتشكيلات ”السياسيّة” اللبنانيّة التابعة لها تقوم ليس فقط برعاية مصالحها بل وايضاً برعاية مصالح لبنان والسيطرة على الحياة الإقتصاديّة والسياسيّة فيه متصرفةً بمصائر أهله ومصالحهم بما يتوافق مع مصالحها هي ويضمن تبعيّتهم لها. ولإن كان هناك من هو بحاجة لسفارة ترعى مصالحه في بيروت حقاً, فهو الحكومة اللبنانيّة نفسها.
وصلنا إلى بلدة جديدة يابوس, مقرّ مبنى النقطة الجمركيّة والحدوديّة السوريّة وهي واحدة من ثلاتة معابر حدودية رسميّة بين لبنان وسورية ناهيك عن عشرات المعابر غير الشرعية والتي يستخدمها المهربون من كلا البلدين. ونقطة جديدة يابوس هذه هي عبارة عن ثلاثة معابر تعلوها قناطر متواضعة بعرض ثلاثين أو أربعين مترا. يستخدم معبران منهم للذهاب وللإياب أما الثالث ويطلق عليه اسم الخط العسكريّ فيشرف عليه أحد أجهزة المخابرات السوريّة, وهو جهاز يطلق عليه اسم الضابطة الفدائية وهو المولج بمتابعة ومراقبة واحتواء التنظيمات المسلحة الفلسطينيّة وأفرادها. هذا الخط العسكريّ عملياً هو معبر لكلّ آليات وأفراد الجيش السوريّ ومخابراته القابعين في لبنان منذ منتصف العام 1976 بعيد اندلاع الحرب الأهليّة اللبنانيّة, كما انه معبرٌلأفراد وآليات التنظيمات الفلسطينيّة واللبنانيّة الموالية للنظام السوريّ. ويتيح هذا المعبر للعديد من صغار ضبّاط وصف ضبّاط الجيش السوريّ العاملين في لبنان مجالاً لبعض التهريبات الصغيرة بين البلدين تؤمّن لهم دخلاً إضافيا يسيراً يضاف إلى الرواتب الهزيلة التي يتقاضونها من عملهم الرسمي. هذه المعابر الثلاثة يقابلها طبعا ثلاث معابرٍ أُخرى عند نقطة الجمارك اللبنانيّة المقابلة في منطقة المصنع (ربما كانت قديماً مقرّا لمصنعٍ ما) على بعد الفين متر او اكثر قليلا, معبرا ذهاب وإياب ومعبرٌ ثالث للخط العسكريّ هو ايضا بإشراف المخابرات السوريّة وليس للدولة اللبنانيّة أي سلطة عليه رغم انه يقع في الطرف اللبناني من الحدود.
لم يتوقف مصطفى الذي قاد سيّارته عبر الخط العسكريّ عند نقطة المخابرات لتسجيل اسمه ورقم سيّارته وتاريخ ترخيص عبوره كما هو المعتاد بل اكتفى بتبطيء سرعة السيارة ضاغطاً على زمورها مرتين قصيرتين متتاليتين وملوحاً بيسراه عبر النافذة صارخاً: “تحياتي أبو معتز” ثم تابع سيره فيما بدا أبو معتز في مرآة السيارة باسماً وملوحاً بدوره. كان هذا المشهد غير الإعتيادي مخصصاً فقط لعلّية القوم والخاصة منهم الذين سبق لهم ان أتخموا جيوب أفراد النقطة الحدودية وقياداتهم وبطونهم التي لا تشبع. مرّت خمس دقائق ثم وصلنا إلى نقطة الجمارك اللبنانيّة وولجنا المعبر العسكريّ حيث أقيم حاجز للشرطة العسكريّة السوريّة يكتفي أفراده غالباً بالتلويح للعابرين آذنين لهم بالمرور إذ لم تكن السلطات المخولة لهم تمنحهم أية فرصة لجباية أية رشاوي فالشرطة العسكريّة السوريّة, كما الجيش السوريّ نفسه لا سلطة حقيقية لها ولا رهبة, بل ان أفرادها وضبّاطها (عدا العلويين منهم) يرتعدون رعباً إذا ما ذكر امامهم اسم اي جهاز من أجهزة المخابرات. المؤشر الوحيد لسيادة الدولة اللبنانيّة على حدودها هو الرشاوي التي يحصلها أفراد الأمن العام اللبناني العاملين في نقطة الجمارك من مئات العمال السوريّين العابرين يومياً في كلا الإتجاهين لتسهيل مرورهم أو السماح لهم بتهريب علبة سمنة او كرتونة موز إلى سوريا.
ما ان تجاوزنا نقطة الجمارك اللبنانيّة حتى انتابني شعورٌ غامرٌ بالأرتياح, أشبه ما يكون بشعور شخصٍ ما بُعيد إقتلاع ضرسه الملتهب بعد طول عناء ومعاناة. فرحٌ كليٌّ غامض أعتدت ان اختبره كلما جزتُ تلك النقطة الحدودية مغادراً سوريا إلى لبنان. ثقلٌ ينزاح من ثنايا الروح فتنطلق مغردةً كعصفورٍ أتيح له أخيراً ان يخرج من قفصه. كان ذلك الإنتشاء مذهلاً وقتها وكلّ وقت. مذهلاً حتى بالنسبة لي, ومفاجئاً رغم تكراره عند كلّ عبور بهذا الإتجاه. انه طعم الحرية ممزوجاً بطعم الإمتداد الأفقي اللامتناهي لسهل البقاع اللبناني المُخضر في أغلب الأوقات والفصول (عدا الأشهر التي يتّشح بها بالبياض).
حقولٌ على مدّ النظر إينما وليتَ وجهك, وآفاقٌ واسعةٌ بلا أفق. فرحٌ وسكينة وأناس عاديون ينامون دون خشيةٍ من طَرَقات زوّار الفجر على أبواب منازلهم, ويصحون صباحاً في أسِرَتهم كما يجدر بهم, يذهبون لأعمالهم بشغفٍ وتفاؤل ويعانقون حقولهم الواعدة بأملٍ ورجاء عند كلّ شروق. وصلنا مفترق بلدة الصويرة في شتورا, فانعطف مصطفى نحوها ثم تجاوزها بعد دقائق واستمر بالسياقة جنوباً فأختفت البيوت تدريجياً من على جانبيّ الطريق ثم خلت سوى من حقولٍ مزروعة بالخضار والبقولات ونبات الخشخاش. خفف سرعته قبيل منعطفٍ ترابي على يمينه مشغلاً ضوء الإشارة الجانبية فعلمت اننا وصلنا. امتدّ الطريق الترابي الذي انعطفنا نحوه حوالي ال15 متراً لينتهي ببوابةٍ خشبيةٍ متهالكة تجانب حجرتين متوسطتي الحجم تحرسان حقلاً مترامي الأطراف وتطلّان على نهرٍ صغيرٍ ضامر هو أقرب إلى ساقيةٍ منه إلى نهر. ربما يعود نهراً في فصل الشتاء, قلت في نفسي .
ترجلنا من السيارة وتوجه مصطفى, وانا اتبعه نحو المبنى الصغير الذي أطلّ منه شبان ثلاثة في مقتبل العمر ومشوا نحونا بتثاقل وقد بدا على وجوهم حبورٌ لرؤية أحد ما يخترق عزلتهم. تصافحنا وقدّمني مصطفى لهم بصفتي مسؤول الموقع الجديد. تبادل معهم الكلام لبضعة دقائق ثم ودّعني وغادر على عجل. استوقفه أحد الشبّان ذاكراً انه لم يعد لديه أية سجائر فتناول مصطفى علبة المالبورو من جيب قميصه وألقفه إياها ومضى. توجست قليلاً من إيحاءات هذا المشهد, فإنني وان كنت قد أعتدت الإملاق طيلة السنوات الأربع الماضية إلا انني لا أستطيع صبراً دونما سجائر. حاولت طردت قلقي مما بدا انه شحٌّ غير مفهوم في هذا التنظيم الذي يفترض انه أقرب الفصائل إلى خزائن معمّر القذافي العامرة بأموال النفط الليبيّ وهززت كتفي متمتماً لنفسي: سنرى.
دخلتُ إلى المبنى يتبعني الشبان الثلاثة بفضولٍ ورهبة لأفاجأ بوجود شابٍ رابع في الداخل جالساً على سريرٍ حديدي صدئ تعلوه فرشةٌ اسفنجية ضئيلة السماكة وبضعة حرامات رخيصة, مدليّاً قدمه الوحيدة وكاشفاً عن بقيّة ساقٍ اخرى مبتورة من فوق الركبة كإنما معتذراً عن عدم خروجه لإستقبالنا. صافحته بحيادٍ مدروس وعرّفته بنفسي ثانيةً إذ تراءى لي انه سمع حديث مصطفى في الخارج من مكانه هنا. تبيّنت من لهجته أنه سوريّ الجنسيّة وبدا في منتصف العشرينات من عمره.
كان في الغرفة المستطيلة عارية الجدران من أية دهان أسِرّةٌ حديديةٌ ثلاث أخرى. لاحظ أحد الشبان نظراتي المتسائلة فبادرني شارحاً:
هذا الشاب سامر, مشيراً إلى اصغر الشبان عمراً, هو من بلدة حوش الحريمة القريبة منّا لذا فهو لا ينام هنا بل عادةً ما يغادرنا كلّ مساء بعد قيامه بنوبة حراسته المسائية التي هي دائماً النوبة الأولى, انسجاماً مع هذا السبب.
لا بأس, قلت. لم أشأ ان ابدي موافقتي أو استنكاري لهذا الأمر لحظتها, ليس بعد.
أزحت السرير غير المشغول نحو زاويةٍ فارغة ثم ألقيت حقيبتي على الأرض بجانبه وجلست عليه.
كان محدّثي إفريقيّاً داكن اللون في الخامسة والعشرين من عمره, متوسط القامة ذا بنيةٍ رياضيةٍ ولكنةٍ غريبة لم يسبق لي سماعها من قبل, ظننته سوداني الجنسية ثم تبيّن بعدها انه من مالي. حتى يومها لم أكن أعرف ان ثمة قبائل عربية كبيرة تستوطن مالي على الحدود مع ليبيا. كان مفتاح, وهو أسمٌ ليبيٌ واسع التداول وأظنه اسمه الحركيّ لا الحقيقيّ, قد غادر مالي إلى ليبيا بحثاً عن فرصة عمل لم يوفّق بها فاختار السفر إلى لبنان بعد لقائه بأحد جنود المخابرات الليبيّة العاملين فيه, مدفوعاً بحسّ المغامرة وأمل الحصول على مستقبلٍ أفضل, وطبعاً مدفوعاً في نفس الوقت, كمعظم الشباب العرب الذين يفدون إلى لبنان إنْ للسياحة أو للتطوع في صفوف أيٍ من التنظيمات المسلحة الوفيرة, بتلك الصورة النمطية للبنان في الوعي الشعبي العربيّ بصفته مرتعاً للجمال النسائي والتحرر الإجتماعيّ والجنسي الذي يتيح إقامة العلاقات الجنسية بسهولةٍ ويُسر. كان ذلك صحيحاً مقارنة بالأوضاع الإجتماعيّة في الدول العربيّة الأخرى التي تشكّل فيها العلاقات الجنسية مع الجنس الآخر دون زواج مجرد حلمٍ أو هاجس لا يمكن تحقيقه سوى في خيالاتهم المأزومة. أما سامر فكان في حوالي ال17 من عمره, كما بدا لي خارجاً للتوّ من التحصيل الدراسيّ ولم يجد أي عمل أو انه يكره العمل الوحيد المتوافر في منطقة البقاع اللبنانيّة ألا وهو العمل في الحقول الزراعية, فاستساغ راتباً شهريّا من تنظيم اللجان الثورية الفلسطينيّة مقابل لا شيء قياساً بالأشغال الشاقة الزراعية. وهناك أحمد الفلسطيني القادم من مخيّم نهر البارد في طرابلس شمال لبنان, يقترب من سنّ العشرين وينطبق عليه ما ينطبق على سامر.
تسير الحياة متئدةً في منطقة البقاع, كما في أيّة منطقة ريفية أخرى في العالم, وفي موقعنا بالقرب من قرية حوش الحريمة, كانت وتيرتها أبطأ منها في أية بقعة أخرى في البقاع. صحوٌ متأخرٌ في النهار. ثم مشيٌ على غير هدى في الحقول المحيطة بنا في محاولة يائسة لقتل الوقت الذي كان لدي الكثير منه.
شاي ومعلّبات للإفطار. غداءٌ هزيلٌ بسبب ما بدا انه تقشفٌ غير معتاد في المواقع العسكريّة التابعة للميليشيات والمنظّمات الفلسطينيّة. بعد الغداء اعتدنا على السباحة في النهر الصغير المتاخم للغرفتين اللتين نقطنهما, مما أتاح لنا الإستغناء عن الحمام اليومي وعناء نقل المياه اللازمة له بسبب عدم توفر الصنابير. كنا نستخدم ماء النهر ايضاً للشرب للطبخ والجلي وعمل أباريق الشاي وبقيّة حاجاتننا اليومية الأخرى, لكن هذه الفعاليات كان عليها ان تتوقف بمجملها بعد بضعة أيام إثر سيري بصحبة سامر ومفتاح في إحدىنزهاتنا العشوائية اليومية بمحاذاة النهر شمالاً بعكس إتجاهه. فما ان أصبحنا على بعد كيلومترين أو ثلاثة من الموقع حتى بدانا بمشاهدة مناظر مقزّزة لأطنان من الأوساخ والنفايات وجيَف البقر النافقة مرميةً في مجرى النهر بانيةً عوائق تفسّر بطء جريان المياه فيه, الأمر الذي استغربته أوّل مجيئي. كان ثمة بعض مجاري للمياه العادمة والصرف الصحي أيضاً تصبّ في النهر وتشكّل روافداً أساسيّة له. إكتشفنا إذن يومها ان نهرنا الرومانسي الصغير كان في الحقيقة مكبّا للنفايات أكثر منه نهراً واكتشفنا اننا كنا عملياً نسبح ونشرب ونطبخ ونحتسي الشاي بالفضلات العضويّة! لم يكن شعورنا مريحاً بأي حالٍ من الأحوال. في الواقع وخلال ذينك الأسبوعين, تكوّنت لدي قناعةٌ بان انضمامي المستجد لذلك التنظيم المستجد ووجودي في ذلك الموقع المنسي من مواقع النضال, وانقطاع الرواتب والتقشف غير المعهود في الأكل والشرب والدخان الذي كان يوزع علينا بالعدد, عشر سجاير يومياً لكلٍ منا, بل والكتاب الوحيد الموجود في الموقع مما اضطرني لقرائته وهو بعنوان ”الكتاب الأخض” والمفترض ان كاتبه هو صاحب ”النظريّةالعالميّة الثالثة” العقيد المزمن معمر القذافي, كل ذلك بمجمله كان خراءً بخراء.
كان التقشّف وعدم صرف الرواتب لمدة الشهرين السابقين لمجيئي , كما أبلغنى شباب الموقع, أمراً مريباً يدعو للتساؤل خصوصا ان غايتي من الإلتحاق بهذا التنظيم المجاهد (عدا عن تأمين نقلي غير الشرعي عبر الحدود السوريّة اللبنانيّة) هو قبض راتبي آخر الشهر مما يمكنّني من دفع مصاريف المواصلات التي ستحملني إلى عين الحلوة في مدينة صيدا الجنوبية لإلتحق بتنظيمي. فقد كانت المرحلة, مرحلة ”مدّ ثوري كفاحي” بكل ما في الجملة من معاني توافر التمويلات وكافة أشكال الدعم لهذه الميليشيات حيث تسابقت إلى ذلك كثيرٌ من الأطراف العروبية القومجية والإسلامية, كما الأطراف الإقليمية بل والدولية كلٍ لأسبابه الخاصة. فالحكومة الإسرائيليّة التي أرسلت جيشها ليعبر الحدود اللبنانيّة بإتجاه العاصمة بيروت في حزيران 1982 في أضخم إجتياح عسكريّ يشهده العصر الحديث كانت قد وصلت إلى قمة مأزقها واضطرت إلى التراجع بقوّاتها والانكماش في الشريط الحدودي اللبناني المتاخم لشمال إسرائيل مطلقةً على تلك المنطقة الجغرافية الصغيرة تسمية الحزام الأمني, وذلك تحت وطأة الضغوط الداخليّة والعبء الإقتصادي والسياسيّ المرهق أولاً, ثم بسبب تبخّر أحلامها بإقامة إتفاقية سلام مع حكومة لبنانيّة مركزيّة قوية بعد إعتمال الحروب الطائفية من جديد في مجمل المناطق اللبنانيّة التي كانت تحتلها في بيروت والجبل وصيدا والجنوب والتي كانت عاجزة عن تحمّل عبئها السياسيّ أمام المجتمع الدولي بصفتها قوة مُحتَلة يقع عليها عبء حماية السكان المدنيّين في المناطق التي تقع تحت سيطرتها. إضافةً طبعاً إلى ضغط الشارع والأحزاب الإسرائيليّة المعارضة للحرب , وإلى ضربات المقاومة اللبنانيّة والتي كان بعضها مؤلماً من ناحية عدد القتلى من الجنود الإسرائيليين بعد ان ابتكرت المقاومة لأوّل مرّة أسلوب العمليات الإنتحارية الذي يصعب صدّه.
أما بخصوص م.ت.ف. التي شنّت إسرائيل حربها بهدف إجتثاثها من لبنان, فلم تفلح العمليّة التي أطلق عليها الإسرائيليون أسم ”عمليّةالسلام للجليل” سوى بإخراجها من الجنوب والعاصمة بيروت فيما بقيت عناصرها ومؤسّساتها وأسلحتها متواجدة في منطقتي البقاع والشمال وان مدجنّةً ومقلوعة المخالب بسبب سيطرة النظام السوريّ المطلقة على هاتين المنطقتين.
كان هذا النصر الإسرائيلي الجزئي باهظ التكلفة للحكومة الإسرائيليّة, عدةً وعتاداً وتمويلاً وفواتيراً أخرى جانبية مثل مجزرة صبرا وشاتيلا التي قضى فيها ما يقارب ال3000 قتيلاً مدنياً لبنانياً وفلسطينيّاً أكثر من نصفهم كانوا من النساء والأطفال والعجائز. تلك المجزرة التي نقلت صور فظائعها اغلب وسائل الإعلام الغربيّة مما افقد إسرائيل جزءاً كبيراً من سمعتها ومصداقيتها في الغرب وجرّدها من لبوس الضحية وألبسها لبوس الجلاد في جزء لا يستهان به من الوعي الجمعي الغربي وصعّب مهام حلفائها في تلك الدول في تبرير سياساتها ودعمها المادي والعسكريّ. ولقد بقيت الحكومات الإسرائيليّة المتعاقبة تعاني من عواقب تلك الجريمة لسنوات طويلة بعدها, علماً ان اليد المنفذة لتلك المجزرة كانت عربية لبنانية حليفة لإسرائيل وان كانت المنطقة بمجملها واقعة تحت الإحتلال الإسرائيلي.
بدأت م.ت.ف. بالعودة تدريجياً إلى المناطق اللبنانيّة التي أجبرت على إخلائها قبل أعوامٍ أربعة وانكفأت إسرائيل عن معظم المناطق التي احتلّتها خلال اجتياح 1982 للبنان وكان آخر انسحاب لها من مدينة صيدا وصور في آذار 1985 فيما أبقت على انتشارها على مسافة 9 أميال داخل الحدود اللبنانيّة حيث أقامت حزاماً حدوديّا آمناً بالتعاون مع جنود وضبّاط الجيش اللبناني من أبناء تلك المنطقة الذين انشأوا ما أطلقوا عليه إسم جيش لبنان الجنوبي . أمّا إتفاق 17 أيار 1983 الذي وقعته إسرائيل مع الحكومة اللبنانيّة أثناء وجود قوّاتها في العاصمة بيروت بعد غزوها فقد ولد ميتاً على حد قول رئيس مجلس النوّاب اللبناني نبيه بري إذ أضطرت القوى السياسية المسيحيّة إلى الإذعان للرفض الدرزي والسنّي والشيعي المدعوم من النظام السوريّ إلى قبول قرار الإلغاء الذي أعلنه نبيه بري عقب ما سمي بانتفاضة 6 شباط.
في الجنوب وإثر انسحاب الجيش الإسرائيلي من مدينة صيدا اضطّرت القوّات اللبنانيّة أيضاً إلى الإنسحاب منها بعد أقلّ من شهر بسبب الضغوط العسكريّة للميليشيات السنيّة الصيداويّة بالإضافة إلى ميليشيات الحزب التقدمي الإشتراكي الدرزية, وفلسطينيّي مخيمي عين الحلوة والمية ومية. كان هناك نصرٌ يتنظر من يقطفه وأثرياءُ كثرٌ ساعون للقطاف, من ليبيا بهلوسات قائدها المصاب بجنون العظمة ونفطها الذي استنزفه في محاولة مستميتة لشراء نفوذٍ إقليميٍ ووزنٍ سياسيٍ لا يتيحه له حجمه الطبيعي, إلى إيران وحلم الإمبراطورية الشيعية الممتدة – إضافةً إلى بلاد فارس – عبر الخليج العربيّ والعراق وسوريا ولبنان حيث تتواجد طوائفٌ شيعية وعلوية كبرى باتت ترى في الدولة التي سيطر عليها رجال الدين ومنصب الوليّ الفقيه الذي إستحضروه من التراث الدينيّ الشيعي مرجعيةً دينيّة وثقلاً سياسياً يمكن إستثماره لصالح الطائفة ورجالاتها السياسيّين .
ومن الساعين لقطاف النصر كان هناك الخليج العربيّ بدوله العديدة وأسبابها المتعددة من طموح النفوذ الإقليمي وتعزيز مكانة الأَسَر الحاكمة كمرجعية دينيّة لأتباع الطائفة السنيّة موازيةً لمرجعة آيات الله الإيرانيين عند أبناء الطائفة الشيعية, مما يساهم في توطيد سلطاتهم في بلدانهم وتمتينها (السعودية), إلى مجرد دفع البلاء في حالة بلدان خليجية أخرى كالكويت وقطر وإلإمارات العربيّة المتّحدة حيث تحظى التنظيمات الفلسطينيّة المسلحة بين شعوبها بشعبيةٍ لا بأس بها ناجمةً عن كون الصراع الفلسطينيّ – الإسرائيلي في أحد أوجهه هو صراعٌ بين المسلمين و اليهود حسب التنشئة الدينيّة التي يشبّ عليها مواطنو تلك الدول, وما تثيره فيهم مفاهيم الجهاد كفريضة دينيّة واجبة عيناً ان لم يكن بالسلاح فبالمال إذ يقول الحديث النبوي الشريف:”من جهّز غازياً فقد غزى”. كما ان دفع البلاء يحتّمه أيضاً وجود مئات الآلاف من الفلسطينيّين في دول الخليج تلك وبينهم نسبة لا بأس بها من مناصري التنظيمات الفلسطينيّة والذين يمكن لهم (نظرياً) ان يثيروا الكثير من المشاكل لأنظمة تلك الدول. كما ان المنظّمات المسلحة نفسها يمكن لها ان تهدّد المصالح الإقتصاديّة والسياسيّة لتلك الدول ان كان في داخلها أو في انحاء العالم وفي نفس الوقت بإمكانها ان تساهم في حماية هذه المصالح خصوصاً في الأراضي اللبنانيّة – حيث للدول الخليجية الكثير من المشاريع – بل ان مباني سفارات تلك الدول أو شركات طيرانها او ما شابه من مؤسّساتها في بيروت كانت حتى لحظة انسحاب المسلحين الفلسطينيّن بُعيد الإجتياح الإسرائيلي ثم حصار بيروت, كما ذكرنا سابقاً, تحت الحماية المباشرة للعناصر المسلحة التابع لقوّات ال17 أحد أذرع حركة فتح كبرى فصائل م. ت.ف.
العراق ايضاً هو مموّلٌ تاريخيٌّ أساسيٌّ لتنظيماتٍ موالية له كجزء من مترتبات صراعه الطويل مع نظام البعث العلوي في سوريا ونظام آيات الله في إيران.
أمّا مصر فغائبة منذ عزلها عن العالم العربيّ (رسمياً على الأقل) إثر توقيع رئيسها السابق محمد انور السادات على إتفاقية كامب ديفيد وإقامة السلام مع إسرائيل منفرداً.
أما سوريا فكانت موجودة بقوة انما ما تدفعه عادةً ما يكون دعماً عينيّاً لوجستياً وسياسياً يتيحه لها سيطرتها العسكريّة المباشرة على معظم الأراضي اللبنانيّة وكذلك هيمنتها على الحياة السياسيّة اللبنانيّة برمّتها. إذ انها لا تملك ثروةً تبدّدها, بل, وابعد من ذلك فإنها تقتطع لنفسها جزءاً من كثيرٍ من هذه التمويلات الواردة فبصفتها شريكاً مُضارباً لمعظم الفصائل الفلسطينيّة ولكونها تتيح لقادتها ملاذاً آمناً كانت جزءاً لا بدّ منه في أية صفقة.
كان بين المموّلين ايضاً الكثير من الجهات الأجنبية الغربيّة والشرقية, كلٌ عبر أجهزة استخباراته وحسب أجندته الخاصة به على رأسهم طبعاً كان الإتحاد السوفياتيّ والولايات المتّحدة وبينهما بقيّة الجوقة من اللاعبين الدوليين الثانويين.
ثم هناك الشركات ورجال الأعمال الذين يسعون للحفاظ على مصالحهم ومصادر ثرواتهم المتواجدة في مناطقٍ يتواجد فيها العناصر المسلحة لتلك التنظيمات مما يضطرهم لدفع الخوات لقادة تلك المجموعات والتنظيمات لحراسة تلك المصالحة والحفاظ عليها من السرقة أو التخريب الذين يمكن ان يقوم بهم أفراد تلك التنظيمات انفسها فيما لو لم يتمّ الدفع. على رأس رجال الأعمال هؤلاء الملياردير السعودي من أصلٍ لبناني رفيق الحريري الذي تبوّأ لاحقاً منصب رئاسة الوزراء بعيد إتفاق الطائف الذي ساهم شخصيّاً في إبرامه بين الفصائل العسكريّة اللبنانيّة المتناحرة والتي كان فيما سبق يساهم في تمويلها على شتّى انتماءاتها وفي كلا الجبهتين المتناوئتين.
كانت المرحلة إذن كما سبق وذكرت مرحلة “مدٍّ ثوريٍّ” مع كل ما يُفترض ان يرافق هذا المدّ من سيولةٍ وبحبوحةٍ تغمر الثوريين. ثمة ما يريب في حالة الفاقة التي يعاني منها تنظيم اللجان الثورية المقرّب من جهاز الإستخبارات الليبيّ الثري بل ويحمل إسماً وشعاراتَ ثوريةً مأخوذة حرفيّاً من الكتاب الأخضر للعقيد القذافي ونظريته العالميّة الثالثة كما أطلق عليها بصفتها الحاسمة بعد الرأسماليّة والإشتراكية اللتين ثبت فشلهما حسب قوله في حل المشكلات الإقتصاديّة والسياسيّة داخل انظمة ومجتمعات كافة الدول.
بعد عدّة لقاءات ودردشات مقتضبة مع مصطفى وشخصٍ آخر إسمه أبو خالد أثناء زياراتهما الخاطفة لنا إستطعت ان أستنتج دون كثير عناء سبب حصة السجائر المحصورة بعشرة سجائر للفرد وكلّ هذا الشحّ الذي نحن فيه كان سببه جشع عارف هدروس مؤسّس تنظيم اللجان الثورية الفلسطينيّة القاطن في دمشق وقِصَر نَفَسه الإقتصادي, ففي غمرة بحثه عن الغنى السريع وبعد ان تعرّف على بعض رجال الإستخبارات الليبيّة أثناء عمله في تعهدات البناء في ليبيا, أقنعهم انه قد إعتنق فكر نظرية الكتاب الأخضر وانه باعتباره رقيباً سابقاً في الجيش السوريّ, ضليعٌ في العمل العسكريّ. راقت فكرة هدروس لرجال المخابرات الليبيّة فهمسوا في آذان المسؤولين الليبيّن وأقنعوهم بجدوى تأسيس تنظيم فلسطينيّ جديد يحمل عقيدتهم مباشرة بدلاً من تبديد الأموال على أحزاب وتنظيمات شيوعية وقومية غير مضمونة الولاء فنالت هذه الفكرة إستحساناً من العقيد القذافي فتمّ تزويده بالمبالغ الأولية اللازمة لإطلاق المشروع وغادر ليبيا بعد تصفيّة أعماله المتواضعة فيها واتجه إلى سوريا ليبدأ العمل في تعهدات من نوعٍ آخر. وقام الليبيّون بعدها بتزويده بمبالغ ماليّة شهريّة لزوم شراء السلاح ولعتاد ودفع مرتبات المقاتلين المنضوين تحت لوائه, ولكنه في غمرة شوقه إلى الغنى السريع كان يستولي على معظم المبالغ الواردة ويضعها في حساباته البنكية الشخصيّة دون حتى ان ينشئ ديوان محاسبة يتولّى الإشراف, شكلياً على الأقل على هذه المداخيل وأبواب صرفها, غير آبهٍ ببقيّة القيادات والأفراد الذين كان لا بدّ منهم لإنشاء هكذا مشروع مما دفعهم لإبلاغ ضبّاط الإستخبارات الليبيّة المتواجدين ضمن وحدة عسكريّة ليبية صغيرة متموضعة في البقاع اللبناني ولا يدري سوى الله سبب وجودها هناك آنذاك سوى ان يكون توافر مادة الحشيشة المولع فيها الليبيّون والتي تعتبر السلعة الزراعيّة الأكثر إنتاجاً في البقاع ومصدر دخل البقاعيين الأساس (كذلك تشكّل هذه الزراعة مصدر مالي إحتياطي لحزب الله). كان المعلن طبعا هو انهم هناك للدفاع عن المقاومة الفلسطينيّة في وجه الجيش الإسرائيلي إلا ان أحداً لم يسمع ان في وسائل الإعلام أو عن طريق التواتر والإشاعات عن أية عمليّة إطلاق نار من أو على تلك الوحدة أو عن أي شكل آخر من أشكال المواجهة بينها وبين أيٍ كان منذ مجيئها وحتى تاريخ انسحابها مع بداية تطبيق إتفاق الطائف الذي انهى الحرب الأهليّة اللبنانيّة ونزع سلاح جميع الميليشيات (تاركاً سلاح حزب الله) وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها (عدا الجنوب والضاحية وأية اماكن أخرى يتواجد فيها الحزب) تشاركها في هذا ”البسط” والسلطة قوّات الجيش السوريّ التي بقيت مهيمنة حتى ما بعد إغتيال رفيق الحريري واضطرارها للانسحاب المذل تنفيذا لقرار مجلس الأمن 1559 وإرتفاع وتيرة الضغط الدولي بعد ذلك الإغتيال والتهديد بتنفيذ القرار بإستخدام القوّة.
بعد توالي وصول الشكاوى إلى ضبّاط الإستخبارات الليبيّة المتعلقة بلصوصية عارف هدروس رئيس تنظيم اللجان قرّرت القيادة الليبيّة رفع الدعم الماليّ عنه وعن تنظيمه ريثما يتمّ التحقّق من الأمر مما قضى تدريجياً على طموحات متعّهد البناء السابق السياسيّة واكتفى بعد عدة أشهر برأسماله الصغير الذي كوّنه خلال فترة ”نضاله” القصيرة وعاد إلى أعماله المعتادة في مجال التعهدات قانعاً من الغنيمة بالإياب وبضعة عشرات الألاف من الدولارات أو الأرانب كما يسمّيها المصريون لسرعة توالدها.
في فترة الانتظار تلك كان تقرّبي الأول من الله والذي جاء صدفةً وبشكلٍ مباغت دونما أية تمهيدات أو إرهاصات انْ فكرية أو روحيّة, وذلك إثر تعثّري أثناء إحدىمسيراتي اليومية والعشوائية بمزار وليٍّ من أولياء الله الصالحين يدعى الشيخ حسن. غرفةٌ صغيرةٌ على تلةٍ منخفضةٍ ونائيةٍ وإنْ كانت قريبة من شارع ريفيٍّ شبه خالي في أغلب الأوقات, يعلو سقفها قبّةٌ خضراء متواضعة وفي وسطها قبرٌ حجريّ محفورٌ عليه إسم صاحبه الشيخ حسن مع بعض الآيات القرانية ومغطّى جزئياً بقماشٍ حريريٍ أخضر اللون فاخر تفوح منه رائحة الرهبة والتقوى (اكتشفت بعدها انها رائحة البخور الذي يحرقه المتبرّكين به أثناء زياراتهم لقبره). كان القماش الحريري الأخضر بالأحرى يغطّي أرجاء الحجرة ذات المساحة 3م مربع و ذات الجدران الإسمنتية من ثلاث جهات وأما الجهة الرابعة فمسوّرةٌ بسياجٍ حديديٍ هو عبارة عن قضبان متقاربةٍ تمتدّ طولياً حتى تلامس السقف ويلاصقها من الجهة الداخليّة نصف حائطٍ من الإسمنت ينتهي بحافةٍ خضراء هي الأخرى وعليها عشرات الشموع نصف المحترقة. ما لفت نظري وأثّر بي ضمن هذا المشهد كان مرآى عشرات القطع النقدية المعدنيّة والورقيّة المبعثرة فوق ضريح الشيخ الجليل تغمده الله برحمته وحشره مع الصدّيقين. فغرت فاهي دهشةً كما يقول الأدباء لهذه الرؤية الصادقة وكذلك فعل رفيقي في المسير ثم ما لبثنا ان ثبنا إلى رشدنا بعد هنيهة وبادرنا للتصرف العمليّ بسرعةٍ ووقار للحيازة على هذا الكنز الذي أرسله الله لنا وتذكّرت الآية التي تقول “ذِكرُ ربّكَ عبده زكريّا”. وكان ان جاءني الإلهام سريعاً على شكلِ فرع شجيرةٍ صغيرٍ ومورق قطعناه من شجرةٍ مباركة قريبة ومددناه من بين القبضان الحديدية وكنسنا به كل ما وقع عليه بصرنا ووصلت إليه أداتنا من نقود نحو نصف الجدار مرصوف الحافة بالشمع المحترق جزئياً, ثم مددنا أكفّنا وتناولناه بيسرٍ حتى تجمّع لدينا ثروةٌ تقارب الستين ليرة لبنانية (حوالي عشرة دولارات حسب تسعيرة ذلك الزمان). عددناها وشكرنا الله وترحمنا على روح الشيخ الجليل ثم غذذنا السير مسرعين نحو بلدة شتورة القريبة منّا حيث التهمنا سندويشتي شاورما متخمتين واشترينا علبة مارلبورو فاخرة لنغسل بها طعم سجائر الططلة المحليّة المليئة بالقطع والنثرات الخشبية. ثم اشترينا 6 علب من بيرة الهينيكين الألمانية نطفئ بها ظمأنا الذي طال على يد عارف هدروس وتقاسمنا ما تبقّى من أموال المغفور له الشيخ حسن وطفقنا عائدين غانمين نحو قاعدتنا. توقفنا قبيل وصولنا إلى جانب حقل قمح وجلسنا على الأرض كالمتصوفين الزاهدين نشرب وندخّن معظم علبة المارلبورو آوينا بعدها إلى مقرنا مفعمين بالنشوة الروحية.
مرّت بضعة أسابيعٍ على وجودي في البقاع دون ان يطرأ أيّ تحسّن على موضوع التقشّق أو يتبيّن ان في الأفق أيّة رواتب قادمة. لم يعد مصطفى إلى زيارتي ولم أكن أعرف عنوانه حتى أذهب إليه لأحاول الإطلاع على الأمور عن كثب. كان “قائدٌ آخر” اسمه أبو محمّد يزورنا بسيارته المرسيدس كلّ بضعة أيام ليتدبّر لنا علبتي سجائر أو ثلاثة وبعض المعلّبات والسكّر والشاي وربطات الخبز التي كان التنظيم يستدينها على ما يبدو من أحد “السوبرماركات” وظلّ إعتمادي الأساس في تدبير أموري على نعمة الشيخ حسن. كان السؤال الدائم والملحّ كلّما زارنا أبو محمّد هو عن الراتب وما إذا كانت هناك أية أخبار جديدة رغم الجواب الواضح على وجهه حتى قبل ان نسأله. ما زاد الطين بلّة ان صالح, العنصر السوريّ مبتور الساق ظلّ يلحّ عليّ بإبلاغ أبو محمّد انه يريد ان ينفّذ عمليّة استشهادية وانا استمهله وأطيل الحديث معه محاولاً ردّه عن هذه الفكرة دون جدوى. وكانت العمليات الانتحاريّة بالسيّارات المفخّخة قد أصبحت موضة شائعة بعد ان نفّذ الحزب القومي السوريّ وحزب الله بضعة عمليّات منها وراحت الأجهزة الإعلاميّة (خصوصاً السوريّة) كالعادة تمجّد هذا التفاني وأحيط منفذوه بهالة القداسة والرومانسيّة خصوصاً ان إحدىهذه العمليّات كانت منفّذتها فتاةٌ شابّة (سناء محيدلي). بعد ان عجزت عن ثني الشاب عن رأيه اضطررت إلى إبلاغ أبو محمّد بطلبه هذا وكان تعليقه الأوّل على هذا الموضوع هو:”سنحتاج إلى سيّارة أوتوماتيك“!.
لم يتوقف لحظةً واحدة ليتفكّر بالشاب ووالديه واخوته كما لو انه كان قطّاً أو حتى جرذاً. ثم أجتمعنا وإياه مع صالح على انفراد وراح يسأله عمّا إذا كان يتقن قيادة السيّارات فأجاب بالنفي فقال أبو محمّد سندرّبك على قيادة سيّارة أوتوماتكيّة. تناقشا بضعة دقائق في الإمور العمليّة ولم يتطرّق أحدٌ منهما إلى أية أمورٍ شخصيّة أو عقائديّة أو إلى الدافع أو الدوافع الكامنة وراء رغبة صالح الانتحاريّة, أما دوافع أبو محمد الكامنة وراء ترحيبه بالفكرة فقد كانت ببساطة جوهريّة. فإنّ عشرات التنظيمات المسلّحة الفلسطينيّة والسوريّة التي يموّلها القذافي تحتاج بين فترة وأخرى إلى تقديم دليلٍ ما على انها تقوم فعلاً “بالنضال ضدّ العدو الصهيوني” مقابل الأموال التي تتلقّاها وليس أفضل من عمليّة “إستشهاديّة” للبرهنة على هذا النضال خصوصاً في ذلك التوقيت بالذات حيث شحّت الأموال إلى أقصى درجة. وعدنا أبو محمد بالعمل على تهيئة الموضوع ثم غادر وعاد عن المساء على غير عادته فظننت ان زيارته الثانية في نفس اليوم تتعلّق لا بدّ بموضوع العمليّة الانتحارية لكنني تفاجأت بانه طلب منّي ان آمر أحد الشباب بتحضير مجموعة من الأطعمة المعلّبة المختلفة ليأخذها معونة لإحدىالعائلات. سألني ما إذا كنت أرغب بمرافقته لزيارتهم فوافقت مباشرةً إذ بعد أسابيع من العيش في البريّة كنت أحنّ إلى رؤية بشرٍ طبيعيّين يحيون حياةً إعتياديّة. توجّهنا بسيارة أبو محمد على الطريق الريفيّ جنوباً نحو قرية “غزّة” التي تبعد حوالي ثلث ساعة وتوقف عند أحد منازلها شبه المعزولة وحمل كيس المعلبات ونزل وتبعته انا وفُتح باب الدار قبل ان نطرقه ففي السكون الريفيّ التام يسهل سماع محرك السيارة عند ركنها بجانب المنزل.
كان بالباب إمرأةٌ في الإربعين من عمرها تقريباً مكتنزة الجسم بعض الشيء فرحّبت بنا وأدخلتنا إلى غرفة الجلوس حيث كانت بقيّة العائلة المؤلفة من الزوج الخمسيني وفتىً يافعٍ وصبيّتان في العشرينات من العمر على قدرٍ لا بأس فيه من الحُسن القرويّ الفجّ وغير المصقول. كانتا شهيّتين كرغيفين ساخنين من خبز التنّور المنزليّ الذي يأكله أهل القرى وكان أبو محمد على ما يبدو يتقرّب من العائلة اللبنانيّة عن طريق المعلّبات وهي عادةٌ متّبعة عند كوادر جميع التنظيمات المسلّحة منذ السبعينات, وكان بعضهم يضيف إليها كوبونات البنزين أيام أزمات الوقود حين لا تتوفّر تلك المادة إلّا في محطات البنزين التابعة للتنظيمات. قدّمت لنا الصبيّتان الشاي والقهوة وتسامرنا مع العائلة نحو الساعة ندردش في أمورٍ عامّة ثم استأذنّا وودعناهم وانطلقنا عائدين نحو الموقع حيث انزلني أبو محمّد وتابع طريقه.
إمتدت إقامتي في البقاع بانتظار غودو نحو ستّة أسابيع عجفاء تيقنت بعدها ان الراتب المنتظر لن يأتي أبداً أو على الأقلّ لن يأتي في المدى المنظور كما ان الأموال التي أتلقاها لوكالتي عن الشيخ حسن قد بدأت تشحّ إذ يبدو ان سباقاً سريّاً قد اندلع بيني وبين وكيل الشيخ حسن الشرعي على جباية تلك الأموال. فقرّرت تعديل الخطّة وعدم انتظار الراتب الموعود وحملت شنطتي الصغيرة على كتفي وانطلقت دون ان أبلغ أحداً من عناصر الموقع سيراً على الأقدام في الطريق الريفي الضيّق متجهاً نحو الشمال وملت نحو اليسار حينما صرت بمحاذاة المقام صاعداً التلّة الصغيرة للمرّة الآخيرة بهدف وداع الشيخ وجباية ما توفّر من المال ثم تابعت سيري تحت شمس أيّار الحارّة حتى وصلت إلى منطقة المصنع فأشتريت علبتيّ بيرة باردتين شربتهما امام المحلّ وبعدها أوقفت سيارة سرفيس واتجهت إلى بلدة ثعلبايا المعروفة بتواجد العديد من مكاتب المنظّمات الفلسطينيّة فيها حيث أستوقفت أحد الشبّان وسألته عن مكان مكتب الجبهة الديموقراطيّة فأرشدني إليه.
مبنىً من طابقٍ واحد يشبه بقيّة المنازل في البلدة عدا عن أنّ حارساً شاباً في بذة عسكريّة خضراء يحمل بندقية كلاشينكوف ويبدو على ملامحه السأم, يقف أمامه. في الداخل وجدت رجالاً ثلاثةً أحدهم يجلس خلف طاولة مكتب عتيقة والآخران امامه على كنبةٍ بنيةٍ عتيقةٍ بدورها يكاد لونها ان يبلى. سلّمت عليهم وأبلغتهم انني قادمٌ للتطوّع في صفوف الجبهة فرحّبوا بي وقدموا لي الشاي وبدأ الشخص الجالس خلف الطاولة بتعبئة إستمارةٍ ما بمعلوماتي الشخصيّة فبادرت إلى القول بانني أريد الخدمة في منطقة صيدا حصراً مبرّراً الأمر بان لي أقرباء هناك وأريد ان أكون قريبا منهم فبدا على وجه بعض الانزعاج لكنه قال ان لا مانع لديه وتابع ملء الإستمارة. عند الإنتهاء أبلغني بان عليّ الانتظار ريثما تأتي السيّارة العسكريّة عند العصر وصبّ لي المزيد من الشاي. قضيت بعض الوقت في الدردشة مع الشباب وأغلب الوقت في الإنصات إلى دردشتهم مع بعضهم البعض إذ انني لست من النوع الذي يكثر الحديث. مضت ساعاتان أو ثلاثة خرجت خلالها بضعة مرّات للوقوف على الطريق عند مدخل المبنى لمراقبة المارّة دون هدف سوى التخفيف من حدّة الملل.
حضرت سيّارة التويوتا العسكريّة حوالي الرابعة عصراً لكنّها لم تعاود الانطلاق حتى السادسة مساءً وليس على متنها سوى السائق وانا وكانت وجهتنا جبل لبنان. وصلنا بعد حوالي الساعة إلى بلدة سوق الغرب وهي البلدة التي تقع فيها المدرسة الداخليّة التي أمضيت سنوات طفولتي مقيماً فيها, وانعطف السائق يميناً نحو زقاقٍ جانبيّ وتوقف في باحةٍ معشوشبة يحيط بها بعد المباني شبه المهدّمة كبقيّة منازل البلدة التي شهدت قبل عامٍ واحدةً من أعنف المعارك التي دارت خلال الحرب الأهليّة بين المسيحيّين والدروز المدعومين من الفلسطينيّين كما شهدت أيضاً قصفاً جويّا وبحريّاً من القوّات المتعددة الجنسية. كان جالساً في طرف الساحة على الشرفة الأرضيّة للمبنى المقابل أربعة شبّانٍ يشربون الشاي ويدخنّون فسلّمنا عليهم وشاركناهم شرب الشاي في واحدة من أجمل البلدات السياحيّة في لبنان ما قبل الحرب. أمام الشرفة من الناحية الغربيّة نُصب رشاشاً ثقيلاً رباعيّ الفوّهات موجّها نحو الجزء الجنوبي من مدينة بيروت الواقعة تحتنا مباشرةً في الوادي على بعد بضعة كيلومترات.
بعد ان أبلغ السائق مسؤول الموقع بانني متطوعٌ جديدٌ لكنّني أرغب بالخدمة في مدينة صيدا بدأ الحديث ينصبّ بأكمله على محاولة إقناعي بالبقاء في ذلك الموقع وبإلحاحٍ أحرجني لكنّني أصرّيت على متابعة طريقي رغم كل الإحراج والضغوطات الذي مارسوها عليّ. سألني مسؤول الموقع عمّا إذا كان سبب عنادي هو نيّتي المخفيّة بالإلتحاق بجماعة عرفات هناك فنفيت بشدّة مؤكّداً من جديدٍ أن وجود اقربائي في المدينة هو السبب الوحيد لإختياري لها وبعد ان يأس الجميع من إمكانية تغيير قناعتي أسقط في يدهم وكفّوا عن المحاولة. نهض السائق ونهضت انا معه واتجهنا نزولاً مخترقين سوق الغرب ومارّين بجانب المبنى الضخم لمدرستي والذي كانت جدرانه قد تحوّلت إلى ما يشبه المنخل من كثرة ما أصابها من رصاصٍ وقذائف وصواريخ, لكونها عند نشوب معارك الجبل مقرّا رئيسيّاً لقوّات الجيش اللبناني الموالي للمسيحيّين. بعد نصف ساعة وصلنا إلى بلدة الشويفات المطلّة على الضاحية الجنوبية لبيروت والقريبة منها وتوقفنا في في ساحة مدرسةٍ تحوّلت إلى ثكنةٍ عسكريّة للجبهة الديموقراطية وتعجّ بالمقاتلين والكوادر, إذ كان فيها أكثر من ثلاثين عنصراً موزّعين مع فرشاتهم الإسفنجيّة وأغطيتهم في مجموعاتٍ صغيرة على مساحة الطابق الثاني غير المكتمل البناء والخالي من الجدران.
كان الجوّ شديد الحرارة وعالي الرطوبة فالبلدة لا تعلو عن سطح البحر سوى بضعة أمتار ولا تبعد عن الشاطئ بضعة مئاتٍ من الأمتار فبدا الطابق الخالي من الجدران خياراً مثاليّاً. كان السائق قد أبلغني أثناء الطريق ان الشويفات هي غاية مقصدنا لليوم, إذ سنبيت ليلتنا فيها ثم ننطلق صباحاً نحو مدينة صيدا, فانضممنا إلى إحدى المجموعات وكان الجميع في طور إعداد طعام العشاء فتجمّع كل ستّة أو سبعة أشخاص متحلّقين على فرشهم الممدودة على الأرض وفي وسط كل حلقة بضعة صحون تحتوي على السردين والتونة المعلّبين والجبنة والزيتون فأكلنا حتى الشبع ثم منحت فرشةٌ مع اغطية كان مالكهم غائباً فاستلقيت عليهم مستمّعا لأحاديث المجموعة التي أنا ضمنها كما لو كنت في معسكرٍ كشفيٍّ ثم ما لبث ان أصابني النعاس فنمت حتى صباح اليوم التالي. نهضت مبكراً على غير عادتي ومتشوّقاً لرؤية مدينة صيدا التي تركتها للمرّة الأخيرة قبل أكثر من خمسة أعوام. بعد تناول طعام الإفطار إتجهنا مباشرةً جنوباً نحو صيدا التي تبعد حوالي الساعة وعند وصولنا تركنا الطريق الساحليّ وانطلقنا صعوداً نحو التلال الشرقيّة للمدينة, فحيّ القيّاعة فبلدة عبرا ثم بلدة مجدليون شبه المدمّرة والخالية من سكانها المسيحيّين الذين هجّروا للمرّة الثانية عند انسحاب الجيش الإسرائيلي واندلاع حربٍ جديدة بين المسيحيّين والمسلمين ومعهم الفلسطينيّين. توقفنا عند مبنىً ضخمٍ تحيط به الأشجار ولفت نظري وجود طاولة تنس في القاعة الواسعة التي ولجنا منها نحو الغرف الداخليّة حيث قابلنا مسؤول الموقع وتعرّفنا عليه وعلى الأفراد الآخرين وعددهم 6 وشربنا الشاي معهم وحين حان موعد عودة السائق إلى مقرّة في البقاع اغتنمت الفرصة وطلبت من مسؤول الموقع إذنا لزيارة أختي في عين الحلوة لإطمئنها على وصولي ثم أعود عند العصر فوافق مكرهاً. ركبت إلى جانب السائق وحين وصولنا إلى مفرق حيّ الصبّاغ طلبت منه إنزالي وودعته ثم اوقفت أحد التكسيات المتجهّة نحو مخيم عين الحلوة.
—————————————————————–
بدا مخيم عين الحلوة أصغر مما كان عليه حين رأيته في المرّة الآخيرة عام 1981 إذ كانت إسرائيل قد هدمت الكثير من منازله, بعضها على رؤوس أصحابها ثم قامت جرّافاتها بهدم الأحياء العشوائيّة الخارجيّة لتسهيل تحركات آلياتها وعناصرها داخل المخيّم المقام أصلاً على مساحة كيلو مترٍ واحد. يعيش في هذا المخيّم الصغير حوالي 70 ألف نسمة من فقراء اللاجئين الفلسطينيّين الذي أرغمهم التكاثر الطبيعي مع انعدام وجود مساحة إضافية للسكن وعدم قدرتهم على شراء إو استئجار المنازل باهظة الأثمان خارج المخيّم على التوسّع العامودي فصار الأولاد يكبرون فيبنون مساكنهم فوق مساكن الآباء ويتقاسمون مع جيرانهم عشوائيّاً الجزء الأكبر من الطريق حتى باتت طرق المخيم عبارةً عن أزقّةٍ بالغة الضيق يحتاج المرء في بعضها ان يمشي بشكلٍ جانبيٍ لإجتيازها. فالمخيم الذي انشئ في الخمسينات لإيواء بضعة آلاف من اللاجئين صار الان مسكنا لعشرات الآلاف ولم ينجم هذا الإرتفاع في عدد السكان عن التكاثر الطبيعيّ لسكانه فحسب بل أيضاً عن الطفرات السكانية التي نتجت عن المعارك والإشتباكات التي جرت في كثيرٍ من المخيمات الأخرى فلم يجد سكانها من مهربٍ أو مسكن سوى فيه وخصوصاً أثناء حرب المخيّمات في بيروت. أضف إلى هؤلاء مئاتٍ من المقاتلين الذين عادوا من الدول التي توزّعوا فيها بعد حصار بيروت وإخلائها منهم, وكذلك مئات المقاتلين الذين أتوا من مخيمات سوريا وشمال لبنان للتطوّع في المنظّمات الفلسطينيّة وخصوصاً منها حركة فتح, والكثيرون منهم تزوجوا من بنات المخيّم واستقرّوا فيه.
لم ينج من هذا البؤس سوى شباب المخيّم الذين مكّنتهم حظوظهم وظروفهم من الحصول على عملٍ في إحدىالدول الخليجيّة فأفنوا أعمارهم هناك حتى تمكّنوا من جمع ثمن شقّة سكنيّةٍ في مدينة صيدا أو ضواحيها, وأولئك الذين جمعوا ما استطاعوا جمعه واستدانوا ما كان بمقدورهم ان يستدينوا ليدفعوا لأحد المهرّبين لينقلهم إلى البلدان الأوروبيّة الغربيّة. إضافةً إلى هؤلاء وأولئك ثمة حفنةٌ صغيرةٌ من الذين تمكّنوا من الحصول على وظيفة في هيئة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيّين (الانروا) التابعة للأمم المتحدة وهي الهيئة الوحيدة التي يمكن للفلسطينيّ ان يحصل على وظيفةٍ فيها في لبنان الذي تمنعهم قوانيننه من حقّ العمل, فتجد الطبيب الفلسطينيّ ألذي أفنى شبابه على مقاعد الدراسة مضطراً للعمل في السوق السوداء بأجور لا تبلغ ربع ما يتقاضاه الطبيب اللبناني المماثل له في خبرته وتخصّصه وهذا ينطبق على جميع المهنة التي يتمكن فلسطينيّو لبنان من التسلل إليها. حين عدت إلى المخيّم لم يكن تعداد سكانه قد قفز بعد إلى السبعين ألفاً إذ لم يكن قد عاد إليه من الكوادر الفتحاوية بعد سوى بضعة عشرات إضافةً إلى بضعة مئاتٍ أوقفوا في مطاريّ بيروت ودمشق أثناء محاولاتهم التسلّل كانوا يقبعون في سجون المخابرات السوريّة.
إستقبلتي شقيقتي وزوجها بالترحاب ومكثت عندهم في بيتهم الضيّق ريثما أتدبّر أمري. بعد تناول طعام الغداء ذهبت لزيارة النقيب سعدالله سلامة قائد القوّة البحريّة الفلسطينيّة في لبنان العائد منذ شهرين وهو من دورة كراتشي الأولى ويسكن على بعد أمتارِ قليلة من منزل شقيقتي بمحاذاة سوق الخضار مباشرةً. تحادثنا بعض الوقت وتبادلنا أخبار الأصدقاء وعلمت منه ان هناك ضابطٌ آخر من الدورة البحريّة الأولى هو جهاد بكر يوسف موجودٌ في عين الحلوة لكنه لا يعمل في القوّة البحريّة بل قائداً لكتيبة تابعةٍ لعلاء الأفندي أمين سرّ الساحة والقائد الأعلى لقوّات حركة فتح في لبنان. في نهاية الزيارة ودّعته واتفقنا على ان أذهب في اليوم التالي إلى مقرّ الإدارة العسكرية للحركة الذي كان قد افتتح حديثاً في أحد المنازل على أطراف المخيّم والعائدة ملكيته لمحاربٍ قديمٍ يدعى أبو غالب الصالح ويعمل على رأس تلك الإدارة ولداه غالب وطالب, وذلك لإدراج إسمي ضمن كشوف الوافدين الجدد.
عدا الزحمة التي دائماً ما يشهدها سوق الخضارالواقع في منتصف المخيم حيث يحلو للشباب العاطلين عن العمل بأغلبهم الوقوف على نواصي حواريه لمتابعة المارّة والنساء منهم خصوصاً بأعينهم, كانت أزقّة المخيم وشارعيه الوحيدين (التحتاني والفوقاني) يبدوان خاليين من الحياة لولا بضعة سيّارات عموميّة تخترقه بشكلٍ دوريّ محمّلة بالركّاب المتجهين من وإلى قلب المدينة (البلد). كلّ شيءٍ كان يبدو هادئاً انما هدوءاً حذراً ينبئ بالعاصفة وتعكّر صفوه الانباء القادمة من مخيمات بيروت التي تقوم ميليشيا أمل بطحنها ومخيمات مدينة صور المحاصرة بدورها من قبل نفس الميليشيا.
عند قدومي إلى مخيم عين الحلوة أوائل أيار 1986 كان المخيم قد خرج للتوّ من معركة طاحنة اندلعت بعد انسحاب القوّات الإسرائيليّة من المدينة في شباط من العام نفسه مع القوّات اللبنانيّة وجيش لبنان الجنوبي خاضها إلى جانب التنظيم الناصري والجماعة الإسلامية الصيداويّين المحليّيّن انتهت بانسحاب القوّات اللبنانيّة اواخر نيسان نحو بيروت وانكفاء الجيش الجنوبي إلى مدينة جزّين وأرتسم خط التماس في بلدة كفار فالوس الواقعة غرب مدينة جزّين. لذا فإن الإجراءات العسكريّة والمتاريس الرمليّة كانت لا تزال تسدّ مداخل المخيم من كل كلّ الجهات وكانت تعمّه حالة فوضى خلقها الفراغ الأمني والسياسيّ فلا يكاد يمرّ يومٌ واحدٌ دونما اكتشاف قتيلٍ أو قتيلين عند الفجر وأغلبهم قتلوا بطلقةٍ في الرأس مما يشير إلى عمليّات أعدام وليس إغتيالات. وكان أغلب هؤلاء القتلى من العناصر السابقين في جيش الدفاع الوطني الذي شكّلته إسرائيل في أغلب المناطق التي احتلتها في لبنان من أبناء تلك المناطق لتوفير نوعٍ من الأمن الذاتي للمجتمعات إضافة إلى حفظ أمن القوّات المحتلّة من أخطار العمليّات العسكريّة التي قد تستهدفها. ورغم ان جميع التنظيمات الفلسطينيّة كانت تحاول إعادة بناء قاعدتها الشعبيّة إلى انها جميعا كانت تواجه صعوبات ناتجة عن فقدان الثقة بها, بعد ان فرّت مع كوادرها أثناء الإجتياح الإسرائيلي تاركةً أهالي المخيمات لمصيرهم الأسود حيث أعتقل أغلب الرجال والشباب من سن ال 16 حتى ال 40 وزجّ بهم في معسكر أنصار الذي انشأته إسرائيل لهذه الغاية ووصل عديد المعتقلين فيه إلى حدود الخمسة آلاف معتقل إضافةً إلى المئات الموزّعين في سجون أخرى أقامتها وكان أشهرها في مدينة صور.
ان انعدام الثقة جعل جميع التنظيمات تكتفي بإفتتاح مقرٍ وحيد لها عادة ما يكون منزلاً تابعاً لأحد السكان المحليّين المنضوين فيها إذ رفض أغلب أهالي المخيم تأجير منازلهم للتنظيمات المسلّحة ليس فقط لأسبابٍ سياسيّة بل أيضا لأسبابٍ أمنيّة ودرءاً للغارات الجويّة الإسرائيليّة التي قد تستهدف الأحياء السكنيّة التي توجد فيها هذه المقرّات. وفي كلّ الأحوال فإن عدد الكوادر التي كانت قد عادت حتى تلك الفترة لم يكن يتجاوز البضعة عشرات أغلبهم من السكان المحليّين أو من الكوادر المتزوّجين من نساءٍ محليّات وكانوا بمثابة رأس حربة مهمّتهم إعادة إختراق النسيج الإجتماعيّ الفلسطيني واستجلاب الولاءات عبر الطريقة المعتادة:”المال“. فقد كانت كارثة الإجتياح الإسرائيلي إضافة إلى أحقاد التنظيمات المسيحيّة قد أذاقت الفلسطينيّين على مدى سنوات الإحتلال كلّ صنوف القهر والحرمان والحصار العسكريّ والسياسيّ والإقتصادي إضافةً إلى القوانين اللبنانيّة العنصرية التي تمنع عنهم حقّ العمل مما زاد في فقرهم فقرا.
كان على رأس هؤلاء الكوادر العائدين من تونس, كبيرهم ” علاء الشبل ” المعروف أيضاً بالأفندي وهو من منطقة غزّة وقد ترك زوجته وأبناءه مقيمين في قبرص كبقيّة ضبّاط الرتب العليا المتنفذين الذين أرسلتهم حركة فتح إلى لبنان. إذ انهم جميعاً لم يعودوا يكتفون بالقتال بفقراء الفلسطينيّين ابناء المخيمات بينما عائلاتهم تقيم في أرقى أحياء المدن اللبنانيّة بل صارت هذه العائلات المقدسة أغلى من ان تطأ الأرض اللبنانيّة كليّاً بل تعيش في أمان تام على بعد مئات أو آلاف الأميال عن أرض النضال. أقام علاء الأفندي بضعة أسابيع في الطابق الأول من منزلٍ يقع على أطراف حيّ طيطبا وكان يسكن في الطابق الأرضي منه النقيب البحري جهاد بكر يوسف مع عائلته وسط أقربائه بالمصاهرة. تولّى الأفندي قيادة حركة فتح وم.ت.ف بعد إعتقال القائد الأول راجي النجمي من قبل المخابرات السورية, ونزاعٍ مع القائد الذي خلفه وهو عبد العزيز فضّة, وعمد خلال الأسابيع الأولى من تولّيه لمنصبه إلى شراء ودّ قوى الأمر الواقع في المدينة أي التنظيم الشعبي الناصري والجماعة الإسلامية الصيداوين وبعض وجهاء مدينة صيدا ورجال الدين مدينة فيها بالمال بهدف بناء شبكة أمنيّة وسياسيّة وإجتماعيّة تكفل له الإقامة الآمنة في الشقتين المتّسعتين التين اشتراهما في الطابقين العلويّين من مبنى ضخم يقع في أحد أفخم شوارع المدينة وهو شارع دلّاعة, إضافةً إلى تأمين أذوناتٍ سياسيةٍ من قوى الأمر الواقع في المدينة لإصطحاب عشرات المسلحين لحراسة أمنه الشخصيّ حيث أقام هو في الطابق الأعلى بينما أقام حرّاسه الشخصيّين في الطابق الذي تحته مباشرةً وانشأ عند مدخل البناية محرساً يتناوب عليه حرّاسه ليلاً نهارا.
أقامت شقيقتي التي استقبلتني في منزلها في حيّ عمقا الذي يقطنه أقرباء زوجها ويقع بيتها الضيّق في الطابق الثاني من مبنى مكونٍ من ثلاثة طوابق يسكنه إضافةً لأسرتها, أشقاء زوجها وعائلاتهم أحدهم جمال سليمان وكان يقطن في الطابق الأعلى وهو قائد كتيبة “شهداء عين الحلوة” المكوّنة بكاملها من شباب محليّين من أهل المخيم بينهم الكثير من أقربائه والمتحدّرين من بلدته عمقا التي تقع شمال فلسطين. هو شابٌ في حوالي الخامسة والعشرين من عمره مربوعٌ ومتين البنية, متوسط الطول وملتحٍ بلحيةٍ معاصرة مقصوصةٍ بآلة حلاقة الرأس فتبدو من قصرها كانهامرسومةٌ بقلم رصاص. عمل جمال قبل الإجتياح سائقاً لدى أحد ضبّاط الحركة من آل عليان والمعروف بإسمه الحركيّ “أبو فادي مهاجر” واعتقل في معسكر انصار بعد الإجتياح وبقي هناك حتى عمليّة تبادلٍ جرت أواخر العام 1983 واطلقت إسرائيل خلالها سراح 4700 معتقل فلسطينيّ مقابل ستّة جنود إسرائيليّين كانت إحدىالمجموعات الفلسطينية قد نجحت في أسرهم في منطقة جبل لبنان. بعد خروجه من أنصار مارس داخل المخيم نشاطاً عسكريّاً معادياً للإحتلال وتركّز بمعظمه على إغتيالات لعناصر وكوادر الجيش الوطني الذي شكّلته إسرائيل ومعظم عناصره من أبناء المخيم وأيضاً من أبناء مدينة صيدا وكان قائدهم شخصٌ لبنانيٌّ يدعى “أبو عريضة” سبق له الإنتماء إلى الأمن الموحّد التابع لحركة فتح قبل الإجتياح.
عاش جمال حياةً سريّة داخل المخيم حيث كان دائم التنقل بين منازل أقربائه واهل بلدته أو يختفي أحياناً داخل حفرةٍ سريّة حفرها تحت أرض منزله لتأويه من الدوريّات الإسرائيليّة او دوريات الجيش الوطني اللذين يبحثا عنه. ولقد انشأ مجموعاتٍ مسلّحة سريّة كان أعضاؤها يتحركون ليلاً لتنفيذ مهامهم وعلى وجوهم أقنعةٌ تحمي هويّاتهم ويستخدمون أيضاً أساليب تمويه أخرى كالشعر المستعار أو المصبوغ أو تغيير طريقة مشيهم وتصنّع العرج حتى لا يمكن التعرف إليهم عبر طريقتهم في المشي خصوصاً ان المخيم مجتمعٌ صغيرٌ يعرف أغلب الناس فيه بعضهم البعض معرفة شخصيّة. وقد ارتفعت حدّة هذه الإغتيالات بعد الإنسحاب الإسرائيلي وتحولت إلى إعدامات دون محاكمات. وقد رفعت هذه الإعدامات من رصيده الشعبيّ في المخيم وانْ كانوا قد أخذوا عليه إبقاءه على حياة صهره أخي زوجته واسمه ديب عويّد الذي انتمى للجيش الوطني في السابق ولكنه أعلن توبته بعد الانسحاب الإسرائيلي وأمره جمال بالإعتكاف في أحد مساجد المخيم لمدة ثلاثة أشهر تكفيراً عن خيانته وقد يكون ديب من القلائل أو ربّما الوحيد الذي بقي حيّاً من بين أبناء عين الحلوة المنتمين علناً إلى ذلك الجيش.
هناك ثلاث سمات رئيسة يمكن لها ان تلخّص شخصية جمال سليمان الذي حجّ لاحقاً فصار يعرف بإسم الحاج جمال:أمّيّته وشجاعته وقسوته . يبلغ تعداد كتيبة شهداء عين الحلوة حوالي الستّين عنصراً مقاتلاً امّا عدد الذين يتقاضون رواتباً بإعتبارهم من عداد الكتيبة فأكثر بكثير, ويشمل هذا البند الأخير أغلبيّة الذكورالبالغين من عائلته وانسبائه. ويعتبر هذا العدد من المقاتلي ضخماً قياساً ببقيّة الكتائب الحركيّة وكتائب التنظيمات الأخرى إذ ان بعضها يبلغ عديده عنصران أو ثلاثة. وانا هنا لا أبالغ فقد اعتادت قيادة الحركة إغواء الكوادر بترك النعيم الذي يحيون فيه في تونس العاصمة بعدّة وسائل منها الترفيع إلى الرتبة الأعلى مباشرةً عند السفر إلى لبنان دون احتساب فترة الخدمة وأيضاً إعطاء أغلب الضبّاط من رتبة نقيب فما فوق أمراً بتشكيل كتيبة عسكريّة تكون تحت قيادته مع ما يترتب على ذلك من مداخيل ماليّة إضافية للضباط المعنيّين كالموازنة والمهمّة والتموين وما إلى هنالك من مكاسب. وقد استمرت هذه السياسة لأشهر طويلة حتى بعد ان أصبح عدد الكوادر والضبّاط يفوق المئات إذ نادرا ما كنت تجتمع بأحد القادمين الجدد لتهنئته بالسلامة دون ان يخبرك بأن معه قراراً شفاهيا من أبي عمّار أو من “لجنة لبنان” المشرفة على الساحة اللبنانيّة يفيد بأنه مكلّف بمهمّة تشكيل كتيبة عسكريّة, أو وحدة, أو جهاز أمني أو ما شابه وأنه بانتظار وصول القرار المكتوب إلى الإدارة العسكرية عبر الفاكس. في أيّار 1986 كانت مساحة المنطقة التي تتواجد فيها حركة فتح محصورة بمخيمي عين الحلوة والميّة وميّة المتجاورين إضافة إلى تمددّ طفيفٍ فرضه الإزدحام البشري نحو بلدة الميّة ومية المسيحيّة الملاصقة للمخيم والتي قامت التنظيمات اللبنانيّة المحليّة بتدمير جميع منازلها بعد ان تهجّر أهلها بعد معارك أذار مع القوّات اللبنانيّة. وتهديم المنازل إسلوبٌ معتمد عند جميع التنظيمات اللبنانيّة الطائفية والهدف منه منع الفلسطينيّين أو أبناء الطوائف الأخرى من السكن فيها مما يؤثّر على التوازن الطائفي في المنطقة لغير صالح طائفة المسلحين.
تساوي مساحة هذه المناطق مجموعةً أقل من ثلاثة كيلومترات مربّعة ولا تتسع لتمركز كتيبةٍ حقيقيةٍ واحدة فما بالك بعشرات الكتائب وعشرات الوحدات العسكريّة. إضافة إلى عامل ضيق المساحة هناك أيضاً عامل نقص المقاتلين فسببٍ من الحصار التي قامت به حركة أمل والرقابة المشدّدة على الحدود السوريّة اللبنانيّة من قبل الأجهزة الأمنيّة في كلا البلدين كان انتقال شباب فلسطينيّ سورية الذين دائما ما شكّلوا رافداً أساسياً للتنظيمات الفلسطينيّة بالغ الصعوبة خصوصاً أن المعتقلات السوريّة واللبنانيّة كانت تغصّ بالمقاتلين والكوادر الفتحاوية التي تمّ أعتقالها أثناء محاولة التسلّل نحو عين الحلوة وقد بلغ عددهم في سوريا أكثر من خمسة آلاف معتقل يعيشون في ظروفٍ بالغة الوحشية وتمرّ عليهم السنوات دون محاكمة ودون معرفة ما إذا كانوا يوماً ما سيغادرون.
لم يتوفر هناك إذن سوى العدد المحدود من شباب المخيم الذين لم يحالفهم الحظ بالمغادرة وكان هؤلاء العشرات من قادة الكتائب العتيدين يتنافسون فيما بينهم على هؤلاء المقاتلين لضمّهم إلى كتائبهم الموعودة وسريعاً ما أدرك هؤلاء الشباب شدّة الحاجة إليهم وندرة أعدادهم فصاروا يستحصلون على بطاقات هويّة مزورة من مكتب التزوير العلني الكائن على مدخل المخيم عند تقاطع الشارع الفوقانيّ مع زقاق الطوارئ ويستخدمونها للتطوّع في الكتائب الأخرى فصار الواحد منهم يتلقى راتبه من قائد كتيبته يوم توزيع الرواتب ثم ينتقل إلى منزل قائد كتيبته الأخرى لقبض راتبٍ آخر تحت إسمٍ آخر وهكذا دواليك ولم يكن من السهل إكتشافهم لانه لم تكن هناك مواقع عسكريّة لهذه الكتائب ليلتزم المقاتلين بالمداومة فيها. وكانت هذه الأموال تحضر عند رأس كلّ شهر من البنك العربيّ في مدينة صيدا بالشوالات بسبب تواصل انهيار سعر صرف الليرة اللبنانيّة اليومي والمتصاعد, خصوصاً ان الوحدة الأكبر في العملة اللبنانيّة انذاك كان ورقة المائتان وخمسون ليرة. بعد وصول الأموال إلى داخل المخيم يقوم مسؤول الماليّة بتوزيعها من منزله على قادة الوحدات والكتائب العسكريّة حسب كشوفٍ بأسماء المقاتلين يكون كلٌّ منهم قد قام برفعها مسبقاً. ويقوم هؤلاء القادة بصرفها حسب معرفتهم إذ ليست مسألة “الدوبلة” أي قبض الراتب أكثر من مرة هي باب الفساد الماليّ الوحيد بل يرفده بابٌ آخر هو الأسماء الوهميّة التي كان قادة الوحدات يضيفونها إلى كشوفاتهم ويضعون رواتبها المفترضة في جيوبهم وهذه كانت حالة عامّة لم يترفّع عنها قائدٌ واحد مهما بلغت درجة “نزاهته”.
رغم ان أغلب شباب عين الحلوة يتلقون رواتباً (إستحقّوها) من حركة فتح إلّا ان ولاء غالبيتهم بقيت لقادتهم المباشرين أبناء حيّهم وأبناء بلداتهم وقراهم في فلسطين وبرز إضافة إلى جمال سليمان بضعة “قبضايات” محليّين تجمّع حولهم عشرات المقاتلين وشكّلوا مراكز قوى استقطبت غالبية شباب عين الحلوة واضطرت حركة فتح إلى الإعتراف بهم كقادة أمر واقع والتعامل معهم على هذا الأساس بل وتسويّة أوضاعهم الحركيّة بناءً على حجم القوّة العسكريّة التي يمثلونها فتمّ ترفيعهم إلى ضبّاط وتسميتهم قادة كتائب أو وحدات عسكريّة أخرى. ومن بين هؤلاء بائع بطيخٍ سابق حاصلٌ على الشهادة الإبتدائيّة ويحمل حالياً رتبة لواء وهو منير المقدح وأغلب مقاتليه هم ايضاً من أقربائه إضافة إلى المنحدرين من نفس البلدة الفلسطينيّة التي ينحدر هو منها واسمها السميريّة وتجدر الإشارة إلى ان كلّاً من قريتيّ السميريّة وعمقا يتبعان لمدينة عكّا الساحليّة.
ومن جهةٍ أخرى كان الإعتراف بزعامة القيادات التي ترسلها تونس أيضاً مفروضاً على قادة الأمر الواقع المحليّين كون هؤلاء المرسلين هم صلة الوصل بينهم وبينه الأموال التي ترسلها القيادة في تونس لتغطية رواتب المقاتلين ومصاريف شراء الأسلحة والموادة اللوجستيّة وما إلى هنالك. كانت العلاقات إذن بين القيادات المحليّة والخارجيّة, حذرةً يشوبها التوجّس وعدم الثقة فبينما يعترف الأولين بالسلطة الرمزية للآخرين إلّا انهم يرون ان السلطة الفعليّة هي لهم ولقد أستحقوها عن جدارة حين صمدوا أمام القوّات الإسرائيليّة دفاعاً عن مخيماتهم بينما فرّ الآخرون عند أول فرصة.
رضخ العائدون الأوائل مرغمين لرغبات القادة المحليّين ريثما يتمّ لهم تغيير موازين القوى وهو ما لم يتح للنجمي حيث أعتقل في العام 1986على أحد حواجز المخابرات السوريّة أثناء عودته من إجتماع أجراه في الضاحية الجنوبية مع قيادة حزب الله الناشئ حديثاً والذي جمعته مصلحةً مشتركة مع حركة فتح بسبب صراع الطرفين مع النظام السوريّ وحلفائه في حركة أمل التي كانت تسيطر على بيروت الغربيّة وجميع مناطق الجنوب اللبناني إبتداءً من جسر سينيق عند الحدود الجنوبية لمدينة صيدا وصولاً إلى خطّ التماس مع الشريط الحدودي الذي أقامته أسرائيل وسلّمت قيادته لسعد حداد. في الواقع وتوخيّاً للدقّة كان صراع الطرف الفلسطينيّ مع النظام السوريّ هو المفتوح فقط بينما كان صراع حزب الله معه صراعاً خفيّاً غير معلن بسبب تحالف النظام مع إيران وليّة حزب الله وربّ عمله, واعتماده كليّاً على مساعدتها الإقتصاديّة في تعويم نفسه. حين اعتقل النجمي كان جمال سليمان معه في نفس السيّارة التي أقلتهما من الضاحية الجنوبية لبيروت ومعهما شيخٌ شيعيّ بعمامةٍ سوداء علامة الانتماء لفئة “السيّاد” التي تنحدر من نسل آل البيت وكان جمال أيضاً يرتدي عمامةً سوداء وزيّاً دينيّاً مشابهاً مما جعل رجال المخابرات يغفلون عنه. كان الرجل معتاداً على التمويه فقد عاش وقاتل في مخيم عين الحلوة حين كان رازحاً تحت سلطة الإحتلال وبطش أعوانه من المسلحين الفلسطينيّين واللبنانيّين في الجيش الوطني.
————————————
طرق باب منزل شقيقتي ففتحته مع علمي المسبق ان الطارق هو جمال حتى قبل فتح الباب بسبب الضجّة التي يثيرها حراسه الشخصيّون الكثر الذين يحيطون به من كلّ الإتجاهات عند صعودهم للدرج وكثرة الحراسات هذه تفرضها كثرة أعدائه و ظروف الإغتيالات اليوميّة في المخيم خصوصاً ان جزءاً لا بأس به من تلك الإغتيالات كانت من تدبيره.
– قبضت غسّان ؟
– نعم قبضت .
– خود هاي راتبك .
– قبضت, قبضت.
رمى نحوي رزمة ماليّة من فئة ال 250 ليرة مزنّرةً بمطّاطة وتابع صعوده إلى شقّته فشكرته. كان في الرزمة ما يعادل راتباً شهريّا كاملاً لجندي.
لم يكن جمال سليمان متديّناً متزمّتاً في المرّات الأولى التي ألتقيت به فيها أو حضرت مجالسه, ولكن الأيديولوجيا الأصوليّة كانت قد بدأت بالنمو داخل المخيم فجأةً وبشكلٍ سريع يعضدها الفقر والجهل وظلم الحكومة اللبنانيّة وعنصريّتها وخيبة الأمل وانعدام الثقّة بالتنظيمات الفلسطينيّة. بدأ نجم أحد قبضايات المخيّم وهو شيخٌ شابٌ في السادسة والعشرين من عمره, لم يدرس الفقه في أيٍّ من المعاهد أو الكليّات الشرعيّة بل اكتفى كجميع مشايخ ورجال دين المخيم (وهم كثر) بتعليم نفسه بنفسه عبر قراءة بعض لكتب الفقهية وخصوصاً منها تلك التي كتبها أو أصدرها فقهاء جماعة الإخوان المسلمين ثم أصبح إماماً لجامع الصفصاف الذي حُوّل إسمه إلى جامع الشهيد هشام شريدي بعد مقتله في العام 1991. كان هشام شريدي طويل القامة متين البنيّة ميّالاً إلى العنف حدّ الشراسة حتى في خطاباته الإسبوعيّة المتطرفة التي يلقيها على أسماع مريديه في صلوات أيّام الجمع. ورغم حبّه لإرتداء العباءة العربيّة التقليديّة إلّا انه يرتدي تحتها الملابس المعتادة والمكونّة من قمصان وبناطيل جينز و من المفارقات الطريفة في زيّه كانت البلطة التي يعلّقها على خصره بالحزام إضافةً إلى المسدس في الجيب الجلديّ المتدلّى من الجهة المقابلة وكذلك القبضة الجلديّة ذات النوافر الحديدية التي يرتديها في أحد كفّيه على طريقة عصابات الدراجات النارية في الولايات المتّحدة الأمريكيّة.
الشيخ شريدي هو أحد إخوةٍ ثلاثة يعاني إثنان منهما من قصورٍ عقليٍّ ظاهر للعيان وأحدهما على الأٌقل خطرٌ, إذ لا يتجول دون حربةً مسنونة يضعها على وسطه حتى صار يعرف بإسم “أبو حربة” اما الثاني فيقضي نهاراته متجولاً في حارات وأزقّة المخيّم حاملاً على كتفه صندوق كرتوني كما لو انه نعشٌ قارئاً ما علق في ذهنة من كلماتٍ قرانية سبق له سماعها بشكلٍ عشوائيّ وإذا لم يدقّق السامع له قد يحسبه يقرأ قرانا حقيقياً. استطاع شريدي بشخصيته الكاريزميّة ان يجمع حوله مئات من شباب المخيّم الصاعد والعاطل عن العمل في تنظيمٍ أصوليٍّ أطلق عليه إسم “عصبة الانصار” واعتمد في تسليحه وإمداده اللوجستي على دعم الحرس الثوري الإيراني غير المعلن والذي عمد إلى التغلغل داخل الشارع السنّي وليس فقط الشيعي عن طريق تمويل منظّمات مسلحة سنيّة أصوليّة وغير أصوليّة كانت موجودة مسبقاً أو قام هو نفسه بتشكيلها. ومن المنظّمات الجهادية السنيّة التي دعمها في مدينة صيدا ومخيّماتها “إتحاد علماء المقاومة” و يتزعمه الشيخ ماهر حمّود و“الحركة الإسلاميّة المجاهدة” ويتزعمها الشيخ جمال خطّاب و“جمعيّة الإتحاد الإسلامي” التابعة ليوسف القادري و“مؤسّسة القدس الدوليّة” لياسين حمود و“الجماعة الإسلامية” بقيادة محرّم العارفي إضافةً إلى التنظيم السنّي غير الأصولي “التنظيم الشعبي الناصري” التابع لآل سعد.
ما زاد في شعبيّة شريدي عند مناصريه هو حقيقة كونه من المقاتلين الذين خاضوا معارك شرسةً ضد القوّات الإسرائيليّة المحاصرة للمخيّم أثناء إجتياح 1982 بعد ان فرّت قوّات التنظيمات الفلسطينيّة من المنطقة في اليوم الأول للهجوم ورغم ان الجيش الإسرائيلي وصل إلى بيروت خلال يومين من بدء الإجتياح إلّا انه لم يستطع الدخول إلى مخيّم عين الحلوة إلّا بعد سبعة عشر يوماً من المواجهات الشرسّة مع المدافعين عنه انتهت بإقتحامه وأسر من تبقّى منهم على قيد الحياة وكان هو أحدهم حيث بقي في الآسر حتى أواخر 1983 حيث خرج أيضاً ضمن صفقة تبادل الجنود الإسرائيليّين الستّة التي أسفرت عن تحرير الآلاف من المعتقلين الفلسطينيّين. بنى شريدي في بداية الأمر علاقةً متينةً مع حركة فتح العائدة إلى المخيّم التي عملت على استقطابه بالمال إلّا ان هذه العلاقة عادت فساءت لاحقاً بعد ان كشف عن أجندةٍ سياسيّة خاصة به وبدأ بحملة تفجيراتٍ طالت أوّل الأمر محلّاتٍ تجاريّة بعضها يبيع الخمور وأخرى تعمل في تأجير أفلام الفيديو ومتّهمةً بوجود بعض الأفلام الجنسيّة بين بضائعها. إبتدأت التفجيرات ببقاليتين محلّيتين واحدة منهما في الشارع الفوقاني يملكها شخصٌ من آل زيدان وقد توقّف عن بيع هذه المواد مباشرةً امّا الثانية ففي الشارع التحتّاني وصاحبها سكّيرٌ معروفٌ يدعى أبو علي صابر الذي احتاجت العصبة إلى أكثر من ثلاثة تفجيرات وعشرات التهديدات لإجباره على إقفال محلّه وقد أصبح لاحقاً متديناً متشدّداً لا تفوته صلاةٌ في ميقاتها.
لم تكتف العصبة بحراسة أخلاق الناس بل أمتدّت إلى مجالاتِ “فقهيّة” أخرى مثل تفجير تمثالٍ يمثّل فنّان الكاريكاتير القتيل ناجي العلي نصبته الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين على مدخل المخيّم إضافةً إلى اغتيالاتٍ طالت العديد من الأفراد لأسبابٍ واهية منها “إشهار الإفطار” في أوقات الصوم أو سبّ الدين وما إلى ذلك. بعد فرض حظر الخمور داخل المخيّم انتقلت تفجيرات عصبة الانصار إلى مدينة صيدا وطالت متاجراً عديدةً منها متجرٌ على أطراف “حارة صيدا” وآخرٌ على أوّل طريق صور مقابل المدينة الصناعيّة تمّ تفجيره أكثر من مرّة وكان مالكه وهو من آل الصوص يعيد ترميمه كلّ مرةٍ ويعود إلى بيع الخمور التي كانت البضاعة الرئيسة التي يعتاش منها وفي المرّة الأخيرة استبدلت العصبة إسلوب التفجير الليلي إلى الإغتيال فأرسلت له أحد عناصرها فأرداه قتيلاً رمياً بالرصاص داخل متجره. وكذلك أمتدت التفجيرات لتطال المسيحيّين من باعة الخمور في قراهم المسيحيّة كتفجير متجرٍ يقع في درب السيم.
في إحدى المرّات التي زرت فيها جمال سليمان في شقته حضر هشام لزيارته وجلس أرضاً إلى جانب جمال وراح الحديث يدور حول الزواج وضرورة الإكثار منه حسب زعم الشيخ لزيادة النسل وحفظ الفرج وهي الفكرة التي راقت لجمال فتزوج بعد طلاق زوجته الأولى أكثر من مرّة حتى بلغ عدد زوجات أربعة وهذا العدد هو الحدود التي يقف عندها الشرع الإسلامي. عدا فقه النكاح والأحاديث النبويّة التي تحضّ عليه شكا هشام من قلّة الدماء في هذه الأيام قائلاً:”بدّي دمّ يا زلمة! ما عندك شي فيلم يكون فيو دم! همممممم ..” قالها مع حركةٍ من رأسه المحنيّ إلى الأمام نحو اليمين والشمال مقلداً لاحماً يلغ في دماء صيده. فردّ جمال بان ليس لديه حالياً فيلماً من هذا النوع فقال هشام:”حطّلّك شي فيلم كاراتيه بالقليلة“. وضرب بقبضتيه الهواء بعنف. وضع جمال في جهاز الفيديو فيلم كاراتيه تابعناه لبعض الوقت فقط ولم نكمله إذ لم يكن فيه كميّةٌ كافية من العنف ثم صعدنا إلى السطح لشرب الشاي وكان أحمد شقيق جمال والذي يسكن في الشقّة الصغيرة المقابلة لشقّة صهري خالد قد اشترى بضعة صيصان لتربيتهم ووضعهم على السطح. بعد بضعة دقائق وجد جمال تسليةً مبتكرة فقام بوضع مسدّسه على الأرض منبسطاً بشكلٍ جانبيّ وراح يوجّهه نحوالصيصان ويطلق النار دون نيشان محركاً المسدس قليلاً بعد كلّ طلقة فراحت الصيصان تتقافز من شدّة الصوت والأزيز الذين تحدثهما الطلقات المارّة بينهم لترتطم بالسورالإسمنتي القصير المبني حول السطح فترتدّ ويرتدّ معها نثرات من حجارة البناء نحونا ونحو الصيصان. لحسن طالع الصيصان لم يصبّ أيٌّ منها بآذىً عدا الشرخ النفسي!.
ان علاقة الصداقة التي نشأت بين جمال وهشام منذ إجتماعهما في معتقلٍ واحد بعد الإجتياح مدّة عامٍ ونصف تركت أثرا كبيراً على جمال وساهمت بدفعه تدريجيّاً إلى تبنّي الأيديولوجية الدينيّة إضافةً إلى علاقته بحزب الله, خصوصاً ان الظرف السياسيّ الراهن وقتها جعل من الحزب الأصولي الحليف الموضوعي الوحيد المتوفر وسط حصارٍ إسرائيليٍّ لبنانيّ سوريّ مشترك على مخيمات لبنان ناهيك عن الأموال الإيرانيّة المؤدلجة التي تركت أثراً على كافة الوجهاء والقيادات والمنظّمات الفلسطينيّة الذين تدفقت عليهم دون إستثناء ودفعتهم إلى إعتناق إيديولوجيا مموّليهم أو على الإقل إلى الدنو منها.
إضافةً إلى النقص في العديد الذي عانى القادة الجدد المرسلين إلى الساحة اللبنانيّة منه, هناك أيضاً أزمةٌ لا تقلّ إشكاليّةً عنه وهي عدم توفّر بيوتٍ للإيجار داخل المخيمات الفلسطينيّة بشكلٍ عام وفي مخيم عين الحلوة على وجه الخصوص. فإن المخيّم الذي دمّرت إسرائيل معظم أطرافه العشوائية ولم تبقِ سوى على الجزء الأصلي منه, لا يكاد يتّسع لأهله ناهيك عن القادمين إليه من خارجه. يوجد طبعا القليل من المنازل الفارغة التي سافر أهلها للعمل في بلدان الخليج العربيّ أو هاجروا إلى الدول الأوروبية كلاجئين انسانيّين أو سياسيّين أو تمكّنوا من شراء شققٍ في مدينة صيدا ونجحوا في مغادرة بؤس المخيّم وحالة اللاإستقرار في وفرّوا بحيواتهم وحيوات أطفالهم من القتل اليوميّ الهابط من السماء على شكل صواريخٍ ترميها القاذفات الحربيّة الإسرائيليّة أو القابع خلف زوايا الأزقّة الضيقة على شكل إغتيالاتٍ أو حروب زواريب أو صراع ديكة أو قتال لصوص وهذه الأخيرات كنّ أشدّ تواتراً من القصف الجوّي الإسرائيلي وعادة ما تستمرّ لساعاتٍ أو أيامٍ وتتخلّلها رماياتٌ من الرشاشات الثقيلة والمدافع والصواريخ السمتيّة والقوسيّة رغم ضيق مساحة “الميدان” الجغرافية.
لقد جعلت أزمة السكن التي ترافقت مع تدفّق الكوادر إلى المخيم منتصف الثمانينات من أصحاب المنازل المعدّة للإيجار متموّلين كبار بسيب إرتفاع أسعار الإيجارات بشكلٍ جنونيٍ لا يستطيع مجاراته سوى المتنفذّين من الكوادر العسكريّة المتحكّمين بالمفاصل الماليّة. كانت الإدارة المركزيّة لحركة فتح في لبنان تكاد تكون منعدمةً ومعها الإدارة الماليّة المستحدثة والمختصّة بتسلّم وصرف الأموال الشهريّة المرسلة من تونس لتغطية الرواتب. أما المبالغ الضخمة المخصّصة لإعادة بناء القوّات العسكريّة والبنيّة اللوجستيّة فترسل إلى الضبّاط الأمراء (ذوي المناصب لا الرتب العسكريّة العالية) وتحوّل مباشرة إلى حساباتهم البنكيّة, وكان هؤلاء الضبّاط متعدّد الولاءات ويتقاسم ولاءاتهم كبار الضبّاط الأعضاء في “لجنة لبنان” التي شكّلها ياسر عرفات وأولاها أمر الساحة اللبنانية. وكانت العاصمة التونسية مقرّاً لتلك اللجنة ثم انتقلت لاحقاً إلى مناطق السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة بعد إتفاق أوسلو, ومن بين أعضائها اللواء اسماعيل جبر (الحاج اسماعيل)واللواء عبدالرزّاق المجايدة و“أبوخالد العربيّة” القادم من الجبهة العربيّة لتحرير فلسطين التابعة لصدام حسين. ولقد كان أعضاء لجنة لبنان يسعون بدورهم إلى شراء ولاءات الضبّاط المتواجدين في الساحة اللبنانيّة بهدف توطيد سلطاتهم وترسيخها عبر تبنّيهم مالياً ومعنويّاً بسبب كون لبنان في تلك الفترة هو ساحة المواجهة العسكريّة الوحيدة المتاحة. كان النفوذ الذي يمتلكه في لبنان أيٌّ من الكوادر المتواجدة في تونس أو مناطق السلطة الوطنية قابلاً للتجيير إلى نفوذٍ سلطاتٍ ومنافع شخصية داخل الدائرة القياديّة الضيّقة القابعة على رأس الهرم الحركيّ.
ليس أعضاء لجنة لبنان هم وحدهم المستثمرين في كوادر الساحة اللبنانيّة بل معهم أغلبيّة أعضاء اللجنة المركزيّة للحركة ورؤساء الأجهزة الأمنيّة وقادة القطعات المستقلّة مثل منذر أبو غزالة قائد القوّة البحريّة وفتحي عرفات (رئيس حرس عرفات الشخصيّ وقد اكتسب إسمه هذا بسبب قربه من عرفات لا قرابته له) الذي كان بدوره ينافس منذر أبو غزالة في شراء ولاءات ضبّاط القوّة البحريّة حتى صار يعرف بإسم “فتحي البحريّة“. من بين أهم قادة الأجهزة الأمنيّة ذوي النفوذ في الساحة اللبنانيّة منتصف الثمانينات رجل صدّام حسين العميد عبدالله عبدالحميد قاسم المعروف باسمة الحركيّ “أبو طارق هوّاري” رئيس جهاز “الامن الخاص” وهو أحد أفرع جهاز “الأمن الرئاسي” وأحد رموز مرحلة المواجهة الشاملة مع النظام السوريّ والتحالف مع صدّام حسين بعد معركتي “بيروت 1982″ و“طرابلس 1983″. كان هوّاري ايضاً عضواً في “لجنة لبنان” ويدير ويموّل من مقرّ إقامته في بغداد فريقاً خاصاً مؤلّفاً من وحدات عسكريّة فتحاوية تقتصر مهامها على ضرب المراكز الأمنيّة السوريّة واستهداف قاداتها والمتحالفين معها ان بضرباتٍ عسكريّة مباغتة أو عبر الإغتيالات بالأسلحة المجهزّة بكواتم الصوت والسيّارات المفخّخة وكان يتلقّى تمويلاً مباشراً من أحد أجهزة المخابرات العراقيّة لسدّ حاجات هذه الوحدات.
لا يكاد راتبي الشهري كضابطٍ برتبة ملازم يبلغ حدود المائتي دولاراً أمريكيّاً وأتلقاه بالعملة اللبنانيّة المتهاوية بشكلٍ يوميٍ نتيجة التضخم الماليّ الذي أطاح بالإقتصاد اللبناني في منتصف الثمانينات مما أجبر القائمين على الشؤون الماليّة في حركتنا على إعتماد سلّماً متحرّكاً للرواتب الشهريّة ومع ذلك فان المبلغ الذي أتلقاه شهريّا والذي يتمّ تعديله عند آخر كلّ شهر ليوازي مائتي دولار, لا يلبث ان يفقد جزءاً كبيراً من قيمته بعد مرور أقلّ من أسبوع على استلامه مما جعل مسألة العثور على بيتٍ للإيجار شبه مستحيلة بالنسبة لي وسط ارتفاع أسعار الإيجارات الجنوني الذي أدّى ارتفاع الطلب عليه وتضخّم القدرة الماليّة عند أغلب المتمولين من تونس وعدن وبغداد إلى مفاقمته. بعد مرور حوالي الشهرين من المعاناة والبحث اليومي غير المجدي عن منزل صغيرٍ متوسط الإيجار أفلح (بعد إلحاحٍ شديدٍ منّي) أحد عناصر كتيبة شهداء عين الحلوة وهو شابٌ في مثل عمري تقريباً آتٍ من مخيّم نهر البارد الواقع في ضواحي مدينة طرابلس الشماليّة, في اقناع مؤجّريه بالموافقة على مشاركتي له في غرفةٍ قد نجح لأمرٍ ما (أكتشفته لاحقاً) في استئجارها داخل منزلٍ مسكونٍ من عائلةٍ مكوّنة من شابٍ في العشرينات من عمره وأختين تكبره أحداهن بسنتين والأخرى بحوالي العشر سنوات إضافةً إلى امّهم العجوز غير القادرة على الحركة. حملت حقيبتي الصغيرة التي تحتوي كلّ أغراضي وملابسي وانتقلت إلى ذلك المنزل في نفس اللّحظة التي وافقوا فيها خوفاً من ان يغيّروا رأيهم أو يغيّر زميلي رأيه, إذ ان ضيق منزل شقيقتي الذي لا يكاد يتّسع لأولادها قد جعل من ظروف إقامتي لديها صعبةً وغير مريحة.
المنزل الجديد مكوّنٌ من ثلاثة غرفٍ كبيرة تحيط بصحن دارٍ واسعٍ وغير مسقوفٍ يقع في إحدىزواياه مرحاضٌ وفي زاوية مقابلة مطبخٌ متواضعٌ يحتوي على ثلاجةٍ وغسّالة وموقد غازٍ. يشغل ابن العائلة الشاب إحدىالغرف وتشغل الأخرى امه واختاه اما الثالثة فيشغلها زميلي وانا وهي مزوّدةً بسريرين عتيقين ومنضدتين, أمّا سعر إيجار الغرفة فهو حوالي الخمسين دولاراً ندفعها مناصفةً. تعرّفت على العائلة في اليوم الأول لإنتقالي إلى منزلهم وقضيت بعد الظهر مستلقياً على سريري مستغرقاً في قراءة أحد الكتب ومستمتعاً بالوحدة والهدوء إذ ان من عادة زميلي في الغرفة ان يبقى في مقر عمله بصفته مرافقاً وحرساً شخصيّاً لجمال سليمان ولا يعود إلّا مساء.
صحوت في صباح اليوم التالي على صوت طرقٍ خفيفٍ على الباب دخلت بعده إحدىالشقيقتين حاملةً صينيةً عليها ركوة قهوة وفناجين ثلاثة فاستبشرت خيرا. سلّمت علينا ثم جلست على سريري زميلي وصبّت القهوة ووّزعتها علينا مبقيّة على الفنجان الثالث لنفسها. كانت الساعة عند مجيئها حوالي التاسعة ونحن لا نزال نغطُّ في نومٍ عميقٍ لكن رائحة القهوة الصباحية جعلتني أغفر لها بيني وبين نفسي إزعاجها المبكر. هذه الفتاة العشرينيّة هي على قدرٍ متواضعٍ من الجمال أو لنقل إذا أردنا الصراحة انها خاليةٌ من أية مسحةٍ جماليّة وأجرؤ على قولي هذا ليقيني انها لن تقرأ كتابي هذا خصوصاً ان الفئة الكبرى من نساء عين الحلوة لم يسبق لهن قراءة كتابٍ واحد في حيواتهن عدا بعض المحظوظات وهؤلاء اقتصرت قراءاتهن على الكتب الدينيّة المختصة بالشروحات القرانية والأحاديث النبويّة او في فقه العلاج بالعسل وحبّة البركة والرقى والحُجب. فرك زميلي عينيه متثائباً ثمّ رفع رأسه قليلاً مستعداً لقهوته الصباحية بينما اندست جارتنا في سريره وتدثّرت ببطانيته واحتضنته بذراعيها وساقيها وكان ذلك بادياً رغم غطاء البطّانية وراحت تداعبه وتلامسه بينما انشغلت انا بفنجان قهوتي وحسدي وانتعاظي.
بقينا نحتسي القهوة وندخّن السجائر حوالي النصف ساعة قضت الفتاة أغلبها في احتضان ومداعبة زميلي المحظوظ مستغلةً عجز والدتها وخروج أخيها إلى عمله ولم أعلم في تلك اللّحظة ما إذا كانت أختها على علمٍ بما يجري لكن كونها لم تأت في طلبها رغم غيابها الطويل داخل حجرتنا جعلني أرجّح تضامنها مع أختها. رغم عدم جمالها إلّا انني لم أستطع إخفاء نظراتي الشبقة التي تركّزت على ما يجري في السرير المجاور منتظراً بتوقٍ وشغفٍ لحظة الانتقال إلى مرحلة خلع الملابس وممارسة الجنس كمن يحضر فيلماً جنسياً لكن انتظاري طال ولم يتم أي تقدمٍ في هذا المضمار واقتصر الأمر على الإحتضان باليدين و الساقين وملامسة الأعضاء الجنسية من فوق الملابس وكان زميلي يبدو غير مبالياً وتركها تفعل به ما تشاء دون ان يبادلها المداعبة وبدا عليه الإعتياد على مثل هذه الصباحات الملتهبة وانشغل عنها بشرب قهوته وتدخين سجائره.
مرّت بضعة أيام على انتقالي إلى سكني الجديد اعتدت خلالها على نفس المشهد الصباحي وطقوس ركوة القهوة التي تبيّن انها لا تقتصر على الفترات الصباحيّة بل تجري أيضاً في فترات بعد الظهر إذ كان أخوها يبقى في عمله حتى المغرب تقريباً. وصرت أتعمّد التواجد داخل الغرفة في الأوقات التي يكون فيها زميلي في مقرّ عمله علّها تفكّ زنقتي بعد مرور أشهرٍ طوالٍ على صيامي الإلزاميّ عن النساء منذ مغادرتي سوريا ولكنّها لم تفعل. في المرّة الأولى التي آتت فيها قهوتي بغياب زميلي كانت تحملها الأخت الكبرى التي تكبرني بحوالي العشر سنوات إذ يبدو ان الشقيقتين قد اتفقتا على تقاسمنا فيما بينهما وكانت حصّتي هي ما تبقّى منهما أي الشقيقة الكبرى. لم أكن لأعرّ الإهتمام لمسألة الفارق في العمر بيننا لولا افتقادها الشديد للجمال إلى درجةٍ جعلت أختها تبدو جميلةً مقارنةً بها وربما هذه هي المرّة الأولى التي أقول فيها عن امرأة ما انها بشعة وما كنت لأفعل لولا يقيني (مرةً أخرى) بانها لن تقرأ كتابي هذا وان لا أحد يذكر أين سكنتُ تلك الأسابيع القليلة من العام 1984 حتى انني انا نفسي قد نسيت أسمي تلك الفتاتين واسم عائلتهما.
مرّت أيامٌ كثيرةٌ وركوات قهوة أكثر بين صباحيةٍ وعصريّةٍ بعضها لي و لزميلي المحظوظ معاً وبعضها الآخر يقتصر عليّ أثناء غيابه وبدأت الفتاة الكبرى تملّ من عدم تجاوبي وتفقد الأمل من دعوتها إلى سريري فقد كان الأمر يتضمّن خطورةً مزدوجة أوّلها ان يتمّ افتضاح أمرنا فأضطرّ إلى الزواج منها وثانيها ان تعمد هي إلى فضح أمرنا لإجباري على الإرتباط بها ولم يكن فيها ما يغري بخوض تلك المغامرة. كانت تلك هي المرأة الوحيدة في حياتي التي أتيحت لي ورفضت معاشرتها فرغم ان كثيراً من النساء اللواتي عاشرت كنّ على قدرٍ ضئيلٍ من الجمال انما فيهن من مقوّمات الجاذبية ما يعوّض ما ينقصهنّ كخفّة الدم أو تناسق الجسد أو ضخامة النهدين أو ما سوى ذلك اما هذه الفتاة بالتحديد فقد حرمها الله من كلّ هذا ربما “لمجاكرتي“. بعد بضعة أسابيع من التحرّش غير المجدي بدأت تعاملني بجفافٍ وسايرتها شقيقتها بنفس الطريقة ثم ما لبثتا ان أبلغتاني عبر زميلي في الغرفة انني لم أعد مرحباً بي في منزلهم واضطررت إلى المغادرة والعودة إلى منزل شقيقتي والانشغال من جديدٍ بالبحث اليوميّ غير المجدي عن منزلٍ للإيجار.
أثناء الإحتلال الإسرائيلي لمدينة صيدا كانت القوّات الإسرائيليّة قد استخدمت الآليات الثقيلة في جرف الكثير في المنازل الواقعة في المناطق العشوائية على محيط مخيم عين الحلوة لأسبابٍ أمنيّة ومن بين المناطق المجروفة قطعة أرضٍ بمساحة 200 متر مربّع تقع على مدخل عين الحلوة الشمالي وكان يملكها في ما مضى مواطن لبناني يهودي هاجر مع من هاجر من اليهود بعيد إقامة إسرائيل واشتداد القمع على الطائفة اليهودية في أغلب الدول العربيّة. وقد كانت قطعة الأرض تلك مزروعة في الماضي بأشجار الليمون والبرتقال والإكيدينيا كمعظم الأراضي الزراعية في مدينة صيدا ويطلق عليها إسم “بستان اليهودي” لكنها أصبحت أرضاً بوراً. وقد سرت إشاعاتٌ بين أهل المخيّم فحواها ان هذه الأرض مملوكةً للانروا التي اشترتها من مالكها بهدف إقامة مجمّع مدارس جديدة تستلزمها الكثافة السكانية المتضخمة في المخيم وإشاعاتٌ اخرى تفيد بان الأرض ملكٌ للدولة اللبنانيّة وآخرى تفيد بانها لا تزال مملوكة لليهودي الذي رفض بيعها ولكن أحداً لم يكن متأكداً من هويّة المالك الحقيقيّ لتلك الأرض.
أول المتمدّدين إلى قطعة الأرض الفارغة تلك هو العقيد “أبو فادي مهاجر” الذي كان يقطن مع عائلته المكونة من زوجته وأولادٍ خمسة في شقّةٍ ضيّقةٍ تقع وسط سوق الخضار في عين الحلوة. ورغم ان مهاجر هو من الضبّاط المتنفذين اي الذين يمتلكون ثروةً صغيرة تؤهّلهم لشراء شقةٍ في مدينة صيدا إلّا ان الظرف الأمني لم يكن قد تبلور في المدينة بعد لذا فان الأمكنة الوحيدة الآمنة لضبّاط حركة فتح هي المخيمات فقام بوضع يده على قطعة أرضٍ كبيرة في البستان وبنى فيها منزلاً واسعاً إضافة إلى مساحةٍ تصلح لانشاء حديقة صغيرة واحاطهما بسورٍ ومدّههما بالماء والكهرباء من داخل ألأعمدة والانابيب الواقعة على أطراف المخيم وانتقل للسكن في منزله الجديد الذي كان يعاني من مشكلةٍ وحيدةٍ هي عدم توفّر مجارير الصرف الصحّي في المنطقة المستحدثة فقام بحفر حفرةً عملاقة بجانب المنزل وجعل انابيب الصرف الممتدة من المنزل تصبّ فيها دون ان يجعل لها غطاءً بانتظار ان تعتمد وكالة الانروا هذه المنطقة الجديدة بصفتها جزءً من المخيم وتعمل على تزويدها بالبنية التحتيّة. الأمر الذي حدث بعد حوالي السنة ولكن مهاجر كان قد باع منزله هذا وانتقل إلى شقّةً في مدينة صيدا حالما استتّب أمرها وأصبحت آمنة بفعل اشتداد عود المنظّمات الفلسطينيّة في المخيم وخصوصا منها حركة فتح وتصاعد حجمها ونموّ قدراتها العسكريّة مما جعلها قادرةً على فرض نفوذها على قوى الأمر الواقع اللبنانيّة المسيطرة عليها والمشكّلة من التنظيم الشعبي الناصري المحليّ التابع لمصطفى سعد والذي تموّله إيران وجهاز الشرطة المدنيّة الذي عمل المتموّل السعودي اللبناني رفيق الحريري على بنائه وتمويله ليحلّ محل شرطة الدولة الغائبة.
بعد أسابيع من بدء العقيد مهاجر في إنشاء منزله في البستان أقنعني صهري المرحوم خالد سليمان بوضع اليد على قطعة أرضٍ في نفس المنطقة وبناء منزلٍ فيها بشكلٍ تدريجيٍّ وساعدني عملياً في كافة مراحل البناء هو وأصدقاؤنا المشتركين من اقربائه وبلدياته من بلدة “عمقا” بدءاً من لحظة تحديد علامات حدود المنزل بواسطة خيطان وأوتادٍ حديديّة تحوّلت بعد يومين إلى صفٍّ من حجارة العمارة المزروعة في الأرضية الإسمنتية وضمّت مساحةً واسعة نسبياً تتسع لمنزلٍ من حجرتين ومنافعهما إضافةً إلى مساحة لا بأس بها تصلح لإقامة حديقة صغيرة في المستقبل. كما قام صهري نفسه وأحد أخوته بإحاطة قطعة أرضٍ لكلٍ منهما قاما لاحقاً ببيعهما بمبلغٍ زهيد أظنه كان ألف دولاراً أمريكيا. في اليوم الذي أكتسبت فيه هذه الأرض الجديدة استلمت راتبي الشهري فبادرت إلى شراء بعض أكياس الإسمنت وحمولة “بيك آب” من الرمل والبحص واخرى من حجارة العمارة وبدأنا زملائي من شباب المخيم وأنا بإنشاء منزلي العتيد. الكثيرين من أولئك الزملاء كانوا يعملون أساساً في قطاع البناء وكنتُ أنا الوحيد بينهم من غير ذوي الخبرة فاقتصرت جهودي على المساعدة في خلط “جبلات” الإسمنت ونقلها حسب التعليمات التي أتلقاها منهم .
بعد اسبوعين اضطررت إلى توقيف بسبب انقطاع السيولة الماليّة مما استوجب الإنتظار حتى موعد صرف راتب الشهر القادم لشراء المزيد من المواد اللازمة علماً ان جميع المساهمين في عمليّة الإعمار هم متطوّعون يعملون مجّاناً. بعد شهرين وراتبين آخرين أصبحت أمتلك منزلاً من حجرتين ومنافع “على العضم“, تقتصر على جدران عاريةٍ من الغلاف الإسمنتي والطلاء من الداخل والخارج ومسقوفةً برقائق تنكيّة “زينكو” مستعملة قام الأصدقاء من ذوي الخبرة بتركيبها عكسيّاً جاعلين طبقتها السفلى إلى الأعلى حتى لا تتسرّب المياه من ثقوب المسامير القديمة في الشتاء كما أبلغوني. اما الشبابيك والباب الرئيس فقد تشكّلا من بطانيّات عتيقة تدلّت من مسامير غرزت في زواياها العلوية اما المرحاض فكان عبارة عن فسحة رمليّة تصلح فقط للتبول عند الضرورة القصوى بانتظار إنشاء البنية التحتيّة في الحي الجديد. أمّا أجمل ما في المنزل فقد كان حديقته (الرملية حالياً) والمسوّرة بحجارة الباطون على علو ثلاثة مداميك تهدف إلى حماية الأرض المكتسبة ريثما يصير بإمكاني إستكمال الإنشاء. انه منزلٌ حلمٌ أكثر منه منزلٌ صالحٌ للسكن إذ انني لا زلت مضطّراً حال نهوضي من النوم عند كلّ صباح وكلّما دعت الحاجة خلال النهار إلى التوجّه على عجلٍ إلى منزل شقيقتي الذي يبعد حوالي مائة وخمسين متراً في عمق المخيّم لإستخدام مرحاض منزلها اما ماء الشرب فكنت أحضره من عندها في “غالون” بلاستيكي كذلك أمدّتني بفرشةٍ إسنفجية وغطاءات مددتها على أرض حجرة نومي الإسمنتية.
الفصل السابع
حروب غبّ الطلب
أقام قائد القوّة البحريّة في لبنان النقيب سعدالله بكر سلامة “أبو بكر” في الطابق الأرضي لمبنىً مكوّناً من طابقين شغل الطابق الأعلى منه العقيد مهاجر قبل ان ينتقل إلى منزله الجديد في بستان اليهودي وقد أصبح ذلك الطابق شاغراً وكان بإمكاني استئجاره لولا بخل سعدالله الشديد الذي رفض ان يدفع لي قيمة الأيجار الشهري من موازنة القوّة البحريّة التي تعادل آلاف الدولارات شهريّا ورغم كثر إلحاحي ومحاولة إفهامه انه يستطيع ان يأخذ لنفسه ما شاء من الدولارات التي تأتيه من قيادة البحريّة في اليمن لكن عليه في نفس الوقت ان يقدّم لي بصفتي الضابط البحري الوحيد في القوّة, مستحقّاتي الماليّة وأن يساعد في تأمين مكان سكنٍ لي تماماً كما يؤمّن مكان سكنٍ لنفسه لكن بخله وطمعه الشديدين أعمياه عن حقيقة انه لا يمكن بناء “قوّة بحريّة” بدون ضبّاط بحريّين وهذا البخل هو نفسه الذي دفع الضابط البحري الآخر جهاد بكر يوسف وهو ابن دورته (الدورة البحريّة الأولى في كراتشي) إلى عدم الانضمام إلى القوّة وتفضيل العمل لدى “الأفندي” في قيادة إحدىالوحدات العسكريّة الصغيرة.
إستصلح سعد الله أحد المنازل المهدمة في بلدة درب السيم المسيحيّة المهجورة والواقعة على بعد بضعة مئات من الأمتار إلى جنوب مخيم عين الحلوة وأقام فيه مقرّاً وحيداً للقوّة البحريّة وعيّن عليه صهره الذي يحمل رتبة جندي ويعمل أيضاً كسائقه الخاص وأمين سرّه ومسؤول تموينه ومساعده في حصاد بساتين الموز التي تهجّر أهلها وبيعها في سوق الجملة الصيداوي الملاصق للمخيم والمعروف باسم “الحسبة“, وكان قد أشترى لهذا الغرض “فاناً” من نوع “فولس فاكن“. وقد تكوّنت القوّات البحريّة التي بناها, من أصهرته وصياد سمكٍ فتحاويٍ عتيق يدعى “أبو سيدو” يعمل على قارب صيدٍ اشتراه سعدالله ويقاسمه صيده اليوميّ ليوزّعه على المحاسيب وكبار الضبّاط في الساحة اللبنانيّة لشراء صداقاتهم وأحياناً حماياتهم كما هو الأمر في حالة “الملازم وبائع البطيخ” منير المقدح الذي كان أحد قبضايات المخيّم ومركز نفوذٍ أمنيٍّ شبيه بنفوذ جمال سليمان. كان الغطاء الأمنيّ من أحد قبضايات المخيّم ضروريّاً في الفترة الأولى من دخول الضبّاط الفتحاويّين المرسلين من الخارج . إضافةً إلى السمك, اعتاد سعدالله ان يسترضي المقدح بهدايا ماليّة وعينيّة وكثيراً ما أعاره زعانف وقوارير اوكسجين تستخدم للغطس ليستعلمها لغرض الإستجمام .
عدا عن أصهرة سعدالله وانا, كان هناك في عديد القوّة صفّ ضابط من سكان عين الحلوة يدعى جمال القدح وهو خريج دورة ضفادع بشريّة في كراتشي إضافةً إلى عناصر مجهولي العدد وموزّعين بين وادي الزينة البلدة ذات الغالبية الفلسطينيّة في جبل الدروز ومخيم برج الشمالي حيث أقرباء زوجته ولا يراهم أحد منّا أو يسمع بهم إلا عند كلّ نهاية شهر حين يصطحب صهره في سيّارته الفولفو الحديثة حاملاً معه أكياساً ورقيّة وكشفاً باسماء المقاتلين الخفيّين ليوزّعه بمعرفته. ورغم كوني خرّيج كليّة كرساس للإدارة والإمداد فقد امتنع عن تعييني ضابطاً للإدارة وأصر على القيام بكافة الأمور الإداريّة والماليّة بنفسه وذلك حرصاً على عدم إكتشافي القيمة الإجماليّة للمداخيل الشهريّة التي يحصل عليها من قيادة القوّة في اليمن كموازنة عمل أو كيفية صرف الرواتب وكم من مجنديه حقيقيّون وكم منهم مجرد أسماءٍ وهميّة يضع رواتبهم في جيبه كفعل جميع القادة الأخرين. إضافةً إلى حصاد مواسم الموز وتوريد السمك الطازج لقبضايات مخيم عين الحلوة والميّة وميّة ونزهات الرواتب الشهريّة كان سعدالله قد نفّذ “عمليّةً” عسكريّة بحريّة بعد إلحاحٍ من القيادة العليا في اليمن وعلى رأسها منذر أبو غزالة ولقد كانت مثل هذه العمليّات بالغة الضرورة عند كلّ القطعات العسكريّة في لبنان لتأمين استمرار تدفّق الأموال حتى أصبحت شبه اسبوعيّة أو شهريّة مزعومةً يخترعها قادة الكتائب والقوّات ويرسلون بها الفاكسات إلى مموّليهم في تونس واليمن والعراق إلى ان فرض هؤلاء المموّلين على قادتهم الميدانيّين عدم تبني أو اعتماد أية عملياتٍ عسكريّة ضد القوّات الإسرائيليّة او داخل الأراضي الفلسطينيّة المحتلة إلّا تلك التي تعلن عن حدوثها اجهزة الإعلام الإسرائيليّة.
لإعداد العمليّة العسكريّة البحريّة “النوعيّة” التي نفّذها سعدالله قام بشراء قاربٍ مطّاطيٍ فرديّ مع محركه الصغير من محلات “قطب” المشهورة في مدينة صيدا والمختصّة ببيع أدوات الإستجمام البحريّة, ثم قام بتدريب أحد الشباب المحبطين وهو فلسطينيّ هاربٌ من مخيّم نهر البارد في مدينة طرابلس التي يسيطر عليها جيش النظام السوريّ والتنظيمات الفلسطينيّة التابعة له, على قيادته لبضعة أيامٍ على الشاطئ الصيداوي المراقب من الإسرائيليّين وعملائهم ثم أرسله في أحد الليالي محمّلاً ببندقيّة “آيه كي 47″ وجعبة فيها بضعة مخازن وقنبلتين وليتراً من الويسكي يساعده على وعكاء السفر! لم يفلح الشاب المسكين طبعا في مغادرة المياه الإقليميّة اللبنانيّة حيث اصطادته القوارب العسكريّة الإسرائيليّة بسهولة ولم يعد أحد يسمع به أو يعلم بمصيره .
——————————————————
في العام 1977 كان سعدالله بكر سلامة جنديّاً في أحد القطاعات العسكريّة وقد ألحق بدورة أكاديميّة كراتشي البحريّة الأولى بهدف تهريبه من أمام أعين أصهرته المقيمين في مخيّم البرج الشمالي إثر إقامته علاقةٍ جنسيةٍ مع شقيقة زوجته العمياء وفضّه لبكارتها ثم انكشاف أمره. ولقد ساهم غيابه عن لبنان لفترة طويلة في إخماد نار الانتقام لدى اصهاره وإعادة اللّحمة العائلية مع زوجته وطيّ صفحة الماضي البغيض وعدا عن ذلك لم يكتسب سعدالله أياً من القدرات الأكاديميّة حيث بقي حتى آخر أيام دراسته عاجزاً عن تعلّم اللغة الانكليزيّة التي يتمّ التدريس بها وقد كان مثالاً يضرب في الأكاديمية حيث سرد لنا أحد الضبّاط الباكستانيّين المحاضرين في مادة العمل الخرائطي البحري ان سعدالله قام في أحد الإمتحانات في عمليّة“تثبيت” للسفينة وهي العمليّة التي تحدّد مكان السفينة على الخريطة بعد حسابات قوّة التيار المائي واتجاهه وسرعة السفينة واتجاهها وكذلك سرعة واتجاه الريح وعوامل وقياسات أخرى قد تعتمد على الشمس أو النجوم أو المعالم البريّة على السواحل ولقد كانت نتيجة ” تثبيته” ان سفينته النظريّة قد استقرّت على رأس جبلٍ مثل سفينة نوح بعد الطوفان. عوّض سعدالله عن جهله الأكاديمي بخبراته العمليّة المكتسبة وأصبح قبطاناً لإحدىالسفن البحريّة الصغيرة التابعة للحركة والعاملة من خلال ميناء الحديدة اليمني.
في العام 1983 كُلّف سعدالله بالشراكة مع أكرم هوّاري بالتوجّه إلى بور السودان لإجراء بعض الإصلاحات على سفينته لكنهما أوقفها في البحر الأحمر من قبل البحريّة الإسرائيليّة واقتيدا معتقلين إلى الأراضي الإسرائيليّة والغريب بالأمر انهما خرجا من السجن بعد مرور تسعة أشهرٍ فقط على إعتقالهما مما يثير الشبهات حولهما. فقد اعتاد جهاز الموساد الإسرائيلي محاولة تجنيد الكثير من المعتقلين وعند نجاح عمليّة تجنيدٍ معيّنة, كانوا يطلقون سراح جميع المعتقلين في نفس القضيّة التي اعتقل فيها عميلهم الجديد بهدف التمويه عليه. وهناك حادثةٌ مشهورة طالت ضابطين من دورتنا هما سليمان أبو شرار وحسام الدين مصطفى حيث تظاهر سليمان أبو شرار بالموافقة على العمل لدى الموساد مما حمل السلطات الأمنيّة الإسرائيليّة على إطلاق سراحهما معاً وسرعان ما قام أبو شرار بإبلاغ القيادة في القوّة البحريّة الفلسطينيّة بهذا الأمر مما خلق له مشاكلاً كثيرة, ولقد هاجر الضابطان إلى سويسرا بمساعدة ناشطتين إنسانيتين سويسريتين كانتا قد ألتقتهما في سجنهما, ولا يزال أحدهما وهو حسام مصطفى مقيماً في سويسرا ويحمل جنسيتها ويعمل قبطاناً لأحد السفن الإماراتيّة اما أبو شرار فقد فشل في الحصول على الإقامة الدائمة هناك واضطر للعودة إلى أراضي السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة حيث يقيم حالياً.
إن إطلاق سراح اكرم وسعدالله بعد تسعة أشهر يشير إلى إحتمالٍ كبيرٍ بأن أحدهما على الأقلّ قد تمّ تجنيده ومع ذلك فإن كلٍ منهما قد عيّن قائدا للقوة البحريّة في لبنان بشكلٍ متتالٍ وانا أرجّح ان يكون أكرم هو الشخص الذي تمّ تجنيده خصوصاً ان مسألة اللواطة التي قد يكون أقدم عليها أثناء فترة سجنه تشكّل مادةً خصبة للإبتزاز وقد يكون هذا هو السبب وراء نجاحه في النجاة بنفسه رغم الكثير من الغارات الجويّة والإغتيالات التي طالت الكثير من المواقع والكوادر البحريّة وغير البحريّة.
ذكرت من قبل ان الإبتعاد عن الساحة اللبنانيّة المتاخمة للحدود الإسرائيليّة أضعف القدرات العسكريّة لمنظّمة التحرير وأوصلت حدود فعّاليتها إلى ما يقارب الدرجة صفر مما هدّد نفوذها السياسيّ وكيانها المؤسّساتي ووزنها الإعتباري على الساحتين الإقليميّة والدوليّة ناهيك عن الساحة العربيّة, إذ تقلّصت علاقاتها بالدول الرئيسة وبدأت مصادر تمويلها تجف نسبيّاً وباتت تقتصر على سخاء صدّام حسين دون سواه من الأنظمة الخليجيّة مما اضطر عرفات إلى وضع كلّ بيضه في سلّته وأوقعه في فخّ التأييد لمغامرته العسكريّة عند اجتياح الكويت واحتسابه في المحصلة النهائية شريكاً لصدام في هزيمته العسكريّة والسياسيّة المدويّة بعد معركة “عاصفة الصحراء” التي شنّها التحالف الأمريكي الدولي والعربيّ في شباط 1991 ولقد أسّست هذه الهزيمة لمحادثات مدريد واتفاق أوسلو الهزيل الذي أقتيد عرفات إليهما موجوداً ومرغماً.
أفلحت المحاولات المستميتة في تسريب المئات من الكوادر العسكريّة والأمنيّة الفلسطينيّة من معسكرات الشتات إلى مخيمات لبنان عبر التعاون الأمني مع الحلفاء الجدد في القوّات اللبنانيّة التابعة لسمير جعجع و الجزء التابع لميشال عون من الجيش اللبناني. بعد أن أفضى فشل الكثير من المحاولات للتسلّل عبر طرقٍ أخرى إلى زجّ الآلاف من الكوادر في سجون النظام السوريّ بعد تصيّدهم في كلٍّ من مطاريّ دمشق وبيروت. أدّى النجاح في اختراق الدرع الأمني السوريّ وتسلّل مئات الكوادر الفتحاويّة إلى تعزيز القدرة العسكرية والسطوة السياسيّة ل م.ت.ف. التي عادت لاعباً أساسيّاً في الميدان اللبناني المتفجّر أبداً, إلّا ان هذه السطوة بقيت منقوصةً بسبب عدم تمكّنها من العودة إلى التماس المباشر مع عدوّها الإسرائيلي حيث وقفت ميليشيا حركة أمل الشيعيّة التي تضخّمت عسكريّاً ومن خلفها نظام الأسد الأب المحتكر الحصري المفترض للورقة اللبنانيّة, في وجه كلّ المحاولات والمناورات التي هدفت إلى استعادة القدرة على التناوش معه وأجبرت القوّات الفلسطينيّة على البقاء داخل مخيّماتها وعلى بعدٍ كافٍ من الحدود الإسرائيليّة لتعطيل أية قدراتٍ صاروخية متاحة لها عبر إبقائها خارج نطاق مداها وفعّاليتها وهو ما كان قد توافق عليه ضمنيّاً نظام الأسد وميليشيا نبيه برّي مع الدولة الإسرائيليّة وايضاً مع اللاعب الأكبر أي الولايات المتّحدة الأمريكيّة.
في مثل تلك الظروف التي أدّت إلى حالة من الركود السياسيّ وانعدام الوزن وفقدان الإهتمام الغربي والإقليمي الذي كاد ان يودي بالمنظّمة إلى الإضمحلال والسقوط في غياهب النسيان لم يكن أمام القيادة في حركة فتح وعلى رأسها ياسر عرفات وخليل الوزير لتعويم انفسهم سوى إعادة حالة الإشتباك مع إسرائيل عبر الطريق الوحيد المتاح ألا وهو الطريق البحري. ولقد عزّز هذا الخيار حقيقة ان عداد الضبّاط وصف الضبّاط الأكاديميّين من ملّاحين ومهندسين بحريّين وضفادع بشرية وقادة زوارق كان قد بلغ أكثر من مائتين وخمسين كادراً جميعهم متخرّجين من أكاديميّات متخصّصة في الباكستان وتشيكوسلوفاكيا وإمارة الشارقة في دولة الإمارات العربيّة. إضافةً إلى الكادر البحري كانت الحركة أيضاً تمتلك بضعة سفنٍ مدنيّة باليةٍ وصغيرة الحجم هي أقرب إلى مراكب الصيد منها إلى السفن إضافةً إلى يختٍ حديثٍ مخصّصاً للإستجمام الرئاسي حين لا يكون لدى عرفات ما يفعله.
كانت نسبة احتمال نجاح أية عمليّة تسلّل بحرية ان للقيام بعمليات قتالية داخل الأرض المحتلّة أو لنقل السلاح إلى غزّة عبر البحر الأحمر انطلاقاً من اليمن والسودان تقارب الصفر نظراً إلى قدرة الإسطول البحري الإسرائيلي المدعّم بتكنولوجيا الإتصالات والرصد الفضائي الأمريكي. ولكن ذلك لم يمنع إتخاذ القرار بالإعداد لهكذا عمليّات إذ انها كانت تهدف إلى خلق حالة إشتباك وهو ما سيتحقّق في كلّ الأحوال حتى لو تمّ هذا الإشتباك وسط المياه الدوليّة وعلى بعد مئات الأميال من المياه الإقليميّة الإسرائيليّة. كان ذلك يعني ببساطة شديدة التضحيّة بالكوادر والضبّاط البحريّين لمجرد تسخين الأجواء وتحريك العمليّة السياسيّة وهو ما حقّقته حفنةٌ من العمليّات الفاشلة التي شنّت إبتداءً من أواخر العام 1983 انطلاقاً من مرافئ الحديدة وبورسودان وليماسول, وهي الفترة نفسها التي أعتقل فيها دون اشتباك الضابطين البحريّين أكرم هواري وسعدالله بكر. وكذلك اعتقل بعدهما الضابطين البحريّين حسام مصطفى وسليمان أبو شرار أيضاً دون اشتباك كما كانت هناك محاولاتٌ أخرى منها إستدراج المهندس البحري عطالله أبو ربيع وهو أيضاً من دورة كراتشي الثانية وممارسة الضغوط النفسيّة والمعنويّة عليه للقيام بعمليّة بحريّة إستشهادية وكاد ان يفعل لولا ان صحى في اللحظات الأخيرة قبل البدء في التنفيذ واسترد شجاعته وأعلن رفضه القيام بتلك العمليّة مما دفع بأبي جهاد الوزير إلى سجنه لبضعة أشهر ترك أبو ربيع بعدها م. ت. ف. واتّخذ مساراً آخرا لحياته العمليّة وهو الان مهندسٌ ناجحٌ يدير مكتب هندسةٍ خاصاً به في المملكة العربيّة السعودية.
إن العمليّة البحرية الوحيدة التي أثلجت قلوب قادة الحركة والقوّة البحريّة الفلسطينيّة كان تلك ضمّت ضبّاطاً بحريين ثلاثة هم نادر شديد و“عبدالناصرالبحريّة” ومحمد عبد الحفيظ والآخير من الدورة الثانية في كراتشي وكنت وإياه صديقين مقرّبين أيّام الدراسة ثم انطوت هذه الصداقة إثر موقفٍ سآتي على ذكره لاحقاً. هؤلاء الضبّاط الثلاثة ومعهم بعض الجنود كانوا على متن مركبٍ بحريٍّ مدنيّ في عمق المياه الدوليّة, في طريقهم إلى الشواطئ الفلسطينية, حين تصدّى لهم كالعادة زورقٌ حربيٌّ إسرائيليّ وأمرهم بالتوقف للتفتيش فلم يمتثلوا ممّا جعل الزورق الإسرائيليّ يفتح عليهم نيران رشاشاته فبادلوه بالمثل مستخدمين بنادقهم الفرديّة فقتل نادر وعبد الناصر فيما أُسر محمد ونُقل إلى أحد السجون الإسرائيليّة حيث قضى بضعة سنوات ولم يطلق سراحه سوى بعد بدء تنفيذ اتفاق أوسلو 1993.
ثمة فرقٌ كبيرٌ بين الانتحار/الإستشهاد (سمّه ما شئت) والشجاعة في الحروب المتكافئة والإيثار وخوض بعض المخاطر للدفاع عن المجموعة فهذا الميل في الحالة الثانية, نراه لدى أغلب الرئيسات وخصوصا منها تلك الأقرب إلينا جينيّاً كالشامبانزي وقرد البابون. وكما ان الجماعة تسهم في تعزيز أمن الفرد فإن الفرد أيضاً يسهم غالباً في تعزيز أمن الجماعة خصوصاً ذوي القرابة العائليّة وغالباً ما تكون انثى الشامبنزي مثلاً مستعدةً للتضحيّة بنفسها في سبيل طفلها وهو ما نجده أيضاً عند الانسان من كلا الجنسين فيما يتعلّق بالأقرباء الأقربون. وهو ما يفسّره ريتشارد دوكينز في كتابه ” الجين الاناني” بكونه نابعٌ من دوافعٍ غريزيّة تهدف إلى زيادة فرص جينات الفرد نفسه بالحياة عبر ولده أو اشقّائه وشقيقاته الذين يحملون أغلبها أي ان ما يبدو إيثاراً وغيريّة ليس في الواقع سوى انانيّة مقنّعة. أما في حالات الإستشهاد/الانتحار دفاعاً عن فكرة أو مشروعٍ سياسيٍّ او دينيٍّ فلا يعود الأمر سويّاً بل يصبح في أحد وجوهه إضطراباً نفسيّاً يطلق عليه أهل الإختصاص اسم “متلازمة البطل” حيث يرزح الفرد المصاب بهذا الإضطراب تحت حاجة ملحّة ودائمة إلى التقدير والإستحسان والعرفان بالجميل من أعضاء جماعته أو اية أفرادٍ على تماسٍ مباشرٍ معه مما يجعله دائماً على إستعدادٍ للمخاطرة ان بنفسه أو بممتلكاته أو بعمله في سبيل إرضاء نرجسيته وحسّه بالبطولة. هذا الإضطراب وحده لا يجعل المرء انتحارياً ولذا فهو ليس مصنّفاً بعد في دوائر الطبّ النفسي كمرضٍ يحتاج لتدخّلٍ طبيّ إلا انه يجعل المصاب به عرضةً للإستغلال من قبل الجماعات السياسيّة والدينيّة العنفيّة لإستغلال ميله هذا إلى البطولة فتقوم بإجراء عمليّة غسيل دماغ له مستخدمةً الشعارات المتداولة في ثقافة مجتمعه وتوجّهه نحو الشهادة التي ترتأيها هي له.
ان العامل الأساس إذن في صناعة الإستشهاديّين هي الثقافة السائدة في بيئة البطوليّين الإجتماعيّة مضافاً إليها هذا الخلل السايكولوجي في شخصيّة الإستشهادي. ان هؤلاء الإستشهاديّين قدماء قدم التاريخ ونجدهم في أغلب المجتمعات والثقافات منهم المسيحيّيون الأوائل بل حتى المسيح نفسه كان أحدهم وأوّلهم, ومنهم إنتحاريّو ما سُمّي باليسار الفوضوي في روسيا اوائل القرن الماضي والكاميكازيون اليابانيّون . ونجهدهم كذلك عند بعض الجماعات الدينيّة الشرقيّة والعربيّة كأبي لؤلؤة المجوسي الذي اغتال عمر بن الخطاب وكذلك مجاهدي دولة الحشّاشين التي قامت بمجملها على فكرة الإغتيالات السياسيّة. المعضلة الأساسة التي واجهت قادة م. ت. ف. في مسألة العمليات الإستشهاديّة البحريّة هي ان هؤلاء الأخيرين بمعظمهم من المثقفين المنفتحين ذوي الوعي الخاص بهم مما يجعل غسيل أدمغتهم على درجة شديدة من الصعوبة إضافة إلى انهم بمعظمهم أيضاً من الأسوياء نفسيّاً فلا يسهل التلاعب بهم فجميعهم خرّيجو أكاديميّات كبرى في شتّى انحاء العالم, وذوي خبراتٍ ثقافية واجتماعيّة مختلفة ومتعدّدة إضافة إلى التحصيل العلمي الذي حصلوا عليه. كنت التقيت بالمرحومين عبد الناصر ونادر شديد في طرابلس عام 1982 واذكر ان كليهما كانا ثوريّين مثاليّين وطهرانيّين وينحوان نحو البطولة والفداء وقد نالا ما أرادا فرحمهما الله.
بعد بضعة أسابيع من دخولي إلى مخيم عين الحلوة بدأ المخيم يستردّ عافيته تدريجيّاً فإزيلت المتاريس الرملية التي كان قد انشأت في فترة الحرب مع “جيش لبنان الجنوبي” التابع لإسرائيل وصارت الرواتب الشهريّة للمنضمين من أهل المخيّم بمثابة موسمٍ إقتصاديٍّ مزدهر تروج فيه بضائع صغار التجّار وباعة الخضار لمدة ما يقارب الأسبوع. كذلك أكتملت عمليّة إعادة بناء التحالف مع “التنظيم الشعبي الناصري” الحليف التاريخي للفلسطينيّين بعد ان كان هذا التحالف قد انقطع بخروج المنظّمة من لبنان بعد اجتياح 1982. فقد تمّ دعم هذا التنظيم مالياً وعسكريّاً علماً أنه كان أيضاً يتلقى دعماً من الإيرانيّين فاشتدّ عوده وصار قادراً على ضبط الأمن في مدينة صيدا مما أتاح للقادة وكبار الضبّاط الفلسطينيّين القادمين من الخارج, ترك المخيّم الذي سكنوه بضعة أشهر على مضض والانطلاق نحو مدينة صيدا حيث اشتروا واستأجروا شققا فخمةً فيها ووضعوا بالإتفاق مع التنظيم الناصري حراساً مسلّحين من حركة فتح امام المباني التي يقطنون في أحد شققها. كان أوّل الخارجين طبعا قائد الساحة اللبنانيّة “علاء الأفندي” ثم تبعه مدير الشؤون الإداريّة المركزيّة عصام سالم والذي يكنّى عند غيابه بإسمه المكتسب “عصام اللوح” الذي اشترى ايضاً شقةً علويّة في مبنىً ملاصق للمبنى الذي سكن فيه الأفندي ثم تتالت السبحة. والحديث هنا يدور طبعا عن شققٍ سكنيّة شخصيّة لهؤلاء الضبّاط يتحصّنون فيها بالمدنيّين اللبنانيّين ضد الغارات الجويّة الإسرائيليّة دون عائلاتهم إذ ان زوجات وأبناء جميع الضبّاط الأمراء استقروا خارج لبنان وتوزّعوا ما بين قبرص واليونان وتونس وعمّان حيث ينعمون بالرخاء والأمان والرفاهية والعيش الرغيد بينما سكان المخيّمات الذين “يناضل” هؤلاء القادة بدماء أبنائهم ينامون ويصحون على جحيم الغارات الجويّة الإسرائيليّة ورعب القصف المدفعي والصاروخي ورصاصات الرشاشات الثقيلة العشوائيّة ليست فقط تلك التي ترميها ميليشيا حركة أمل بل أيضاً تلك التي يتبادلها المقاتلون الفلسطينيّون أحياناً فيما بينهم نتيجة الصراعات المستمرة على المال والسلطة بين كبار اللصوص وأحياناً بين صغارهم. وأذكر هنا بعض هؤلاء الضبّاط الذين كانت عائلاتهم تقيم خارج لبنان على سبيل المثال لا الحصر إذ ان هناك عشراتٌ آخرون ممن لا يتّسع المجال لذكرهم :
- عبدالعزيز فضّة (قائـد الساحة اللبنانيّة عام 1985)
- داود محمد عمر نايف (علاء الأفندي قائد الساحة اللبنانيّة 1986_1991)
- عبدالمعطي حسين السبعاوي (أبو ياسر نائب قائد الساحة اللبنانيّة 1986_1991)
صلاح شديد
- مصعب العزّي (قائد القوّة البحريّة لبضعة أشهر خلال العام 1990)
- سلطان أبو العينين (قائد الساحة اللبنانيّة 1991_2010)
وجميع هؤلاء المذكورين عدا عبدالمعطي الذي قضى بأحد الإنفجارات يحملون الان رتبة لواء.
لم يتبق في المخيّم سوى صغار الضبّاط والضبّاط المحليّين أبناء مخيّم عين الحلوة مثل جمال سليمان ومنير المقدح الذين يعتبرون ان بقائهم داخل محيطهم العشائري في الأحياء التي يسكنها أقرباؤهم وأبناء بلداتهم يضمن لهم أمنهم. من الصعب ان تجد بين أهل المخيّم من يوافق على تأجيرمنزله لأحد التنظيمات ليكون مقرّا أو مكتباً خوفاً من الغارات الجويّة الإسرائيليّة ورغم ان بعض الضبّاط المحليّين قد حوّلوا منازلهم إلى مقرّات عسكريّة خاصة بهم (مع الإستفادة من مبلغ الإيجار الشهري المدفوع من الحركة) إلّا ان معظم المقرّات العسكريّة لحركة فتح توجد في المنطقة الممتدة من بلدة الميّة وميّة الواقعة شمال مخيّم الميّة وميّة نزولاً نحو “مستشفى الهمشري” الواقع بالقرب من “مدرسة الأمريكان” حيث قامت الحركة بإستصلاح العديد من المنازل المهدّمة وتحويلها إلى مقارٍّ وقواعد عسكريّة. وكلّ هذه المنطقة هي عبارة عن شارعٍ وحيدٍ يمتد نحو مائتين متر وتقع المنازل المهجورة والمهدّمة على مسافة بضعة عشرات من الأمتار على جانبيه واصبح بعد إعادة بناء مبانيه الشارع الأخطر في الجمهوريّة اللبنانيّة أو ربما في العالم كلّه إذ ان الحمم الصاروخية التي كانت ترميها طائرات الأف 16 الإسرائيليّة بشكلٍ شبه يومي متخيّرةً ما طاب لها من هذه المواقع, جعلت من عبوره في أوقات النهار عملاً انتحاريّاً وكانت جميع أوقات الدوام تقتصرّ على ساعات الليل وتنتهي قبل الفجر. كانت الزيارات الليلية لطائرات الأف 16 ايضاً دوريةً ومعتادةً ورغم ان القنابل التنويريّة الباراشوتيّة التي ترميها الطائرات كانت تحول ظلام الليل إلى ما يشبه شمس الصباح إلّا ان أغلب الغارات الجويّة كانت تقع في النهار وخصوصاً في ساعات الفجر الأولى قبل ان يكون المقاتلين قد صحوا من نومهم وغادروا مواقعهم وانتشروا في الوديان المجاورة تحسّباً لهذه الغارات.
إضافةً إلى منازل بلدة الميّة وميّة التي لا تكاد إحدى الوحدات العسكرية تنتهي من ترميمها حتى يحوّلها صاروخٌ جويٌّ إلى ركام فينتقل الترميم إلى منزل مجاور, هناك أيضاً تلة ملاصقة لمخيّم عين الحلوة في الناحية الجنوبية وتدعى “جبل الحليب” لبياض تربتها, تسيطر عليها وتتموضع فيها كتيبة “شهداء عين الحلوة” التابعة لجمال سليمان وهي أيضاً لم تسلم من الغارات الجويّة كما لم تسلم البيوت المهجورة فيها.
ترامى إلى مسامعي ان غسّان طايش زميلي وأحد أفراد دورة كراتشي الثالثة قد عاد إلى مكان إقامته مع أهله في مدينة صيدا واظنه كان قبلها في اليمن فعزمت على زيارته وبعد بضعة أيام توجهت إلى منزل ذويه في حيّ الصباغ والذي كنت قد زرته فيه ذات إجازةٍ عام 1979. شقّةٌ في الطابق الثاني من مبنى مؤلّف من أربعة طوابق في حيٍّ سكنيٍّ هاديء لكنه لم يكن هادئاً أبداً يوم زرته في المرّة الأولى إذ كان هذا الحيّ معقل “الحاج اسماعيل” قائد قوّات القسطل والحاكم العسكريّ غير المسمّى لمدينة صيدا ومنطقة الجنوب عموماً وكان منزله يقع على بعد خمسين متراً من منزل غسّان ويقابله في على الضفّة الأخرى من الشارع بستان صغيرٌ جعل الحاج منه مقرّاً للوحدة العسكريّة الأهم في القوّات اي وحدة “ّحرسه الشخصيّ” وأقام على مدخله محرساً من الإسمنت المسلّح المحاط بالأكياس الرمليّة. كان في الحيّ أيضاً مقرّ قيادة الشرطة العسكريّة لحركة فتح في الجنوب التي يقودها “أسد بغداد” (توفي عام 2015 وكان عند وفاته برتبة لواء وإسمه الحقيقيّ هو علي محمد بديوي) الذي يقع على مسافة 20 متراً من منزل غسّان وذويه وبمواجهته تماماً على الضفّة الأخرى من الشارع وكان ملاصقاً “لمقبرة الانكليز” وهي مقبرة تضم رفات بضعة مئات من أفراد الجيش البريطاني الذين سقطوا في المناطق القريبة زمن الحرب العالميّة الثاني وكثيراً ما استخدمناها ملعباً في فتوتنا بسبب مساحتها الشاسعة وأرضها المخضوضرة بالأعشاب والأشجار الذين توليهم البعثة الدبلوماسيّة البريطانيّة بالغ العنايّة وتؤجر لهذا الغرض أشخاصاً يقومون عليهم على مدار العام. كان الحيّ إذن حين زرته أواسط حزيران 1986 قد استعاد هدوءه وسكينته بعد رحيل القوّات الفلسطينيّة عام 1982. طرقت باب الشقّة ففتحه والده الذي لم يذكرني فسألته عمّا إذا كان غسّان موجوداً فبانت عليه الريبة لكنه أجاب بنعم واستمهلني على الباب ريثما يناديه. بعد ثواني حضر غسّان وبدا عليه التفاجؤ الشديد برؤيتي على باب داره بعد مرور سنواتٍ طويلة دون ان نلتقي فاستقبلني بترحابٍ شديدٍ ودعاني للدخول. في غرفة الإستقبال شربنا القهوة والشاي واسترجعنا ذكريات الكليّة والباكستان وتبادلنا الأسئلة والمعلومات عن أمكنة وجود العديد من الأصدقاء المشتركين من ضبّاط القوّة البحريّة وكذلك عن أحوالنا الشخصيّة وما جرى معنا من تطوراتٍ في السنين الأخيرة التي انقطعت بها اخبارنا عن بعضنا البعض. كان غسّان قد خرج للتوّ (قبل أقلّ من شهر) من أسوأ مأساةٍ يمكن ان يتعرض لها المرء في هذا العالم أي الإعتقال في سجون مخابرات النظام السوريّ.
ثابرنا بعد تلك الزيارة على اللقاء بشكلٍ شبه يوميّ وحدّثني عن تلك التجربة المريرة التي تعرض لها وصبغت بقيّة حياته وعن ظروف سجنه وصنوف التعذيب التي تعرض لها خلال ثلاثة أشهر من الإعتقال بدت بالنسبة له كانها أربعين عاماً وتركت داخله شرخاً نفسيّاً لا فكاك منه. في تلك الأيام لم يكن قد سبق لي ان خضتُ تجربة الإعتقال عند أيّ من أجهزة المخابرات العربيّة ولكنني كنت قد سمعتُ نتفاً من هنا وهناك وقرأت العديد من المقالات والكثير من الروايات الأدبيّة التي تتطرق إلى هذا الموضوع وبعضها يقتصر عليه. ان الروايات الشفهيّة المتلاحقة يوميّاً على لسان طايش الذي راح يحاول عبثاً إفراغ ذاكرته من تلك العذابات التي لا تزال طازجة هي أول مواجهة شخصيّة لي مع الأجهزة الأمنيّة السوريّة ذائعة الصيت.
حدّثني عن الفلقة والدولاب وبساط الريح , وعن “كرابيج زبّ العجل” المجدولة من أسلاكٍ معدنيّة مغطاةٍ بالنايلون. عن الصعق الكهربائي على المناطق الحسّاسة, والتهديد بالإغتصاب, والشَبْح والسحل والطحن. رغم فظاعة أساليب التعذيب ووحشيّة منفذّيها, قال, فإن بعضها يبدو نزهةً أو فسحةً قياساً على ظروف التوقيف داخل الزنازين التي يعجز المرء عن وصفها. كانوا يقضون النهار وقوفاً من شدّة الإزدحام وتتبلّل الأرض تحت أقدامهم من تعرّقهم في الغرفة الملتهبة وكثيرون توفوا من جرّاء الحرارة وضيق التنفس. أمّا النوم عند المساء فيتمّ “تسييفاً” اي ينام الجميع متعاكسين على جنبٍ واحد ولا يستطيعون التقلّب بتاتاً من شدّة الضغط إذ ان رجال شاويش القاووش يجلسون على الأرض متّكئين على الجدران ويبدأون بالضغط بأرجلهم على بطن وصدر الرجل الأخير في طابور النوم العجائبي هذا دافعين به وبمن ورائه للمزيد من الإلتصاق ببعضهم بعضاً حتى يخلقون أمكنةً للبقيّة من المساجين الذين لم يتبق لهم فسحةً “للتسييف“. نهاراً يبدو المكان ك“مرطبان” مخلّل ويتحول مساءً إلى علبة سردين ضخمة.
بالأمس القريب استعدت في ذهني كل تلك الفظائع حين قرأت رواية “القوقعة” التي روى مصطفى خليفة فيها تجربته في سجن تدمر, والتي أصابتني بالغثيان منذ الصفحات الاولى فرميت بها جانباً لكنني عدتُ لاحقاً وأرغمت نفسي على قراءتها لأن أبسط حقوق أولئك السجناء على الآخرين هو الإطّلاع على عذاباتهم وكذلك لسببٍ آخرٍ هو الإقتباس منها حين تعرضّت في صفحاتٍ سابقة لمسألة التعذيب في سجون الأسد.
عادةً ما نلتقي غسّان وانا في حوالي ال12 ظهراً ثم ننطلق سيراً على الأقدام نحو المسبح الشعبي الملاصق للكورنيش البحري ويقع على بعد نصف ساعة عن منزله, لنسترخي هناك على أحد المقاعد التي يوفرها أصحاب المقاهي الصغيرة المتنقلة الذي يعملون عبر “فانات” ويقدمون على الكورنيش القهوة والشاي والأراجيل. بعد الأراجيل و المشروبات غالباً ما نتوجه للسباحة لمسافاتٍ طويلة, منطلقين من منطقة المسبح الشعبي نحو الجزيرة الصيداوية الصغيرة التي يطلق عليها أهل صيدا إسم “الزيرة” وهو تحويرٌ لكلمة “جزيرة“, عابرين مرفأ صيدا ومارّين في أغلب الأوقات بالسفن الراسية في عرض البحر بانتظار دورها في تفريغ حمولتها فيها . كانت هذه الرحلة تستغرق نحو الساعتين ذهاباً وإياباً نستريح خلالهما على شاطيء الجزيرة التي تعجّ بالمتنزّهين الذي أتوها بالمراكب الصغيرة التي تعمل في نقل الركاب منها وإليها في أيام الصيف.
لم يكن غسّان قبل لقائي به قد دخل مخيم عين الحلوة أو التقى بأحد من اصدقائه ومعارفه في القوّة البحريّة أو في حركة فتح إذ انه وضع نصب عينيه هدفاً وحيداً يعمل عليه بشتى الوسائل والطرق المتاحة ألا وهو الهجرة إلى الولايات المتّحدة الأمريكية حيث سبقه إلى هناك شقيقه الأكبر أسامة. بل ان هذا الطموح كان سبباً غير مباشرٍ لإعتقاله إذ انه حدث أثناء إحدىزياراته المتكررة إلى دمشق لمراجعة السفارة الأمريكيّة فيها التي تقوم أيضاً بمهام السفارة المغلقة في بيروت_ بسبب التفجيرات والأحداث الأمنيّة _ في معالجة ومراجعة طلبات ومعاملات المواطنين اللبنانيّين. ان خشيته من ان تؤدّي علاقته التنظيميّة إلى عرقلة هجرته بشكلٍ أو بآخر كأن ترفض السفارة طلبه بسبب هذه العلاقة أو ان تعود المخابرات السوريّة إلى توقيفه مرّةً أخرى ليلتحق من جديد بالألاف من أفراد وكوادر الحركة أو “الُزمر العرفاتية” التي أفلح في الخروج منها بشبه معجزة أو بالأحرى بمعجزةٍ كاملة حدثت على يديّ والدته التي استطاعت تحريك بعض الخيوط النيابيّة اللبنانيّة المرتبطة عضوياً بتلك الأجهزة.
بعد بضعة لقاءات توصّل غسّان إلى قناعةٍ مفادها ان مسألة الهجرة قد تستغرق وقتاً طويلاً ومن الحريّ به الإلتحاق بالحركة وتسيير أموره ريثما تنجح مساعيه “أو يقضي الله أمراً كان مفعولا“. اتفقنا على موعدٍ قريبٍ لزيارة سعدالله في منزله وهو ما حدث وتمّ على أثره إعتماد غسّان طايش ضابطاً على ملاك القوّة البحريّة الفلسطينيّة في لبنان. عدا الراتب الضئيل و“مهمة” الضابط الأشدّ ضآلةً ليس لدينا, غسّان وانا أية مصادر دخلٍ إضافيّة كتلك التي يمتلكها الكثير من كوادر الحركة فبعضهم يعمل على سيّارات الأجرة أو يمتلك محلّاتٍ تجاريّة أو يتلقى ألاف الدولارات من القادة المتنفذين في الخارج على شكل “موازانات عمل“. أما على مستوى الجنود وصفّ الضبّاط فانهم جميعاً أو أغلبهم على الأقل يقومون بأعمالهم المدنيّة المعتادة ويقتطعون بضعة ساعات في الإسبوع لتأدية واجب الحراسة الدوري في المكاتب الحركيّة التي يتلقون منها رواتبهم, مما عنى عمليّاً ان الضبّاط أمثالنا كانوا يعيشون في عوزٍ شديد بينما ينعم الآخرون ببحبوحةٍ ورغد عيش. ورغم ضآلة دخلينا فقد كان علينا التواجد النهاري في المكتب المعزول والفارغ في منطقة درب السيم دون أيّ عملٍ أو وظيفةٍ سوى انتظار طائرات الأف 16 بينما يجول سعدالله وصهره بسيارة الفولفو الفخمة في متنزهات مدينة صيدا ومصايف جبل لبنان.
بعد ان أصبحنا ضابطين بدلاً من ضابط واحد تضاعفت قدرتنا على التأثير على سعدالله والضغط عليه لتحسين ظروف عملنا بعض الشيء وفرضنا عليه ان يبقي “فان الفولكس فاكن” على الأقل في الموقع الذي علينا الدوام فيه إذ لا يصحّ ان يتنزّه هو بالفولفو ويتنزّه صهرة بالفان بينما يبقى الموقع الوحيد للقوّة البحريّة دون وسيلة تنقّل واحدة. كما ألزمناه بتزويدنا بمسدسين للحماية الشخصيّة إسوةً بأغلب الضبّاط وكذلك إسوةً بصهره الذي يحمل رتبة جندي فقام بإرسالنا إلى تاجر السلاح الذي يتعامل معه وكان يعمل من منزله الواقع في “الشارع التحتاني” حيث اخترنا مسدسين حديثين غير مستعملين من نوع “ستار“. أما عن حجم الموازنة ومشاريع العمل على بناء القوّة البحريّة فقد بقيا طي الكتمان لا يعلم بهما سوى الله وسعدالله وصهره وبقينا نحن مغيبين عن كليهما رغم إلحاحنا. لمّا تبين لنا إستحالة العمل مع سعدالله على أسسٍ تحفظ كرامته وكرامتينا أصبنا باليأس وتركناه لغيّه وأهملناه بشكلٍ شبه كامل إذ ان البديل الآخر الوحيد هو التعامل معه بقوّة بالسلاح كما يحدث في غالبية الوحدات العسكريّة الأخرى وهو ما لم نرده.
صرنا لا نراه سوى عن طريق الصدفة أو عند حلول موعد صرف الرواتب والمهام الشهريّة بينما نقضي أوقاتنا بالذهاب صباحا إلى الموقع العسكريّ الفارغ من سوانا لساعتين (تنقصان أو تزيدان حسب المزاج) ثم نستقلّ سيارة الفان ونتجه نحو الكورنيش البحري أو متنزه “الكينايات” عل ضفاف نهر الأولى لتدخين الأراجيل وشرب البيرة والسباحة. مساءً نعيد الفان إلى الموقع المقفل ونعود راجلين نحو منزلينا. رغم ان كشوفات أسماء المقاتلين التي يقدّمها سعدالله بإعتبارها عديد القوّة البحريّة تفيد بوجود العشرات منهم الذين تصرف لهم الرواتب عبره وتقدّم لهم الحصص التموينيّة اليوميّة منها والشهريّة إلّا ان موقع درب السيم بقي فارغاً من الجنود وبقيت الرواتب الشهريّة تُصرف لأشباح لم يرهم أحد, أما المواد التموينيّة فتتقاسمها عائلتيّ سعدالله وصهره إضافةً إلى عائلة المساعد جمال القدح الذي يشتري سعدالله ولاءه ببضعة معلّباتٍ وحصصٍ من السكّر والشايّ والرز.
ان الطائرات الحربية والمروحيّات الإسرائيليّة في تلك الأيام لم تكد تفارق أجواء صيدا ومخيّماتها وتصاعدت وتيرة الغارات الجويّة على المواقع والمكاتب الحركيّة أو التابعة لتنظيماتٍ فلسطينيّة أخرى وأصبحت شبه يوميّة. وكانت المروحيات القنّاصة مختصّةً باستهداف المكاتب الموجودة داخل وعلى أطراف مخيم عين الحلوة بصواريخ صغيرة الحجم نسبيّاً بحيث تتسبب بأقل قدرٍ من الخسائر في المنازل السكنيّة المجاورة أمّا المواقع التي تقع خارج المخيّم في المناطق الخاليّة من السكان في منطقة الهمشري وبلدة الميّة وميّة فقد كان استهداف أيّ منها ومهما بلغ حجمه يعني ان يتم عجنه بمن فيه وما فيه فلا يتبقى منه سوى الغبار وأسقفٍ متراكمة على بعضها البعض كما لو انها أقمشةٌ مطويّة. كان مخيم عين الحلوة هو الوحيد من بين مخيمات الفلسطينيّين في لبنان الذي عاد ليقضّ مضاجع الإسرائيليّين إذ تكفّلت حركة أمل ومن خلفها النظام السوريّ في انهاك بقيّة المخيمات في بيروت وصور بينما تكفّلت التنظيمات الفلسطينيّة التابعة للنظام السوريّ بترويض مخيمات طرابلس والبقاع ومحاصرتهم إستخبارياً.
مع اشتداد حرب المخيّمات في بيروت وانتقالها إلى مخيّم الرشيديّة المحاصر في صور وان بشكلٍ أقلّ شراسةً, بدأت الإشتباكات المحدودة تتكرّر بين التنظيمات الفلسطينيّة في عين الحلوة وحركة أمل التي تسيطر على بلدة مغدوشة المسيحيّة وتتحصن فيها وهي بلدةٌ تقع على رأس تلّة ترتفع 230 متراً عن سطح البحر وتشرف تماماً على مخيّمي عين الحلوة والميّة وميّة. كان التواجد في المكاتب الحركيّة محفوفاً بمخاطر الغارات الإسرائيليّة أما التواجد في الشوارع والأزقة الضيّقة للمخيم فيعرضك إلى رصاصات الرشاشات الثقيلة العشوائية التي يطلقها بين الحين والآخر أفراد ميليشيا حركة أمل من التلّة المحصّنة. كان هناك أيضا عملاً عسكريّاً/أمنيّاً تولّت القيام به القوّة الرئيسة لحركة فتح في المخيّم, أي كتيبة شهداء عين الحلوة التابعة لجمال سليمان, منها الدوريات الإستطلاعية لسفوح تلّة مغدوشة ومنطقة زغدرايا المتاخمة لها والرد على النيران التي ترمى على المخيم بنيران الرشاشة الثقيلة التابعة للكتيبة المتمركزة في “جبل الحليب“, إضافةً إلى رصد الطريق الساحلي جنوب مدينة صيدا الذي يصل قوّات حركة أمل المتواجدة في بيروت بحواضنها الإجتماعيّة في قرى الجنوب اللبناني الشيعيّة الممتدة من بلدة الغازية جنوب مغدوشة وحتى الناقورة على الحدود اللبنانيّة الإسرائيليّة. لا يفصل هذه الطريق الساحلية عن المخيم سوى بضعة مئات من الأمتار جلّها أراضٍ مزروعةٌ بأشجار الحمضيات والموز مما جعل منها مكمناً جيّداً لعناصر كتيبة جمال سليمان والذي كان على تنسيقٍ أمنيٍّ كامل مع جهاز الأمن في حزب الله الذي يقوم بتزويده بالمعلومات عن تحركات حركة أمل.
ذات يوم أبلغ جمال بتوقيت عبور شاحنتي أسلحة قدمها النظام السوريّ لأمل لتعزيز حصارها على مخيم الرشيديّة في صور. كانت شقيقتي ام شادي تعمل على جهاز اللاسلكي الرئيس للكتيبة من داخل منزلها مما سمح لي بمتابعة انباء المجموعة الكامنة بقيادة شاب أسمه أبو لينا (اغتيل بعد سنوات) ومعه بضعة شباب آخرين من أهل المخيّم مسلّحين بالبنادق الخفيفة وقواذف البي 7 بانتظار كلمة السرّ التي سيتلقوها عند عبور الشاحنتين المذكورتين لجسر نهر الأولي وهو ما حدث بُعيد الثانية ليلاً. بعد حوالي عشر دقائق أو ربع ساعة اي المدة التي تحتاجهما الشاحنتان لإجتياز المسافة من “جسر الأوّلي” حتى منطقة “الحسبة” التي يكمن فيها رجال سليمان اندلعت فجأة وفي وقتٍ واحد أصوات الانفجارات الصاروخيّة واستمرّت لمدة عشرة دقائق إتصل بعدها أبو لينا عبر جهاز اللاسلكي ليبلغ بأنهم قد دمروا الشاحنتين تدميراً كاملاً بما فيهما من أسلحة وقضوا على سائقيها ومرافقيهما. نصرٌ صغيرٌ تلاه بعد بضعة أسابيع مقتل يحي عبدو القائد العسكريّ للكتيبة مع إثنين من مرافقيه إثر تعرّضهم لكمينٍ نصبه مقاتلو حركة أمل أثناء قيامهم بدوريّة إستطلاعيّة على سفوح بلدة مغدوشة.
ان العلاقة بين جمال سليمان وقادة حركة فتح إشكاليّة وملتبسة, فبينما تقدم له الحركة كلّ الإحتياجات اللوجستية كما سبق ان ذكرنا, سلاحاً وذخيرةً وتمويناً وطبابةً ورواتباً وموازنات عمل فانها لا تستطيع فرض قرارها السياسيّ والعسكريّ عليه بإعتباره صاحب القدرة العسكريّة الكبرى في مخيم عين الحلوة المعقل الرئيس للحركة والوحيد الباقي خارج إطار السيطرة السوريّة ان بشكلٍ مباشرٍ كمخيّمي البدّاوي ونهر البارد في الشمال ومخيم الجليل في البقاع أو عبر حلفائها في حركة امل مثل مخيمات صبرا وشاتيلا وبرج البراجنة في بيروت ومخيّمات البص والرشيديّة والبرج الشمالي في ضواحي مدينة صور المحاصرين جميعاً. فمن جهةٍ أولى فإن القوّة العسكريّة التي يوفّرها سليمان تشكّل في حسابات القيادة الفتحاوية رأس الحربة في المعارك التي تتجه الحركة إلى خوضها في جوار المخيّم بهدف تخفيف الضغط العسكريّ عن بقيّة المخيّمات المحاصرة ولاحقاً في أرغام حركة أمل على فكّ حصاراتها, ومن جهةٍ أخرى فإن ولاء سليمان لفتح غير مضمون بسبب خيوط العلاقات السريّة بينه وبين تنظيم حزب الله الناشئ ومن خلفه الحرس الثوري الإيراني وأيضاً بسبب طموحاته الشخصيّة التي تدفعه إلى رفض الإملاءات القادمة من القيادة في تونس أو من ممثليها التي نصّبتهم قادةً للساحة اللبنانيّة. كما ان سيطرة سليمان على مخيم عين الحلوة وشراسته وجرأته على القتل السياسيّ وتصفيّة خصومه أجبرت القيادة على الرضوخ لشروطه الشخصيّة بانتظار تغيّر الشروط الموضوعيّة. ليس هذا فحسب بل ان الصراعات المفتوحة أبداً على السلطة والمال بين كبار ضبّاط حركة فتح جعلتهم يتنافسون على كسب ودّه عبر المزيد من الدعم الماليّ باعتباره بيضة الميزان في تلك الخصومات وقد نجح عبد المعطي رئيس غرفة العمليّات ونائب قائد الساحة أكثر من غيره في عمليّة إستقطاب سليمان وأنشأا سويةً تحالفاً دمويّاً أدّى عبر سنوات إلى اغتيال العشرات من الكوادر الفتحاويّة واختفاء جثث بعضهم التي دفنت على الإغلب في “جبل الحليب” تحت جنح الظلام أو أُلقيت في مكبّات النفايات أو الأزقّة المهجورة للأحياء المجاورة للمخيّم ولعلّ أشهر هذه الأزقة هو شارعٌ خلفيٌّ يصل بين مساكن ضبّاط الجيش اللبناني في منطقة “الفيلات” و “طلعة” مستشفى الهمشري ويحاذي سور “مدرسة الأميركان” الشرقي.
كان هناك بعض التجمّعات الميليشياويّة الأخرى في المخيّم الموازية لكتيبة جمال سليمان أو بالأحرى “المحاذية” لها إذ رغم كونها تشتمل على نفس المكوّنات العائليّة والعشائرية والمناطقيّة للولاءات إلّا ان عديدها و بنيتها العسكريّة لا تقاربها بتاتاً. أكبر مراكز القوى هذه تتبع لمنير المقدح (من بلدة السميريّة) وأخوته كما ان هناك أمراء حربٍ صغار أخرون كخالد الشايب, ومنصور عزّام وبديع كريّم ومحمود عيسى المعروف باللينو وأخرون أقلّ حجماً.
ان العنصر الأساس الذي ضاعف سطوة جمال سليمان وأدّى إلى اتساع نفوذه هو ضيق رقعة الإنتشار الجغرافي لمئات الضبّاط والكوادر العسكريّين التي اقتصرت _عسكريّاً_ كما أسلفنا على مخيم عين الحلوة وجاره بالغ الصغر مخيّم الميّة وميّة مضافاً إليهما طريق الهمشري– الميّة وميّة الذي جاء ذكره ايضاً. من الناحية العمليّة والقدرة على التنقّل –دون السيطرة العسكريّة– فإن اقصى ما كان متاحاً هو مدينة صيدا وساحلها من مفرق سينيق حتى جسر الأولى بطول ثلاثة أو أربعة كيلومترات وهي المنطقة التي يسيطر عليها حليف م. ت. ف. مصطفى سعد وميليشياته. إلى الشرق من صيدا تقع بلدات مسيحيّة مهجّورة تسيطر عليها حركة أمل وإلى الشمال من تلك البلدات تقع خطوط الإشتباك مع قوّات جيش لبنان الجنوبي بالقرب من مدينة جزّين اما إلى الجنوب من جسر سينيق فتنتشر أيضاً حواجز حركة أمل المعادية التي تسيطر على كامل الجنوب اللبناني كذلك الأمر من الشمال مع فارق ان سيطرة حركة أمل لا تبدأ إلى عند حدود بلدة خلدة جنوب بيروت تاركةً بضعة عشرات من الكيلومترات الفارغة إلّا من القرى المسيحيّة المهجرّة والتي نسفتها الميليشيات الدرزيّة تخوفاً من ان يسكنها المهجرون من طوائف أخرى. وكذلك تاركةً الطريق إلى الجزء الدرزي من جبل لبنان سالكةً ومتاحةً للفلسطينيّين الذين يستخدموها فقط للوصول إلى المتنزهات في أعلى الجبل في موسم الثلوج في رحلاتٍ جماعيّة أو فردية إذ ان ليس فيها حاضنة إجتماعيّة لهم كحال مدينة صيدا التي يقطنها عشرات الآلاف منهم.
في واقع الأمر لسنا وحدنا المحاصرون بل إن اللبنانيين أنفسهم من جميع الطوائف هم أيضاً محاصرون داخل كانتوناتهم الطائفيّة بشكلٍ أو بآخر, بما فيهم الطرف الرئيس الذي يفرض الحصار حالياً على المخيمات الفلسطينيّة أي شيعة حركة امل. فإن مدينة صيدا التي نسيطر عليها مع حلفائنا في التنظيم الشعبي الناصري تقع وسط الطريق الساحلي الذي يربط شيعة الضاحية الجنوبيّة بخزّانهم البشري في محافظة صور وأغلب قرى محافظة الجنوب.
لم يكن العنف والقسوة اللذان يطغيان على شخصيّة جمال سليمان يثيران الرعب فقط في قلوب خصومه بل أيضاً وإنْ بدرجة أقلّ في قلوب مواليه انفسهم, وكانا أيضاً يبعثان الرهبة في نفوس المحايدين والمدنيّين العاديّين في المخيّم. خصوصاً انه من القلائل الذي لا يكتفون بإصدار الأوامر بالتصفيّات الجسدية بل كثيراً ما يقوم بتنفيذ الإعدامات بنفسه ويترك لمرؤوسيه شرف حفر القبر والقيام بعمليّة الدفن. ورغم كونه أميّاً إلا انه كسلطة أمر واقع غالباً ما سعى ,خصوصاً مع غياب المرجعيات القانونيّة الحكوميّة, إلى تطبيق القانون الإلهي حسب رؤيته الشخصيّة كما في حالة “المارد” وهو أحد مقاتليه الذي اكتسب إسمه الحركيّ من بنيته الجسدية الضخمة. فقد كا المارد هذا إسماً على مسمّى بطوله الفارع واتساع كتفيه وكبر حجم رأسه وصغر حجم دماغه على ما يبدو إذ انه قام بالإعتداء الجنسي المتكرّر على إبنة أخيه المتوفى والبالغة من العمر 10 سنوات و حين وصل النبأ إلى مسامع جمال أصدر أمراً فوريّاً بإحضاره إلى مكتبه في جبل الحليب. جلس المارد واجماً يحيط به المسلّحون الذي أحضروه والذين كانوا هم أيضاً واجمين يترقبّون برهبة ما سيأتي. جلس جمال بعض الوقت صامتاً وكان ذلك معتاداً منه فانه رجلٌ صموتٌ كتومٌ قليل الكلام لكن صمته هذه المرّة مردّه إلى ان الرجل الذي هو على وشك إعدامه لإعتدائه على شرف ابنة أخيه هو في نفس الوقت المعيل الوحيد لعائلة أخيه مما جعل من معاقبته بالقتل يضرّ بالضحيّة نفسها وبأمّها واخوتها فأسقط في يده. من النادر ان يستشير جمال رجال دينٍ رغم علاقته القويّة بالكثيرين منهم الذين يستعينون به على تدبير أمورهم الماديّة والمعيشيّة بل يقوم بدلاً من ذلك بصلاة الإستخارة وهي ركعتين ينوي المرء عند أدائهما انهما صلاة إستخارة ثم يلقي الله في روعه خيرة الأمر الذي هو فيه محتارٌ ويوجّهه نحو أفضله. توضّأ جمال ثم استغرق في صلاته بضعة دقائق التفت بعدها نحو المارد الجالس خلفه ثم استلّ مسدّسه وافرغ رصاصاته في ركتبيه وأمر المسلّحين بنقله إلى مستشفى الشهيد سعد صايل القريب حيث اضطرّ الأطباء إلى بتر كلا ساقيه بسبب التهتّك الشديد الذي حصل بركبتيه. كان محظوظاً لبقائه حيّاً إذ نادراً ما اطلق جمال النار دون ان يهدف إلى القتل.
——————————————–
نهارٌ تموزيٌّ حارٌّ شمسٌ ساطعةٌ تدفئ الروح. اشتريت منقوشة جبنة من فرنٍ وسط سوق الخضار ثم اتجهت صعوداً نحو الشارع الفوقاني حيث توقّفت بانتظار مرور سرفيس لأتوجّه نحو وسط المدينة بهدف التجوّل في أسواقها تزجيةً للوقت وأيضاً للتمتع بمرأى نساء المدينة المتجمّلات, المتزيّنات, الأنيقات, المهفهفات اللواتي يشرحن الصدر. مشاهدٌ غير متوفّرةٍ في المخيم الذي تفرض تقاليده الإجتماعيّة على أغلب إناثه حجب إنوثتهن وذلك بإرتداء الحجاب والأثواب الواسعة الطويلة التي لا تبدي تكاوير الجسد إضافةً إلى الإمتناع عن استخدام المساحيق التجميليّة. لم يطل انتظاري إذ لم أكن قد انهيت منقوشتي حين وقفت سيّارة سرفيس أمامي بعد ان أومأت لسائقها الذي يدأب على تفحصّ عيون المارّة والواقفين بانتظار أدنى إيمائةٍ وإذا ما مرّ على شخصٍ واقفٍ او سائرٍ ولم يتمكّن من النظر في عينيه فسريعاً ما يضغط على زمّور السيّارة حتى ينظر إليه الشخص المعنيّ فيسأله بإصبعه إذا ما كان “طالع” أو “نازل“. كل الناس على الطرقات واقفين وسائرين هم ركّابٌ محتملين عند سائقي السرفيسات في لبنان مما يجعل من الشوارع والأزقّة كلّها مسرحاً تؤدّى عليه يوميّاً سمفونيّةٌ عجائبيّةٌ من ضجيج المزامير منذ مطلع الفجر حتى ساعات المساء حين تفرغ الطرقات من “الركاب المحتملين“. فالتنافس على أشدّه بين السائقين ليس بسبب ندرة الركّاب بل لكثرة السائقين العموميّين غير الشرعيّين فالبلد الذي غابت فيه أجهزة الدولة غياباً شبه تامّاً منذ العام 1975 وحلّت محلّها سلطاتٌ محليّة ميليشياويّة لم يعد فيه سوق النقل الداخلي مقتصراً على السائقين العموميّين الذين يمتلكون رخص عملٍ ونمرٌ حمراء بل صارت هذه المهنة هي مهنة من ليس له مهنة ويمتلك سيارة مرسيدس عتيقة, بل وأيضاً من كان له مهنة تراه ينقل الركّاب في طريقه من وإلى عمله وقد يتابع نقل الركاب بعد الدوام لتأمين دخلٍ إضافيٍّ غالباً ما يكون ضرورياً في بلدٍ يعاني من ضائقة اقتصادية فرضتها الحروب المتتالية فيه على مدى عقود. حين تكون الطرق خالية لا تستغرق الرحلة من وسط المخيّم إلى وسط المدينة أكثر من خمسة دقائق لكنها قد تمتد إلى نصف ساعة في النهارات المزدحمة. بدا الطريق غير مزدحمٍ اليوم بسبب التوتر العسكريّ المتزايد على جبهة مغدوشة المترافق مع تصاعد وتيرة القتال على جبهات مخيمات بيروت وصور المحاصرة فالمدينة الوادعة شديدة التأثر بالأحداث العسكريّة في محيطها وغالباً ما ينالها بعضٌ من الرمايات الطائشة التي توتّر أمنها وفي بعض الأحيان تكون هذه الرمايات “الطائشة” في حقيقة الأمر مقصودة خصوصاً ان تحالف زعمائها السياسيّين من آل سعد مع م. ت. ف. ليس خافياً على أحد.
مرّت عشرة دقائق قبل ان نشرف على “ساحة النجمة” وهي المستديرة الرئيسة في المدينة. هناك رجلٌ واقفٌ داخل المستدير وبقربه على الأرض حزمةٌ ما تبيّنت بعد اقترابنا من الرجل الذي ارتسمت على محيّاه معالم الذهول انهم ثلاثة أطفالٌ قتلى مجبولين بدمائهم تتراوح أعمارهم بين السادسة والعاشرة. شعرت بالغثيان والرغبة بالتقيّؤ فأشحت وجهي واضعاً يدي اليسرى على عينيّ. وقف بعض الفضوليّين يتأملون المشهد عن بعد من الأرصفة المقابلة للمستديرة. وصلت السيارة إلى موقفها على بعد مائة متر فنزلت متثاقلاً تكاد رجلاي ان تعجزا عن حملي. جلست قليلا على الرصيف ثم أومأت لسيارة أخرى متّجهة إلى المخيّم انما عبر طريقٍ آخر غيرالذي يمرّ بساحة النجمة.
بلغني بعدها بالتواتر ان الرجل فلسطينيّ من سكان الأحياء الشعبيّة في بيروت التي تسيطر عليها حركة أمل وقد اقتحمت مجموعةٌ مسلّحةٌ منزله وقتلتهم أمامه بينما أبقت عليه حيّاً فما كان منه إلّا ان حملهم في سيّارته وجاء بهم إلى مدينة صيدا ثم قام لأمرٍ ما لا يعلمه إلّا الله بعرضهم على الملأ بهذه الطريقة. رغم ان مشهد الرجل وأطفاله القتلى هو أقسى ما شاهدت بأمّ عيني في حياتي إلّا انه مشهدٌ اعتياديٌّ في حروب الطوائف سبق ان تناقلته الصحف وبثّته أجهزة التلفزة العديد من المرّات, كما أن الحرب القذرة الدائرة حالياً ليست الأولى التي يرتكب أطرافها المجازر الوحشيّة فقد سبق ان أقدم الدروز والمسيحيّون ومخابرات النظام السوريّ وأحياناً الفلسطينيّون طوال سنوات الحرب الأهليّة والتي ما زالت دائرةً على ما يشبه هذا من فظائع أو حتى ما يفوقه.
في يومٍ واحد من أيام هذه الحرب وهو 16/أذار/1977 الذي اغتيل فيه كمال جنبلاط شنّ الدروز حملة قتلٍ عشوائيٍّ في قرى الشوف المسيحيّة مستخدمين البلطات والسواطير والبنادق وبلغت الحصيلة النهائيّة لعدد القتلى اكثر من 200 قتيلٍ مدنيٍّ مسيحيّ دون تمييزٍ بين طفلٍ وشيخٍ وامرأة ليتبيّن لاحقاً ان الجهة التي قامت بعمليّة الإغتيال هي المخابرات السوريّة وليس حزب الكتائب المسيحيّ الذي وُجّه إليه الإتهام حينها. في 14 آب 1976 سقط تل الزعتر بعد حصارٍ من قبل الميليشيات المسيحيّة تؤازرها القوّات السوريّة ودخلته القوّات المحاصِرة وارتكبت فيه ابشع المجازر وقد بلغ مجموع ضحايا الحصار مع ضحايا ما بعد السقوط اكثر من 3000 ألاف قتيل.
قبل مجزرة تل الزعتر ببضعة أشهر وبالتحديد في 20 كانون الثاني 1976 اقتحمت الميليشيات الفلسطينيّة بقيادة العقيد سعيد مراغة (أبو موسى) بلدة الدامور الساحليّة المسيحيّة التي تحصّنت فيها ميليشيا “النمور الأحرار” وبعض الوحدات الكتائبيّة وقتل في هذه العمليّة اكثر من 600 شخص أغلبهم من المدنيّين فيما فرّ من تبقّى منهم بحراً نحو مدينة جونية (رغم ان والدي كان أحد قادة هذا الهجوم إلّا انه من القلّة الذين لم تتلطّخ أيديهم بدماء المدنيّين وكانت مهمّته كضابط أمن هي منع انشغال المهاجمين بالنهب والسرقة ومصادرة المسروقات التي يحملها الخارجون من المعركة). جاءت مجزرة الدامور هذه ردّاً على مجزرة حيّي المسلخ والكرنتينا البيروتيّين الذين قتل فيهما أكثر من 1500 هم خليط من الفلسطينيّين والمسلمين اللبنانيّين ومن الجدير بالذكر ان من بين قتلى مجزرة الدامور أقرباء لإيلي حبيقة كما ان بينهم ايضاً عشيقته ومن المعروف ان حبيقة هو “بطل” مجزرة صبرا وشاتيلا التي اقترفت على مدى ثلاثة أيام منتصف أيلول 1982 وراح ضحيتها اكثر من 3000 قتيل فلسطينيّ ولبناني (حسب بعض المصادر).
——————————————————-
أواخر كانون الأوّل 1985 وبعد الإنسحاب الإسرائيلي من صيدا وصور والبقاع بعدّة أشهر وبعد ان أنهى حافظ الأسد ما بدأته إسرائيل وانتصر على ما تبقّى من القوّات العسكريّة لمنظّمة التحرير الفلسطينيّة وطردهم عبر مرفأ طرابلس بدا له ان الساحة اللبنانيّة قد خلت تماماً من منافسيه أو كادت وصار بوسعه لملمة جميع أوراق اللعبة السياسيّة والأمنيّة في لبنان بهدف مراكمة عناصر قوّته السياسيّة ومكانته التي ضعضعتها معاركه مع الأخوان المسلمين ومجازره التي ارتكبها بحقّ اهل السنّة خصوصا منها تلك التي جرت وقائعها في حماة وتدمر. كانت هذه الأوراق اللبنانيّة بالغة الضرورة له أيضاً في حال اضطر إلى المشاركة في محادثات السلام التي بدأت تلوح بالأفق حيث انه لا يمتلك ما يقايض عليه سوى الميليشيات اللبنانيّة المسلحة ومثيلاتها الفلسطينيّة الواقعة تحت نفوذه والتي تشكّل عناصر ضغطٍ أمنيٍّ على إسرائيل. ولقد أمضى الأسد العقد الأخير في مواجهاتٍ عسكريّة مع أغلب الميليشيات المسيحيّة والإسلاميّة والفلسطينيّة خلال الحرب الأهليّة مستبدلاً حلفاءه بين الفينة والأخرى حسب ما تقتضيه مصالحه وحسب التغيّرات في توازن القوى, فتارةٌ تراه في خندقٍ واحد مع م.ت.ف. يدك مناطق الميليشيات المسيحيّة بالمدفعيّة وأخرى تراه مع المسيحييّن وثالثةً مع الدروز ورابعةً مع الشيعة. ولقد كان في كلّ هذه المعارك حريصاً كلّ الحرص على عدم انتصار أيٍ من الميليشيات على الأخرى والقضاء عليها تماماً فهو بحاجةٍ إليها جميعاً على ان تكون على درجةٍ من الضعف كافيةٍ إلى حدٍ يمكنّه من السيطرة عليها.
أصبح الكلّ منهكاً من الناحية العسكريّة وراحت البنية الإقتصاديّة اللبنانيّة تتجه نحو الانحدار بشكلٍ متسارع وبدأت مساعي الأطراف الدوليّة التوفيقيّة تتّصف ببعض الجديّة خصوصا منها مساعي الولايات المتّحدة الأميركيّة وبدا ان الساحة اللبنانيّة أضحت مهيّأةً لتلفيق حلٍ سياسيٍ توافقيٍ بين الأطراف اللبنانيّة المتنازعة تكون حصّة الأسد فيه من نصيب الأسد نفسه. بعد بضعة أسابيعٍ من الترغيب والترهيب والضغوطات والإغراءات نجح الأسد في فرض تسويةٍ على الأطراف اللبنانية الرئيسة تضمّنت إلغاء الطائفيّة السياسيّة وتجريد رئيس الجمهورية المسيحي الماروني من صلاحياته التنفيذيّة التي منحها له لميثاق الوطني غير المكتوب الذي انشئت على أساسه الجمهورية اللبنانيّة برعاية فرنسا. وقد اعتمد ذلك الميثاق المعروف ب “صيغة 1943″ على إحصاء 1932 الذي تمّت ترجمته عمليّاً إلى تقاسم المقاعد النيابيّة بين المسيحيّين والمسلمين على أساس 6 /5 حيث كان المسيحيّون يومها يشكّلون الأغلبيّة الأمر الذي لم يعد صحيحا بتاتاً بعد مرور نصف قرنٍ على ذلك الإحصاء. على أساس هذه التسويّة التي سميّت “الإتفاق الثلاثي” وقضت بالقيادة الجماعيّة للدولة ومنح كافة السلطات التنفيذيّة إلى مجلس الوزراء ووقّع عليها في دمشق كلٌّ من نبيه برّي رئيس ميليشيا “حركة أمل” عن الطائفية الشيعيّة ووليد جنبلاط رئيس ميليشيا “الحزب التقدمي الإشتراكي” عن الطائفة الدرزيّة وإيلي حبيقة رئيس ميليشيا “القوّات اللبناني” عن الطائفة المسيحيّة واستثنيت منه الطائفة السنيّة منزوعة الأظافر والانياب بعد خروج الفلسطينيّن. ان البنود الأبرز انما الأقلّ شهرةً لهذه الإتفاقية هي البنود المتعلقّة بإقامة “علاقات مميزة” بين الجمهورية اللبنانية و“شقيقتها” سوريا تضمن هيمنة الأخيرة على مجلس الوزراء اللبناني وتسمح لها بالتواجد العسكريّ في أية منطقة لبنانية ترى ان ضرورة “الصراع مع العدو الصهيوني” تستوجب هذا الوجود. لم يكن “الإتفاق الثلاثي” عمليّاً أكثر من وثيقة إذعان لنظام الأسد وقعّها الفرقاء اللبنانيّون المتخاصمون وقدّموها إلى المنتصر الوحيد:النظام البوليسي السوريّ.
لضمان تنفيذ الإتفاق دُعي رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة أمين الجميّل المتردّد في الموافقة عليه, إلى زيارة دمشق للتباحث بشأنه وهو ما قام به في 13 كانون الثاني 1986 وفي نفس الوقت أوعز النظام السوريّ إلى حليفه المستجدّ إيلي حبيقة بإفتعال اشتباكاتٍ مسلّحة أمطر خلالها منطقة المتن الشمالي الواقعة تحت هيمنة الرئيس الجميّل بشتّى صنوف القذائف المدفعيّة والصاروخيّة “لمساعدة” أمين الجميّل في اتخاذ قرارٍ بالموافقة على الإتفاق. سقط في القصف عدة عشرات من القتلى والجرحى وبقي الجميّل على عناده وغادر دمشق عائداً إلى بيروت على وقع تهديدات إيلي حبيقة بتصعيد الهجوم. ان أمين الجميّل هو الطرف المسيحي الأضعف عسكريّاً وسيسهل على حبيقة القضاء عليه سياسيّاً وعسكريّاً.
لم يكد حافظ الأسد ينهي احتفالاته بتحقق نصرٍ سياسيٍّ مؤزّرٍ حتى حصل ما لم يكن بالحسبان ونغّص عليه فرحته. بعد يومين من عودة أمين الجميل إلى بيروت الشرقيّة شنّ سمير جعجع “رئيس هيئة الأركان” في القوّات اللبنانيّة هجوما عسكريّاً واسعاً على محازبي إيلي حبيقة في انتفاضةٍ دمويّةٍ على الإتفاق الثلاثي أدّت إلى سقوط أكثر من 200 قتيلٍ و300 جريحٍ في يومٍ واحد. استمرّت تلك المعركة مدة 18 وانتهت بانتصارٍ ساحقٍ لقوّات جعجع وتدخل بعدها قائد الجيش اللبناني الجنرال ميشيل عون وعمل على تأمين طريقٍ لنقل حبيقة المحاصر بمدرعةٍ عسكرية إلى مقرّ قيادة الجيش في اليرزة ومن هناك غادر حبيقة الأراضي اللبنانيّة وتوجّه للإقامة في فرنسا وضاعت فرصة حافظ الأسد الذهبيّة.
لم تقتصر هزيمة الأسد على إخراج حليفه المسيطر على المنطقة الشرقيّة من اللعبة بل ان هذه الانتفاضة كان لها الفضل الأكبر في إخراج المارد الفلسطينيّ الذي كان نجح للتوّ في إدخاله إلى قمقمه . مع تزايد النقمة المسيحيّة على النظام السوريّ والتي جمعت أبرز الأقطاب المسيحيّة في بيروت الشرقيّة وساحل المتن افتتح بيار رزق المعروف بإسم “أكرم” ورئيس جهاز الإستخبار الخارجي في القوّات اللبنانيّة (وأحد المسؤولين المباشرين عن مجزرة صبرا وشاتيلا) مَسرباً سريّاً للتفاوض مع عدو الأسد الآخر الذي يمكن ان يعيد ميزان القوى إلى توازنٍ يدحض هيمنة النظام السوريّ وحلفائه الكليّة. سريعاً ما التقطت القيادة الفلسطينيّة الإشارة وبدأت في بناء تحالف الضرورة مع الثلاثي المسيحي, القوّات اللبنانيّة وقيادة الجيش اللبناني ورئيس الجمهوريّة أمين الجميّل عملت بموجبه على لعب دور الوسيط بين المسيحيّين وصدام حسين وساهمت من خلال نفوذها عنده في مدّ هذه الأطراف بالمال والسلاح العراقيّين ولا يبخل صدّام حين يتعلّق الأمر بإمداد أعداء الأسد, فشملت مساعداته العسكريّة عشرات من الدبابات الحديثة التي يمتلكها الجيش العراقي. في المقابل أمّنت القوّات اللبنانيّة والجيش اللبناني على مدى أكثر من سنتين _إضافةً إلى مساهمتها السريّة في حرب المخيمات عبر قصف محيطها بالمدفعية كلّما دعت الضرورة_ مرور مئات من الضبّاط والكوادر الفلسطينيّة إلى مدينة صيدا.
بين هؤلاء القادمين بزيّ وعربات الجيش اللبناني كان الضبّاط البحريّون الخمسة جمال كايد وأكرم هوّاري, وجواد جادلله ومحمود زكي وعلي الخليل والأخير هو أحد خريجيّ الكليّة البحريّة البلغاريّة ولم يسبق لي ان ألتقيت به امّا الباقون فهم جميعا من أعضاء دفعتي في الأكاديمية البحريّة الباكستانيّة وكانوا جميعاً يحملون رتبة نقيب بينما أحمل انا رتبة ملازم لسببيّن الأول هو انقطاعي عن الخدمة في حركة فتح لأكثر من أربع سنوات هي فترة أدائي الخدمة العسكريّ في جيش التحرير الفلسطينيّ والثاني هو ان قيادة الحركة كانت تمنح الكوادر الذين يتطوّعون للعودة إلى لبنان رتبةً أضافيّة لحظة انطلاقهم وبما انني قد التحق بالقوّة البحريّة قادما من سوريا لا من تونس لذا فانني سقطتُ سهواً ولم أحظَ كما حظوا هم بالرتبة الإضافيّة. ربما يجدر الإشارة هنا ان النقيب علي الخيل كان حديث التخرّج ويحمل رتبة ملازم عند لقاء المجموعة مع ياسر عرفات لتلقّي التوجيهات ورفع المعنويّات وحصل إلتباسٌ ما وأمر عرفات بترفيع الجميع إلى رتبة نقيب دون التنبّه إلى هذه النقطة.
كان اللقاء مع زملاء الدراسة بعد سنواتٍ من الانقطاع حدثاً مبهجاً ومضى الإسبوع الأول في تبادل الجميع لأحاديث الذكريات وسرد كلٌّ منا للآخرين ملخصّاً لسنواته الأربع الماضية وسألت انا عن حال جميع الزملاء الآخرين الموجودين في اليمن وليبيا. من الناحيّة العمليّة أنبأنا أكرم وجمال _كلٌّ على حدا_ ان هناك قرار بعزل سعدالله عن قيادة القوّة البحريّة وتعيينهما. وليس المقصود هنا تعيينهما معا للقيادة انما المقصود ان كلّاً من الشخصيّن كان قد أُبلغ انه هو الذي سيعيّن قائداً للقوّة البحريّة مكان سعدالله وكلاهما على قناعة تامّة بان الفاكس الموعود سوف يثبت صحّة قوله. من المعتاد ان قرارات تعيين الكوادر في المناصب تأتي إلى الإدارة العسكريّة من تونس عبر الفاكس بعد تأكيد وصول الكادر المعنيّ إلى لبنان وعادة ما يتأخر بضعة أسابيع بسبب البيروقرواطيّة وأيضاً بسبب الصراعات الداخليّة بين أعضاء “لجنة لبنان” وحرص كلّ منهم على تعيّين أتباعه والمقرّبين منه.
بعد بضعة أيام من وصول الزملاء غادر جواد المخيّم ليقيم في شقّةٍ اشتراها في ضواحي مدينة صيدا وتقع على الطريق الممتد بين مخيميّ الميّة وميّة وعين الحلوة ولم نعد نلتقيه كثيراً حيث كان قد أعلن منذ اليوم الأول لوصوله انه غير قادم للعمل في القوّة البحريّة بل سينضم الى القوّات العسكريّة الرئيسة (البريّة). ان رواتب الضبّاط البحريّين (وغير البحريّين) في الساحات الخارجيّة مرتفعة ممّا مكّن كلٌ منهم من توفير بضعة آلاف من الدولارات كذلك تمّ منحهم بضعة آلاف أخرى كمكافأة قبيل قدومهم الى الساحة اللبنانيّة فبدأ جمال بعيد وصوله بقليل ببناء شقّة سكنيّة له على سطح منزل والديه خصوصاً انه متأهلٌ ولديه أبناءٌ ثلاثة. في هذه الأثناء اجتمعنا جميعا (القادمين الجدد وغسّان طايش وانا) في منزل والديّ جمال وبعد نقاشٍ قصير عزمنا على زيارة علاء الأفندي للتعارف وإبلاغه بوصول الشباب وبفحوى القرارات الشفويّة التي يحملونها من القيادة العسكريّة في تونس. ليس لعلاء مقرّ عملٍ محدّدٍ يتواجد فيه في ساعات النهار بل هو دائم التنقلّ بين المواقع والمكاتب المحصورة في المنطقة الضيّقة بين مشفى الهمشري وبلدة الميّة وميّة إتقاءً للهجمات الإسرائيليّة الجويّة. بعد جولةٍ قصير في المنطقة المذكورة نجحنا في اصطياد الأفندي في ملجأ مبنى مستشفى الهمشري غير المكتمل البناء بعد . عرّفنا عن انفسنا لمرافقيه على باب مكتبه داخل الملجأ وأبلغناهم بموضوع الزيارة وبعد هنيهةٍ خرج المرافق الذي دخل ليعلمه بمجئينا وأومأ لنا بالدخول فدخلنا. صافحنا علاء الجالس خلف طاولة مكتبٍ فخمة الطراز ثم اتخذنا مجالسنا على الأرائك الجلديّة الفاخرة في مكتبه كبير الحجم _قياساً بحجم الأفندي الصغير_ بعد ان صافحنا أيضاً الضبّاط الجالسين هناك قبلنا. بعد بضعة كلماتٍ ترحيبيّة من الأفندي وأخرى منّا شاكرين له, تحدّث جمال وأكرم على التوالي شارحين ما يحملونه من قرارات شفوّية فأبدى استعداده لتنفيذ إية تغييرات في التشكيلة البحريّة ترتأيها القيادة في تونس عند استلام نسخاً خطّية منها ووعدنا بانه سيعمل على إرسال فاكس للإدارة العسكريّة المركزيّة في تونس لإستيضاحها عن هذا الموضوع وحثّها على الإسراع في إرسال القرارات الجديدة إذا ما وجدت. أثناء الحديث المتبادل مع علاء بدا الإلتباس واضحاً في موضوع تحديد الشخص الذي ستنتقلّ قيادة القوّة بعد عزل سعدالله وأدرك علاء مباشرةً ما أدركناه سابقاً طايش وانا فقرّر ترك هذه المسألة لحين استلام القرار المعنيّ الذي سيزيل الإلتباس حتما. شربنا أكواب الشاي التي قدّمت لنا وتبادلنا التحيّات والتمنيّات بالتوفيق ثم غادرنا عائدين إلى المخيّم.
————————————————————
أواخر آب 1986 تجمّع لدى القيادة الفلسطينيّة بضعة مئات من المقاتلين منهم من دخل إلى لبنان عبر مرفأ جونية ومنهم من دخلها عبر خطٍّ بحريّ مباشر بين قبرص ومرفأ مدينة صيدا, والأخير دائماً ما حمل خطورةً كبيرة بسبب الإعتراضات التي تنفّدها زوارق البحريّة الإسرائيليّة بين الحين والآخر للسفن المتجهة إلى صيدا وتفتيشها وقد أُعتقل العشرات من الكوادر ونقلوا إلى السجون الإسرائيليّة كنتيجة لهذه الإعتراضات الفجائيّة. وبينهم أيضاً العشرات من المقاتلين الذين التحقوا بالحركة قادمين من مخيمات الفلسطينيّين في سوريا خصوصاً منها مخيّم اليرموك ولقد تسلّل أغلب هؤلاء إلى صيدا عن طريق الإلتحاق بالتنظيمات الموالية لدمشق ثم الإنتقال إلى حركة فتح فور وصولهم إلى لبنان. كذلك فإن عشراتٍ آخرين من فلسطينيّي سوريا تطوعوا في المنظّمات المواليّة (أو على الأقل غير المعادية) للنظام السوريّ وجميعها قد افتتحت مقرّاتٍ لها في مخيّم عين الحلوة. إقتصر التواجد العسكريّ لبعض تلك المنظمات مثل “الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين– القيادة العامّة” و“حركة فتح – الانتفاضة” على بضعة مقاتلين بينما امتلك بعضها الآخر حضوراً عسكريّاً جدّياً (بالمقياس المليشيوي) مثل “الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين” التي قدّر عديدها في المخيم والضواحي المهجورة في شرق صيدا خصوصاً منها بلدة كفر جرّة بحوالي 100 مقاتل وصف ضابط وضابط. وكان هناك أيضاً تواجدٌ عسكريّ إنما ليس بهذا الحجم لتنظيم “حركة فتح– المجلس الثوري” الخصم التاريخي اللدود لحركة فتح الأساسة التابعة لياسر عرفات.
إضافةً إلى العديد, فقد أصبح لدى حركة فتح بفضل مئات الألوف من الدولارات التي تضخّ شهريّا من تونس إلى لبنان عتادٌ عسكريّ يعتدّ به ويشمل راجمات الصواريخ والرشاشات الثقيلة نوع 14.5 و 500 مم ودوشكا ورشاشات 23 ومدافع الهاون المحمولة والثابتة وصواريخ الكتف والقنابل الهجوميّة والبنادق بكافة انواعها مع كمياتٍ كبيرة من الذخيرة لجميع انواع الأسلحة المتوفرة. تمّ شراء جزءٍ كبيرٍ من هذا السلاح والعتاد من سوق السلاح اللبناني بينما تمّ تأمين الجزء الآخر عبر الحليف (السرّي وقتها) وليد جنبلاط. كذلك حصلت حركة فتح على أجهزة إتصالات متطوّرة و بنت شبكة إتصالات خاصة ربطت جميع القطعات العسكريّة بعضاً ببعض. أما على الصعيد اللوجستي فقد امتلكت الحركة مخازن تموين أساسيّة وإحتياطيّة وشبكة مورّدين يعتمد عليها إضافة إلى كمياتٍ إحتياطية كبيرة من الوقود تكفي لتأمين حركة الآليات العسكريّة التي تحمل الرشاشات الثقيلة ومدافع الهاون.
مرّ أكثر من خمسة عشر شهراً على بدء حرب المخيمات وباتت هذه المخيّمات المحاصرة منهكةً تماماً أولاً بسبب الحصار الغذائي والمعيشي بشكلٍ عام وثانياً بسبب القصف المدفعي شبه المتواصل والهجمات العسكريّة المستمرة من قبل مسلّحي حركة أمل. وراح صبر القيادة الفلسطينيّة في تونس وتحديداً صبر ياسر عرفات ينفذ وتكرّرت الإلحاحات اليوميّة عبر الهواتف تستعجل القيام بعملٍ عسكريّ ما يعيد التوازن العسكريّ إلى المعادلة السياسيّة في لبنان خصوصاً وان القيادة في تونس باتت في خضم حركة إتصالاتٍ سريّة وعلنيّة مع الولايات المتّحدة الأمريكية والأطراف العربيّة والإقليميّة تهيّئ الأجواء لمحادثات سلامٍ بين العرب بشكلٍ عام والفلسطينيّين بشكلٍ خاص من جهة وإسرائيل من جهةٍ أخرى. مما جعل جهد عرفات منصبّاً على تجميع أوراق قوته التي لم يمتلك الكثير منها, خصوصا مع تهاوي مخيمات بيروت وصور, فأمسى في أمسّ الحاجة إلى نصرٍ ما يحمله في جيبه خلال اللقاءات الدبلوماسيّة المحمومة. بناء على ذلك, إتخذت القيادة المحليّة ل م.ت.ف قراراً بالهجوم على قرى شرق صيدا المسيحيّة الجبليّة التي تتمركز فيها حركة أمل منذ هُجر أهلها بعد الإنسحاب الإسرائيلي من المنطقة وكان هذا الخَيار الأسهل بين خيارين ثانيهما هو الهجوم على قرية مغدوشة المطلّة على مخيّم عين الحلوة والتي تشكّل تحديّاً حقيقيّاً بسبب وقوعها في رأس تلّةٍ ترتفع حوالي 300 متر عن سطح البحر وتتميز بوعورة سفوحها وشدّة انحدارها.
بدأت قيادات حركة فتح الرئيسة _ علاء الأفندي قائد الساحة, وعبد المعطي السبعاوي نائبه ورئيس غرفة العمليّات, وعصام اللوح الممثل الشخصيّ لعرفات ومدير الإدارة العسكرية _ بالعمل على إعداد الأجواء السياسيّة المناسبة عبر الإتصال بالحليفيّن اللبنانيّين مصطفى سعد زعيم مدينة صيدا السنّيّة ووليد جنبلاط زعيم جبل الشوف وأمير الطائفة الدرزية فيه. وتمّ إبلاغهما بالخطوط العريضة للعمل العسكريّ القادم وأهدافه كما جرى التشاور معهم وتتدارس ردود الفعل السياسيّة والعسكريّة المحتملة كما تمّ الإتفاق معهما على الموقف السياسيّ (الشاجب للهجوم المرتقب) الذي سيدليان به في العلن. كان هناك ايضاً شريكٌ رابع لهؤلاء القادة الثلاثة في الإعدادات السياسيّة والعسكريّة وايضاً في التشاور مع مصطفى سعد ووليد جنبلاط هو ممدوح نوفل عضو اللجنة المركزيّة والمكتب السياسيّ للجبهة الديموقرطية لتحرير فلسطين وقائد قوّاتها العسكريّة الذي يروي في كتابه “مغدوشة. قصة الحرب على المخيمات” عن موقف مصطفى سعد: “أكد مصطفى جاهزيته لتحمّل المسؤولية ..وأبدى استعداده لتزويدنا بكلّ ما عنده من ذخائر .. وقال:على كل حال, بغض النظر عن رأي أخي وصديقي وليد (جنبلاط), انتم يا أخوان تأخّرتم في تقديم النجدة للمخيمات المحاصرة, أهالي صيدا يتساءلون عن جدوى وجود كلّ هذا السلاح وكلّ هؤلاء المسلّحين الفلسطينيّين في صيدا وعين الحلوة في وقتٍ هلكت فيه المخيمات الأخرى وبعضها بات على وشك الانهيار والسقوط.” ويتابع نوفل في نفس الصفحة فيقول: “وذكر (مصطفى سعد) انه يريد تفجيرها مع حركة أمل ونبيه برّي مباشرةً, ولولا خوفه من تحول المعركة إلى حربٍ سنيّة_شيعيّة لقام بالعمليّة نيابةً عن الفلسطينيّين“. لم يكن موقف وليد جنبلاط اقلّ نبالةً من موقف مصطفى سعد إلّا انه كان أكثر حنكةً ودهاءً حيث يروي ممدوح نوفل الذي شارك عصام اللوح في الإجتماع السرّي مع وليد جنبلاط في قصر المختارة عنه قوله:”أدرك أبعاد العمليّة في حالتيّ الفشل والنجاح, انا معها, وانتم تأخرتم في تنفيذها, والمهم الإسراع وعدم التسرّع وان يكون النجاح مضموناً 100% لان فشل هذه العمليّة المفصليّة ممنوع .. (كونه سيؤدّي إلى انهيار جميع المخيّمات) .. إذا نجحتم سأهاجمكم في العلن بعنف, وسوف أقول هذا تمدّد فلسطينيّ خارج المخيّمات ومؤشّر خطير على العودة بالأوضاع إلى ما كانت عليه قبل عام 1982, أما إذا فشلتم وفشلت العمليّة فسأدافع عنكم بكلّ قوّتي وسوف أزجّ إمكانات الحزب (يقصد حزبه الحزب الإشتراكي التقدّمي) والطائفة في الدفاع عنكم وعن المخيّمات. وسأرفع شعار ان ما يجري ضدّ المخيّمات يدفع كل حرٍّ فلسطينيّ إلى الإنتحار وسأتحرك إتجاه “جبهة الانقاذ” للملمة الموضوع“.
أثناء المشاورات السياسيّة مع سعد وجنبلاط كانت الوحدات العسكريّة الفتحاويّة وتلك التابعة للجبهة الديموقراطية تقوم بالإستطلاع الشامل للمنطقة الهدف وتترصّد عديد وعتاد مسلحي أمل وتعمل على ترسيم خطط الهجوم المرتقب الذي حدّدت له ساعة الصفر 24:00 منتصف ليل 25 أيلول 1986. إضافة إلى هاتين القوتين أجاز العقيد علاء والعقيد أبو ياسر بعد مشاورة مع ممدوح نوفل ان يقوم الأخير بإشراك المجلس الثوري في هذه العمليّة على ان يتمّ التنسيق معه من خلال غرفة علميّات الجبهة الديموقراطية كما تمّ الإتفاق على ان تتولّى فتح كافة الجوانب اللوجستيّة والتسليحيّة. قبل موعد الهجوم بساعات ومع حلول المساء بدأت مجموعاتٌ فتحاويّة قتاليّة بالتسلل نحو أطراف بلدتيّ جنسنايا والقريّة الجنوبيّة انطلاقاً من بلدة الميّة وميّة بينما استعدّ مقاتلو الجبهة الديموقراطيّة المتمركزون في بلدة كفر جرّة, شمال المنطقة الهدف وانضمت إليهم مجموعاتٌ من المجلس الثوري مع عددٍ من الرشاشات الثقيلة المحمولة على عربات. قبل ساعة الصفر بدقائق أعطي الأمر بالهجوم فأطلق المهاجمون المرابطون على مشارف القريّة وجنسنايا نيران مدافعهم ورشاشاتهم ثم تبعتهم قوّات الجبهة الديموقراطيّة والمجلس الثوري التي بدأت بالتقدم من الجهة الشماليّة ليشكّلوا معاً فكّي كماشةٍ ويطبقا على القرى الثلاثة وما هي إلا ساعاتٍ سبعة حتى كانت القوّات الفلسطينيّة قد إستكملت تحرير البلدات الأربعة المستهدفة وهي القريّة وجنسنايا وبيصور وعين الدلب وجميع التلال المجاورة لها وتبلغ المساحات التي سيطرت عليها أكثر من ثلاثين كيلو متر مربّع, كما غنمت كميّاتٍ كبيرة من الأسلحة والذخيرة وأسرت بضعة عشر مقاتلاً. عادت بعدها قوّات حركة أمل وشنّت هجوماً معاكساً فاشلاً اكتفت بعده بالقصف المدفعي المتقطّع للمنطقة ورمايات الرشاشات الثقيلة من مواقعها في القرى الشيعيّة المجاورة. شكّل هذا النصر الصغير نقطة تحوّل رئيسة في مسار الصراع السوريّ _ الفلسطينيّ المسلّح إذ أصبحت القوّات الفلسطينيّة الان على مشارف القرى الشيعيّة التي تشكّل الحاضنة الإجتماعيّة لحركة أمل, أكبر حلفاء سوريا.
كالعادة, لم تكتف نيران حركة أمل المدفعيّة والصاروخيّة باستهداف مناطق القتال بل طالت مخيمي عين الحلوة والمية ومية ربما لإعتبارهما المؤخّرة اللوجستية للقوّات الفلسطينيّة المهاجمة وتحوّل المخيمان الذان تحاشت حركة أمل الإشتباك معهما حتى اللّحظة إلى ساحة حربٍ حقيقيّة. قبل الأن كان هناك هدنةٌ غير معلنة بين مخيم عين الحلوة وحركة أمل لإعتباراتٍ عديدة أهمّها من وجهة نظر حركة أمل انه رغم كونه على تماسٍ مباشر مع مناطق نفوذها إلّا انه عصيّ على الحصار العسكريّ كون جهاته الثلاثة الأخرى مفتوحةً على مدينة صيدا ذات الغالبيّة السنيّة والمتحالفة مع الفلسطينيّين أما من وجهة نظر م.ت.ف فقد كان من الضروريّ الانتظار ريثما يتم بناء قوّة عسكريّة قادرة بعديدها وتسليحها على المواجهة والتصدّي لحركة أمل قبل التورط في معركةٍ غير مضمونة النتائج.
غادرت الكثير من العائلات المدنيّة المخيّم تحت وابل القصف العشوائي هذا واتجهت نحو مدينة صيدا لتقيم في مدارسها المعطّلة بسبب الحرب الجاريّة أو عند أقاربٍ لها يقطنون المدينة. أما من لم يستطع الخروج أو لم ير داعٍ له (وهم كثرٌ) فقد التزموا ببيوتهم والبعض منهم تابع عمله كالمعتاد في المقاهي والبقاليّات ومطاعم السندويشات والشجاعة هي سمةٌ رئيسة من سمات أهل هذا المخيم الفقراء النبلاء والطيبيّين, الغارقين في بؤسهم المزمن والمنسيّين على قارعة التاريخ يتناتشهم زعماءٌ لصوصٌ بعضهم “وطنيٌّ” وبعضهم “أصوليٌّ” وبعضهم “يساريٌّ” وبعضهم ما بين بين. كان مصدر معظم القصف المنهمر على المخيّم هو بلدة مغدوشة التي يتحصّن فيها مقاتلو أمل وقوّات عسكريّة لبنانيّة نظاميّة تابع للّواء السادس الشيعيّ الذي انشق عن الجيش اللبناني أثناء ما عرف بانتفاضة 6 شباط وانضم إلى حركة أمل. بقينا زملائي وانا قادرين على التحرّك انما بخطورة شديدة لذا فقد تابعنا مهمّاتنا المعتادة وهي ليست كثيرة كون القوّة لم تتكوّن بعد واقتصرت على زيارات قليلة إلى مقرّ الإدارة العسكريّة في في دار آل الصالح بهدف مراجعة بعض المعاملات الإداريّة المتعلّقة غالباً بتجنيد المقاتلين الجدد في القوّة. إستمرّ القصف المتقطع على المخيم لأيامٍ طويلة وان خفّت وتيرته وأصبحت غالبية الرماية الناريّة التي تطاله تطلقها الرشاشات الثقيلة بدلاً من المدفعية الثقيلة ثم خفّت تدريجيّاً بفعل المفاوضات والتدخلات السياسيّة حتى توقّفت نهائياً.
بعد هدوء المحاور القتاليّة المستجدّة وسيطرة الفلسطينيّين على هذه المساحات الجغرافية الكبيرة نسبياً مما يذكّر بما كانت عليه الأحوال قبل 1982 استشعر الإسرائيليّون مزيداً من الأخطار وراحوا يكثّفون غاراتهم وطلعاتهم الجويّة فوق المخيم والمناطق المكتسبة حديثا. إستخدمت التنظيمات الفلسطينيّة عند كل طلعة جويّة إسرائيلية كل انواع عتادها الحربي بدءاً من الرشاشات الثقيلة المحمولة على العربات أو تلك المثبّته أرضاً داخل حفرٍ مسوّرةٍ بأكياس الرمل مروراً بصواريخ ستريلّلا المحمولة على الكتف وصولاً حتى قذائف الآر بي جي 7 التي يخيّل لرماتها ان الطائرات المغيرة أصبحت ضمن مداها (الأقلّ من 1000 متر!) أو لعلّهم أحياناً يرمونها للتسليّة كمن يرمي المفرقعات فكلّ هذه الأسلحة يعود تاريخ صناعتها إلى فترة ما بعد الحرب العالميّة الثانية وكان الهدف من صنعها هو التصدي لطائرات ذلك الزمن البدائية قياساً بطائرات الأف 16 (عدا قواذف الآر بي جي 7 التي لا تصلح حتى للتصدي للطائرات البدائية). فان طائرات أف 16 او الفايتينغ فالكون (الصقر المقاتل) امريكية الصنع والتي تأتي بمواصفات مختلفة ضمن ستة فئات تعتبر عماد سلاح الجوّ الإسرائيلي وأسباب استحالة إصابتها بهذه الأسلحة البدائيّة متعدّدة منها سرعتها, فهي تطير بسرعة تصل إلى 1303 عقدة جويّة أي 1498 ميلاً (سرعة الصوت 768 ميلاً) وتستطيع رفع سرعتها عند الضرورة حتى تصل 2000 عقدة جويّة. كذلك فإن قدرتها على إصابة أهدافها على بعد عشرات الأميال يجعلها صيداً صعباً حتى على الصواريخ الحديثة المضادة للطائرات ناهيك عن الأسلحة البدائية, أضف إلى ذلك وسائلها الدفاعية كرمي البالونات الحراريّة التي تخدع الصوارخ الحراريّة كذلك قدرتها على إلتقاط سرعة الصواريخ المعادية واتجاهها ووقت الإلتحام وقد سبق لهذه الطائرات ان أبادت أبّان حرب 1982 شبكة صواريخ سام 6 مضادة للطائرات كاملةً ومتكاملة كان النظام السوريّ قد نصبها في منطقة البقاع اللبنانيّة دون ان يتمكّن صاروخٌ واحد من هذه الصواريخ ذائعة الصيت من خدج أية من الطائرات المهاجمة. حقيقة الأمر ان التعامل الوحيد المجدي مع طائرات الفانتوم هو وإعداد برّادات المستشفيات وتهيئة سيّارات الإسعاف وانتظار انطلاق الصواريخ لمعرفة أماكن وقوعها. كان الأمر أشبه بمواجهةٍ معكوسة بين داوود الفلسطينيّ هذه المرّة وجوليات الإسرائيلي مع فارق وحيد هو ان مقلاع داوود الفلسطينيّ ليس بعيد المدى.
استيقظت على هدير الطائرات فنظرت إلى ساعتي وكانت حوالي السادسة صباحاً. هذا التوقيت يعني عادةً ان الغارة وشيكةٌ ومؤكدة, إذ يحدث أحياناً ان تحلّق الطائرات الحربية فوقنا نهاراً أو ليلاً لأغراضٍ إستطلاعية بينما تحلّق طائرات المراقبة التي تلتقط ردّات الفعل على الغارات الوهمية لتسجّل أماكن انتشار المقاتلين وحركات القادة الميدانيّين بحيث تحاول إصطيادهم في المرّة القادمة. هذا التحليق النهاري, أو الليلي المصحوب بإطلاق العشرات من القذائف التنويريّة بالمحمولة بالمظلات الحريرية (بعض سكان المخيمات كانوا يخيطون منها ملابسا لهم) عادةً ما يحتمل الوجهين, الإستطلاع أو الإغارة (وأحياناً الترهيب) أما التوقيت الصباحي المبكر فلا يحمل من معنى سوى الإغارة فالمقاتلين نيامٌ ونسبة الأهداف البشريّة المرادة في أقصى حدودها. كنت الوحيد الذي بتُّ ليلتها في مقرّ البحريّة إذ ان بقيّة الزملاء لا يبيتون فيه إلّا عند الضرورة كأن يكونوا في المنطقة ويتأخر الوقت ويصبح من المتعذر العودة إلى منازلهم. لم يسبق للمقاتلات الإسرائيليّة منذ إقامتي الأخيرة في المخيم ان استهدفت مكتباً أو موقعاً يقع وسط منازل المدنيّين إذ ان سلاح الجوّ الإسرائيليّ يستخدم لهذا الغرض مروحيّات مقاتلة من نوعيّ كوبرا وأباتشي الأمريكيّتين اللتين يتميّزان بدقّة إصابتهما وإمكانية تحميلهما بصواريخٍ صغيرة الحجم تناسب هكذا أهداف.
ليس من خطرٍ مباشرٍ عليّ لكن فضولي وعدم قدرتي على العودة إلى النوم دفعاني للخروج إلى الشارع الرئيس على بعد عدة أمتار إذ ان موقعنا يقع وسط أزقةٍ بالغة الضيق بالكاد يستطيع المرء رؤية شقٍ من السماء عند الوقوف وسطها. أغلب الأهداف المتوقعة موجودة في طريق الهمشري صعوداً إلى بلدة الميّة وميّة أو قرى شرق صيدا التي تتواجد فيها حالياً قوّات عسكريّة فلسطينيّة. مرّت بضعة دقائق من الوقوف والتحديق في السماء في محاولة لمتابعة الطائرات المغيرة, وإذ بالأرض ترتجّ تحت قدميّ بفعل انفجارٍ ضخمٍ لم يسبق ان شهدت مثله تبعه أو رافقه سحابةٌ دخانيةً سوداء تتطاير داخلها نتفٌ لا أدري كنهها أحجارةٌ أم قطعٌ بشريّة أم شظايا حديدية. لا تبعد هذه السحابة عنّي سوى ما يقرب العشرين متراً صعودا خفيفا نحو حيّ طيطبا السكني. حسب علمي, لا وجود لأية مكاتب عسكريّة في تلك المنطقة. بعد دقائق وصلت سيّارات الإسعاف وبدأ الناس يتراكضون في كلّ الإتجاهات, بعضهم باحثون عن ملاجئ لا وجود لها في المخيّم وبعضٌ آخرٌ يتجهون نحو موقع سقوط الصاروخ لمساعدة طاقم الإسعاف في نقل المصابين وبعضٌ أخيرٌ يركض بإتجاه مستشفى سعد صايل في جبل الحليب ليبحث عن أقربائه أو ابنائه أو ذويه. ضمن البعض الأخر ركضت فتاةٌ بدويّةٌ فاتنةٌ كنت أستلطفها وأدأب على زيارة المحل الذي تعمل فيه لشراء حاجيات وأغراضٍ لا أحتاجها. هامت في ثياب النوم وشعرها المسحور يتطاير خلفها بينما هي تصرخ بتفجّعٍ مأوساويّ:”أخوي .أخوي“. بلغت حصيلة الغارة بضعة عشرة ضحيّة بين قتيلٍ وجريح إضافةً إلى تهدم بعض المنازل وتضرر عشرات أخرى وسقوط الأمان الوهمي المعتمد على فرضيّة ان المقاتلات الإسرائيليّة لا تقصف المكاتب الواقعة وسط السكان المدنيّين. نجا شقيق الساحرة البدويّة من الموت.
—————————————————————
الخميس 16 تشرين الأوّل 1986. اشتريت سندويشتين من مطعم أبو الكلّ على مدخل الشارع الفوقاني إحداهما شاورما دجاج والثانية شاورما لحمة ووقفت آكلهما إلى جانب مطعمه على الشارع الضيّق والمزدحم. أنهيت السندويشة الأولى وما ان هممت بالثانية حتى اندلعت بضعة رشقاتٍ من رشاشٍ ثقيل تبعتها رشقاتٌ متتاليّة من مصادر نيران أخرى فظننت انه إشتباكٌ آخر من الإشتباكات المحدودة التي تنشب بين الفينة والأخرى بين المواقع الفلسطينيّة على التلال الجنوبيّة من جهة ومواقع حركة أمل واللواء السادس في بلدة مغدوشة من جهةٍ أخرى حيث ان ازدحام الطريق وضجّة السيّارات ومزاميرها منعني من سماع هدير الطائرات. بعد بضعة ثوان لحظت الناس على الطريق يتطلعون نحو السماء فتنبّهت إلى الأمر ورحت انظر في الإتجاهات التي ينظرون إليها حتى رأيتهما. بدتا مثل طائرين صغيرين أسودين عدا عن سرعتهما ومقدار الضجيج الذي تثيرانه. أعدت لفّ سندويشتي بانتظار ان تنتهي الغارة فلا أحد يريد ان يموت وفي فمه مضغة شاورما لم يبتلعها ورحت أتابع المشهد مع المتابعين. رغم استحالة ان يقوم الطيران السوريّ بالإنطلاق من مطارات دمشق والتوجّه إلى مخيم عين الحلوة ليتصدّى للمقاتلات الإسرائيليّة إلا ان سلاح الجوي الإسرائيلي يصرٌّ دوماً على تنفيذ هجماته هنا بإستخدام طائرتين على الأقل, تحوم إحداهما في الأجواء مترصدّةً أية أهدافٍ جويّة معاديّة بينما تنطلق الأخرى لتنفيذ غاراتها. غارة اليوم متوقّعة فقد تحدّثت صحف أمس عن مقتل مجنّد إسرائيليٍّ وجرح العشرات في هجوم بالقنابل اليدويّة وقع عند حائط المبكى في القدس بينما كان الجنود يهمّون بالصعود إلى الحافلات مع أهاليهم الذي رافقوهم لمشاهدتهم يؤدّون يمين الولاء عند الحائط المذكور. الردّ الأولي للإسرائيليّين هذه الأيام على الأحداث الأمنيّة التي تجري عندهم هو قصف المواقع الفلسطينيّة في مخيمات صيدا وضواحيها مباشرةً ريثما يتمّ التحقيق والتحقّق من هويّة المنفذين. رمت الطائرة المغيرة صاروخين على منطقة شرق صيدا والناس وانا نتابعها عن كثب بعد ان انتقلت انا إلى مدخل المخيّم حيث يتسّع الطريق قليلاً وتتباعد المنازل عن بعضها البعض ويصير بإمكان المرء مشاهدة مساحة واسعة من السماء. فجأة قفز طياريها بالمظلات مغادرينها بينما هوت الطائرة على سفوح تلال شرق صيدا بالقرب بين جنسنايا وبيصور وسمع صوت انفجارٍ ضخمٍ وعلت سحابة دخان سوداء ضخمة في مكان سقوطها. ضج المخيّم بصيحات التكبير والإبتهاج الذين ترافقا مع انطلاق العشرات بل ربما المئات من الرشاشات الثقيلة والخفيفة وقذائف البي 7 الموجهّة نحو الطيارَين المعلّقين في السماء واستمرت هذه المعزوفة لمدة عشر دقائق استُنزفت فيها آلاف الطلقات ومئات القذائف تحولت بعدها المنطقة التي سقطا فيها وهي الوادي الواقع بين قريتيّ عنقون وزغدرايا الشيعيّتين التابعتين لحركة أمل, إلى ساحة حربٍ ضخمة استخدمت فيها أسرابٌ من المقاتلات والمروحيّات واستقدمت الزوارق الحربيّة الإسرائيليّة وعملت المقاتلات على إقامة حزامٍ ناريٍّ عن طريق إمطار الطرق المؤدية إلى هذه المنطقة برشاشات ال 800 واستمر هذا الحزام إضافةً إلى الغارات الوهميّة بضعة ساعات. عند حلول الظلام أضاءت المقاتلات سماء المنطقة بالقنابل الضوئيّة واستمرت برماياتها الرشاشة على نفس الزخم حتى بعد ان نجحت قوّةٌ إسرائيلية محمولة بالمروحيّات بالقيام بعمليّة إنزال وإنقاذ أحد الطيارين, في محاولة لانقاذ الطيار الآخر دون جدوى.
في هذه الأثناء, كنت لا أزال واقفاً عند مدخل المخيّم أتابع تفاصيل هذا المشهد حين مرّ أبو فادي مهاجر بسيّارته ولما لمحني توقف وأشار إلي بالصعود وقال لي انه متجهاً إلى موقع سقوط الطائرة لمعاينتها فصعدت إلى جانبه وانطلقنا وما هي إلّا ربع ساعة حتى وصلنا إلى طرف المنحدر الذي سقطت فيه فركن مهاجر سيّارته وترجلنا منها وهبطنا السفح الوعر نحو مائة متر حيث شاهدنا بقايات الطائرة المتناثرة وأحضر مهاجر قطعة صغيرة منها (ربما لأجل الذكرى) وعدنا إلى المخيم بينما الطائرات لا تزال تزئر والرصاصات تنهمر حتى يأس الإسرائيليون وأيقنوا ان الطيّار المفقود قد صار في عداد الأسرى فغادروا المنطقة. هذا الطيار الذي لم تفلح القوّات الإسرائيليّة في إنقاذه هو رون آراد الذي أسرته قوّات حركة أمل المتموضعة في بلدة عنقون ويقودها مصطفى الديراني الذي انشق بعد فترةٍ قصيرة بدعمٍ إيراني وشكّل ما عرف بحركة “أمل المؤمنة” ولقد صرّح نبيه برّي في العام 1991 ان الديراني عاد فباع رون آراد إلى الإيرانيّين بمبلغ نصف مليون دولار وقد يفسر هذا إختفاء أيّ أثرٍ له منذ العام 1988.
في اليوم التالي تناقلت الصحف نبأ إسقاط الطائرة الإسرائيليّة الذي تبنّته كل التنظيمات الفلسطينيّة, كلٌ على حدا. زعم فالتنظيم الفلاني ان أحد مقاتليه قد أسقطها بصاروخ ستريلّا وأقسم التنظيم العلّاني بأن مقاتليه هم الذين أسقطوها مستخدمين صاروخ سام 7 المحمول على الكتف (وكلا التسميتين هما لسلاحٍ روسيٍّ واحد), وزعم ثالثٌ ان رشاشاته الثقيلة هي التي أصابت الطائرة المغيرة, ولقد ذهب أحد التنظيمات (المجلس الثوري) إلى حدّ نشر لقاءٍ مع مقاتله الذي أسقطها على صفحتين من مجلّته الإسبوعيّة. أما الحقيقة التي شاهدتها بأمّ عيني وشاهدها آخرون كثر هي ان شيئاً لم يصب تلك الطائرة مما يعني ان سقوطها ناجمٌ عن خللٍ فنيّ.
—————————————————
في هذا الوقت, وبالتحديد في 20 أيلول 1986 أي قبل سقوط الطائرة الإسرائيليّة ب 25 يوماً وصل العقيد منذر أبو غزالة قائد القوّة البحريّة وعضو المجلس الثوري لحركة فتح وعضو المجلس العسكريّ في م.ت.ف إلى مطار العاصمة اليونانيّة أثينا في رحلةٍ إستجماميّة مستخدماً جواز سفرٍ موريتانيٍّ يحمل صورته وإسم “مونتي كويدت” وغادر المطار في سيارة أجرة متجهاً إلى الضاحية الجنوبيّة من المدينة حيث أقام في شقّةٍ مخصّصةٍ لإقامة مرافقي فؤاد البيطار مدير مكتب م.ت.ف في أثينا. بعد بضعة أسابيع من وصوله تحديداً في 17 تشرين الأول قام بإستئجار سيارةٍ (نوع أوبل كاديت) من إحدىشركات تأجير السيّارات ليتجول بها بين الشواطيء والمناطق السياحيّة التي يعرفها جيداً إذ ان هذه الزيارة لم تكن زيارته الأولى إلى أثينا فقد سبق ان زارها في العديد من المرّات والزيارة الأخيرة التي أغتيل فيها كانت الرابعة خلال نفس العام.
في الساعة الثانية إلّا ربع فجر 21 تشرين الأول 1986 كان منذر يقود سيّارته بإتجاه ضاحية نيا سميرني جنوب العاصمة اليونانية أثينا, التي يقيم فيها عائداً من سهرته في فندق ليدرا ماريوت وسط المدينة دون ان يلحظ السيارة التي ترافقه عن بعد بانتظار اللّحظة المناسبة حين يصل إلى منطقةٍ خالية من المارّة لتقليل حجم الأضرار المدنيّة. وسريعا ما وصلت تلك اللّحظة فضغط أحد ركاب هذه السيّارة على زرّ جهاز التفجير عن بعد لتنفجر العبوة الناسفة المصنوعة يدويّا والمزروعة تحت مقعده لتحوّل جسده إلى أشلاء ثم ما لبثت سيّارته ان اصطدمت بسيارةٍ أخرى مركونةٍ على جانب الطريق واشتعلت فيها النيران ولقد تفحّم جسده حتى أصبحت مسألة التعرّف عليه عسيرةً جداً. عند حضور عناصر الشرطة إلى مكان الحادث كانت السيارة المرافقة قد فرّت ولم تستطع الشرطة العثور عليها أبداً. ولاحقاً كشف التحقيق ان اللوحات المعدنيّة للسيارة التي كان الضحيّة يقودها, مسروقةٌ من إحدىشركات التأجير ولم يتوصّلوا أبداً لإكتشاف الطريقة الذي اتبعها القتلة لتأمين وصول السيارة المفخّخة إلى الضحيّة وإيهامه بانها تابعة لشركة تأجير سيّارات.
أطال هذا الحدث فترة انتظار القرار الموعود الذي يحدّد إسم قائد القوّة البحريّة في لبنان حتى أمتدّت إلى ما يقارب الشهرين. فرحلة أبو غزالة إلى اليونان أجلّت اتخاذ القرار, ثم تم اغتياله حيث هو وأخذت مسألة تعيين خلفٍ له بعض الوقت وقد رسا منصبه في نهاية الأمر على ضابطٍ غير بحريٍّ هو الآخر يدعى “جمعة اللئيم“, مع بقاء نفوذ فتحي عرفات داخل القوّة على ما كان عليه زمن أبو غزالة. بين هذين الإثنين أضافةً إلى أعضاء “لجنة لبنان” في تونس والعراق يتأرجح مرسوم التعيين القادم.
————————————————————————-
منذ اللّحظة الأولى لإندلاع حرب المخيّمات كانت بلدة مغدوشة في بال فلسطينيّي مخيم عين الحلوة والمنظّمات المسلّحة المتواجدة فيه خصوصاً منها حركة فتح. فإن موقعها الإستراتيجي على رأس تلةٍ تشرف على مخيميّ عين الحلوة والميّة وميّة الفلسطينيّين إضافةً إلى إشرافها على بلدة سينيق الساحليّة التي تعتبر المعبر الرئيس إلى منطقة صور ومخيّماتها وأيضاً إلى الشريط الحدودي مع إسرائيل, التي تسعى فصائل م.ت.ف إلى استرداد وجودها السابق في لتعيد الإعتبار لنفسها بصفتها كيان سياسيٍ وعسكريّ يصعب القفز فوقه. فقط بإستعادة القدرة على اختراق هذا السياج للقيام بعمليّاتٍ عسكريّة ضد الإسرائيلين تستطيع المنظّمة تجاوز الحظر السياسيّ الذي وضعه أمامها الولايات المتّحدة وإسرائيل وعدم السماح لها بالمشاركة بالمفاوضات الدوليّة المزمعة إلّا عبر أفراد لا ينتمون إليها بشكلٍ رسميّ وعلى ان يكون هؤلاء الأفراد جزءاً من الوفد الأردني. ان الحصار السياسيّ الأمريكي هذا ومعه الحصار العسكريّ السوريّ قزّما حجم م.ت.ف في المعادلة السياسيّة للمنطقة إلى درجة كبيرة, مما فرض على عرفات توقيع عقد شراكة مع العاهل الأردني في 11 شباط 1985 وهو الإتفاق المعروف بإسم “إتفاق عمّان” ونصّ على إقامة دولة كونفدراليّة تضم الأردن والضفّة الغربيّ وقطاع غزّة وهذا الإتفاق بالتحديد هو الذي جرّد الأسد من الورقة الفلسطينيّة نهائيّاً ,وسحبها كلّيا من التداول في السوق “القومجي” ووضعها في جيب ملك الأردن. وهو الذي أوغر صدر الأسد من جديدٍ على عرفات وجعله يشنّ حرب المخيمات ضدّه بهدف الإلتفاف على محاولاته المحمومة للعودة العسكريّة إلى لبنان والقضاء على مواليه وإحلال منظّمات “الرفض“التابعة له والتي تمّ ضمها جميعاً في كيان سياسيٍ وأحد أُطلق عليه إسم “جبهة الانقاذ الوطني الفلسطينيّة” وأُعدّ للحلول محل م.ت.ف بعد القضاء على قوّتها العسكريّة في لبنان.
بعد استتباب الوضع نسبيّاً في محاور قرى شرق صيدا والقيام بأعمال التحصين الضرورية للمواقع الجديدة بدأ العمل على الجانبين الإستخباراتي والإستطلاعي بالتعاون كما في الهجوم السابق مع الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين. فبينما قام كلٌّ من ممدوح نوفل وعصام سالم “اللوح” بالجهود السياسيّة مع الحليفين الرئيسين مصطفى سعد ووليد جنبلاط الذين عبّرا عن نفس موقفيهما السابقين كان كلٌ من محمود خليفاوي وعبد المعطي السبعاوي يقومان بإعداد الخرائط العسكريّة وتحديد مناطق تمركز القوّات المعادية في البلدة وعديدها وتسليحها. كان عصب هذه العمل الأمني والمعلوماتي في هذه العمليّة صديقٌ قديمٌ لخليفاوي وعنصرٌ سابق في الحزب السوريّ القومي الإجتماعيّ ومناصرٌ للفلسطينيّين وقضيتهم يدعى أبو إبراهيم ويقيم في الطرف الشرقي لبلدة مغدوشة. بعد اتصال خليفاوي بأبو إبراهيم واطلاعه على الخطة وطلب مساعدته, أبدى استعدادة لعمل كلّ ما هو مطلوبٍ منه وذلك ضمن إمكانياته. جال أبو ابراهيم في جميع نواحي بلدته وشوارعها وتعرّف على أماكن التواجد العسكريّ لأمل واللواء السادس وحجمه ونوعية السلاح الظاهرمن خلف الدشم وقام بنقل هذه المعلومات إلى غرفة العمليّات التي كانت تفرغ المعلومات المكتسبة على الخريطة المعدّة للهجوم. قام أبو ابراهيم ايضا بزياراتٍ يوميّة إلى عين الحلوة وسار مع أفراد قوّة الإستطلاع صعوداً من بلدة درب السيم ليساعدهم في تفادي المواقع المعاديّة كما عرض إستقبال المقاتلين الذي سيشكلّون رأس الحربة في الهجوم, والذين تقرّر ان يتسلّلوا إلى داخل البلدة قبل 24 ساعة من بدء الهجوم داخل منزله والمنازل المحيطة به. كما استعان عبد المعطي بعناصر مسيحيّة وشيعيّة مواليه لحركة فتح دخلت مغدوشة آتيةً من الجنوب وبيروت والجبل وتجولت في شوارعها ورصدت مختلف المواقع العسكريّة فيها (مغدوشة.قصة الحرب على المخيمات في لبنان.ممدوح نوفل ص 56) ثم حُددت ساعة الصفر للهجوم منتصف ليل 24 تشرين الثاني 1986.
كما في معركة شرق صيدا لم يكن للبحرية التي هي قيد التشكيل ايّ دورٍ في معركة مغدوشة ايضاً. لكن كوني أبيت في الطابق الثالث من مبنى آل سليمان في عين الحلوة وهو نفس المبنى الذي يقيم جمال سليمان في الطابق الرابع منه كنت على إطلاعٍ كاملٍ على مجريات الأحداث من خلال مركز الإشارة الرئيس لكتيبة عين الحلوة في الطابق الثاني من المبنى وتعمل عليه شقيقتي. لقد اشترت الحركة في الأيام الأخيرة شبكة إتصالات لاسلكيّة مغلقة حديثة لم تستخدم في المنطقة قبل اليوم ووزّعت الأجهزة المحمولة على قادة المجموعات والكتائب والسرايا بينما تم وضع أحد الأجهزة الرئيسة في مقر جمال سليمان ومن المنتظر الليلة ان تثبت جدواها ومناعتها أمام محاولات التنصّت. العمل جارٍ على قدمٍ وساق منذ بضعة أيام وتجمّعت الآن أعداداً لا بأس بها في منطقة درب السيم وتهيأت مجموعات الإسناد والمدفعية والرشاشات الثقيلة القوّة الرئيسة في الهجوم هي كتيبة شهداء عين الحلوة انما هناك كتائب أخرى مشاركة كان يقودها أبو الليل ومحمد علي وبديع كريّم ولقد حرصت فتح على إبقاء ما يكفي من المقاتلين على محاور قرى شرق صيدا تحسباً لاندفاعة مباغتة من قوّات حركة أمل على تلك المحاور بعد انطلاق الهجوم .
رغم الصمت اللاسلكي الكامل المعلن منذ ساعتين والهدوء التام على المحاور كافة دون أية خروقات إلّا ان العمل عند سفوح مغدوشة كان دؤوباً وقوّاتنا العسكريّة التي تسلّلت منذ فجر أمس نحو أطراف بلدة مغدوشة الشرقية عبر بلدة درب السيم المهجورة قد أصبح تحاذي المساكن الشرقية للبلدة وبعض هذه القوّات قد توغل داخل البلدة وتحصّن في منازل فارغة كان أرشدهم إليها أبو ابراهيم وعلى رأس هذه القوّات كان كلٌ من عبد المعطي وجمال سليمان. هناك أيضاً كتيبتان تابعتان للجبهة الديموقراطية كانتا قد تسلّلتا عبر سهول درب السيم الغربيّة وجسر سينيق للسيطرة على الطريق العام الرئيس لمغدوشة إضافة إلى الطريق المتعامد معه والموصل إلى بلدة الغازيّة الشيعيّة وعلى رأس هذه القوّات محمود خليفاوي. ان الخطّة العسكريّة المعدّة تقتضي الإطباق على القوّات المتحصنّة في البلدة من جهاتٍ ثلاثة فعدا القوّات المتمركزة في السفوح الغربيّة والشرقية ثمة قوّة ثالثة مُعدّةٌ للانطلاق المباشر نحوها من الناحية الشماليّة وهي الجهة الأكثر انحداراً والأشد صعوبةً ولقد تمّ تحميل المجموعة الأولى من هذه القوى حبالاً تمّ شراؤها سلفاً وذلك لتقوم بمدّها بعد وصولها إلى رأس التلّة بحيث تندفع المجموعات اللاحقة مستعينةً بالحبال, وكان صهري خالد سليمان هو أحد أفراد هذه القوّة.
بات حيّ “عمقا” شبه فارغٍ فأغلب شبابه هم من مقاتلي كتيبة شهداء عين الحلوة المرابطين على تخوم البلدة الهدف, وبعضهم لن يعود أبدا. إن المعركة التي ستدور بعد قليل ليست الأولى التي تخاض ضد القوّات المعادية المتمركزة في مغدوشة بل سبقتها عدة مناوشات اقتصرت على تبادل إطلاق النار من الرشاشات الثقيلة والتراشق المدفعي لبعض الوقت ودائماً ما تمّ بعدها التوصل إلى وقف إطلاق النار بطلبٍ ووساطةٍ من مصطفى سعد والجماعات الإسلامية السنيّة في المدينة. في المرّة الأخيرة التي دارت فيها إحدىهذه المعارك أردنا جمال وأكرم وطايش وانا زيارة غرفة العمليّات المستحدثة في كهفٍ محفورٍ في جبل الحليب ورغم ان سيارة جمال أوسع من سيارتي (بي آم 320 ) التي كنت قد اشتريتها مؤخّراً بمبلغ 1000 دولار استدنت نصفه من شقيقتي ونصفه الآخر من قريبةٍ أخرى لي تقيم في صور إلّا انني عرضت ان ننتقل إلى هناك مستخدمين سيّارتي. كنت دائماً شغوفاً بقيادة السيّارات لكن المعضلة انني ذو نظر ضعيف وأستخدم نظاراتٍ طبيّة منذ كنت يافعاً. صحيحٌ انني دائماً ما أجد صعوبة في القيادة الليلية لكنني لم أنتبه إلى ان القيادة وسط الظلام الشامل المفروض على المخيّم والمناطق المواجهة لتلّة مغدوشة وعلى كافة السيّارات العسكريّة حتى لا تسهل إصابتها برصاصات الرشّاشات الثقيلة المنهمرة كالمطر. النتيجة: في الخمسة امتار الأولى بعد انعطافي من الشارع الفوقاني في عين الحلوة نحو الشارع الصاعد إلى جبل الحليب كنا سقطنا في جلٍّ عمقه مترين تقريبا. لم تسقط السيارة بكاملها بل عجلتاها الأيسران ولم أدرِ ما الذي حصل إذ كان الظلام دامساً وكنت أقود معتمداً على ذاكرتي, الضعيفة.
نزلنا جميعا وآزيز الرصاص يصخب فوق رؤوسنا وساهم صغر حجم السيارة وبُنيّة جمال وبنية طايش الضخمتين في دفع السيارة نحو الشارع من جديد وتابعنا مسيرتنا مع تغييرٍ طفيفٍ أجراه جمال وهو عزلي من قيادة السيّارة ودفعي إلى الكرسيّ الذي بجانب السائق وقاد السيارة بنفسه. سلّمنا على الموجودين في الكهف وجلسنا أرضاً على التراب كما كانوا هم جالسين وتبادلنا التحايا واستفسرنا عن الوضع فأجابنا جمال سليمان بأن ما يجري ليس سوى لعب أطفالٍ عمّا قليل يهدأ ووافقه أبو ياسر الذي بدا عليه الإرتياح ثم عدنا بعد نصف ساعة إلى مقرّ القوّة البحريّة.
رغم علمي المسبق بالهجوم الذي سيندلع الليلة إلّا انني لم أكن أعلم ساعة الصفر بالتحديد وكذلك لا تعلمها شقيقتي لذا فقد بقينا في حالة ترقّب لساعات. قبل الثانية عشر بقليل سُمعت زخات رصاصٍ بعيدة تبعتها بعض الانفجارات, بعدها بدقيقة أعلن أبو ياسر ان إحدىمجموعاتنا المتسلّلة قد اصطدمت بكمينٍ لحركة أمل وأشتبكت معه وبناءً عليه أصدر أمرا بالهجوم المباشر وعدم انتظار ساعة الصفر. بعد ثواني اندلعت عشرات المدافع المتمركزة في جبل الحليب وسفوح الميّة وميّة وقرى شرق صيدا وراحت تدكّ الخطوط الخلفيّة لأمل والجيش بينما شنّت المجموعات الكامنة داخل البلدة بالقرب من المواقع المعادية هجوماً بالأسلحة الخفيفة والقنابل وقواذف الآر بي جي. ثم انضمت راجمات الصواريخ لتستهدف بنيرانها مواقع اللواء السادس في الجيش اللبناني التي قصفت مواقع المهاجمين من خارج مغدوشة. كانت بعض المجموعات المهاجمة أسرع في التقدم من مجموعاتٍ قتالية أخرى واجهت صعوباتٍ أكبر خصوصاً منها المجموعات التي تسلّقت المنحدر الشمالي بواسطة الحبال. طلبت إحدىالمجموعات دعماً مدفعيّاً ثم صرخ قائدها بعد دقائق معلناً ان الدعم قد نزل على مواقع مجموعته وطلب إلى المرسل ان يعدّل حساباته.
بعد ساعتين إزدادت طلبات “المهدّات” من قبل قادة المجموعات إذ كانت الطريقة الانسب للتقدّم هي شقّ حفرٍ في جدران المباني والتقدّم عبرها بدلاً من إستخدام الطريق التي يقطعها رصاص القناصة. في نفس الوقت الذي دارت فيه المعركة تعرض مخيّم عين الحلوة إلى رشقاتٍ صاروخيّة وقصفٍ مدفعيٍ عنيف مصدر أغلبه راجمات صواريخ ومدفعية اللواء السادس ودباباته المنتشرة في كامل البلدات الشيعية المجاورة لمغدوشة أو الواقعة في العمق الشيعي. عند الفجر سمعنا صوت “سمسم” القائد العسكريّ لمجموعات جمال سليمان يرسل إشارةً مفادها انه قد أصبح داخل الكنيسة في ساحة البلدة ويطلب من المجموعات الأخرى التقدم لمؤازرته. عاد بعد الدقائق ليخاطب جمال بالقول:” انا الان أقرع جرس الكنيسة حتى تتيقّن المجموعات الأخرى من وجودي مع مجموعتي داخل الكنيسة ووتقدّم نحوي للمؤازرة وإستكمال التقدّم“ فنقل جمال الطلب إلى عبد المعطي رئيس غرفة العمليّات. كانت العقدة الأساسة في المعركة هي مواقع الجيش اللبناني الحصينة المقامة في ساحة تمثال السيدة العذراء الضخم على الأطراف الشماليّة للبلدة لكن القوّات المهاجمة نجحت لاحقاً في دحرهم بعد خسائرٍ كبيرةٍ وسيطرت على مواقعهم واستولت على ملّالاتهم المصفّحة وأسلحتهم والكثير من الذخائر ووقع الكثيرين من افراد الجيش وحركة أمل أسرى. نداء من سمسم عبر جهاز الإشارة إلى جمال سليمان:
– صفر واحد أجب.
– أرسل.
– هناك ستّة أسرى موجودون الآن معي.
– جيد.
– هل تريد إرسال أحد لإستلامهم.
– لا داعي لذلك. قم بإعدامهم.
– ماذا!
– أعدمهم.
– لكنهم سلّموا انفسهم وهم الآن غير مسلّحين.
– قلت لك أعدمهم!
– ولكنهم يتشاهدون! لقد سمعوك وهم يردّدون الشهادتين.
– هذه آخر مرّة أقولها لك. إذا لم تنفذ الأوامر فوراً فانا قادمٌ لإعدامك معهم. أعدمهم الآن وأبقِ على جهاز الإشارة الخاص بك مفتوحاً. أريد ان أسمع الرمي بإذني.
رشّاتٌ متتاليّة من بندقيّة آلية.
لا تسري قوانين الحرب الدوليّة على ظروف الحروب الطائفيّة القذرة التي يستهدف فيها المدنيّون قبل العسكريّين. هؤلاء بالنسبة لجمال سليمان, وقد يكون محقاً في هذا, هم قتلة الآلاف من المدنيّين الفلسطينيّين ان بالقصف العشوائي (الذي نال مخيم عين الحلوة بعضه) أو في سجونهم التي تعجّ بمئات الضحايا الأبرياء عدا عن مئات الفلسطينيّين القاطنين خارج المخيمات والذي تمّ ذبحهم بدمٍ بارد على أيدي ميليشيا امل الطائفية. ثمة أسرى أخرون من حركة أمل والجيش اللبناني وقعوا في أيدي القوّات الفلسطينيّة, ولقد تمّ نقلهم إلى سجون في المواقع الخلفيّة لكن وجود قساة القلوب مثل جمال سليمان ضروريٌ إذا ما أراد الفلسطينيّون, أو سواهم, التصدي لحروبٍ غير انسانيّةٍ تخاض ضدّهم وتعتبر بأكملها جرائم حرب. هي ليست حروباً إذن بل مجازر وإذا لم تتصدّى للمجزرة بمجزرة فإنك لا تخسر الحرب فحسب بل تفنى. قسوة جمال سليمان لا توازيها سوى شجاعته حتى انه حين تعرّض لوعكةٍ صحيّةٍ في اليوم الثاني للمعركة رفض مغادرة أرضها لزيارة الطبيب في مستشفى الهمشري مما اضطر عبد المعطي إلى استدعاء أحد الأطباء وإحضاره إلى مغدوشة مستعيناً بإحدىالملالات المغتنمة من الجيش اللبناني حيث عاينه ووصف له بعض الأدوية ووضع له أكياس المصل بينما هو يتابع قيادة المعركة.
في حدود الحادية عشر من صباح اليوم التالي بثّت أغلب محطّات التلفزة اللبنانيّة مشاهد مقاتلي القوّات الفلسطينيّة وهم يعقدون حلقات الدبكة ومعهم إمرأةٍ عجوز ترميهم بحبوب الرز والزغاريد. هذه المرأة هي جارتنا أم ديب حماة جمال سليمان التي شارك أحد أبنائها في الهجوم بينما يرزح ولدٌ آخر لها في سجون حركة أمل بعد ان إتجه منفرداً قبل أشهر إلى بيروت بغرض التسلّل إلى مخيماتها المحاصرة ليشارك في الدفاع عنها. لم تقتصر الفرحة على المقاتلين بل شملت أهالي المخيم من جميع الفئات والذين كثيراً ما عانوا ويلات الرمايات العشوائية المنطلقة من مغدوشة. سقط في اليوم الأول للهجوم عشرات القتلى من الفلسطينيّين بينهم 8 ضبّاط من قادة الكتائب والسرايا وأبرزهم محمود خليفاوي القائد العسكريّ لقوّات الجبهة الديموقراطيّة الذي أصيب صباحاً أصابةً بسيطة في قدمه جعلته لا يستعجل النزول للعلاج فبقي حتى قرابة العصر حين قرّر الذهاب إلى المستشفى وركب مع سائقه ومرافقه سيارة إسعاف خلّفها وراءهم مقاتلو حركة أمل المدحورون واتجه نزولا عبر الطريق العام في طريقه إلى المخيّم وعند المنعطف الرئيس مقابل تلّة الزنزبيل تعرضت السيارة التي يركبها والموسومة بشعار حركة أمل إلى وابلٍ من نيران البنادق فقضى فورا مع زميليه ولقد تبيّن لاحقاً ان مصدر هذه النيران هي قوّات صديقة ظنّت ان عناصر حركة أمل هم الذين كانوا يستخدمون عربة الإسعاف تلك. عدد الخسائر في الطرف المعادي أيضاً تجاوز العشرات من القتلى والجرحى.
بعد الإحتفال بالنصر وتمكّن التعب من أجساد المقاتلين المنهكة بدأ بعضهم ينسحب عشوائياً ظنّاً منهم ان الأمر قد تمّ وانتهى, وانشغل بعضهم (كالمعتاد) بجمع بالغنائم رغم ان عبد المعطى كان قد كلّف الشرطة العسكريّة بنصب حاجز على الطريق الرئيسة لمنع النهب إلّا ان بعضهم قد تمكن من تمرير بعض المسروقات وبين هؤلاء المتمكّنين “حمادة الكرّ” المقاتل القديم والمرافق السابق للحاج إسماعيل قائد قوّات القسطل قبل عام 1982 الذي قام بإستحضار بيك آب إلى البلدة وحمّل عليه آلة بيانو ثقيلة ونزل بها إلى بيته. مع حلول المساء تمكّنت حركة أمل من لملمة صفوفهما واستجلبت المئات من مقاتليها في النبطيّة وعنقون وبقيّة القرى الجنوبيّة وكذلك حشد الجيش اللبناني قوّاته في عنقون وشنّا سويّاً هجوماً معاكساً في محاولة لطرد المهاجمين واحتدمت المعركة بشدّة وتبادل الطرفان رشقات راجمات الصواريخ وقذائف المدفعيّة بغزارة غير مسبوقة حولت المنطقة وجوارها إلى كتلةٍ من اللهب دون تفريقٍ بين مواقع المقاتلين ومنازل حاضناتهم الشعبيّة.
عند بدء الهجوم المعاكس زجّت القوّات الفلسطينيّة بالقوّات الإحتياطيّة في المعركة واتجه علاء الأفندي على رأس هذه القوّات إلى مغدوشة وكان قد سبقه في ساعات النهار مجموعاتٌ قتاليّة من الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطينيّ و حركة فتح–المجلس الثوري الذين لم يكونا على إطلاع بالعمليّة لكنهم إرتأوا المشاركة كذلك شارك العديد من أبناء المخيّم بشكلٍ فرديّ فحملوا بنادقهم الرشاشة وجعبهم وانطلقوا نحو خط الجبهة. أما الشيخ هشام شريدي من ناحيته فقد ألقى في أتباعه المسلّحين خطبةً ناريةً قصيرة استلّ بعدها البلطة التي يحملها على خصره ولوّح بها في الهواء صارخاً فيهم:”اليومَ يومكم يا أمّة محمد!” ثم اتجه بهم نحو مغدوشة ولقد أبلى مقاتلوه بلاءً حسناً. قام جمال كايد من جهته بحشد بضعة عشر ممن حضر من مقاتليه وبينهم شقيقه وأبناء شقيقاته وبعض ابناء بلدته وانطلق بهم نحو خطوط القتال ثم كلّفه عبد المعطي بالتموضع في تلّة ماريّا الإستراتيجية على السفح الغربي لمغدوشة. تمكّن المقاتلون الفلسطينيّون من صدّ الهجوم المعاكس وإجبار قوّات امل والجيش على التراجع إلى الأطراف الجنوبية للبلدة دون القدرة على حسم المعركة بشكلٍ كامل. مع نهاية اليوم الثاني الذي استمرّ فيه القتال محتدماً واشتدت وتيرة القصف المدفعي والصاروخي المتبادل بلغ عدد الضحايا 90 قتيلاً وأكثر من 150 جريحاً من الطرفين كما تصاعدت حدّة القتال على محاور مخيمات بيروت المحاصرة.
مساء اليوم الثالث من المعركة 26/ت2/1986 استمعت لنشرة الأخبار على شاشة التلفزيون على وقع تساقط الصواريخ. لقاءٌ سريع مع وليد جنبلاط:”انا أخشى التمدّد الفلسطينيّ هنا في الجبل. نرجوا من اخواننا الفلسطينيّين ان لا يحرجونا. نحن حتى الان ما زلنا نعارض التمدّد الفلسطينيّ العرفاتي سياسيّاً وقد نفكّر بالانضمام إلى حركة أمل لنشارك في صدّ هذا التمدّد عسكريّاً“. مع دخول القتال يومه الرابع اجتمع في دمشق تحت رعاية الأجهزة الأمنيّة السوريّة كلٌ من وليد جنبلاط, نبيه برّي وعاصم قانصوه أمين عام حزب البعث فرع لبنان بمشاركة قادة فصائل “جبهة الانقاذ الفلسطينيّة” الموالية لسوريا وتوصّلوا إلى إتفاقٍ على وقف إطلاق النار تجري بموجبه انسحاباتٌ تدريجيّة من بلدة مغدوشة تترافق مع فكّ تدريجي للحصار الذي تفرضه حركة أمل على بقيّة المخيّمات الفلسطينيّة في بيروت وصور وفي نفس الوقت دخل سلاح الجوّ الإسرائيلي على خطّ المعركة وقام بقصف مواقع الفلسطينيّين في المنطقة. في لقاء دمشق كلّف السوريّون وليد جنبلاط بالحفاظ على سلامة الخط الساحلي وأمنه وهو خط إلتواصل الوحيد بين شيعة الجنوب من جهة وشيعة البقاع وبيروت من الجهة الثانية وهو أيضاً خطّ الإمداد الوحيد لأمل ان بالعتاد أو بالعديد. كان اليوم التالي لإعلان هذا الإتفاق في دمشق أشدّ احتداماً وتوسّعت مناطق القصف حتى شملت أحياء بئر العبد وطريق المطار في الضاحية الجنوبيّة الشيعيّة كذلك اشتد القصف على عين الحلوة. أصابت إحدىقذائف المدفعية حائط المنزل المجاور للغرفة التي انا فيها في الطابق الثالث وكنت لحظتها على الدرج المكشوف متجهاً للنوم فيها فوقعت القذيفة على بعد امتارٍ منّي وتساقطت القطع الإسمنتيّة عليّ ولكنني لم اصب بآذى.
استمرّت الإجتماعات في دمشق وتوالدت وتكاثرت مع تصاعد وتيرة الإشتباكات التي عمّت كلّ المحاور حتى أضطر وليد جنبلاط إلى مناشدة الأطراف المتحاربة بالسماح لفريق الصليب الأحمر بالدخول إلى مناطق التماس لإنتشال الجثث دون جدوى. ومع تزايد الضغوط العسكريّة على حركة أمل بدأت تبدي نوعاً من المرونة في سياستها وأفرجت في صور عن 200 من السجناء الفلسطينيّين لديها. لم يكن ذلك كافياً بالطبع بالنسبة للفريق الفلسطينيّ الذي رفض الانسحاب دون فكّ الحصار كليّاً رغم تصاعد الضغوطات ودخول الإيرانيّين ومعهم قادة حزب الله على خطّ المفاوضات عارضين ان يحلّ الحزب محلّ قوّات امل في مغدوشة. مع دخول المعركة يومها الثالث عشر أعلن وكالة أسوشييتد برس في 7/ك1 1986 ان الحصيلة النهائية لعدد ضحايا هذه الجولة من المعارك بلغت 461 قتيلاً و936 جريحاً من الطرفين.
من الواضح ان هامش المناورة لدى الجبهة الديموقراطية التي تقيم معظم قياداتها وتتموضع مقرّاتها الرئيسة في دمشق, مع السوريّين أضيق بكثير من هامش ياسر عرفات لذا فإن هذه القيادة سرعان ما رضخت للتهديدات السوريّة وأرسلت إلى ممدوح نوفل أوامرها بالانسحاب من مغدوشة فوراً ورغم محاولته في تأجيل هذه الانسحاب بسبب قناعاته الشخصيّة بضرورة إستثمار هذا النصر بدرجة أكبر وأيضاً بسبب الوعود الذي أعطاها لقادة فتح بعدم الانسحاب إلّا بعد توقيع إتفاقٍ نهائيٍّ لمسألة حرب المخيمات. إلّا انه إضطر مكرهاً إلى إصدار أوامره لقوّات الجبهة بالانسحاب الكامل في 10/ك1/1985 وتسليم المواقع التي تخليها إلى عناصر من حزب الله كما جرى الإتفاق عليه في دمشق مقابل تخفيف الحصار عن مخيّم الرشيديّة والسماح بإدخال 5 سيّارات إسعاف وعدّة شاحناتٍ محمّلة بالمواد التموينيّة في نفس اليوم. بعد انسحاب الجبهة الديموقراطية ازدادت الضغوطات السياسيّة والإجتماعيّة على قادة حركة فتح المحليّين بهدف دفعهم للإنسحاب, ومصدر هذه الضغوطات هي إيران وحزب الله والجماعات الإسلاميّة السنيّة التي تموّلها إيران, وكذلك من الحليف الرئيس مصطفى سعد الذي تعرض موكبه في 18/ك2/1987 إلى كمينٍ أثناء مروره بين منطقتي الأوزاعي وخلدة الشيعيّتين التابعتين لحركة أمل قُتل فيه 3 من مرافقيه بينما نجا هو منه بإعجوبة. كانت الرسالة لسعد واضحة وفحواها “حياته مقابل إقناع حلفائه العرفاتيّين بالانسحاب”.
حاول القادة المحليّيون نقل طبيعة الظروف على الأرض إلى عرفات عبر الهاتف أكثر من مرّة لكنّه بقي مصرّاً على قراره بعدم الانسحاب مما دفع هولاء القادة إلى محاولة تمييع المفاوضات عبر طروحاتٍ تهدف إلى تأجيل الحلّ ومن هذه الطروحات ان يحلّ مكان القوّات الفلسطينيّة قوّات من الحزب الشيوعيّ اللبناني والحزب القومي السوريّ الإجتماعيّ بالإضافة إلى التنظيم الشعبي الناصري وهو ما كان مرفوضاً من قبل حركة أمل بطبيعة الحال لعداوتها مع الأولَين وعدم ثقتها بالثالث. كان مردّ القرار الذي أصدره عرفات بالصمود رغم الضغوطات هو الوصول إلى موعد انعقاد القمّة الإسلاميّة العتزمة في الكويت في 26/ك2/1987 بهدف إثارة موضوع حرب المخيّمات في هذا المحفل والتداول فيه وفي جيبه ورقةٌ قوّية وهو ما كان بعدها أعلنت حركة فتح في 30/ك2/1987 انسحابها من مغدوشة وتسليم مواقعها للتنظيم الشعبي الناصري مؤقتاً وأبقت على قواعدها في مطعم ماريا وزغدرايا ودرب السيم. وفي نهار الجمعة 13/شباط/1987 اكتمل إستلام حركة أمل لمواقعها التي غادرها التنظيم الشعبي الناصري وفي اليوم التالي لهذا الإستلام أعلنت أمل فكّ الحصار نهائيّاً عن مخيّم الرشيديّة ووقف إطلاق النار في مخيمات بيروت وقد صمد هذا الوقف لمدةٍ طويلة. في هذه الأثناء كان الإقتصاد اللبناني يتابع انهياره السريع حتى بلغت سعر الدولار الامريكي 90 ليرة بعد ان كان سعره عام 1982 ثلاثة ليرات كذلك في نفس الفترة أعلنت م.ت.ف ان حصيلة ضحايا حرب المخيّمات من الفلسطينيّين قد بلغت حتى الان 1924 قتيلاً و 4549 جريحا.
————————————————————–
الفصل الثامن
النقيب بتاع كلّو
بعد اجتماعنا بالأفندي قبيل اندلاع المعارك مع حركة أمل في صيدا ومخيّماتها بادر جمال كايد إلى تأسيس مقرّ اوّلي للقوّة البحريّة داخل المخيّم وبسبب صعوبة إستئجار منزلٍ في المخيّم خصوصاً حين يتعلق الأمر بإستخدامه كمكتب لأحد التنظيمات وجد ان الحلّ الأمثل هو استئجار منزل شقيقه الأكبر عادل كايد المحاذي لمنزل والديه خصوصا ان عادل كان قد صرّح بانه يريد الانتقال إلى مخيّم نهر البارد في الشمال حيث تقيم شقيقاته مع عائلتيهما. منزل عادل مؤلّفٌ من غرفتين ومنافعهما ويقع وسط حيّ الصفصاف (والحيّ مسمّى بإسم بلدة آل كايد في فلسطين) ويبعد حوالي 15 متراً عن “الشارع الفوقاني” وصرنا نجتمع فيه بشكلٍ يوميٍّ وبعضنا كان ينام فيه خصوصاً من لم يكن له مكان آخر للنوم وأوّلهم انا إذ كان المنزل الجديد يحتوي على مرحاضِ وأبوابٍ وشبابيك عكس منزلي المشيّد في بستان اليهودي. بعد بضعة أيّام انضم إلينا الملازم عمر تركياأحد أعضاء دورة الباكستان الثالثة عقب اتصال أكرم به وإبلاغه عن وصوله والتطورات والأوامر الإداريّة المرتقبة.
عاد عمر إلى بيروت منفرداً في السنة الفائتة عبر مطارها ولكنه لم يلتحق بالقوّات العسكريّة بسبب حرب المخيّمات الدائرة وآثر البقاء في منزله المستأجر في حي “الطريق الجديدة“ السنّي خارج المخيمات وبعيداً عن ويلات حربها مما جعله في نفس الوقت عرضةً للإعتقال على يد عناصر حركة أمل أو المخابرات السوريّة المسيطرين على بيروت الغربيّة. ولقد شجّعته عودة أكرم صديقه القديم على زيارة مخيم عين الحلوة عدّة مرّات والعمل على إعادة قيوده إلى الحركة كضابطٍ عامل برتبة ملازم. امّا علي الخليل فقد استأجر منزلاً وسط مدينة صيدا (الإيجار في المدن اللبنانيّة يشبه نوعاً من الشراء إذ ينبغي دفع بضعة آلاف من الدولارات عند توقيع عقد الإيجار تحت اسم “خلوّ رجل” يقبضها المستأجر السابق). بالقرب من مشفى دلّاعة وأقام فيه مع أهله الذين حضروا من مدينة صور التي تسيطر عليها حركة أمل وتحاصر مخيّماتها. كما استأجر محمود زكي منزلاً في بلدة وادي الزينة الساحليّة وهي تجمّع سكني فلسطينيّ مستحدث يقع على سفح جبل الشوف شمال مدينة صيدا ويبعد عنها حوالي 10 كيلومتر.
بالنسبة لأكرم فانه أقام مع ذويه في شقّةٍ تقع على الأتوستراد الدولي بالقرب من بلدة خلدة شمال بيروت وصار يأتي إلى المكتب بضعة مرّاتٍ في الإسبوع. بعد عدّة زيارات طلب منّي أكرم ان أريه منزلي غير المكتمل الذي كنت قد ذكرته في معرض أحاديثنا في المكتب فأخذته إليه. بعد مشاهدة المنزل طرح عليّ فكرة مشروعٍ مشترك بيني وبينه يتلخّص في ان أقدم انا الأرض التي انشأت عليها المنزل فيما يقوم هو بإزالته وإستخدام أرضه إضافةً إلى الأرض الواسعة المضافة إليه والمسوّرة جزئياً لبناء مبنىً من طابقين آخذ انا أحدهما ويأخذ هو الآخر فراقت لي الفكرة ووافقت. بعد بضعة أيام استقدم أحد اشقائه العاملين في مجال البناء وبدانا العمل سويّاً حيث يقوم أخوه وأحد عمّاله المحترفين بالعمل الرئيس من مد وتركب القوالب الخشبيّة والقضبان الحديديّة في الأرضيات والأسقف وعضاداتها بينما نقوم أكرم وانا بالعمل الخدمي كنقل البحص والرمل وحجارة البناء وتجهيز الخلطة الإسمنتيّة اللازمة حسب توجيهات شقيقه.
كان عملاً شاقّاً ومرهقاً وامتدّ أشهراً طويلة إذ تبين ان ما يريد أكرم ان ينشأه هو مبنىً سكني ضخم مؤلفٌ من طوابق ثلاثة يضمّ كلٌ منها شقّتين إضافة إلى محلين تجاريّين واسعين في الطابق الأرضي وليس كما افترضت سابقاً بأنه يسعى لإقامة مسكنٍ له. شعرت بالندم ليس طمعاً بأكثر من شقّة انما بسبب هذه الأشهر الطويلة التي عليّ انتظارها بينما كان منزلي في الأصل لا يحتاج لسوى إسبوعين من العمل لانهائه والإقامة فيه. لا ينفع الندم في شيء ولا يعيد ما مضى ولم يعد أمامي إلّا المثابرة على هذا العمل اليوميّ المرهق في المشروع الذي لم تبدُ له نهاية وان أُشكل علينا في لحظة من أحد نهارات العمل إذ خيّل إلينا أكرم وانا ان نهاية المشروع قد اقتربت واقتربت معها نهاية كليّنا.
بينما نقوم بتحضير كميّاتٍ من الرمل والبحص في أكوامِ قريبة من موقع “الجبّالة“ الميكانيكية تمهيدا لصبّ السقف الثاني في اليوم التالي دوّى انفجارٌ ضخمٌ واهتزّت الأرض بنا فنظرنا غريزيّاً إلى الجهّة التي جاء منها الصوت فإذ بحوّامتين تقفان غرباً على علوٍ منخفض فوق شاطئ المدينة امامنا مباشرةً فأدركنا ما حصل وركضنا بسرعة عبر الأرض الفارغة إلّا من كومةٍ رمليّة كانت وكالة الأنروا قد جهّزتها تمهيداً لبدء العمل على إنشاء المدرستين المزمعتين قبل ان يستولي الناس على بقيّة الأراضي في بستان اليهودي. بالنسبة لنا كانت هذه الكومة الرمليّة في المكان والزمان المناسبين فارتمينا خلفها بوضعيّة الانبطاح متّجهين بانظارنا نحو الجهة الغربيّة حيث تقف الحوّامتان الإسرائيليتان نترقب الصاروخ الثاني على مشروعنا ولم يلبث ان جاء هذا الصاروخ وأصاب مبنى من طابقين تابعٍ لجبهة النضال الشعبي الفلسطينيّ ويقع بعد مبنانا مباشرةً على بعد ثلاثين متراً منه. تنبهنا حينها ان مبنانا لم يصب وقمنا من وضعية الانبطاح متجهين إلى الشارع الفوقاني البعيد أيضاً حوالي الثلاثين متراً حيث احتشد بضعة عشر فرداً من أهالي المخيم يراقبون الحوّامات وصواريخها ويضحكون هزءاً بهربنا وانبطاحنا وكانت لديهم أسبابهم إذ ان الطائرات والمروحيّات الإسرائيليّة قد اعتادت حتّى هذه اللّحظة على عدم استهداف المباني المدنيّة والسكنيّة وتحاشي الإصابات بين المدنيّين قدر الإمكان. انما كذلك كان لدينا أكرم وانا أسبابنا فلإسرائيل العشرات من الجواسيس في المخيم ومحيطه والمبنى الذي نعمل على انشائه قد يكون قدّم من أحد العملاء بصفته موقعاً محتملاً للقوّة البحريّة ثم ان شدّة الانفجار وقربنا من مصدره لم يدعا لنا أيّ شكٍّ بان الصاروخ قد سقط على بعد مترين أو ثلاثة منّا وبالتحديد في الجهة الغربيّة من المبنى.
مرّ أكثر من شهرين حتى اكتمل السقف الأول ورفعت بعض الجدران الإسمنتية فيه مما أتاح لي من جديد فرصة النوم في مكان خاصٍ بي بعد ان استرجعت فرشتي الإسفنجية من منزل شقيقتي ووضعتها على الأرض الإسمنتيّة وسط أكوام البحص والرمل وحجارة البناء وغبار الإسمنت. فما حاجتك للأبواب والشبابيك بوجود إحتمالٍ كبيرٍ بان يكنسك صاروخٌ جويٌّ انت وإياها قبل ان تصحو من النوم.
تزامن إفتتاح المكتب في منزل عادل كايد مع سعيٍ حثيثٍ من قبل جمال لتطويع المقاتلين في عداد القوّة البحريّة ومن الطبيعي ان أغلب هؤلاء المتطوّعين هم من أقربائه وانسبائه وأبناء حيّه إذ انه الوحيد بيننا الذي تقيم أسرته وأقربائه في عين الحلوة ووصل عديد المتطوّعين في الشهر الأول إلا ما يقرب الثلاثين مقاتلاً جميعهم طبعا غير مدرّبين على استخدام السلاح (أغلب مقاتلي التنظيمات الفلسطينيّة لا يتلقون أية تدريبات في هذا الخصوص وينتظرون المعركة الأولى لتأهيل انفسهم والتدرب على إطلاق النار) ولقد تمّت هذه التطويعات كلّها برسائل إداريّة موجّهة إلى الإدارة العسكريّة المستحدثة في المخيم وموقّعة بإسمه ورتبته وبصفته قائد القوّة البحريّة ممّا يؤكد انه كان على يقينٍ تامٍ من كونه القائد القادم ويوضّح ببساطة ان القيادة العسكريّة قد غرّرت به وكذبت عليه. إذ كانت المفاجأة بعد بضعة أسابيع ان الفاكس المنتظر من تونس قد وصل وفيه أمرٌ إداريٌ بتعيين النقيب/بحري أكرم هوّاري قائداً للقوّة البحريّة في لبنان. وقع الأمر موقع الصاعقة على جمال ولكنه احتفظ بهدوئه وكظم غيظه قدر الإمكان وبدأنا جميعاً نعدّ العدّة لبناء قوّة بحرية حقيقيّة لا تشبه تلك التي بناها سعدالله. ورحنا نعقد الإجتماعات المتواصلة للتدارس في آلية العمل ورسم الخطوط العريضة للنهوض بهذه القوّة واتفقنا منذ الإجتماع الأوّل ان يعضّ جمال على جرحه وان ننكبّ جميعاً على العمل دون مكائدٍ أو تزاحمٍ أو تجاوزٍ لأحد وعلى ان ننهج نهج القيادة الجماعيّة الحقيقيّة التي لا تغمط أحداً حقه ولا تنكر لأحد جهده أو تقصيه أو تتجاوزه. وقد خصّصنا أحد الإجتماعات لتداول مسألة التعيينات والمهمّة الموكلة إلى كلّ ضابطٍ منّا وأسفر الإجتماع عن التعيينات التالية:
– أكرم هوّاري قائد القوّة. (دون مداولة الموضوع)
– جمال كايد قائد منطقة صيدا التابعة للقوّة.
– علي الخليل قائد منطقة صور التابعة للقوّة.
– محمود زكي ضابطاً للإدارة والماليّة.
– غسّان أبو العلا ضابطاً للأمن.
– (المهندس البحري) غسّان طايش ضابطاً للقطاع الإلكتروني والميكانيكي
(لم يتم إدراج إسم عمر تركيه كونه قد صرّح بأن وضعه الإجتماعيّ والأمني لا يسمح له بالقيام بأي عمل حالياً وهو لم يحضر الإجتماع على كلّ حال).
في الأيام الأولى لقدوم الزملاء إلى المخيم, قمت بناءً على طلبهم بزيارةٍ لسعدالله وأبلغته بأمر قدومهم وبفحوى القرار المنتظر فرحب بالأمر وان بدا عليه الإمتعاض بطبيعة الحال, ثم أتى بعد يومين إلى منزل آل كايد للزيارة والتقى بنا جميعا ورحب بالقادمين الجدد وأثنى على قرارهم بالمجيء إلى الساحة. ثم تطرّق إلى موضوع القرار المنتظر وصرّح بانه سينفذ أي قرارٍ ترتأي فيه القيادة المصلحة العامّة للقوّة وبدا عليه انه ما زال يأمل ان تفلح جهوده واتصالاته الهاتفيّة مع مراكز القوى في تونس واليمن في التعديل في طبيعة ذلك القرار أو تلغيه. امّا وقد أتى القرار فمن الطبيعي ان تكون عمليّة التسلّم والتسليم هي الخطوة الأولى لذا فقد قمنا مجتمعين بزيارة سعدالله الذي كان أيضاً قد تلقّى نسخةً من القرار لمناقشة هذه الخطوة فرفض البحث فيها وأبلغنا ان ليس لديه ما يسلّمه وانه قد قام بالانتقال إلى وحدة “المنطقة الوسطى” التي يرأسها المقدم كمال مدحت مع جميع عتاد القوّة وسلاحها وأفرادها وكل ما هو تحت سيطرته. وهذه قضيةٌ معتادة في جميع الكتائب والوحدات العسكريّة إذ ان ولاءات المقاتلين جميعاً هي للأشخاص وليست للحركة ويحلّ قائدهم المباشر عندهم محلّ قائد الجماعة عند الرئيسات العليا القريبة وبإعتبار ان الضوابط القانونيّة أو العسكريّة في الحركة معدومة فدائماً ما ينتقل أعضاء الوحدة مع انتقال قائدها المرحّب به دائماً في عداد قوّات أو مناطق أخرى إذ ان ازدياد عديد قوّات أو المناطق يسهم في زيادة سلطة قائدها وثروته معاً.
لم يتوجّب على سعدالله طبعاً الانتقال فعليّاً إلى المنطقة الوسطى التي هي منطقة جبل الدروز الممتدّة من شمال صيدا حتى جنوب بيروت مضافاً إليها بلداتها الساحلية, إذ ان مقر قيادة هذه المنطقة يقع أيضاً في الشريط الضيّق نفسه الممتد من مستشفى الهمشري إلى بلدة الميّة وميّة ولا وجود لقوّات عسكريّة أو أمنية حقيقيّة لها في المنطقة المفترض انها تقودها عدا عن بضعة عشرات من الأفراد المسجلين على قيودها ويتلقون رواتباً مجّانية بينهم بضعة عشرات من الأسماء الوهميّة الذين يتلقى قائد المنطقة رواتبهم نيابةً عنهم. وهذا الأمر كما سبق ان ذكرت لا يقتصر على وحدةٍ أو كتيبةٍ أو قوّات أو منطقة بل يشمل الجميع. كما ان هذه التسميّات إنما تتأتى من إستحالة إيجاد مناصب فعليّة للمئات من الضبّاط الطموحين الذين جرى إرسالهم إلى الساحة بوهم الوعود المعسولة بالجاه والمنصب. ليس هناك ما يمكن فعله بخصوص موقف سعدالله هذا إذ ان قائد الساحة على علمٍ به وهو نفسه يعاني من نفس القضيّة إذ ان كمال مدحت ومعه بضعة عشرة من الضبّاط الأمراء الآخرين يمتلكون سلطاتٍ تشبه سلطاته وخطوط هواتفٍ خاصةٍ بهم متصلةٍ مباشرةً بياسر عرفات أو بأحد أعضاء لجنة لبنان ويتلقى دعماً ماليّاً مباشراً عدا الدعم المعتاد الذي يتلقاه من خلال علاء الأفندي قائد الساحة اللبنانيّة. بهذه الطريقة يعمل عرفات على تجميع خيوط اللعبة كلّها في قبضته عدا تلك التي يمدّها أعضاء اللجنة المركزيّة وأصحاب مراكز النفوذ في حركة فتح مع بعض الضبّاط مباشرةً وبتمويلٍ خاصٍّ يأتيهم في الأصل من مصادر تمويلٍ دوليّة أو عربيّة خاصة بهم وسيأتي التوسّع في هذا الأمر لاحقاً.
ليس لهذا الأمر أهميةٌ كبيرة إذ ان ما بناه سعدالله وما جمعه من عتاد هو ضئيلٌ ولا يعتدّ به وكذلك فان أغلب عديد مقاتليه هم من أٌقربائه عدا الوهميّين منهم. كما ان ميزانيّة عمل القوّة البحريّة المنتظرة ضخمةٌ ويعوّل عليها. أبلغ علاء الأفندي بهذا الموضوع ولم يعلّق عليه وأصدر تعليماته ببدء عمليّة البناء وتأمين العتاد البحري ومنح القوّة عربة عسكريّة نوع “تويوتا” لنقل المواد اللوجستيّة والتسليحيّة وما شابه وقام بتسليم أكرم مبلغ 5000 دولارا امريكيّا كموازنة عملٍ أوّليّة شهريّة على ان يتمّ تدارس الحجم المطلوب للموازنات القادمة وكانت المفاجأة الأولى ان أكرم رفض إعلامنا عن حجم المبلغ الذي تلقاه من علاء رغم تلقينا هذه المعلومة من مصادر أخرى كما رفض التعليق على دعوانا أثناء لقاءاتنا شبه اليوميّة بان المبلغ الذي تلقاه هو 5000 دولار. كانت المفاجأة الثانية ان السيارة المخصّصة للإمداد اللوجستي عُيّن لها سائقاً غير معتادٍ وهو أكرم نفسه بدلاً من تعيين سائقٍ من بين مقاتلي القوّة وعند حلول مواعيد إحضار التموين صار ينتدب أحد المقاتلين للذهاب معه إلى مستودعات الحركة لتحميل وتفريغ تلك المواد في السيارة التي أصرّ على قيادتها رغم اعتراضنا على المسألة إذ انه كان يركنها حين كان يغادر المنطقة إلى حيث تسكن عائلته دون ان يترك مفاتيحها في حال اضطررنا لإستخدامها. بعد بضعة أيام من هذه التصرفات تداعينا جميعا إلى عقد إجتماعٍ في مقرّ القوّة لبحث هذه المواضيع وأتفقنا مع أكرم على موعده.
إفتتحنا الإجتماع باللازمة الطقوسيّة أي بالترديد وقوفاً “باسم الله باسم الفتح نفتتح الجلسة” ثم بدأ جمال الحديث شارحاً سبب الدعوة إلى هذا الإجتماع.
– جمال: يا شيخ, نحن كنّا قد اتفقنا وإياك على ان نعمل وفق نهج القيادة الجماعيّة وقد رأينا في الفترة السابقة عدم إلتزامك بهذا التوجه.
– أكرم: نعم أتفقنا على ذلك وانا ما زلت مصرّاً على موقفي فما الذي ترونه في عملي مخالفاً لهذا الإتفاق؟
– محمود: ثمّة الكثير من القضايا الصغيرة لكننا نريد اليوم مناقشة قضيّتين أساسيتين هما مسألة السيارة الممنوحة للقوّة ومسألة موازنة العمل.
– أكرم: ما هو الدافع لهذة المناقشة فانا لا أرى أية ضرورة لها.
– انا: الدافع يا شيخ هو ان القضيّتين المطروحتين هما من صلاحيّات ضابط الإدارة الذي هو أيضاً ضابطاً للماليّة, حتى لو لم نكن قد أقرّينا القيادة الجماعيّة.
– أكرم: ليس بالضرورة ان يكون ضابط الإدارة, ضابطاً للماليّة أيضاً.
– انا: نعم صحيح, لكن في هذه الحالة يجب تعيين أحد الضبّاط ليشغل منصب ضابط الماليّة فصلاحيات قائد القوّة تقتصر على إصدار أوامر الصرف بينما يقوم ضابط الماليّة بتنفيذ هذه الأوامر وإعداد سجلات شفّافة تعرض دوريّاً على قائد القوّة وأيضاً على بقيّة الضبّاط إذا أردنا ان تكون القيادة الجماعيّة فعليّة.
– أكرم: لم أصرف شيئاً بعد.
– جمال: نعم ولكننا لن نعلم شيئاً حين تبدأ بالصرف إذ انك ترفض إطلاعنا على قيمة المبلغ الممنوح للقوّة حتى نتدارس جميعنا أوجه الصرف الماليّ.
– أكرم: دعنا لا ننسى انك انت أيضاً تقوم بتوقيع الكتب الإداريّة الموجهة إلى الإدارة العسكريّة بخصوص تفريغ الأعضاء الجدد في القوّة وهو تجاوزاً لدوري كقائد للقوّة.
– جمال: انا أقوم بهذا بصفتي قائداً للقوّة في منطقة صيدا وهؤلاء المقاتلون المفرّغون الجدد تابعون لي.
– محمود: يمكن تلافي هذا التعارض بتفعيل دوري كضابطٍ للإدارة بدل من تهميشي.
– طايش: أعتقد ان المسألة هنا هي تعارض بين جمال والشيخ. نوع من نقار الديوك ويجب ان نسعى إلى التوفيق بينهما بدل ان ننقسم إلى طرفين.
– انا: لا هذه مسألة بيننا جميعا, وتستطيع ان تستثني نفسك, وبين أسلوب التهميش الذي يتّبعه الشيخ أكرم.
• علي الخليل: يا جماعة والله القصة ليست “محرزة” دعونا نتجاوز خلافاتنا ونبقى أصحاب وزملاء.
– انا: هذا ما نحن فيه الان. ان لم يتمّ مناقشة القضايا الخلافيّة التي تطرأ بين الفينة والأخرى لن يكون هناك أصحاب ولا زملاء عمل.
– جمال: لماذا ترفض إطلاعنا على حجم المبلغ الذي سلّمك إياه الأفندي كموازنة؟
– أكرم: لان هذه المسألة من صلاحياتي القياديّة.
– جمال: وماذا عن القيادة الجماعيّة؟
– أكرم: لا أزال معها, لكن على ان لا تشمل مسألة الموازنة.
– محمود: ما الذي يتبقى للقيادة الجماعيّة بعد ان تحجب عنها مسألة الموازنة؟
– أكرم: يتبقى الكثير .
– انا: وماذا عن السيّارة. هل هي من صلاحيّات القائد أيضاً.
– أكرم: ما الذي يهمّكم في هذه المسألة طالما ان السيارة تقوم بالعمل المطلوب منها؟
– جمال: ليس صحيحاً انها تقوم بالعمل المطلوب منها. فحين نحتاجها أثناء وجودك في منزلك يكون مفتاحها في جيبك.
– انا: ما يهمّنا في مسألة السيّارة هي ان إصرارك على قيادتها بنفسك لإحضار التموين يعبّر عن نهج التهميش الذي تتّبعه.
– محمود: ماذا عن “مهمّات الضبّاط” الشهريّة, لم يستلم أيّاً منّا شيئاً.
– أكرم: انا مستعد لصرف مبلغ 50 دولاراً لكلّ منكم.
– محمود: هل انت جاد! أتعلم كم يتلقى الضبّاط في الكتائب والوحدات العسكريّة الأخرى؟
– أكرم: يتلقون نفس المبالغ.
– جمال: ليس صحيحاً أبد.
إستمرّ هذا النقاش الدائري غير المجدي نحو ساعتين كظم الجميع غيظه خلالهما بصعوبة شديدة ثم انفضّ الجمع دون الوصول إلى أية نتيجة. كان أكرم اوّل المغادرين ثم تبعه غسّان طايش وعلي وبقينا جمال ومحمود وانا نتناقش لبعض الوقت في محاولة إيجاد مخرج لهذه الممارسات التي يقوم بها أكرم وضرورة وقوفنا وقفةً واحدة في وجهه بعدها اتجه كلٌّ منهما إلى منزله ثم غادرت انا المكتب.
ركبت سيّارتي واتجهت بها نحو وسط المدينة فالوقت ظهراً وانا لم أتناول بعد طعام الإفطار. مررت بمطعم السندويشات الذي اعتدت عليه والواقع في الشارع الرئيس الذي يخترق وسط المدينة عبر مستديرة ساحة النجمة, مقابل قلعة صيدا البريّة. اشتريت سندويشتيّ سجق ونخاعات ثم انطلقت بهما إلى منطقة الكنايات, منطقة التنزّه الوحيدة في صيدا (عدا كورنيش البحر) وهي عبارة عن بضع عشراتٍ من أشجار الكينا التي تظلّل ضفاف نهر الأولي بالقرب من الجسر الذي يقطعه عند المدخل الشمالي للمدينة. يحتوي المكان على بضعة مقاهٍ صغيرة متنقلّة مقامة داخل “فانات فولس” فاكن قديمة وتقدّم الشاي والقهوة والمرطبات والبزورات إضافة إلى المشروبات الكحوليّة. اعتدت على تناول طعام غدائي داخل سيّارتي المركونة على طرف الشارع الضيّق جهة النهر تحت الأشجار مباشرةُ والإستماع إلى البرنامج الإذاعيّ اليوميّ الذي تبثه إذاعة صوت الشعب التابعة للحزب الشيوعيّ اللبناني ويكتبه ويقدّمه زياد الرحباني بالإشتراك مع الفنان اللبناني المتميّز عبّاس شاهين الذي كان يُذكر إسمه في مقدمة البرنامج الإفتتاحية على شكل “عبّاس شاهينا” ليتناغم مع إسم البرنامج “العقل زينة” وكان البرنامج يلخّص الحدث السياسيّ اليومي ويقدمه بطريقة كوميديّة ذكيّة وراقيّة.
بعد يومين وأثناء تواجدي في مقرّ القوّة حضر أكرم وتبادلنا دردشة عامّة ثم قال لي انه بصدد الذهاب إلى مكتب علاء في القريّة لإحضار بونات البنزين وسألني عما إذا كنت أرغب بالذهاب معه فوافقت إذ لم يكن لديّ ما أفعله. ركبنا سيارة التويوتا العسكريّة وانطلقنا عبر بلدة الميّة وميّة متجهين نحو القريّة عبر طريق رمليٍّ شقّته القوّات العسكريّة الفلسطينيّة حديثاً كبديلٍ عن الطريق الرسميّ الذي يمر عبر حيّ “حارة صيدا” الشيعيّ. في الطريق بادرني بالحديث
– هل انت متحالفٌ إذن مع جمال كايد؟
– ما الذي يجعلك تقول هذا؟
– مواقفك في الإجتماع الآخير متوافقة مع مواقفه.
– مواقفي متّفقة مع مواقفه لأنني أتعرض لنفس محاولة التهميش الذي يتعرّض لها هو.
– لكن غسّان طايش وعلي الخليل لا يريان رأيكما.
– صحيح , انما محمود زكي يرى نفس الرأي.
– غسّان, ما يجري هو صراع على قيادة القوّة البحريّة بيني وبين جمال.
– لا أظن ذلك يا شيخ. فموضوع قيادة القوّة تمّ حسمه بقرار من ياسر عرفات. الموضوع الآن هو في شكل القوّة المراد بناؤها, الموضوع الأن هو إعطاء الضبّاط أمكنةً حقيقيّة داخل هذا البناء.
– لا يتعلّق الموضوع بأمكنة ومناصب بل بالناحيّة الماليّة.
– صحيح جزئيّاً فالمال هو السلطة واطلاع الضبّاط على مسارات الصرف الماليّ للقوّة هو المعنى الحقيقيّ لإعطائهم أمكنة حقيقيّة في البناء المراد.
– لا أعتقد اننا سنتفق يوماً في هذا الموضوع.
– ولا انا. ثم ان من حقّنا الحصول على بدل “مهمّات ضبّاط” ماليّة مساوية لتلك التي يتلقاها نظراؤنا في الوحدات العسكريّة الأخرى.
– هم يتلقون ما عرضته عليكم.
– لا أبداً.
– حسناً سنعالج هذا الموضوع بعد ان تنتفي المحاولات الانقلابيّة .
لا نتيجة. وصلنا مكتب علاء الأفندي الذي لم يكن فيه سوى ضابط إدارته الذي سلّم حصّتنا من البونات لإكرم ثم عدنا. كانت مادة البنزين مقطوعة في كافة المناطق اللبنانيّة لإسبابٍ سياسيّة وأمنيّة مضافاً إليها أسباب الفساد الماليّ الذي ينخر كافة مؤسّسات الدولة, الوزارية والنيابيّة وما تبقى من أجهزتها العاملة وإداراتها ومنشآتها حتى أصغر موظفيها. رغم انقطاع هذه المادة إلّا ان بالإمكان من يملك المال شراءها بأسعارٍ خياليّة وهذا قد يكون أحد الأسباب الكامنة وراء هذا الانقطاع ايّ التكسّب من وراء هذ الأزمة. تقوم حركة فتح بتأمين بعض الكميّات وتوزّعها على سيّاراتها العسكريّة وسيّارات ضبّاطها على شكل بوناتٍ تصرف من صهريج مزوّد بعدادات ويتنقّل بشكلٍ دائمٍ من مكان إلى آخر خوفاً من الغارات الجويّة الإسرائيليّة. تراه اليوم على طريق الميّة وميّة وغداً في الطريق العام إلى بلدة القريّة مركونا على جانب الطريق وخلفه طابور من السيّارات تنتظر دورها. ليس هناك برنامجاً معلناً لأمكنة التوزيع أو أوقاتها بل تنتقل المعلومة بالتواتر من شخصٍ إلى آخر حتى تصل جميع المهتمّين. كنا عليّ الخليل وأنا أشد المتابعين لهذا الموضوع بحكم ان كلينا لا نوفر فرصةً للتنزه وخصوصاً الذهاب إلى منطقة جبل الشوف الخلّابة.
بعد انسحاب حركة فتح الكامل من بلدة مغدوشة أقام جمال كايد موقعاً رئيسيّاً لمقاتليه في أحد مباني بلدة درب السيم المهجورة بينما بقي المقرّ الرئيس للقوّة البحريّة في منزل أخيه عادل فيما مال أكرم لإستحداث موقعٍ جديدٍ في منطقة الميّة وميّة المهجورة هي أيضاً فاختار إحدىالمباني التي لا تحتاج إلى الكثير من الإصلاحات وقرر العمل عليها وتحويلها إلى مقر ثالث للقوّة. ذهب إلى تاجر مواد البناء الرئيس في المخيم واشترى ما يلزم من حجارة البناء وأكياس الإسمنت على ان يسلمها التاجر أمام المبنى المختار بعد ان أرشده إليه في اليوم التالي صعد أكرم وانا معه لمعاينة المكان من جديدٍ والتأكد من ان الكميّة المطلوبة من مواد البناء قد تم توصيلها إلى هناك. مبنى من ثلاثة طوابق يقع على الشارع الرئيس للبلدة ولا يبعد عن ساحتها الرئيسة حيث كان مقرّ علاء الأفندي السابق والعديد من المكاتب والمقرّات العسكريّة التي لا تزال موجودةً على أطرافها سوى حوالي 70 متراً. بدت أسقف المبنى متماسكةً ولا شقوق فيها وان كانت الجدران بأغلبها مثقوبة ومهدّمة من أثر القذائف والرصاص. كذلك فان يد النهب قد طالت _عدا عفشه _ كلّ ما فيه من شبابيك وأبواب وحنفيّات ومجالي ومغاسل, بل حتى ان البلاط نفسه قد نزع من أرضه. وضع هذا المنزل هو نفسه وضع بقيّة منازل البلدة بل ومئات البلدات اللبنانيّة التي هُجّر أهلها أبان الحرب الأهليّة اللبنانيّة إذ بعد ان تمّ نهبها بدأ فقراء الناس من العاطلين عن العمل بسبب الحرب والأزمات الإقتصاديّة المتلاحقة يعرّونها كليّاً. حتى ان بعض المنازل تم تحطيم سقوفها لا بواسطة القصف المدفعي أو الصاروخي بل بواسطة المهدّات اليدويّة في أيدي هؤلاء الفقراء الذي يقضون نهاراتهم في هذه الأعمال الشاقّة بهدف نزع الأسياخ الحديديّة الصدئة من الأسقف وبيعها في سوق الحديد المستعمل. كان الوقت عصراً عند وصولنا وبعد معاينة المكان والبضاعة المصفوفة أمامه عدنا إلى المخيم على ان نجهّز بعض العمّال في اليوم التالي.
فجر اليوم التالي حلّقت المقاتلات الإسرائيليّة كالمعتاد وأسقطت صاروخين متتالين وخرجت إلى الشارع لأعرف مكان الضربة فشاهدت دخان الصاروخ يرتفع من ناحية بلدة الميّة وميّة وهو مكان معتادٌ للقصف بسبب كثرة المكاتب والمقرّات العسكريّة فيه انما تبيّن لاحقاً ان هدف الغارة الجويّة هذه المرّة كان مبنىً فارغاً لا يشغله أحد من المقاتلين. انه المبنى الذي زرناه أمس لتفقّد مواد البناء. عصر اليوم نفسه حلّقت المقاتلات والمروحيّات الإسرائيليّة من جديد فقفز صهري خالد واقفاً ثم ركض بإتجاه موقع كتيبته في جبل الحليب فقد كان يهوى الرماية على الرشاشات الثقيلة. المسافة بين جبل الحليب ومنزل خالد تستغرق خمسة دقائق ثم يحتاج المرء إلى خمسة دقائق أخرى لتسلّق التلّة والجلوس على مقعد الرشاش الموضوع في حفرةٍ مسوّرةٍ بأكياسٍ رملية. لسوء حظّ خالد لم يطلق الكثير من النيران يومها فقد كان الهدف هذه المرّة هو رشاشه هذا ولم تمهله المروحية التي رمى عليها سوى بضعة صليات أطلقت بعدها صاروخاً أصاب هدفه بدقّة إذ سقط داخل الدشمة فتطايرت أكياس الرمل والرشاش ووسطهما خالد نفسه لكنه لحسن حظه قد نجا من الموت وان إصيب بكسرٍ في رجله اليمنى أقعده عن العمل وضيّق حركته على مدى شهرين.
————————————————–
ان الحرب التي شنّها النظام السوريّ بعيد الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبناني (عدا الشريط الحدودي) بدءاً من أيار 1985 لم تقتصر في الواقع على المخيّمات والتنظيمات الفلسطينيّة التي ترفض الإلتزام بأجندته السياسيّة, بل شملت أيضا أحزاباً وجمعيّات وشخصيّاًت سيّاسيّة أخرى رفضت هذا الإلتزام الذي يحوّلها إلى مجرد أدواتٍ يستخدمها نظام الأسد في إثراء خزانته بأوراق الإستثمار السياسيّة, ويتحكّم بها حسب مصالحه الخاصّة دون أية اعتبار لمصالح الفئات الإجتماعيّة والطائفية والوطنيّة التي تمثلها هذه الأحزاب والجمعيّات والشخصيّات. بل لعلّ الحرب ضد هذه القوى اللبنانيّة وعلى رأسها الحزب الشيوعيّ اللبناني الذي رفض مطلب رئيس جهاز الأمن والإستطلاع السوري في لبنان غازي كنعان بإستشارته والتنسيق معه قبل كلّ عملٍ عسكريّ ينوون القيام به, قد سبقت الحرب ضد الفلسطينيّين في لبنان. إذ نفّذت حركة أمل العديد من الهجومات العسكريّة في الجنوب اللبناني وبيروت الغربيّة على مقرّات شريكها في انتصار 6/شباط 1984 الذي أعاد الحركة الوطنيّة اللبنانيّة إلى بيروت أي الحزب الشيوعيّ اللبناني الذي ينافسها داخل الطائفة الشيعيّة ويكسر محاولات إحتكارها لها. وهذا الحزب هو مؤسّس “جبهة المقاومة الوطنيّة اللبنانيّة” التي أعلن عن انطلاقتها في 16 أيلول 1982 وضمّت إضافةً إلى الحزب الشيوعيّ اللبناني كافة الأحزاب اللبنانيّة اليساريّة غير الطائفية وهي منظّمة العمل الشيوعيّ, والحزب القومي السوريّ الإجتماعيّ, وحزب البعث العربيّ الإشتراكي (صوريّاً) ونفذت (عدا الأخير) العديد من العمليّات العسكريّة ضد القوّات الإسرائيليّة و“جيش لبنان الجنوبي” التابع لها.
إضافةً إلى الهجومات العسكريّة لجأت حركة أمل إلى الإسلوب المحبّب لدى مموّليها ألا وهو الإغتيالات السياسيّة وكان أوّل ضحايا هذا التوجه ميشال واكد القيادي في الحزب الشيوعيّ اللبناني الذي اختطف من حارة حريك في الضاحيّة الجنوبيّة بتاريخ 4/ك1/1985 ثم وجدت جثته مرميةً على ساحل السان جورج في 6/شباط/1986. ثم توالت هذه الإغتيالات فقتل في منطقة المصيطبة خليل نعوس عضو المكتب السياسيّ للحزب والكاتب في صحيفة النداء في 20/شباط/1986 وتبعه بعد أربعة أيام عضو مكتب سياسي آخر وكاتبٌ ومفكرٌ هو سهيل الطويلة. ولقد ترافقت هذه الإغتيالات السياسيّة مع مطاردات وإعتقالات وتهديداتٍ طالت المئات من عناصر وكوادر الحزب حتى بلغ عدد الذي أجبروا على مغادرة منازلهم في الجنوب اللبناني الواقع تحت سيطرة حركة أمل والعيش في مناطق أخرى أكثر من 600 كادر حزبي مع عوائلهم.
مع إستتباب الأمر في الجنوب ذي الغالبيّة الشيعيّة المواليّة لحركة أمل واكتمال تطهير الطائفة من آفة الأحزاب العلمانيّة ذات البعد غير الطائفي, ونجاح الحركة والنظام السوريّ في لجم الانبعاث الفلسطينيّ المسلّح القادم من تونس واليمن وبقيّة بلاد الشتات, اجهت عينا الأسد نحو العاصمة اللبنانيّة بيروت أو بالأحرى المنطقة الغربيّة منها حيث لا تزال أحزابٌ لا تندرج تحت عباءت, تصول وتجول فيها فتهيّأ لكنسها. لا يحتاح تفجير الأوضاع الأمنيّة والعسكريّة في بيروت لكثيرٍ من التحريض إذ ان الإحتقانات الناجمة عن الإغتيالات والإستفزازات وتلك الناتجة عن الإصطفافات المضادة لحروب المخيّمات التي اتخذها كلٌ من الحزب الشيوعيّ اللبناني والحزب التقدمي الإشتراكي والدعم العسكريّ والسياسيّ الذي قدمه هذان الحزبان للفلسطينيّين بشكلٍ عامٍ وللمقاتلين الموالين لياسر عرفات بشكلٍ خاص, خصوصاً التغطية المدفعيّة لمحيط المخيّمات التي طالما أمّنتها المدافع والراجمات الفلسطينيّة الرابضة في جبل الدروز معقل وليد جنبلاط وبحمايةٍ منه كانت قد تكفّلت بالأمر. لم يكن على الأسد سوى ان يجلس وينتظر.
بعد يومين إثنين فقط من تنفيذ حركة فتح لانسحابها من بلدة مغدوشة وتسلّم حركة أمل لمواقعها السابقة فيها وتوطيد وقف إطلاق النار في أضخم جبهة عسكريّة واجهت أمل, شنّت الحركة في 16/شباط/1987 هجوماً واسعاً على مواقع الحزب الشيوعيّ اللبناني والحزب التقدمي الإشتراكي في كافة انحاء بيروت الغربيّة معلنةً بداية حربٍ ضروس بهدف السيطرة لمرّة واحدة وأخيرة على العاصمة وقرارها السياسيّ والإستفراد الطائفي بمقادير البلاد والعباد وربما انشاء كانتون شيعيٍ يكون ظهيراً للنظام العلويّ الجار والشقيق ووكيلاً لتنفيذ مصالحه ومآربه. كانت الشرارة التي مهّدت لهذه الحرب هي افتتاح مقرٍ جديد لحركة أمل في منطقة الحمرا بالقرب من مركز جريدة النداء التابعة للحزب الشيوعيّ, مما اعتبر إستفزازاً للحزب ومصدرا للإشكالات الفرديّة اليوميّة مع حرّاس الجريدة حيث اندلعت إشتباكاتٌ محدودة بين الطرفين في اليوم السابق أدت إلى مقتل 4 أشخاص وجرح آخرين قبل السيطرة عليها من قبل المراقبين السوريّين وزعماء الطرفين. ولقد جرت هذه الإشتباكات على وقع تصريحاتٍ أطلقها وليد جنبلاط في نفس اليوم معلناً فيها انه ضدّ نزع السلاح الفلسطينيّ وهو الشعار الذي رفعته حركة أمل على مدى السنوات الأخيرة. شلّت هذه الحرب كاف أشكال الحركة الإقتصاديّة والإجتماعيّة والسياسيّة في بيروت الغربيّة على مدى إسبوعٍ كاملٍ واعتبرت واحدة من أشرس المعارك التي شهدتها العاصمة اللبنانيّة واستخدمت فيها كافة الأسلحة المتوفرة لدى جميع الأطراف من مدافع وصواريخ وقواذف ورشاشات ثقيلة وخلّفت أكثر من 50 قتيلاً و220 جريحاً عدا عن الدمار الهائل الذي ألحقته بالمنازل والمرافق والبنية التحتيّة وكذلك الإضرار الإقتصاديّة التي تجلّت في تسارع هبوط سعر الصرف لليرة اللبنانيّة مقابل الدولار بشكل هائل.
بين قتلى هذه الحرب كان المفكر الشيوعيّ المعروف حسين مروّة الذي درس علوم الدين في النجف وعُمّم شيخاً للطائفة الشيعيّة ثم اتجه لاحقاً لدراسة فلسفة المادية الديالكتيكيّة في إحدىجامعات الإتحاد السوفياتيّ وأصبح منظّراً بارزاً للحزب الشيوعي اللبناني وله العديد من المؤلفات الفكريّة. كان مروة عند مقتله قابعاً في منزله على سرير المرض وقد جاوز عمره ال 77 عاماً حين دخل عليه فتيةٌ مسلحون من حركة أمل وأطلقوا عليه النار بدمٍ بارد.
لم تستطع حركة أمل حسم هذه المعركة مما أضطر النظام السوريّ إلى التدخل واستدعاء زعماء الأطراف المتحاربة إلى دمشق والفرض عليهم كالعادة حلّاً يناسبه. وكان الحلّ المفروض هذه المرّة لإنهاء هذه الإشتباكات هو دخول قوّات الجيش السوريّ إلى القسم الغربي من العاصمة وتولّي الأمن فيها بعد انسحاب جميع المسلحين منها وهو ما تمّ في 21/شباط/1987. لم تواجه القوّات السوريّة أية صعوباتٍ تذكر أثناء انتشارها في المواقع التي اخلاها المسلحون المتحاربون الذين كان غازي كنعان رئيس الإستخبارات السوريّة العاملة في لبنان قد انذر زعماءهم وتوعدهم بالضرب بيدٍ من حديد إذا لم يمتثلوا لأوامر الإخلاء. وكذلك كانت ميكروفونات القوّات السوريّة تحذر السكان في المناطق التي تقوم بالانتشار فيها بان المبنى الذي تطلق منه النيران عليها سيتم استهدافه بالكامل.
كان الطرف الوحيد الذي لم يعلن ترحيبه بالقوّات السوريّة في بيروت الغربيّة هو حزب الله الناشئ حديثاً فرغم انه قد أخلى مواقعه في ثكنة “فتح الله” الواقعة في حيّ “برج أبو حيدر” البيروتي إلّا ان عناصره كانوا لا يزالوا يتواجدون في المبنى المقابل للثكنة فقام جامع جامع ضابط المخابرات السوريّة بتوقيفهم وصفّهم أمام الجدران ثم أمر بإعدامهم وكان عدد هؤلاء الموقوفين 23 فرداً نجا منهم شخصٌ واحد فقط لانه بدا لمنفذي الإعدام ميتاً. كانت رسالة الأسد لحزب الله شديدة الوضوح. لم تضع نهاية الحرب البيروتيّة نهايةً للمقتلة التي يتعرض لها كوادر الحزب الشيوعيّ خصوصاً منهم الذين ينحدرون من الطائفة الشيعيّة ففي نفس اليوم الذي كانت قوّات الجيش تطبق فيه على بيروت الغربيّة وتحكم سيطرتها عليها وتؤكّد على هذه السيطرة بمجزرة ثكنة فتح الله المروّعة اي في 24/شباط/1987 كانت حلفاؤها يكملون ما بدؤوه من تطهيرٍ فقاموا بإغتيال شخصين آخرين من كوادر الحزب الشيوعيّ الأول هو نور طوقان مسؤول الحزب الشيوعيّ في منطقة الضاحية الجنوبية والثاني هو لبيب عبد الصمد أحد مؤسّسي جمعيّة النجدة الشعبيّة اللبنانيّة التي تعمل في المجال الصحيّ والانساني. بعدها بأشهر ثلاثة أغتالت كواتم الصوت نفسها القائد الشيوعيّ البارز حسن حمدان المعروف بإسمه الحركيّ “مهدي عامل” صاحب العديد من المؤلفات الفكريّة والسياسيّة والمحاضر في الجامعة اللبنانيّة ,وقد قتل أثناء توجّهه إلى عمله في الجامعة بتاريخ 18/أيار/1987. تذكر بعض الأوساط ان غازي كنعان خاطب قيادة الحزب الشيوعيّ اللبناني خلال مجلس العزاء الذي عقد في مقرّ الحزب في المصيطبة بعد مقتل مهدي عامل بالقول:”هل كان من الضروريّ ان تدفعوا هذا الثمن؟”.
في الوقت الذي كانت فيه القوّات السوريّة تنتشر في ضواحي بيروت الغربيّة كان الأسد يجري مفاوضاتٍ مكّوكيّة مع أمين الجميل رئيس الجمهورية اللبنانيّة وقائد جيشه الجنرال ميشال عون تهدف لإقناعهم بصيغة أمنيّة جديدة تقضي بانتشار الجيش اللبناني على الطريق الساحليّة الممتدة من بيروت حتى تخوم مدينة صيدا لتحلّ محلّ ميليشيا وليد جنبلاط الحليف غير الموثوق وتضبط الأمن فيه على إيقاع المصلحة السوريّة. وقد رأي الجميل في هذه الصيغة مكسباً له وللدولة اللبنانيّة وفرصةً تسمح له بالانطلاق من البقعة المسيحيّة المغلقة والتمدّد نحو مناطقٍ كانت ممنوعة عليه حتى اللّحظة فتمّ في 4/آذار/1987 انتشار 400 عنصر من اللواء ال12 في الجيش اللبناني على هذا الطريق وتمركزت في ستّة مواقع فيه امتدت من خلدة حتى جسر الأولى. هذا الانتشار الهادف إلى حفظ أمن الطريق الساحليّة كان عمليّاً هو الجسر الذي ستعبر عليه القوّات السوريّة بعد بضعة أسابيع لتشارك الجيش اللبناني انتشاره بحجّة حماية أمنه! فقامت في 14/نيسان من العام نفسه بنشر قوّاتها العسكريّة وأجهزة إستخباراتها في أربعة مراكز من بين المراكز الستّة التي تموضع فيها اللواء 12 بعد أخذ موافقةٍ إسرائيليّة على هذا الإنتشار على ان لا تتجاوز الخط الأحمر الذي حدّده لها الإسرائيليون وهو “جسر نهر الأولي“.
كانت آخر نقطة للانتشار السوريّ هي بلدة الرميلة التي تبعد بضعة مئات من الأمتار عن هذا الجسر وفي أحد بيوت هذه البلدة الساحليّة أقام العقيد زياد ضابط المخابرات السوريّة المولج بتولّي أمور منطقة صيدا ونصب أمام مقرّه حاجز المخابرات سيّئ الصيت الذي أحال حيوات الفلسطينيّين والكثير من اللبنانيّين إلى جحيم وحشرنا نحن الموالين لعرفات داخل الزجاجة التي أضحى يتحكّم بعنقها. وبهذا أكملت دمشق مسيرة السيطرة على كافة المناطق والأحزاب اللبنانيّة (عدا مناطق السيطرة المارونيّة) وأصبحت دورة الحياة السياسيّة والإقتصاديّة في هذا البلد تدار من مكتب العميد العلوي غازي كنعان رئيس المخابرات السوريّة العاملة في لبنان والحاكم بأمره. فلا نيابة ولا مشاريع إستثماريّة ولا إعلاماً ولا إغتيالاً ولا تفجيراً ولا جهاداً ولا نضالاً ولا مقاومةً يمكن ان تتمّ بدون موافقته المسبقة تحت طائلة أفظع آلات التعذيب وأشد أساليبه قساوةً في التاريخ الحديث. إنما إلى حين.
————————————————
ليست الإغتيالات السياسيّة حكراً على طرفٍ دون الآخر في لبنان فقد مارستها وبوحشيّة جميع الفصائل المسلحّة, فلسطينيّة كانت أم لبنانيّة, “وطنيّة” أم انعزاليّة, مسيحيّة أم درزية أم سنّيةً ام شيعيّة أو (طبعاً) سوريّة. كما ان سلاح السيّارات المفخّخة ظلّ شائعاً طوال الحرب اللبنانيّة واستمرّ بعد انتهائها وحتى يومنا هذا. ان هذه الإغتيالات السياسيّة ليست دائماً هي حقاً “سياسيّة“, إذ ان الكثير منها هو في الواقع إغتيالاتٌ شخصيّة تهدف إلى تصفية خصومةٍ ما أو طمر حقائق أو القضاء على منافس أو شريكٍ إلى ما هنالك. وتتنوع أدوات الإغتيال ما بين مادةٍ سميّة ومسدّسٍ مزوّدٍ بكاتم صوت أو سيّارةٍ مفخّخة. ولعلّ القتل بالكاتم هو أرحم الأدوات بإعتباره يصفّي الشخص المطلوب تصفيّته وحده دون النيل من سواه وقد يكون السمّ أيضاً أداة قتلٍ رحيمة في بعض الحالات التي يتمّ فيها تسميم الشخص المراد قتله وحده لا مع عائلته مثلاً أو أصدقائه أو زبائن المطعم الذي يتمّ تسميمه فيه. أمّا السيّارات المفخّخة فهي الوسيلة الأكثر توحشاً بسبب حصدها الكثيرين من الأبرياء (وقد يكون الهدف المقصود بريئاً أيضاً دون شكّ لكن قتله على الأقلّ له أسبابٌ وأهدافٌ يعرفها القاتل) وأخذهم بجريرة التواجد بالصدف قرب الهدف. هناك طبعا بعض حالات القتل الجماعي بالسيارات المفخخة التي تهدف إلى مجرد القتل الجماعي, وهذه شائعة واغلبها مبرّر في المنظومة الأخلاقية أو العقائديّة التي يمتلكها القاتل.
كواتم الصوت هي الأسلوب المفضّل عند فلسطينيّي مدينة صيدا وضواحيها ومخيّماتها ولقد تصاعدت وتيرة هذ الإغتيالات بدرجةٍ كبيرة بعد إستتباب الأمن والتوصّل إلى سلامٍ مع الجوار الشيعي فتفرّغ كوادر وقياديّو حركة فتح لتصفية خصوماتهم بانواعها, بين بعضهم بعض. وعلى رأس المبادرين في هذا المجال يقبع عبد المعطي السبعاوي وجمال سليمان ثم يليهم رموزٌ أخرى أقلّ بطشا بينهم منير المقدح أمّا من خارج حركة فتح فتأتي الجماعات الإسلامية المتشدّدة وحركة فتح–المجلس الثوري التابعة لصبري البنّا أبو نضال في رأس القائمة.
ثمة في بيروت من لم يرتح للتمدّد السوريّ المتوغّل في البقاع والجبل وبيروت والجنوب وصولاً إلى تخوم نهر الأوّلي بتواطئٍ وتغطيةٍ من زعماء الطوائف الثلاثة, الدروز والشيعة والسنّة وعلى رأسهم وزير الحكومة رشيد كرامة شبه المقاطع لرئاسة الجمهورية والذي يتلقى أوامره من القيادة السوريّة عبر مندوبها السامي في لبنان غازي كنعان.
في الأوّل من حزيران 1987 نفّذت ميليشيا “القوّات اللبنانيّة” عمليّة اغتيالٍ “نظيفة” قتل فيها رشيد كرامي بينما نجا رفيقيه رغم ان العمليّة قد تمّت عن طريق تفجيرٍ داخل مروحيّة كانت تقله من طرابلس إلى بيروت. فقد تمكّن جهاز مخابرات سمير جعجع الذي يرأسه بيار رزق من تنفيذ العمليّة “بنظافة” عبر وضع عبوةٍ ناسفةٍ صغيرة الحجم والشدّة تحت مقعد رئيس الحكومة في المروحيّة فقتل بها وحده عند تفجيرها فيما استطاع قائد المروحيّة الهبوط بها في مطار حالات وكذلك نجا الوزير عبدالله الراسي الذي كان يرافق كرامة رغم إصابته ببعض الجروح. وبهذا الإغتيال تمكّن جعجع من توجيه ضربةٍ موجعةٍ للنظام السوريّ وحلفائه كما نجح في فضّ حالة “الستاتيكو” السياسيّة التي كانت سائدة قبل الإغتيال والتي وضعت البلد في طريقٍ مسدود.
بعد بضعة أيام كان مخيّم عين الحلوة على موعدٍ جديدٍ مع الإغتيالات المتواليّة وطالت هذه المرّة المقدّم حسين الهيبي وهو من وجهاء عرب الهيب الفلسطينيّين في سوريا انضم لحركة فتح عام 1965 قادماً من صفوف قوّات بعثيّة درّبها الجيش السوريّ وكان ضمن مجموعةٍ من البعثيّين على رأسهم النقيب يوسف عرابي (الذي اغتيل بعد عامٍ على هذا الانضمام بسبب صراعٍ على السلطة داخل حركة فتح). لم يمض على عودة حسين الهيبي إلى لبنان سوى بضعة شهور وكان مكلّفاً بإعادة تشكيل قوّات ال 17 في لبنان, فبادر عند وصوله إلى الإرسال في طلب مقاتلين من عشيرته في سورية وأيضاً من خارج عشيرته. عرف عن حسين الهيبي تمسّكه بالتقاليد البدويّة لذا فقد قام بعيد وصوله بإفتتاح ديوانيّة بدو فرشها بالوسائد الأرضية ووضع فيها منقل فحم نحاسيّ ضخم ومعه أدوات وأوعيّة القهوة العربيّة المعتادة حتى صار مقرّه يشبه خيمةٍ في مضارب بدويّة كما تبدو في المسلسلات التلفزيونيّة ولقد زرت انا وبعض الزملاء هذه الديوانيّة أكثر من مرّة بهدف الإستمتاع بالقهوة العربيّة المعدّة على الفحم.
إضافة إلى إعادة تشكيل قوّات ال 17 يبدو انه كان قد كلّف بعملٍ آخر موازٍ هو تحجيم أمراء مخيّم عين الحلوة الفتحاويّين كجمال سليمان ومنير المقدح وقد نُقل عنه قوله انه “سيربّي” مخيم عين الحلوة بعصاه التي اعتاد على حملها في تنقّلاته. إضافة إلى عصاه, كان معه دائما عشرة مسلّحين (بينهم ولده) يسيرون أو بالأحرى يهرولون على طرفيّ الشارع بينما يسير هو وسط الشارع كما لو كان “كلينت إستوود” في أحد أفلام رعاة البقر. كان إشتباك مسلحي عين الحلوة معه بسبب إستعراضه الإستفزازي قادماً لا محالة وهو ما حصل في 11/حزيران/1987 إذ اشتبك مرافقوه مع عناصر تابعة لمنير المقدح وسقط في تبادل إطلاق النار العديد من القتلى وبينهم أحد أقرباء منير فشنت قوّاته هجوما على حسين الهيبي الذي حوصر في منزل أحد وجهاء “الشارع التحتاني“. بعد بضعة ساعات من نشوب المعركة الذي أرسل الوجيه الذي آوى الهيبي وسطاءً من الحيّ ليفاوضوا منير على ترك الهيبي يغادر المنطقة وهو ما تمّ التوصّل إلى اتفاقٍ بشأنه, على ان يغادر مع الهيبي في سيّارته أحد الوسطاء كنوعِ من الضمانة لعدم تعرضه للهجوم. عند وصول سيّارتهم إلى محاذاة “المعسكر” عند نهاية الشارع الشماليّة أطلق عليها أحد مقاتلي منير قذيفة بي 7 فدمّرتها وقتل وحرق من فيها وبينهم حسين الهيبي وولده.
خلف حسين الهيبي في رئاسة قوّات ال 17 عبد الغفّار الغول المعروف بإسم “راسم الغول” لكنه سرعان ما تمّ اختطافه أثناء عودته من حفل خطوبةٍ لإبنة أحد المتموّلين الفلسطينيّين ويدعى فايز صوّان. كانت المجموعة الخاطفة تابعة لجمال سليمان ومكلّفة من قبله وكان ذلك في 19/آب/1987 وقد أقتيد المخطوف كالعادة إلى موقع كتيبة شهداء عين الحلوة في جبل الحليب. في صباح اليوم التالي وأثناء جلوسي في منزل شقيقتي شاهدت عبر باب الغرفة المفتوح على الدرج عصام اللوح وعبد المعطي السبعاوي وزيد وهبي يصعدان إلى الطابق الأعلى حيث يقيم جمال. بقيا هناك أكثر من ساعتين محاولين إقناعه بإطلاق سراحه دون جدوى فقد أصرّ جمال ان راسم قد أعترف بتهمٍ تتعلّق بالمخدّرات والدعارة وانه يمتلك تسجيل فيديو لإعترافاته. بقيت الوفود تتوالى على مدى بضعة أيّام بقي جمال خلالها مصرّاً على موقفه وعندما سألوه في اللقاء الاخير عن مصيره وعمّا إذا كان سيطلق سراحه يوماً أجابهم بجملةٍ وأحدة:”إكرام الميّت دفنه”.
بعد اسبوعين من إختفاء راسم الغول وافق جمال على تسليم جثّته المدفونة في جبل الحليب لعصام اللوح وعبد المعطي السبعاوي فتمّ نبشها وإرسالها إلى أهله في عمّان حيث تمّ دفنه هناك وكان في الجثّة طلقةٌ وأحدةٌ في الرأس. ويبقى السؤال الذي لا يعرف أحد جوابه هو هل تمّ إعدام راسم بطلبٍ من أحد الأطراف الخارجيّة أو الداخليّة لخصومةٍ ما سياسيّةٍ أو ماليّة ام ان جمال قد قام بهذا العمل بسبب تسريب معلومات ما إليه تفيد بأن أحد مهام الغول هي التخلّص منه شخصيّاً, وإنْ كنت أرجّح الفرضيّة الأخيرة إذ ان محاولات بعض المحاور الحركيّة للتخلّص من جمال لم تنته. فقد أعتقل بعد أشهر شابٌ من آل أبو زيد كان انضمّ إلى كتيبة جمال بهدف إغتياله بوضع السمّ في طعامه وكان المصير المحتوم لهذا المعتقل هو الموت لولا ان سجنه كان في المبنى نفسه الذي تقطن فيه شقيقتي ولقد سمعت والدتي انينه أثناء زيارتها لها وحادثته عبر فتحة التهوية وبعد الإستماع إلى قصّته وندمه بقيت تستعطف جمال وتستحلفه أسابيع عديدة حتى وافق على إطلاق سراحه.
————————————————————–
بعد ان رفض جميع ضبّاط البحريّة تسلّم “بدل مهمّة ضابط” الشحيحة التي عرضها أكرم احتفظ بمبلغ ال 5000 دولار حتى نهاية الشهر ثم أعاده إلى علاء الأفندي بعد ان اقتطع منه بضعة مئات من الدولارات لشخصه, بزعم ان القوّة لم تحتج إلى كثيرٍ من المصاريف في ذلك الشهر. تعتبر إعادة قرشٍ واحد من الموازنات التي تصرف للوحدات العسكريّة سابقة تاريخيّة إذ ان هناك دائما ما تحتاج إليه أية وحدة عسكريّة مثل شراء مسدسات أو ملابس عسكريّة او سيارة أو بدل إيجارات منازل الضبّاط أو مساعدات ماديّة إضافةً إلى “مهام الضبّاط” التي تتراوح قيمتها في الوحدات العسكريّة بين 200 و400 دولار بإعتبار ان الرواتب التي يلتقاها الضبّاط زهيدة تكاد تعادل الرواتب التي يتقاضاها المقاتل برتبة جندي. بإعادة هذا المبلغ للأفندي أراد أكرم ان يصيب أكثر من هدف, اولاً إستفزاز الضبّاط لإخراجهم عن طورهم بحيث يقدمون على عملٍ ما يتيح له شحن صدر علاء عليهم وثانياً هو التقرّب من قائد الساحة وتصنّع العصاميّة والطهرانيّة أمامه, وثالثاً إعطاء الأفندي لمحةً عن شكل “التعاون” أو “الشراكة” المرتقبة بينهما في المستقبل القريب. كما ان أكرم لم يكن قادراً بأية حالٍ من الأحوال على التصرّف بهذه الأموال بينما بقيّة الضبّاط يقفون له بالمرصاد ويحصون عليه انفاسه لذا فانه وجد ان من الأهون عليه ان يعطيها للأفندي من ان يضطرّ إلى مشاركتنا بها أو بجزءٍ منها.
بعد ان “أبلع” أكرم هذا المبلغ للأفندي قام بخطوتيّن مهمّتين سهّلهما له هذا “الإبلاع“, الأول الطلب من الأفندي إرسال كتابٍ إلى ياسر عرفات في تونس يتعلّق بأضرارٍ أصابت منزل أهله في بيروت عام 1981 بعد غارة جويّة إسرائيليّة على منطقة الفاكهاني أصابت المبنى المجاور لهم, وقد لبّى الأفندي طلبه وتلقى أكرم عشرة آلاف دولار تعويضاً عن زجاج بضعة شبابيك تناثرت بفعل الضربة القريبة. أما الطلب الثاني فهو سلفة ماليّة بقيمة خمسة آلاف دولاراً لصالح عمر تركياعلى ان يتمّ تسديدها عبر خصم كامل راتبه الشهريّ على مدى الأشهر القادمة حتى يتمّ إستيفاء كامل المبلغ. وكان عمر قد غادر اليمن عائداً إلى بيروت منذ أكثر من عامي ومعه مبلغ خمسة آلاف دولاراً سلّمه إياها أكرم ليوصلها إلى أهله لكن هذا المبلغ لم يصل أبداً وتصرّف به عمر أي انه ببساطة قد سرقه. لا يستطيع أكرم مقاضاته فالبلد لا قضاء فيه ولا دولة ولا مؤسّسات كما انه لا يستطيع الضغط عليه بأية وسيلة وحتى لو استطاع لما قيّض لهذا الضغط ان يأتي بأية نتيجة كون عمر يتعيّش حالياً من بيع “الجرابات” على “عرباية” صغيرة يتنقل بها بين أزقّة بيروت الشعبيّة وبالكاد يستطيع شراء علبة تبغه ولقمة أبنائه, ولهذا السبب قام باستدعائه وإدراجه على قيود القوّة ولوائح الرواتب الشهريّة.
تتالت الأيام وتوالت الإستفزازات وازداد نفورنا من تصرفات أكرم المتعمّدة والتي يهدف من ورائها إلى دفعنا لمغادرة القوّة البحريّة والإنتقال إلى قطاعاتٍ أخرى ليخلو له الجو و“يلعب” على كيفه, خصوصاً ان اتصالاته شبه اليوميّة مع القيادة في تونس قد أثمرت عن وعودٍ بمبالغٍ ماليّة ضخمة للبدء في بناء القوّة وتنفيذ بعض المهام المطلوبة واهمّها العمل على مدّ مخيّم الرشيديّة الساحلي في جنوب لبنان بالسلاح والمقاتلين بحراً. وكانت مهمة القوّة البحرية الرئيسة هي العمل على خرق الحصار الذي فرضته حركة أمل على مخيم الرشيدية.
أدرك الشهر نهايته وحان موعد صرف الرواتب والمتّبع ان يذهب ضابط الماليّة أو ضابط الإدارة إلى مكتب الماليّة المركزي فيتسلّم لوائحاً ورقيّة بأسماء ضبّاط ومقاتلي القطعة العسكريّة وامام كلّ إسم قيمة راتبه الشهريّ حسب رتبته وحالته الإجتماعيّة ويتسلّم أيضاً مع اللوائح كيساً ورقيّا أو بلاستيكيّاً يحتوي على كامل المبلغ الذي يشكّل مجموع رواتب الأسماء المدرجة, ثم يعود إلى مقرّ قطعته فيجتمع المقاتلين ويبدأ الصرف فينادي على الأسماء بالترتيب الأبجدي ويسّلمهم رواتبهم. أما رواتب الضبّاط فيتمّ صرفها على حدا قبل أو بعد صرف رواتب المقاتلين. في حال غياب أحد الأفراد فإن راتبه يتبقى محفوظاً مع ضابط الماليّة/الإدارة لحين قدومه إمّا إذا كان أحدٌ من المقاتلين قد أوقف عمله وترك القوّة خلال الشهر المنصرم فإن راتبه يعاد إلى الماليّة المركزيّة بعد انتهاء العمليّة.
لم يطلب أكرم من محمود زكي ضابط الإدارة ان يذهب إلى الماليّة المركزيّة لإحضار الرواتب واللوائح كما انه لم يصطحبه معه حين ذهب بنفسه. عاد أكرم إلى المقرّ حاملاً الكيس الورقيّ وجلس على الأريكة وكنا جميعا طايش وجمال وانا جالسين أيضا على الأرائك بينما جلس محمود خلف الطاولة.
- انا: حسناً ماذا ننتظر , دعونا نبدأ فقد جفّت جيوبنا.
أكرم: هل الجميع متواجدون؟
- جمال: هناك مجموعة من الشباب في الخارج, بعد ان يستلموا رواتبهم سيعودون إلى موقعهم في درب السيم ويرسلون المجموعة الأخرى إلى هنا. لا نريد ترك الموقع فارغاً.
- أكرم: حسناً فلتنادي عليهم وأحداً تلو الآخر.
- محمود: هل انت السائق ام ضابط الماليّة أم ضابط الإدارة؟ ماذا تراني أفعل انا هنا إذن إذا كنت من سيقوم بصرف الرواتب!
أكرم: … (لا إجابة)
- جمال: وحّد الله يا شيخ! شو القصّة معك! سلّم الرواتب لضابط الإدارة ليقوم بمهمّته.
أكرم: انا من سيقوم بالصرف.
- انا: لا أدري سبب إصرارك على تحويلنا إلى “شرّابات خرج”.
أكرم: …(لا إجابة)
- محمود: الهيئة ان لا جدوى من الكلام معك.
- أكرم: (متوجّهاً لجمال) هل ستقوم بمناداتهم أم ماذا؟
- جمال: لا لن أقوم بمناداتهم حتى تسلّم الرواتب لضابط الإدارة.
- أكرم: حسنا, ها انا قاعدٌ ها هنا. انتظروا ما شئتم.
جمال: فلننتظر.
- أكرم: إذا طال الانتظار فانني سأغادر وعلى من يريد استلام راتبه منكم أو من المقاتلين فعليه ان يبحث عنّي.
صرنا الآن جميعاً على وشك الإنفجار انما سبقنا إليه محمود إذ قام عن كرسيه ودار حول طاولة المكتب متوجها حيث يجلس أكرم وبادره بلكمتين على وجهه ثم انتزع منه الكيس الورقي وفيه الرواتب واللوائح وعاد إلى طاولته. لم يبد أيٌ منا أية محاولةٍ لرد محمود عنه فقد استحقّ ما ناله ولو لم يضربه محمود لضربه شخصٌ آخر. نهض أكرم بعدها وغادر المقرّ دون ان ينبس ببنت شفة ثم بدأ محمود بتوزيع الرواتب.
لم ير أحد منّا أكرم في اليوميّن التاليّين إذ امتنع عن الحضور إلى المقر. عصر اليوم الثالث كنّا نتجول جيئةً وذهاباً على الرصيف الوحيد في المخيم والواقع عن مدخله على طرف بستان اليهودي والممتد بطول 40 متراً وعرض ثلاثة أمتار واطلقت عليه انا إسم “كورنيش المخيّم“. كان يسير معنا في المجموعة أبو فادي مهاجر إضافةً إلى محمود وجمال وانا. فجأة أوقف أكرم سيّارته بجانبنا ثم نزل منها وهجم على محمود يريد ضربه مستغلاً فرصة وجود مهاجر للتدخّل إذا ما احتدم الأمر لتهدئة الأمور. طالما تمتّع محمود بلياقة بدنيّة عاليّة ممّا سمح له برد اللكمات لأكرم رغم عامل المباغتة إلّا ان أكرم اتّجه نحو شعره وبدأ يشدّه بعنفٍ بينما محمود يقول: أراك تقاتل كالنساء يا كلب!. شكّل شعر الرأس نقطة حسّاسة عند محمود كونه قد أصيب ببعض الصلع المبكّر مما جعله يطيل شعره من أحد جانبيّ رأسه ثم يسدله على الجهة الوسطى شبه الفارغة من الشعر. إنتهى القتال سريعا لتدخّل مهاجر بإعتباره بعمر آبائنا إضافةً إلى كونه ضابطاً أعلى منّا رتبةً وغادر أكرم وبيده الكثير من الشعر الذي انتزعه من رأس محمود.
خلال هذه الفترة من الخصومة والنزاعات داخل القوّة البحريّة العتيدة إتّفق اثناء سيري في الشارع الأعلى للمخيم متّجهاً نحو سوق الخضار ان صادفت أحد أبناء بلدتي الفلسطينيّة “شفاعمرو” جالساً على كرسيٍّ خشبيٍّ صغير الحجم أمام أحد منازل المخيّم. هذا الشخص واسمه “عماد بهيج” هو من سكان مخيّم البدّاوي وكان أحد زملائي زمن خدمتي في طرابلس عام 1982. وآل بهيج, إضافةً إلى كونهم أبناء بلدتنا فهم أيضاً انسباءٌ لآل أبو العلا وتربطنا بهم العديد من الوشائج العائليّة. تفاجأ كلانا عماد وانا من تلاقينا في هذه النقطة من العالم, وبعد المصافحة والسؤال عن الأهل سألته عما يفعله هنا وهل هذا المنزل الذي وجدته جالساً أمامه هو منزله فأجابني لا بل هو مكتب المجلس الثوري الذي يعمل فيه. قلت:”لكنّك من عائلةٍ فتحاويّةٍ وجميع أهلك هم عرفاتيّو الانتماء” فأجابني:”هذا لم يعد صحيحا فأنا وأخوتي ومعنا أبي قد التحقنا بصفوف “المجلس الثوري” منذ غادر مقاتلو حركة فتح مدينة طرابلس ومخيّماتها حتى ان أخي الأصغر هو قائد عمليّة الهجوم على الكنسيت اليهودي في اسطنبول التي جرت في العام الفائت“. قالها بفخر مشيراً إلى الهجوم الذي وقع بتاريخ 6/أيلول/1986 على كنيسٍ نيفي شالوم حيث فتح مسلحون النار على المصلّين الأتراك من أتباع الديانة اليهوديّة أثناء صلاتهم فقتلوا منهم 22 فرداً. أثناء حديثنا دعاني للدخول لشرب فنجان قهوة فأجبته ممازحاً:”لا يمكنني ان أئتمنك بعد ان أصبحت عضواً في المجلس الثوري ولست أضمن ان أخرج حيّاً إذا ما دخلت” فأجابني ضاحكاً:”عليك الأمان”.
الإسم الكامل للمجلس الثوري هو “حركة التحرير الوطني الفلسطينيّ فتح _ المجلس الثوري” وذلك لتمييزه عن حركة فتح التي انفصل عنها عام 1974 بعد إقدام مؤسّسه صبري البنّا (أبو نضال) بتكليف مجموعة مسلّحة بهجومٍ على السفارة السعودية في باريس وأخذ 11 رهينةً بهدف مبادلتهم بأحد قادة حركة فتح المعتقلين في الأردن ويدعى “أبو داوود“. بعد الإنفصال إتخذ أبو نضال من بغداد التي كان مندوباً لحركة فتح فيها, مقرّاً دائماً له وعمل لصالح المخابرات العراقيّة لبضعة سنوات ثم انتقل في بداية الثمانينات إلى دمشق للعمل لصالح أجهزتها الأمنيّة وتقديم الخدمات لها بعد ان كان قد استهدفها سابقاً بتكليفٍ من صدام حسين. كان ذلك في العام 1976 حين اقتحمت مجموعة من مسلحيه فندق سميراميس الواقع وسط العاصمة السوريّة واتخذوا من نزلائه رهائن غير ان المخابرات السوريّة أمرت عناصرها بالهجوم على الفندق دون أخذ سلامة النزلاء بعين الإعتبار واسفر الهجوم عن مقتل 5 مدنيّين وجرح بضعة عشرة فرداً وإلقاء القبض على العناصر الفلسطينيّين الثلاثة الذين قاموا بالهجوم وتمّ إعدامهم في اليوم التالي للهجوم في ساحةٍ مواجهةٍ للفندق المستهدف. تنوّعت المهام العسكريّة التي نفذها هذا التنظيم السرّي وتعدّدت أهدافها إلّا انه يمكن حصرها في دائرة التصنيفات الخمسة التاليّة:
1- هجومات على معابد يهوديّة إوروبيّة وقتل المصلّين فيها دون تمييز .
2– هجومات على مصالح إسرائيليّة في أوروبا خصوصاً منها شركة الطيران الإسرائيليّة “عال”.
3- إغتيالات عديدة طال أغلبها سياسيّين ودبلوماسيّين فلسطينيّين عُرف عنهم القيام بإتصالات سريّة مع بعض الساسة الإسرائيليّين والأمريكيّين بطلب من قيادة م.ت.ف.
4- إغتيالات لقادة عسكريّين وأمنيّين تابعين لحركة فتح واشهر هذه العمليّات هي عمليّة إغتيال ثلاثة من كبار الضبّاط الأمنيين هم صلاح خلف (أبو إياد) وهايل عبد الحميد (أبو الهول) وفخري العمري (أبو محمد) في 14/ك2/1991.
5- هجومات وتهديدات بهجومات على مصالح خليجيّة هدفت لإبتزاز الحكام الخليجيّين ماليّاً لتمويل منظمّته.
إتّسم هذا التنظيم بالسريّة التامّة في جميع مجالات عمله فأغلب عناصره لا يعرفون بعضهم بعضاً إلا على مستويات ضيّقة وكذلك الامر بخصوص كوادره وضبّاطه وهؤلاء جميعا لا يعرفون مثلاً ما هو الراتب الذي يتلقاه زميلهم ويمنع منعاً باتاً تبادل الأحاديث الشخصيّة بين بعضهم البعض. إلى جانب سرّيته الشديدة اشتهر المجلس الثوري بالبطش الذي لم يطل خصومه فحسب بل طال ايضاً العشرات من كوادره ومقاتليه الذين تمّ إعدامهم بأدنى الشبهات. ولقد اعتمد بتمويله على مزيجٍ من الأموال الخليجيّة المبتزّة والدعم الماليّ من أجهزة المخابرت العربيّة التابعة للدول الثلاثة العراقيّة والسوريّة والليبيّة التي تنقّلت مقّرات إقامة قياداته بين عواصمها حسب تبدّل سياسات تلك الدول وعلاقاتها مع م. ت. ف. فمع بدء تحسّن العلاقات بين ياسر عرفات وصدّام حسين أوائل ثمانيات القرن الماضي انتقل أبو نضال ومقراته إلى العاصمة السوريّة التي كانت علاقة نظامها بعرفات قد وصلت إلى أسوأ مراحلها. لكنه عاد وغادرها بطلبٍ من المخابرات السوريّة بعد انكشاف تورط النظام السوريّ بمحاولة تفجير طائرة العال التي قام بها أحد أعضاء تنظيم أبو نضال “نزار هنداوي” عن طريق تفخيخ حقيبة سفر عشيقته الإيرلندية (الحامل) آن ماري ميرفي دون معرفتها بعد ان حجز لها تذكرة سفر على متن طائرة العال المتجهة من مطار هيثرو إلى مطار تل أبيب بدعوى انه يريد لها ان تقابل والديه قبل زواجهما. وكادت هذه العمليّة ان تفضي إلى مقتل 375 راكباً بينهم جنين نزار هنداوي الذي تحمله عشيقته في بطنها لولا إكتشاف العبوة المزروعة من قبل رجال أمن المطار. بعد مغادرة دمشق استقرّ أبو نضال وجماعته في ليبيا تحت رعاية العقيد القذافي ونفّذ له العديد من العمليّات الإرهابيّة في أوروبا إضافة إلى القيام بخطف مدرسين بريطانيّين هما لي دوغلاس وفيليب بادفيلد وأمريكي يدعى بيتر كيلبورن يعملون في بيروت ثم إعدامهم بعد أيام من الغارات الجويّة الأمريكيّة التي استهدفت عدة مواقع ليبيّة بينها أحد منازل القذافي بتاريخ 15/نيسان/1985.
استمرّ شهر العسل بين أبو نضال والقذافي حتى انكشاف علاقة الأخير بالعمليّة التي نفذها أبو نضال في بريطانيا والتي أدّت إلى انفجار إحدى طائرات البوينغ 747 التابعة لشركة “بان آم” الأمريكية فوق بلدة لوكربي الإسكوتلنديّة موقعةً 259 قتيلاً هم جميع ركاب وطاقم الطائرة إضافة إلى 11 أخرين من سكان البلدة التي وقعت الطائرة فوقها. بعد توجيه الإتهامات الرسميّة إلى المخابرات الليبيّة سارع القذافي المذعور إلى طرد أبو نضال الذي وجد نفسه مضطراً للعودة إلى العاصمة التي انشأ فيها تنظيمه حيث امضى سنواته الأخير في بغداد حتى 14/آب/2002 تاريخ مقتله على أيدي رجال المخابرات العراقيّة الذين قدموا إلى منزله لإعتقاله بتهمة التجسّس لصالح مصر والكويت والعمل على إكتشاف خيوط العلاقة التي تربط نظام صدّام حسين بتنظيم القاعدة. بعد مقتل البنّا بدأ تنظيمه بالتلاشي تدريجيّاً إذ ان جميع الأموال والإستثمارات التي تموّل التنظيم كانت بقبضة أبو نضال واختفت بموته.
رغم الطبيعة السريّة لتنظيم المجلس الثوري والتاريخ الدموي الذي يربطه بحركة فتح التابعة لعرفات إلّا انه نجح في إفتتاح مقرّات علنيّة في مخيم عين الحلوة وبدأ قائده في مخيم عين الحلوة ومدينة صيدا المدعو “أبو عمر” بالإنفتاح على بقيّة التنظيمات الفلسطينيّة ومنها حركة فتح حتى انه خاض إلى جانبها معركة مغدوشة كما سبق ان ذكرنا في الصفحات السابقة. بدا أبو عمر كما لو انه قد غيّر مسار التنظيم السرّي وطبيعة أهدافه خصوصاً منها التركيزالسابق على إغتيال الكوادر الفتحاوية الموالية لعرفات لكن الريبة والشكوك بقيت تراود نفوس أغلب الفتحاويّين وكذلك الحذر والتحوّط.
وافقت على شرب القهوة مع عماد داخل مكتب المجلس خجلاً وكان في الداخل بعض المسلّحين وخلف طاولة المكتب جلس رجلٌ في أواخر الأربعينات من عمره عرّفني عليه عماد حين صافحته قائلاً:”الأخ أبو عمر” ثم التفت إلى أبو عمر معرفاً بي: الأخ غسّان من ضبّاط حركة فتح وهو نسيبي وابن بلدتي”.
قدّمت القهوة وتبادلنا بعض الأحاديث السياسيّة والشعارات عن التلاحم بين التنظيمات الفلسطينيّة وطيّ صفحة الخلافات التاريخية وما شابه ثم ودّعتهم بعد ان وعدتهم بزيارة أخرى قادمة. آتت الزيارة القادمة بعد بضعة أيام عند مروري مرّة ثانية من أمام المكتب المذكور ومعي هذه المرّة جمال كايد ومحمود زكي, وكان جمال قد أكتسب بعض الشهرة في المخيّم بصفته التي اكتسبها منذ وصوله, قائداً للقوّة البحريّة, فاستوقفنا عماد وأصر علينا ان ندخل لشرب القهوة ففعلنا. كان أبو عمر بالداخل أيضاً هذه المرّة وبدأ الحديث هذه المرّة يتركّز على القيم والمبادئ الفتحاويّة التي يعتزّ بها أبو عمر وعن كونه يعتبر أبناء فتح عرفات هم في نفس الوقت ابناء فتح المجلس الثوري ويقدّرهم حقّ قدرهم خصوصاً منهم المخلصين. ثم بدأ يتحدث عن النزاهة الماليّة في المجلس الثوري والمبادئ الثوريّة التي تحتم هذا النزاهة المفقودة في فتح الأم. كان بإختصار يحاول إستدراجنا لترك تنظيمنا والإنضمام إلى تنظيمه وبدا على إطلاع بموضوع الخلاف داخل القوّة البحريّة وان لم يتطرّق إليه أثناء حديثه المطوّل الذي كان مركّزاً على الدعم الماليّ غير المحدود لضبّاط المجلس الثوري وان واحدهم ليس له راتبٌ معيّنٌ وفقَ شريحة محدّدة بل يتمّ دراسة الأمر مع الضابط نفسه ومنحه كل ما يحتاج إليه من المال شهريّا. أبدى أحدنا (محمود زكي) الإهتمام بحديث أبو عمر أكثر من جمال ومنّي وبدأ يناقش أبو عمر بالتفاصيل خصوصاً انه كان قد انتقل حديثاً إلى منزله في وادي الزينة وهو بحاجة إلى الكثير من الأموال لتزويده بالفرش اللازم والأدوات واللوازم المطبخيّة فأجابه أبو عمر بان التنظيم يتكفّل بجميع إحتياجات كوادره الماديّة مهما كبرت معلّلاً الأمر بالضرورات الأمنيّة إذ ان الضابط إذا ما وقع في ضائقةٍ ماديّة فانه سيصبح صيداً سهلاً للأجهزة الإستخبارية المعاديّة التي قد تسعى لتوظيفه.
أصبح من الواضح أثناء الحديث ان محمود مهتمٌ بما يطرحه أبو عمر ويفكّر جديّاً بالانتقال إلى المجلس الثوري مما دعا الأخير إلى دعوته (ودعوتنا) للقاءٍ ثان بعد يومين في المقرّ الآخر للمجلس والواقع في مبنىً قريبٍ من جبل الحليب وهو مقرّ أبو عمر الرئيس.
حضرنا ثلاثتنا من جديدٍ في الموعد المضروب, وركّز جمال في أغلب حديثه على الأخوّة بين الفلسطينيّين وفي نفس الوقت على إصراره وإيمانه بأن التغيّير المطلوب يكون في محاربة الفساد داخل حركة فتح نفسها وليس الانفصال عنها وأن ولاءه شخصياً لحركته أمرٌ مفروغٌ منه لكنه سيبقى يمدّ يد الصداقة والأخوة إلى جميع المناضلين في التنظيمات الأخرى وخصوصا منهم كوادر المجلس الثوري. اما محمود زكي فقد بدأ بالحديث بالأمور العمليّة واستكمل مع أبي عمر الموضوع الذي كان بدأه في اللقاء السابق وهو تكاليف فرش بيته المستأجر من غرفة نوم وصالون وفرن غاز وبرّاد وغسّالة وما شابه وقدّ قدّر محمود تكاليفها بحوالي 3000 دولار فما كان من أبو عمر إلّا ان فتح أحد جوارير الطاولة التي يجلس عليها وبدأ بإخراج رزم الأوراق الماليّة منها وجميعا من فئة ال 250 ليرة لبنانيّة أكبر فئات العملة اللبنانيّة. كوّم المبلغ على الطاولة أمامه ثم قدّمه لمحمود الذي طلب كيساً فقد كان المبلغ أكبر من ان يحمله في جيوبه فأحضر له كيساً ورقيّاً وضعه فيه. وقد حاول أبو عمر جهده لإقناعي بالانتقال إلى المجلس لكنّني رفضت متذرعاً بتزمّتهم الشديد وقلت له اني لا أمانع في كأس ويسكي أو تنكة بيرة بين الحين والآخر وهو الأمر المحظور عندهم, فردّ بإستعداده لتزويدي بقرارٍ خطّي رسميّ يجيز لي شرب الخمر إستثنائياً فتبسّمت لكنني بقيت على موقفي.
بعد خروجنا من المكتب لمنا محمود على موقفه المتسرّع وذكّرناه بخطورة هذا التنظيم الذي كثيراً ما يقوم بالتخلّص من كوادره بعد إستنفاذهم لكن سخط محمود على أكرم وقرفه من الوضع بشكلٍ عامٍ جعله يتمسّك برأيه. لحسن الحظ, اعمل محمود التفكير في هذه المسألة قبل ان يقدم على صرف المبلغ الذي استلمه, ثم عاد إلى رشده بعد بضعة أيّام وأعاده إلى أبي عمر معتذراً منه وأبلغه عن عدم نيّته بترك الحركة والانضمام إلى المجلس الثوريّ. وقد حاول أبو عمر توريطه عبر إصراره على ان يستبقي محمود المبلغ الممنوح له كهديّة من أخٍ فتحاويٍ إلى أخٍ فتحاوي آخر يعاني من ضائقةٍ ماليّة, دون ان يترتّب على الهديّة أيٌ إلتزامٍ من أي نوع كان لكن محمود أصرّ على ردّ المبلغ شاكراً لأبي عمر كرم أخلاقه.
——————————————-
رغم ان أكرم كان في العام 1982 يقود السيّارة العسكريّة في موقع البحريّة الواقع على مشروع شركة الكهرباء اللبنانية في الشمال لتوزيع التموين كما يفعل الآن إلّا انه لا يجيد القيادة بشكلٍ كافٍ وينقصه بعض التدريب. وجهت له أنا شخصيّاً بعض الملاحظات في أكثر من مناسبة بخصوص اخطاءٍ ارتكبها أثناء القيادة لكنه كان يردّ في كلّ مرةٍ على ملاحظاتي بتعالي كما لو انه شوماخر. إن الفرق بين قيادة السّيارة في داخل الموقع عام الإجتياح الإسرائيلي وبين قيادة السيّارة الآن هو ان الاولى تمّت في ممرّاتٍ رمليّةٍ فارغة من المارّة والسيّارات الأخرى بين تتمّ الثانية وسط مخيّمٍ ضيّق الأزقّة يُعدّ أحد أكثر الامكنة كثافة سكانيةً في العالم ويعجّ بالناس على جوانب الطريق. وبين الناس على الطرقات ثمة فئةٌ عاجزةٌ عن تبيّن الأخطار وهي فئة الأطفال وجميعهم لا أماكن لهوٍ لهم في المخيّم سوى أكوام الرمل المهيّأة لأعمال البناء والقريبة من منازلهم. أحدهم طفلٌ لا يتجاوز الخامسة من عمره, كان يلهو بالقرب من واحدةٍ من أكوام الرمل هذه ولم يعلم ان إشغال محرّك السيّارة التي بجانبه يعني انها على وشك التحرّك وربما تكون هذه الحركة نحوه. جهله البريء هذا تناغم مع جهل أكرم النرجسيّ الذي جعله لا يدرك ان النظر في مرآة السائق غير كافٍ حين تكون سيارتك مركونةً وسط ملاعبٍ مفترضةٍ للأطفال خصوصا في حالة السيّارات العالية ذات الدفع الرباعي, بل يفترض بالسائق ان يدور حول سيّارته قبل ركوبها فلا يكتفي فقط بفتح باب السائق وإشعال المحرّك ثم الانطلاق بها. هرس أكرم الطفل البريء مرّتين عند رجوعه إلى الخلف بسيّارته العسكريّة مرّةً بدولاب سيّارته الخلفيّ الأيمن والثانية بدولابها الأمامي الأيمن فتعالى صراخ الناس في الطريق مما جعله يلتفت إلى حيث يتراكض الناس فرأى الطفل المضرّج بدمائه وبدلاً من ان يحمله وينقله نحو المستشفى اختار ان ينطلق بسيّارته هارباً من المنطقة.
مات الطفل المسكين وهو إبنٌ لشابٍ من بلدة عمقا الفلسطينيّة يعمل حلّاقاً في صالون صغيرٍ وسط الزقاق الذي يسكن فيه داخل المخيّم واسمه أبو هيثم. أبو هيثم هذا وزوجته أم هيثم هما صديقان لمهاجر وأسرته وجاران سابقان لهما قبل ان ينتقل مهاجر إلى بستان اليهودي حيث بنى منزله الجديد. بعد الدفن والتعازي وفترة الحداد تدخّل مهاجر لدى والديّ الطفل القتيل زاعماً (عن حقّ) ان القاتل مسلمٌ صالحٌ لا يدع فرض صلاةٍ أو صيام دون ان يؤديّهما وانه مستعدٌ لدفع ديّة فقيدهم فما كان من الوالدين البسيطيّن سوى رفض الديّة بعد علمهم “بتقوى” القاتل واشترطا بدلاً منها ان يصوم أكرم صيام رمضان لمدّة شهرين متتاليّن وهو ما كان.
استمرّ أكرم بعد هذا الحادث في احتكار قيادة السيّارة حتى حدث ان عدنا إلى مناقشة موضوع السيّارة في أحد الأمسيات وكان جمال يردّد له ان الموقع المقام في درب السيم بحاجة إلى وجود سيّارة للطوارئ خصوصا في ساعات المساء وانه ليس من الحكمة ان يستمرّ أكرم في لعب دور سائق سيّارة التموين خصوصاً بعد ان هرس الطفل وقتله بسبب عدم إتقانه للسياقة. وأضاف أحدنا ان ليس من اللياقة ان يثابر على التجوّل بالسيّارة داخل المخيّم امام أعين أقارب الطفل القتيل الذين سامحوه بدم ابنهم أفلا يبادلهم نبلهم بمراعاة مشاعرهم .. انما على من تقرأ مزاميرك يا داوود. دار هذا الحديث أثناء سيرنا وأكرم في الزقاق الضّيق الموصل من مقرّنا نحو الشارع الفوقاني حيث ركن السيّارة لكنه أصرّ على موقفه ومضى متّجهاً نحو باب السائق ليغادر بها كما لو اننا نكراتٍ لا قيمة لنا. هنا استشطت غضباً وقلت لنفسي يكفي هذا الهراء فإن الكلام لا ينفع مع مثل هذا الرجل فاستللتُ مسدسي وألقمته على عجل ووجّهته نحو أكرم مخاطباً إياه بكلمة وأحدة:”المفتاح“. وقف أكرم مصدوماً وشعر بأنني أعني ما أقول فرمى المفتاح لجمال الواقف وسط مرافقيه المسلّحين ثم مضى مشياً على قدميه. لاحقاً وفي نفس الليلة تقدّم إليّ بصفتي ضابط الأمن, أحد عناصر القوّة البحريّة وهو شابٌ يافعٌ في ال17 عشرة من عمره كان قدم من مخيّم صبرا قبل أسابيع بهدف التطوّع في حركة فتح وطلب الإذن بالتكلّم معي على انفراد فجلسنا في غرفةٍ في المقرّ وحدّثني بما كان يخشى التفوه به لكن يبدو ان أكتشافه ان أكرم ليس كليّ السلطة وانه مكروهٌ من قبل بقيّة الضبّاط, قد شجّعه على التكلّم وتقديم شكوى ضدّه.
تردد في بداية الحديث وبدا حائراً في إيجاد الكلمات المناسبة فأبلغته بان يتكلّم بصراحة لاننا جميعا نعلم بفساد أكرم الأخلاقي وان له أسبقيّات في التحرّش الجنسي فانطلق لسانه بعض الشيء وأفاد بان أكرم قد استدعاه مرّة ليصطحبه في السيّارة لأجل إحضار التموين من المستودع الرئيس وانه قد أقدم وهما في الطريق إلى المستودع على وضع يده بين ساقيّ الشاب وتلمّس عضوه الذكري من فوق ملابسه ولم يدري الشاب ما الذي يفعله عندها ولم يجد الجرأة على إبلاغ أحد بهذا الحدث, واكتفى في الفترات التاليّة بتحاشي التواجد في المقر أثناء وجوود أكرم فيه. أفهمت الشاب بأنه كان ضحيّة في هذا الموضوع وان ليس عليه ان يخجل من شيء لا يتحمّل مسؤوليته سوى ذلك الرجل الشاذ والفاسد وطمأنته إلى ان أكرم لن يعود إلى المقرّ بعد الآن.
بعد يومين من هذا الحادث كان لقاؤنا مع عبد المعطي والذي ذكرته في الصفحات الأولى من هذا الكتاب. بعد ان تشاورنا مرّة أخيرة جمال ومحمود وطايش ارتأينا بأن الأمر لم يعد خلافاً بين أصدقاء وزملاء عمل بل كيداً ولصوصيّة ومحاولة وقحة ومكشوفة من أكرم للتسلّط على زملائه دون أية اعتبار للعِشرة والزمالة. بناءً عليه لم يعد يتحتّم علينا مراعاة ما لم يراعيه فينا والأمر الوحيد الممكن بعد ان رفض كلّ محاولاتنا للوصول إلى آلية تضمن لكلّ ذي حقٍّ حقّه ان عملاتيّاً إو ماديّاً أو معنويّاً هو رفع الأمر إلى مستوىً أعلى. لذا فان التوجّه الآن هو مخاطبة قيادة الساحة بخصوص كافة الأزمات التي تعصفّ بالقوّة البحريّة. ليس هناك من إجراءاتٍ معيّنة للقاء عبد المعطي والطريقة المتّبعة هي ان تبحث عنه فلمّا تجده تطلب إلى حرسه إبلاغه بوجودك والرغبة باللقاء به وهو ما فعلناه. توزّعنا في سيّارة جمال كايد وسيّارتي وانطلقنا عصراً نحو مقرّ إقامة عبد المعطي في منطقة الهشمري وسألنا حرسه عمّا إذا كان موجوداً في الداخل أم انه قد خرج فأجابنا بانه موجودٌ لكنه في قيلولةٍ فطلبنا منه إبلاغه بحضورنا عندما يصحو وبأننا سنعود مساءً. عندما عدنا في المساء كان عبد المعطي قد علم بقدومنا وأمر حرّاسه بإدخالنا مباشرةً عند عودتنا فدعانا أحد الحرّاس إلى الدخول. بعد دردشة مجاملة إجتماعيّة قصيرة وترحيبٍ وسؤالٍ عن الأحوال بادرنا عبد المعطي بالسؤال:
عبدالمعطي: خير ان شاء الله شباب .
- جمال: نحن في القوّة البحريّة يا أخّ أبو ياسر نعاني من عدة أزماتٍ على عدّة مستويات.
عبد المعطي: ما هي هذه الازمات؟
- جمال: أوّلها عناد أكرم وإصراره على الإستفراد بالقرار كليّاً دون ان يتيح لأيٍّ منّا القيام بمهامه فتراه يمارس كل الأدوار بنفسه من دور ضابط الإدارة إلى دور ضابط الماليّة وحتى دور سائق التموين.
عبد المعطي: والثانية؟
- انا: الثانية هي انعدام الشفافيّة الماليّة ورفضه إطلاع ضابط الإدارة/الماليّة أو أي من الضبّاط الآخرين على طرق صرف الموازنة الشهريّة أو التشاور معنا بخصوصها أو حتى إعلامنا بقيمتها.
- محمود: امّا الثالثة والأهمّ فان هذا الشخص لوطيٌ معروفٌ سبق له انت اعتقل بعد ضبطه متلبساً ثم طرد من الحركة بعد اطلاق سراحه , لكنه أُعيد إلى الحركة بطريقةٍ ما.
- عبد المعطي: (متبسّماً) والله العظيم انكم انتم اللوطيون. أفلا تضعون طلقة في رأسه ثم ترمونه في مكان ما. ما الذي تريدونني ان أفعله. هل تريدون منّي ان أقوم بعملكم نيابةً عنكم!
- جمال: أخ أبو ياسر نحن قادرون على القيام بأيّ عمل لكن لا نودّ ان نلطخ أيدينا بدماء زميلٍ سابقٍ لنا.
- عبد المعطي: يا أبو خالد, انت تعلم ان علاقة أكرم بالأفندي جيّدة وهي يدعمه بشكلٍ كامل. والقرار كما تعلم ويعلم الشباب الموجودين هنا معنا هو بيد الأفندي لا بيدي. لا اودّ تحريضكم انما لو كنت مكانكم لحللت هذه المسألة بنفسي.
- محمود: نحن أحببنا يا أخ أبو ياسر ان نطلعك على الأمور ونستشيرك فيه وسنرى ان شاء الله كيف تسير الأمور.
شربنا الشاي ودردشنا في مواضيع عامّة ثم استأذنا بالذهاب وصافحنا أبو ياسر وغادرنا إلى مقرّنا في عين الحلوة. رفض جمال عند وصولنا إلى المقرّ رفض تداول الحلّ الذي طرحه أبو ياسر إنما في واقع الأمر كنّا جميعاً متفقين على ان لا خلاص من هذا الرجل إلّا بالقتل لكن لم يكنّ بيننا من يريد قتله بنفسه. صحيحٌ ان لدى جمال كايد طموحٌ محقٌّ بقيادة القوّة البحريّة بدلا من أكرم لكن طموحه هذا لم يكن بالقدر الكافي ليقدم على قتله. بالنسبة لسواه من الضبّاط فجميعا نفضّل ان يرأس القوّة ضابطٌ مثل جمال يحمل مواصفات الشخصيّة الشعبيّة والمحبوبة جماهيرياً بسبب تواضعه وطيبته وحسن ملاقاته للمقاتلين إضافة إلى مصداقيّته وحرصه على علاقات الزمالة والصداقة بدلاً من شخصٍ خبيثٍ متعالٍ ولوطيٍّ سيّئ السمعة ولصٍّ غير ظريف, لكننا أيضاً لم نكن مستعدين لتحملّ مسؤولية قتله.
السبب الرئيس الذي جعل أكرم ينجو بتصرفاته الانانيّة وغير الأخلاقية هو ان القتل في هذه الظروف يحتّم على القاتل ان يكون لديه بضع عشرات من المسلّحين الموالين له شخصيّاً وان يكون لديه ما يكفي من الإرتباطات مع أطراف ذات نفوذ داخل الحركة وأحياناً خارجها بحيث يستطيع تأمين تكاليف ورواتب هذه الحماية الشخصيّة وإلا فإن أصحاب المصلحة في عمليّة القتل سيتبرأون من المنفّذ لاحقاً ولربما يتمّ إعدامه بصفته “عميلاً للعدوّ الصهيوني” أو ربما يذهب “فَرْق حساب” او ضحية تسويةٍ عشائريّةٍ ما مثلما حدث مع الكثيرين. من هؤلاء الكثيرين مثلاً, الملازم “شمس” وهي فتاةٌ مسترجلة من مخيم شاتيلا كانت تقود وحدةً عسكريّة صغيرة تابعة لأبي ياسر (عبد المعطي) ومقرّها في طلعة الهمشري. وبمناسبة الحديث عن شمس لا بد أذكر هنا ان أحد قادة الأزقّة الأميّين كان قد وقع في حبّها ولكنها رفضته بسبب ميولها الخاصة التي لا يدخل ضمنها هذا القائد وهو بديع كريّم قائد الشرطة الفلسطينيّة في عين الحلوة والتي يطلق عليها إسم “الكفاح المسلّح” والذي كان يحلو له الحديث مع مرؤوسيه من الضبّاط في مواضيع الإستراتيجيا والتوازن الدولي مسميّاً الصواريخ البالستيّة بإسم “الصواريخ البلاستيكيّة” فيستمع إليه الجمعُ دون ان يجرؤ أحد منهم على تصحيحه. شمسُ هذه كانت النسخة “السحاقيّة” من “قبضايات” حركة فتح أو بالأحرى شبّيحتها وحدث ان أرسلت مجموعةً من عناصرها لإعتقال أحد ابناء مخيم الميّة وميّة إثر مشادةٍ كلاميّة لم تعرف تفاصيلها بالزبط.
حين وصلت المجموعة إلى منزل الشخص المطلوب وطلب منه أحد أفرادها مرافقتهم إلى مكتب الملازم شمس رفض وأشهر بندقيّته مما أجّج ملاسنةً أخرى كانت نتيجتها إقدام أحد أفراد المجموعة بإطلاق النار عليه وقتله. إستنفر أهل القتيل في المخيم وأقسموا ان يأخذوا بثأرهم من شمس نفسها بإعتبارها هي التي أرسلت المجموعة التي قام أحد أفرادها بعمليّة القتل. احتقن الوضع في المخيم وكاد يخرج عن السيطرة فأقدم أبو ياسر على إقناع شمس بالمثول أمام القضاء الفتحاوي (الصوَري) في محاولة لإمتصاص نقمة أهالي القتيل وتهدئة الأوضاع الأمنيّة المتوترة وقد أعطى أبو ياسر ومعها حليفه في ذلك الوقت جمال سليمان ضمانتهما الشخصيّة لشمس بان لا تتعرض لأذى وان يرافقانها شخصيّاً من مقرها في قيادة الوحدة التي تقودها إلى مكتب المحكمة في ساحة بلدة الميّة وميّة فوافقت على الحضور وعند ترجلهم جميعا من السيّارات التي تقلّهم وتوجّههم صوب ذلك المكتب تقدّم أحد المسلّحين المحليّين وباشر بإطلاق نيران بندقيته الرشاشة على شمس التي كانت تسير في وسط المجموعة وعلى يسارها جمال سليمان وعلى يمينها عبد المعطي اللذان ما كان منهما سوى الإبتعاد وتركها لمصيرها فقضت للتوّ بعد ان أفرغ قاتلها رصاصات مخزنه في جسدها وتمّ بعدها حفظ القضيّة.
لم يطل الأمر بعد لقائنا بعبد المعطي إذ كان أكرم في هذه الأثناء قد أجتمع بالأفندي وأطلعه على الخلافات الدائرة في القوّة حسب وجهة نظره وطلب منه نقل ثلاثة من الضبّاط هم جمال ومحمود وانا إلى خارج القوّة وهو ما قام به الأفندي إذ أصدر أمراً إدارياً يقضي بذلك ووزّعنا في نفس الأمر على ثلاثة قطعٍ عسكريّة مختلفة. بعد عدّة أيام اجتمع جمال بالمقدّم أبو سليم (حسني سليم) قائد قوّات ال17 في الساحة اللبنانيّة وعرض عليه انتقاله إلى القوّات مع عناصره فوافق أبو سليم مباشرةً وأصدر أمراً إدارياً يقضي بتكليف جمال كايد بتشكيل كتيبة جديدة تضاف إلى عديد قوّات ال17. بقي مقاتلي جمال في نفس المواقع في درب السيم مع تعديلٍ طفيفٍ طرأ فقط على إسم القطعة العسكريّة التي أصبحت الان كتيبة وانضم إليها لاحقاً العديد من المقاتلين الإضافيّين. اما محمود زكي فقد انضم إلى المنطقة الوسطى كما سبق ان ذكرت وأسس كتيبةً صغيرة الحجم كأغلب الكتائب الأخرى وذلك بسبب عدم توفّر المقاتلين. وربمّا يجب ان أذكر هنا انه محمود قد أضطر ان يترك منزله في وادي الزينة بعد انتشار الجيش السوريّ على الخط الساحلي وتموضع حاجزٍ للمخابرات في بلدة الرميلة حال بينه وبين منزله فانتقل بعائلته إلى منطقة الفوّار خلف مستشفى الهمشري. أما انا فقد رفضت تنفيذ القرار لقناعتي بان القوّة البحريّة ليست ملكاً للأفندي ولا لأكرم وبأن عملي في القوّة البحريّة الذي أمضيت اربع سنوات في دراسته هو مهنتي التي أتقنها أما سلك القوّات البريّة فلا أفقه فيه شيئا لا في الطوبوغرافيا ولا في التكتيك الميداني ولا في الإستراتيجيا العسكريّة بل لا اميّز بين مدفعٍ ومدفع ولا بين رشّاشٍ ورشاش وكلّ ما اتقنه في هذا المجال هو الرماية بالمسدس وبنوعين من البنادق الآلية هما آي كيه 47 الروسيّة الصنع والأم 16 الأمريكية ولا أزعم دقّة الإصابة.
بعد صدور قرار الأفندي بنقلي إلى إحدى الكتائب قرّرت الإستنكاف عن العمل ورفض الإلتحاق بالموقع المراد ومغادرة كل هذا القرف والعودة إلى مخيّم اليرموك رغم ان العودة إلى هناك محفوفةً بالمخاطر أولها خطر الإعتقال على حاجز المخابرات السوريّة في بلدة الرميلة الذي أوقف بضعة عشر شخصاً من كوادر الحركة منذ تموضعه وزجّ بهم في غياهب سجون النظام في دمشق. ولقد تبيّن ان جهاز المخابرات قد نجح في توظيف الكثير من العملاء داخل صفوفنا حتى زعم البعض ان نسخاً عن كامل كشوفات الذاتية لجميع الضبّاط والأفراد الموجودة في الإدارة العسكريّة لفتح قد جرى تسريبها للمخابرات السوريّة وهي فرضيةٌ أثبتتها العشرات من التوقيفات. ثاني هذه المخاطر هو اعتقالي عن أيٍّ من حواجز المخابرات السوريّة الأخرى المنتشرة على الطرق الرئيسة ابتداءً من صيدا وصولاً إلى المعبر الحدودي بين لبنان وسوريا, وأشهر هذه الحواجز, حاجز “ضهر البيدر” وحاجز مفرق بلدة عنجر حيث مقرّ غازي كنعان. أما الخطر الأكبر فكان الإقامة داخل مخيّم اليرموك في الوقت الذي تعتقل فيه الأجهزة الأمنيّة السوريّة 5000 آلاف فلسطيني بتهمة الإنتماء ل“زمرة عرفات–الوزير“. رغم هذه المخاطر بل ورغم الأهوال التي قد أتعرض لها في حال إعتقالي إلّا ان حالة القرف والغثيان التي أصابتني وانكشاف حقائق المبادئ “الوطنيّة” امام عينيّ وسقوط الشعارات والتنظيرات والخطابات دفعتني إلى المضي قدماً في هذا القرار الذي اتخذته.
تحدّثت إلى الضابط في الجبهة الديموقراطيّة لتحرير فلسطينيّ “أبو محمد السبع” وهو زوج شقيقة صهري خالد سليمان, في إحدىزياراته شبه اليوميّة إلى منزل أنسبائه في أمر الذهاب إلى سوريّة برفقته حين يحين موعد إجازته على ان أملأ له خزّان سيّارته بالوقود. والسبع فلسطينيّ سوري مقيمٌ في إحدىضواحي دمشق الشعبيّة والقريبة من مخيّم اليرموك ويتيح له انتماؤه للجبهة الديموقراطيّة المتصالحة مع النظام السوريّ ان يعبر الحدود اللبنانيّة السوريّة عبر خطٍّ عسكريّ تسيطر عليه المخابرات السوريّة وحدها دون مشاركةٍ من أيٍّ من مؤسّسات الدولة اللبنانيّة. وافق السبع على طلبي ووعدني بإستصدار بطاقة هويّة لي من تنظيمه لإستخدامها في الطريق وطلب منّي صورةً شخصيّةً ليضعها على البطاقة فأعطيته واحدة. في هذه الأثناء زرت أكرم في ورشة بستان اليهودي وأبلغته بانني لم أعد أريد هذه الشراكة معه في المبنى الذي يقوم بتشييده وعليه ان يدفع لي ثمن منزلي وقطعة الأرض الملحقة به فادّعى العوز وعدم قدرته على دفع أكثر من 1000 دولار فقبلت المبلغ على مضض. وكذلك اتفقت مع صهري خالد على ان يستبقي سيّارتي معه على ان يعمل على بيعها في أقرب فرصة ثم طلبت منه إستلام راتبي من الماليّة المركزيّة عند نهاية كلّ شهر وإرساله لي مع أحد السائقين الثقاة الذين يعملون على خط صيدا – دمشق. حين علم جمال سليمان بنيّتي بالعودة إلى سوريا سألني عن السبب الكامن وراء قراري هذا فحدّثته بمجريات الأمور بخصوص الصراع في القوّة البحريّة وأبلغته أيضاً عن الشذوذ الجنسي والفساد الأخلاقي لقائد القوّة الذي يقوم الأفندي بدعمه إلى الحدّ الذي جعله يتّخذ قراراً بإستبعاد جميع الضبّاط البحريّين عن القوّة البحريّة بهدف الإبقاء على ضابطٍ واحد يهوى مداعبة الأعضاء الذكوريّة لمرؤوسيه. أبدى جمال امتعاضه من تصرفات أكرم الذي لا يعرفه وطرح عليّ ما كان قد طرحه أبو ياسر على فريقنا عند إجتماعنا به فقال:” اعدمه ثم اجلب جثّته وادفنها عندنا في جبل الحليب “.
بعد عشرة أيّام حان موعد إجازة السبع فأبلغني قبل السفر بيومٍ واحد وسلّمني البطاقة العسكريّة التي استصدرها بإسمي. إنطلقنا عند العاشرة صباحاً من اليوم التالي متّجهين نحو سهل البقاع اللبناني عبر الطريق الساحلي ثم الانعطاف يميناً عند تخوم بلدة خلدة ثم صعوداً نحو جبل الدروز الأخضر الذي يرتفع أكثر من 2500 متر عن سطح البحر. عند مرورنا بحاجز المخابرات السوريّة في الرميلة ساورتني بعض الخشيّة ولكني حاولت جهدي ان أحتفظ برباطة جأشي ولا أبدي على وجهي أيّاً من مشاعري ولحسن حظّي لم يوقفنا الحاجز ليدقّق في بطاقات هويّاتنا أو يفتّش سيارتنا. كان أحد مسلّحي الحاجز ذوّي اللباس المدني يختار عشوائيّاً بعض السيّارات التي يأمر سائقها بالتوقف على جهة اليمين حيث يقوم زملاءٌ له بالتدقيق والتفتيش وحين وصلنا الدور أشار لنا برأسه بالعبور فتابعنا سيرنا. توقفنا بضع مرّات على الطريق إذ اعتاد السبع ان ينقل الركاب بسيّارته المرسيدس أثناء سفره من وإلى عمله أو لأي أمر آخر وذلك لتحصيل بعض المال الإضافي. كذلك توقّفنا عند إحدىمحطّات البنزين لملء خزان سيّارته ودفعت انا ثمن الوقود حسب الإتفاق.
عند الثانية عشرة ظهراً وصلنا إلى منطقة المصنع ومن هناك انعطفنا يميناً بدلاً من دخول منطقة الجمارك اللبنانيّة وتابعنا طريقنا لنحو ربع ساعة مارّين ببلدة الصويرة ثم انعطفنا يساراً بإتجاه بلدة عيتا الفخار الحدوديّة التي كنّا قد قطنّا فيها أيام طفولتي حين كان والدي يعمل على نقل السلاح من سوريّا إلى لبنان في بدايات تغلغلّ فتح في الداخل اللبناني. على هذا المفرق توجد خيمةٌ عسكريّة كبيرة خرج منها أحد المسلّحين (أيضاً باللباس المدني) عند سماع صوت محرّك السيارة فتوقفنا بجانبه فطلب بطاقاتنا العسكريّة ودقّق فيها ثم حملهما معه إلى داخل الخيمة حيث لا بد انه تفقّد سجل المطلوبين فلم يجد أحداً منّا مقيّداً فيه فخرج وناولنا بطاقاتنا وسأل السبع عمّا أحضره له في طريقه فناوله ربطة خبزٍ فأخذها وسألنا عمّا إذا كان لدينا بدلاتٌ عسكريّة فأجبنا بالنفي لكن السبع وعده بان يحضر له واحدةً في مشواره القادم فانفرجت أساريره بعض الشيء وسمح لنا بمتابعة طريقنا حيث وصلنا بعد ربع ساعةٍ أخرى إلى معسكر الجبهة الديموقراطية في بلدة ينطا وهو رغم هذه التسميّة لا يتواجد فيه أكثر من ثلاثة عناصر مع قائدهم. ربما كان معسكراً فيما مضى لكنّه الان عبارةً عن نقطة إستراحة لأفراد وضبّاط الجبهة في طريقهم من وإلى سوريا.
ركن السبع سيّارته بجانب الموقع ثم نزلنا وصافحنا قائد الموقع الذي يعرفه السبع جيداً بحكم مروره الشهريّ به ثم صافحنا الشباب الذين معه وتحدث إليه السبع قليلاً ورجاه المحافظة على السيّارة. بعد المصافحة والحديث القصير تابعنا سيرنا راجلين ومنحدرين نحو بلدة حلوة التي تقع على بعد خمسين متراً من الطريق العام الواصل بين نقطة المصنع الحدوديّة ومدينة دمشق. استغرقنا نحو نصف ساعة من المشي وصلنا بعدها إلى الطريق العام وهناك أشرنا لأحد الباصات الصغيرة (ميكروباص) العاملة في نقل الركاب فأوصلتنا إلى كاراج البرامكة, حيث افترقنا فذهب السبع إلى منزله وصعدت انا إلى سيّارة تاكسي وتوجّهت إلى مخيّم اليرموك.
—————————————————
لا شيء جديد في مخيّم اليرموك ولا في حيّ المغاربة ولا في حارة الجواعنة التي يقطن أهلي فيها ولعلّ هذا من حسن حظّي إذ ان جميع سكانها الحارة هم سكانها الأصليّين على مدى عشرات السنين ممّا عنى انهم موثوقون ومعروفون وليس بينهم مخبرين للنظام. رغم غيابي لما يقارب السنتين ومعرفة اغلب الجيران بانني كنت في عين الحلوة إلّا ان أيّاً من عشرات الأجهزة الإستخبارية السوريّة التي تعلم بدبيب النمل في المخيّم لم تعلم بأمري. كذلك فإن اقتصار صداقاتي وعلاقاتي الإجتماعيّة على عددٍ قليلٍ من ابناء جيلي من سكان حارتي ساهم في تعميّة عيون العسس عنّي. عدا عن بضعة مئاتٍ من الأفراد الذين اغتنوا من وراء ارتفاع أسعار بعض المنازل السكنيّة الواقعة بالقرب من شوارع رئيسّة تحوّلت مع الزمن إلى أسواقٍ تجاريّة وتزاحم الناس لشراء هذه المنازل لتحويل طوابقها السفلى إلى محلّات تجارية باهظة الثمن فان مخيّم اليرموك لا يختلف في بؤسه عن مخيّم عين الحلوة او سواه من المخيّمات الفلسطينيّة في لبنان. فالبؤس هو نفسه والفقر نفسه والبطالة واليأس نفسهما ورغم ان القوانين السوريّة تعامل اللاجئين الفلسطينيّين سواسية كالمواطنين السوريّين إلّا ان النتيجة الوحيدة لهذا الميزة هي مشاركة الفلسطينيّين لاشقائهم السوريّين بؤسهم وفقرهم وبطالتهم ويأسهم.
مع إستقراري من جديدٍ في مخيّم اليرموك عدت إلى ما كنت فيه من العيش الهامشي الذي أحبّذ. فكما الصعاليك لا توقاً إلى مستقبلٍ لديّ ولا ندامة على ماضٍ ولا حرصاً على حاضر . قرفٌ وسخطٌ يدفعانني إلى دفن رأسي في ثنايا الكتب غالباً وفي علب البيرة وأقداح الوسكي أحياناً وفي أحضان النساء نادراً بسبب صعوبة توفرهن. أستعنت على ما تبقى من الوقت, كما أغلب أصدقائي بلعب الورق أو بالجلوس عند “بسطات” أخوَيّ وإبناء عمومتي الذين يعمل أغلبهم في سوق الخضار القريب المتاخم لأحد أسوار “مقبرة الشهداء“. أقيم هذا السوق العشوائي في الهواء الطلق يعرض فيه الباعة خضارهم التي يشترونها من سوق الهال الدمشقي على بضعة ألواحٍ خشبيّة وبعضهم بلغ به الترف مبلغاً جعله يتظلّل بأكياس خيشٍ مخاطةٍ بعضاً إلى بعض ومعلّقةً على أعمدةٍ خشبيّةٍ تحيط ببسطته. رغم عشوائيته وتهديد البلديّة المستدام بهدمه ومنع البيع فيه إلّا انه نجح في البقاء على مدى عدّة عقودٍ بفضل الدفعات اليوميّة الماليّة والعينيّة التي يقدّمها الباعة لأفراد شرطة البلديّة المكلّفة بحظرهم. غالباً ما يقع ابطال الأفلام والمسلسلات المصريّة في الحب بعد لقاءاتٍ تجري في “النادي” أو على “البلاج” أما في الأعمال السينمائية والتلفزيونيّة السوريّة فان أفضل أماكن الوقوع في الحبّ هي المعاهد والجامعات وكلا الأمرين هراء. أفضل الأمكنة للوقوع في الحب في الدول العربيّة هي أسواق الخضار الأمكنة الوحيدة التي تطرقها كلّ النساء دونما مساءلةٍ أو شبهةٍ أو خوف ويتحدثن إلى من شئن ويتخيّرن ما شئن من عبارات الغزل وأنواع الخضار. “نادي” الصعاليك هو سوق الخضار.
—————————————————–
بعد شهرٍ من عودتي إلى سوريا أرسل لي خالد راتبي مع أحمد السبع نفسه لا مع أحد السائقين حسب الإتفاق وهذا أفضل من الناحيّة الأمنيّة أما في الشهر الثاني فقد بعث لي برسالةٍ شفويّة مفادها ان الماليّة المركزيّة رفضت تسليمه راتبي بدعوى ان أكرم قد أبلغهم انني غادرت لبنان دون إجازةٍ رسميّة مما اضطرني للذهاب بنفسي لمعالجة هذا الامر. لم يعد بإمكان السبع إعانتي في موضوع عبور الحدود السوريّة إذ ان طريقة تعامل مخابرات “فرع فلسطين” في موضوع عبور افراد التنظيمات الفلسطينيّة للحدود قد تغيّرت وصار عليهم تقديم كشوفاً بأسماء الأفراد الراغبين بالعبور من وإلى سوريا إلى قسم المخابرات المعنيّ وانتظار موافقتهم. بعد اكتمال دراسة الأسماء تقوم المخابرات بإرسال نسخة من هذه الموافقات إلى التنظيم المعنيّ ونسخةً أخرى إلى المعبر الحدودي المخصّص لعبور العسكريّين والذي تشرف عليه المخابرات السوريّة. بعدها يعطي التنظيم أمر اجازة مكتوب للفرد الموافق عليه فأما ان يعبر منفرداً أو في سيّارة عسكريّة مخصّصة للمجازين وفي الحالتين يجب عليه التوقف أثناء عبوره عند نقطة المخابرات الحدوديّة التي تقوم بختم أمر العبور الذي يحمله بعد مقارنة اسمه على بطاقته العسكريّة والتأكد من وجود موافقته على الكشف الخاص بهم.
كانت إحدى بنات عمومة أبي متزوّجةٌ من شخصٍ أردنيٍّ يمتّ بصلة قرابة لطلال ناجي نائب أحمد جبريل أمين عام الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين – القيادة العامّة حليف النظام السوريّ المدلّل. ورغم ان الزوج قد توفي إلّا ان ابناءه وبناته الذين شبّوا حافظوا على أواصر القرابة مع طلال وكانت واحدة من قريباتي البنات هؤلاء قد حصلت بوساطة منه على وظيفةٍ في مجمّع “الخالصة” الكائن في مخيم اليرموك والتابع للقيادة العامّة. وهذا المجمّع المؤلّف من ثلاثة طوابق هو المركز الرئيس لهذا التنظيم في مخيّم اليرموك وفي أحد طوابقه يوجد المكتب المعنيّ بإجازات الأفراد والإستحصال على الموافقات الأمنيّة. تمكّنت بوساطة قريبتي من الحصول على اجازة مع موافقة أمنيّة مرفقةٍ ببطاقةٍ عسكريّة صادرة عن الجبهة بحجّة انني أنوي زيارة شقيقتي المتزوجة في لبنان وقد استغرق الأمر نحو اسبوعين وسافرت في اليوم التالي لإستلامها منطلقاً من كاراج البرامكة وسط دمشق. عند نقطة المصنع الحدوديّة من الناحيّة السوريّة غادر الركاب السيّارة لشراء وتعبئة إستمارات الخروج وختمها من شرطة الحدود بينما اتجهت انا إلى المعبر العسكريّ حيث نقطة المخابرات لختم اجازتي ثم انطلقت السيارة بعدها نحو النقطة اللبنانيّة من الحدود حيث اكتفيت انا بعرض إجازتي الممهورة بختم المخابرات السوريّة.
كانت الإجازة التي أحملها صالحة للعودة خلال سبعة أيام لذا فقد قرّرت قضاء بضعة أيام في عين الحلوة لزيارة الأصدقاء. صباح اليوم التالي لوصولي ذهبت إلى مكتب الماليّة حيث تسلّمت راتبي بدون أية إشكال ثم قمت بزيارة جمال كايد في منزله الذي أصبح صالونه الضيّق كديوانيّة “شيخ العرب” لا يخلو أبداً من “شريبة القهوة والشاي” لفرط شعبيّته. ومما قاله لي أثناء تبادل الحديث ان أكرم لا يزال إلى الان يضع العوائق تلو الأخرى أمام المقاتلين الذين طوّعهم جمال عندما كان في البحريّة وجميعهم طبعاً انتقلوا معه إلى قوّات ال17 بملء إرادتهم لكن رواتبهم الشهريّة لا تزال تذهب إلى كشوفات البحريّة أي إلى قبضة أكرم هواري الذي يمتنع عن إرسال أمرٍ إداريٍّ إلى الإدارة العسكريّة يقضي بنقلهم إلى قوّات ال 17. ثم ذكر لي انه ومحمود زكي ذاهبون مساءً إلى مقرّ أكرم الذي كان قد اشترى شقّةً في الطابق الثاني من مجمّعٍ سكنيٍّ مكوّنٍ من عدة طوابق ويقع في طلعة الهشمري وذلك لمناقشة هذا الأمر معه للمرّة الثالثة وسألني ما إذا كنت أرغب بالذهاب معهم فأجبته بالإيجاب إذ انني كنت حانقاً على أكرم بسبب مخاطبتة لجهاز الماليّة ليقوم بإيقاف راتبي دون ان يكون معنيّاً بالأمر بإعتبار انني كنت رسميّاً قد نقلت إلى خارج إطار القوّة البحريّة وأردت ان أبلغه إذا سنحت الفرصة بمدى حقارته التي دفعته إلى هذا ارتكاب هذا الفعل.
رغم ان أكرم كان على علمٍ مسبق بتوقيت الزيارة إلى انه لم يكن موجوداً في مقرّه عندما زرناه مساءً فقررنا زيارة أحد المكاتب القريبة لنعود بعدها إلى مقرّ اكرم لنر ما إذا كان قد عاد. تدرجنا نزولاً مشياً على الأقدام وبعد خمسين متراً كانت هناك سيارة فولفو زرقاء اللون قال لي جمال ان هذه هي سيّارة أكرم لذا فلا بدّ انه هنا في مكتب “يوسف الشرقاوي” الذي ركنت السيارة بجانبه. توجهنا إلى مدخل المكتب وسألنا الحرس عمّا إذا كان اكرم موجوداً في الداخل ام لا فأجابنا بالنفي فتابعنا طريقنا إلى مكتبٍ حركيٍّ آخر لكن ليس قبل ان اتناول حجرٍ عن الرصيف وأكسر به زجاج سيّارة أكرم الأمامي كردّ جميلٍ عن فعل التبليغ الذي قام به دون أيّ داعٍ. تفاجأ جمال ومحمود بما قمت به ووجد جمال ان من الأنسب بعد قيامي بكسر زجاج السيّارة ان نعود إلى مقرّ أكرم وننتظره فيه لنحلّ المسألتين معاً الاولى التي جاء من أجلها وهي العمل على نقل أسماء جنوده إلى قوّات ال 17 والثانية المستجدة والتي تتمثل بكسري لزجاج سيّارته وكيفيّة تعويضه عن الضرر الناتج عن تهوّري. مرّ أكثر من ساعة على الموعد المتّفق عليه ولم يحضر أكرم فقرّرت انا المغادرة والعودة إلى المخيّم بينما أراد جمال ومحمود الانتظار مزيدا من الوقت فاستأذنت منهما وتركتهما في الشقّة وذهبت في طريقي. ما ان غادرت درج المبنى إلى الساحة الإسفلتيّة الممتدّة امام المجمّع حتى هاجمني على حين غرّةٍ ثلاثة مسلّحون لم يسبق لي رؤيتهم فقد أستطعت تبيّن ملامحهم رغم الظلام. لم أكن مسلّحاً إذ كنت قد بعت مسدّسي قبل عودتي إلى سوريّا ولكنّني ما كنت لأستطيع التفلّت من المهاجمين حتى لو لم أكن أعزلاً وذلك بسبب عنصر المفاجأة الذي امتلكوه كما ان نحولي وصغر جسدي سهّل لهم أمر تثبيتي ورميّي في الصندوق الخلفي لسيّارتهم وهمّوا بالانطلاق. مع تشغيل المحرك نجحت انا في الإستلقاء على ظهر وضرب غطاء الصندوق بقدميّ ضربتين متتاليتين فانخلع قفله وانفتح مع بدء انطلاق السيّارة فقفزت منها وانطلقت راكضاً بإتجاه الجهة الأخرى من المجمّع السكنيّ حيث يوجد منحدرٍ وعرٍ. لكنني لم اكمل نحوه إذا كان المنحدر مكشوفاً تماماً ويمكن للمسلحين إصابتي بسهولة إذا ما قرّروا رميّي بالرصاص بعد عجزهم عن اختطافي الذي ربّما كان أيضاً سيؤدي إلى مقتلي. يتكوّن هذا المجمّع السكني من ثلاثة مبان متلاصقة بعلو أربعة طوابق ويوجد عند نهايته سورٌ إسمنتيٌّ علوه مترين ونصف, تقع خلفه الحديقة الخلفيّة المشتركة للمباني الثلاثة فأتجهت نحو السور. مضت بضعة ثوان قبل ان يتنبه المسلحون إلى نجاحي بالإفلات من صندوق سيّارتهم كنت خلالها قد وصلت إلى السور وقفزت قفزتين محاولاً تسلّقه واخفقت بسبب علّوه لكنني نجحت بالقفزة الثالثة وكانوا قد أصبحوا على بعد خطواتٍ منيّ. بعد ان اعتليت السور وقفزت إلى الحديقة ركضت مباشرةً إلى المبنى الأوّل الذي يقع فيه مكتب أكرم وطرقت على باب شرفة المنزل الأرضي وكان الوقت متأخراً لكنهم اضطروا لفتح الباب فزعاً. دخلت معتذراً من الشاب الذي فتح الباب وهو في مثل عمري وشرحت له انني قد تعرّضت لمحاولة إختطاف عند مغادرتي مكتب البحريّة ولم يكن لديّ أيّ خيار عدا إتّباع هذا الطريق للتخلّص من المطاردين فأرسل أخوه الأصغر إلى الطابق الثاني ليبلغ جمال والشباب الذين معه بالامر تحسباً لان يكون المهاجمون لا يزالون في الخارج وكان مع جمال حرّاسه الشخصيّيون المسلحون ببنادق آي كي 47 فخرجنا جميعا إلى الساحة ولكن المهاجمين كانوا قد فرّوا ولكن جمال تعرّف إليهم من سيارة الفولفو الحمراء التي استخدموها وأبلغني بانها تابعة لعناصر أكرم.
———————————————————
في 15/شباط/1987 أربعة أيام بعد محاولة إختطافي الفاشلة غادرت لبنان عائداً إلى سوريا بنفس الطريقة التي دخلت بها وفي جعبتي بضعة كتبٍ وعددين من مجلّة الكرمل التي يصدرها ويرأس تحريرها محمود درويش اشتريتهم من المكتبة الوحيدة في مدينة صيدا والواقعة عند نقطة تقاطع شارع الستّ نفيسة مع الشارع الرئيس للمدينة. بدأ الوضع الأمني في المدينة ومخيم عين الحلوة وكذلك في محيط بقيّة المخيّمات الفلسطينيّة المحاصرة بالانفراج منذ لحظة اندلاع الانتفاضة الفلسطينيّة في الضفّة الغربيّة وقطاع غزة في كانون الأولّ من العام الماضي (1987). كان السبب المباشر لإندلاع هذه الإنتفاضة العفويّة التي اشعلها الفلسطينيّون في مدينة “ّجباليا” هو قيام سائق شاحنة إسرائيلي يهودي بالدهس المتعمد لعمّالٍ فلسطينيّين عند معبر “إيريز” الفاصل بين المناطق الفلسطينيّة المحتلة منذ 1967 وبقيّة الأراضي المحتلّة منذ 1948 والمتّفق على تسميتها حالياً بالأراضي الإسرائيليّة, ولقد قتل في هذه الحادثة أربعة عمّالٍ فلسطينيّين وجرح أخرون. ثمّة أسبابٌ أخرى عديدة غير مباشرة منها يأس الفلسطينيّين من فصائل م.ت.ف التي دأبت على قيادتهم من هزيمةٍ إلى أخرى وتكشّف هذه الفصائل عن حقيقة انها مجرد واجهاتٍ “نضاليّة” تؤجّر بنادقها لمستثمرين كبار وتحوّل قياداتها إلى رجال أعمالٍ يستثمرون في المجال “الكفاحي“. إلى ذلك فان الأوضاع المعيشيّة المأساويّة في المناطق المحتلّة, خصوصاً منها قطاع غزّة, وغرق مئات الألاف في الفقر المدقع واضطرارهم إلى الاندفاع نحو سوق العمل الوحيد المتاح وهو السوق الإسرائيلية وتعرضهم للمهانات وسوء المعاملة أثناء انتظارهم اليوميّ الطويل عند المعابر العسكريّة, كلّها عواملٌ ساهمت في تأجيج مشاعر الغضب عند الفلسطينيّين. سريعاً ما أدرك قادة م.ت.ف ضخامة المظاهرات الإحتجاجيّة وآفاقها الإستثماريّة في خضم المفاوضات الجاريّة حتى اللّحظة سرّاً مع الإسرائيليّين والأمريكيّين فبادروا إلى اللحاق بها وركوبها عبر ضخّ الدعم الماليّ للّجان الميدانيّة المتمثّلة في القيادة الوطنيّة الموحّدة التي انبثقت من داخل الحركة الإحتجاجيّة.
ليس قادة الفصائل الفلسطينيّة هم الوحيدون الذي احتفوا بالانتفاضة بل لحقت بهم بل وربما سبقتهم جميع الانظمة العربيّة “الممانعةّ” و“المقاومة” بدءاً من نظام القذافي وانتهاءً بنظام صدّام حسين مروراً بكبير انظمة “الصمود والتصدّي” حافظ الأسد. بدا الجميع في عرسٍ وطنيٍّ نادرٍ يتناتشون فيما بينهم ما أمكن من المكاسب السياسيّة ويتغنّى إعلامهم ليل نهار بأمجاد “أطفال الحجارة” لكن أحداً لم يكن مستعداً للموت بدلاً عن هؤلاء الأطفال الذي يصطادهم جنود الجيش الإسرائيلي كالعصافير. وفي خضم هذا المهرجان “الثوري” أعلن نبيه برّي رئيس حركة أمل في 16/كانون الثاني/1987 فكّ الحصار عن المخيّمات الفلسطينيّة وإهداء هذه “ّالمكرمة” إلى أبطال الانتفاضة الفلسطينيّة في الأرض المحتل. بعد مرور أربعة أيام على هذا الإعلان حلتّ قوّات من الجيش السوريّ محلّ قوات حركة أمل في الطوق العسكريّ و الأمنيّ الذي أقامته حول المخيّمات وبدأ السماح للمواد التموينيّة والإعمارية بالدخول إليها. خلف اعلان نبيه برّي الرومانسي كمنت حقائق ومعطيات سياسيّة بعيدة كلّ البعد عن العواطف الجياشة وهي التالية:
1- عدم قدرة حركة أمل على حسم المعركة عسكريّاً لصالحها, ووصول حافظ الأسد إلى هذه القناعة خصوصاً بعد معركتيّ شرق صيدا ومغدوشة اللتين أربكتا حساباته.
2– عدم إمكانيّة تبنّي الخطاب السياسيّ الأسدي للإنتفاضة الشعبيّة المندلعة في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة مع إستمرار حلفائه بدكّ مخيمات الفلسطينيّين في لبنان.
3- التقاربات السياسيّة التي فرضتها أجواء الإعداد لمفاوضات التسويّة في الشرق الأوسط.
4- تهيّؤ النظام السوريّ وحليفه نبيه برّي إلى معركةٍ أهم بدأت تلوح في الأفق مع حزب الله ومن خلفه الحليف الإيراني اللدود الذي يكاد ان يختطف “كعكة المقاومة” بكاملها من مائدة الأسد.
في الطريق من كاراج البرامكة إلى مخيّم اليرموك صدح من مذياع التاكسي صوتٌ جهوريٌّ “حربجيٌّ” لمذيعٍ قفز فجأةً وسط سيلٍ من أغاني النضال والمقاومة وصاح مهدّداً:”هنا إذاعة القدس. جاءنا الان ما يلي, تقوم مجموعاتٌ فلسطينيّة بالتقدم نحو حاجز قوّات الإحتلال الإسرائيلي في شارع “كذا” ولقد سبقتها مجموعاتٌ إلى حاجزٍ آخر في شارع “كذا” وتقوم حالياً بمهاجمته“. نبرة المذيع الحماسيّة وصوته المتهدّج بصلابة يوحيان بأن المعركة الدائرة هناك حيث مصادره الإخباريّة التي ذكرها هي بحجم معركة العلمين التي دارت بين الجيش البريطاني بقيادة الفيلد مارشال مونتغمري من جهة وبين الجيشين الإيطال والألماني بقيادة رومل “ثعلب الصحراء” من جهةٍ أخرى وليست مجرد صِبية يرشقون الجنود بالحجارة. انتهى البيان وعادت الإغاني الوطنيّة.
إذاعة القدس هذه هي ملكٌ لأحمد جبريل ربيب معمّر القذافي وحافظ الأسد الذي ابتلع مئات الملايين من الدولارات من الأوّل ونفّذ الكثير من الأعمال القتاليّة الداخليّة لصالح الثاني على مدى على مدى أكثر من نصف قرنٍ من النضال “لأجل تحرير الأرض والانسان” كما يقول شعار الجبهة الشعبيّة – القيادة العامّة. تغنّت هذه الإذاعة, كما الكثير من المنصّات الإعلاميّة الفلسطينيّة والعربيّة بأمجاد “أطفال الحجارة” واشبعوهم شعراً ونثراً وما بينَ بينْ حتى أصبح هذا التعبير تابو شعاراتيّاً آخر يضاف إلى حزمة الشعارات البرّاقة المكوّمة في الوعي الجمعي الفلسطينيّ والتي لا يجرؤ فلسطينيّ واحد على طرحها في ميدان البحث, كان يناقش مثلاً الجانب الانساني في جرائم القتل اليوميّة التي تطال أطفالاً فلسطينيّين لا يدركون حجم الأخطار التي تترصدهم يوميّاً أثناء تصدّيهم للقوّات الإسرائيليّة المدجّجة بالسلاح فيلعبون بالموت بمرحٍ واستهتار بينما ينشغل أصحاب القرار في قيادة الفصائل الفلسطينيّة المسلّحة بتجييش الإعلام العربيّ والدولي بهدف تحويل مشاهد القتل اليوميّ هذه إلى إوراق إبتزازٍ للقوى السياسيّة المناهضة لهم, ولتضحي صور الأطفال المخضّبين بدمائهم أدوات نضاليّة ووسائلاً لتحسين شروط القادة التفاوضيّة. ما هو مقدار النبالة التي يقتضيها إرسال المال والأوامر لإستغلال مشاعر الوطنيّة والبطولة عند الأطفال والمراهقين وإرسالهم إلى مَقاتلهم بدلاً من إستخدام هذه الأموال لبناء انديّة رياضيّة مثلاً تقوم بتحويل اندفاعاتهم نحو مساراتٍ أخرى تليق بطفولتهم بدلاً من حشوهم بالهراء وقتلهم لمجرّد الانتفاع بجثثهم في البازار السياسيّ والإعلامي.
ان الوحشيّة التي أبدتها الحكومة الإسرائيليّة في التعامل مع هؤلاء الأطفال لا يوازيها سوى الوحشيّة التي أبداها إزاءهم أولئك القادة السياسيّون الفلسطينيّون الذين يرسلون أطفالهم إلى إوروبا والولايات المتّحدة الأميركيّة للدراسة والإستجمام بينما يشقّون بدماء أطفال الفقراء مساراً للسلام. ان تعبير “أطفال الحجارة” الذي يتباهى به الفلسطينيّون ويتفاخرون هو في حقيقة الأمر وصمة عارٍ على جبين هؤلاء قادتهم, وانا هنا أعني الجزء المتعلّق بإستخدام الأطفال في الانتفاضة وليس الانتفاضة نفسها التي أسهمت بتشكيل هويّة كيانيّة فلسطينيّة للمرة الأولى خارج نطاق الشعارات الرنّانة. هذه الانتفاضة ستستمرّ خمسة سنوات من 9/كانون أوّل/1987 وحتّى 13/أيلول/1993 تاريخ توقيع إتفاقية إعلان المبادئ في أوسلو بين م.ت.ف والحكومة الإسرائيليّة وسيسقط ضحيّتها من الجانب الفلسطينيّ على أيدي جنود الإحتلال 1,376 قتيلاً بينهم 281 طفلاً من أطفال الحجارة وسيسهم المستوطنون الإسرائيليّون (المدنيّون) في هذه المقتلة فيسقط على أيديهم 115 قتيلاً بينهم 23 طفلاً. ولم يتساءل أحد من المطبّلين والمزمّرين للزعماء عمّا إذا كان إتفاق أوسلو الهزيل هذا والذي لا زال في طور التطبيق رغم مرور 22 عاماً على توقيعه, يستحقّ كلّ هذا الكمّ من الموت البريء.
——————————————————
عشيّة 23/آذار/1988 وبينما انا وحدي في غرفة الجلوس أقرأ أحد الكتب وأمامي زجاجة بيرة “بردى” محليّة الصنع تنبّهت إلى ان موعد نشرة الإخبار المسائيّة لإذاعة لندن الناطقة بالعربيّة قد أزفّ فوضعت الكتاب جانباً وسارعت كالعادة إلى تشغيل المذياع دون الحاجة إلى البحث عن المحطة فالمؤشّر موجه دائما نحوها إذ ليس في الإذاعة السوريّة ما يمكن الإستماع إليه أبدا. كان في رأس النشرة نبأ أشتباكٍ عسكريّ بين بعض الأطراف في مخيّم عين الحلوة ثم بدأ المذيع بتلاوة التفاصيل بعد عناوين النشرة مفيداً بان اشتباكٍ عسكريّ محليٍّ نشب بين كتيبة شهداء عين الحلوة وأحد العوائل الفلسطينيّة في المخيّم وأسفر الإشتباك عن سقوط قتيلين أحدهما وليد حوراني اما الثاني فكان خالد سليمان شقيق قائد الكتيبة جمال سليمان. صعقت عند سماع إسم صهري وصرخت من الصدمة التي استغرقتني لوهلةً وجدّتني بعدها انفجر بالنحيب. كان خالد نموذجاً مثاليّاً من شباب عين الحلوة ومآسيهم التي تعرّضوا لها على أيدي الأعداء والأصدقاء جميعاً بدءاً من القوانين اللبنانيّة العنصريّة التي تضيّق عليهم وتصادر حقوقهم المدنيّة والانسانيّة وتحرمهم من أبسط هذه الحقوق كحقّ العمل فلا يجدون أمامهم ما يقيهم شرّ العوز سوى الإنخراط في أعمال البناء الشاقّة وغير المشروعة مقابل أجورٍ زهيدةٍ لا تكاد توازي ربع الحد معدّل دخل الفرد اللبناني أو الإنضمام إلى أحد مشاريع الإستثمار “النضالي” اي الفصائل المسلّحة الفلسطينيّة التي يتخلّى قادتها عنهم عند أول خطرٍ محدقٍ ويفرّون بأموالهم تاركينهم في مخيماتهم عرضةً للتقتيل والتنكيل, وهذا الخيار الثاني هو أيضاً ذو مقابلٍ ماليٍّ زهيد. ان الفقر والبؤس يحملان في طيّاتهما أيضاً الجهل والأميّة كسيرورةٍ طبيعيّة إذ يعجز الأباء عن القيام بأود العائلة وحدهم فيضطرون إلى إرسال أبنائهم إلى سوق العمل وهم بعد يافعين مقابل قروشٍ قليلة بدلاً من المدارس التي لا تقيهم من جوعٍ أو برد. عرفته حين تقدّم لخطبة شقيقتي فتىً بسيطاً طيب القلب ثم شهدته بعد زواجه وانجابه لأطفالٍ ثلاثة, مقاتلاً شجاعاً في معركة مغدوشة ورامياً صلباً على كرسيّ الرشاش الثقيل الحديديّ عند التصدّي للطائرات الإسرائيليّة المغيرة رغم عدم فعّالية هذا السلاح. رغم فقره كان خالد كريماً بشوشاً حين استضافني في منزله الضيّق على مدى أشهرٍ طوال.
خرجت من الغرفة والدموع تملأ عيني ودخلت إلى الغرفة الأخرى حيث والدتي تقوم بأعمالها المنزليّة المعتادة التي لا تنتهي. كانت المصيبة واضحة في عينيَّ ولم تحتج أمّي لتسأل ما الأمر انما عن الشخص الذي أبكيه فنطقت بكلمة واحدة:”من؟ّ” أجبتها:”خالد زوج نادية” فترحّمت وانتحبت طويلاً عليه وعلى أطفاله وزوجته سويّاً. فجر اليوم التالي غادرت امّي المنزل متجهةً إلى كاراج البرامكة ومنه إلى مخيم عين الحلوة. سفر والدتي من سوريا إلى لبنان كان سهلاً بسبب جنسيّتها السوريّة إذ لا تحتاج لعبور الحدود سوى إلى بطاقة هويّتها وإستمارة خروج ثمنها 500 ل. س أما سفري انا كفلسطينيّ فيحتاج إلى معاملة طويلة تتضمّن مراجعة أجهزة الإستخبارات للتحقيق في أسباب سفري وغالبا ما تنتهي هذه المعاملة بان يقبع طالب الإذن بالسفر في السجون الأمنيّة مما جعل الجميع يحجمون عنها. لم يكن في الأمر متّسعٌ لمحاولة السفر عبر قريبتي في القيادة العامّة الذي يستغرق وقتاً إضافةً إلى الإحراج الذي سيسبّبه طلبي منها هذه الخدمة لمرّةٍ ثانيّة خلال فترةٍ قصيرة. حان الوقت للمجازفة.
بعد بضعة أيامٍ على مقتل خالد عقدت العزم على السفر إلى لبنان بالطرق التي اعتادها الكثير من فلسطينيّ سوريا عبر عقودٍ من الحروب والمعارك الأهليّة والمحليّة للإلتحاق بصفوف الفصائل الفلسطينيّة. حملت حقيبة ظهري الصغيرة وفيها بعض ملابسي واتجهت أيضاً إلى كاراج البرامكة وركبت باصاً صغيراً (ميكروباص) يعمل على خط جدَيدة يابوس الحدوديّة أقلّني إلى مفرق الضيعة حيث بدت أمامي وعلى بعد 200 مترٍ نقطة العبور الرسميّة لكنني اتجهت يساراً في طريق شبه ريفيٍّ ضيّق يصعد نحو تلّةٍ هادئةٍ يقوم عليها بضعة عشرات من المنازل ومقصدي منزل أحد سكانها وهو أبو زهير صديق والدي الذي أعرفه من طفولتي منذ إقامة والدي أبّان سبعينات القرن الماضي في قريّة الصويرة المقابلة من الجهة اللبنانيّة لقريّة جديدة يابوس لأسبابٍ تتعلّق بتهريب سلاح حركة فتح من سوريا إلى لبنان. عمل أبو زهير يومها موظّفاً لدى نقطة الحدود السوريّة وعمل في نفس الوقت سرّاً لدى والدي مقابل راتبٍ من حركة فتح وكانت مهمّته هي إخفاء الأسلحة المهرّبة في منزله ثم المساعدة على نقلها عبر الجبال إلى قرية الصوّيرة بعد تحميلها على ظهور البغال والحمير. هناك أيضاً العديد من سكان الصّويرة ممن عملوا لدى والدي بينهم مختار البلدة وبعض أقربائه وهم أيضاً يعملون في التهريب على أنواعه.
تغيّرت جديدة يابوس كثيراً عن صورتها التي أحتفظ بها في ذاكرتي وأضيفت إليها العشرات من المنازل الجديدة وتمّ تحديث المنازل القديمة ورصفت بعض الطرق الرمليّة القصيرة بالإسفلت ولقد اضطّرني هذا التغيير لسؤال أحد السكان عن منزل أبو زهير فأشار إليه وكان على بعد عدّة منازل فقط. إستقبلني أبو زهير بترحابٍ بعد ان عرّفته على نفسي وعن سبب قدومي وقدّم لي الطعام والشاي وأخبرني بالإنتظار بعض الوقت ريثما يتأكد من خلو طريق التهريب الجبليّة من دوريّات شرطة الجمارك الحدوديّة. عند العصر أبلغه أحد أبنائه بان الخيل جاهزة وتبادلا حديثاً قصيراً عمّا يحمله من مهرّبات وعمّا سيجلب معه من الصّويرة عند الإياب ثم انطلقنا ولده وانا على ظهر الفرس المحمّل بالمهرّبات صعوداً نحو جبال الشطر الجنوبي من سلسلة جبال لبنان الشرقيّة. الجوّ ربيعيٌّ معتدل والفرس تلتهم المسافات الوعرة دونما تذمّرٍ أو تعب. بعد أربعين دقيقة أمضينا نصفها الأوّل صعوداً والنصف الثاني انحداراً شارفنا على منزل مختار الصوّيرة الذي رحّب بنا وقدّم لنا القهوة والشاي ثم أستأذنت مغادراً واتّجهت في طريقٍ لم أطرقها منذ كنت في الخامسة من عمري متذكّراً صورة أبي وسيّارته “الفولز فاكن” الصغيرة التي خبرت طرقات البلدات الحدوديّة.
بعد مغادرة الطريق الفرعي الموصل لقرية الصويرة ووصولي للطريق الريفيّ العام بحوالي عشرة دقائق أمضيتها مشياً بإتجاه الشمال مرّت سيارة ركّاب متهالكة نقلتني إلى مدينة شتورة ومن هناك ركبت سيارةً أخرى متجهةً نحو مدينة صيدا. في مخيّم عين الحلوة وجدت شقيقتي في حالةٍ يرثى لها وبكاءٍ مستمرٍ على زوجها الفقيد واطفالها وامّي واجمةً حزينة تلازم ابنتها المكلومة لتوفّر بحضورها متكئاً لها, أما الأطفال فمستمرون في لعبهم وحياتهم اليوميّة غير منتبهين إلى حقيقة ان غياب والدهم عنهم أبديّةً لا رجعة منها. لم أتمكّن من حضور مراسم الدفن لوصولي متأخّراً رغم ان جثة خالد قد استبقيت في براد المستشفى بضعة أيامٍ إضافيّة جرياً بالعادة التي يمتنع فيها أهل القتيل عن دفن أبنهم إلّا بعد الإقتصاص من قتلته لكن القاتل كان قد فرّ إلى سوريا وليس هناك ما يمكن فعله بهذا الخصوص. أمّا بخصوص ظروف مقتله فقد علمت ان أخاه جمال قد كلّفه مع مجموعة صغيرة بالتوجه نحو حيّ حطّين في جنوب المخيّم لإعتقال امرأةٍ سيئة السمعة تدور حولها شبهاتٍ تتعلّق بإحتمال عمالتها للإسرائيليّين وتعاطيها مع الجنود الإسرائيليّين زمن الإحتلال. الهدف من اعتقال تلك المرأة كان التحقيق معها ومحاسبتها إذا ما ثبت تورطها مع جهاز الموساد أو إطلاق سراحها في حال عدم ثبوت التهمة عليها.
توجّه خالد مع بقيّة المجموعة راكباً سيارة عسكريّة تابعةٍ لكتيبة شهداء عين الحلوة يقودها بنفسه وعند وصولهم اعترضهم بعض المسلّحين من اقرباء المرأة المطلوبة وجرت بينهم ملاسنةٍ وتهديداتٍ ثم تطوّر الأمر إلى إطلاق نارٍ مفاجئ بادر إليه المسلّحين المدافعين عن المرأة فأصيب خالد في صدره ببضعة رصاصاتٍ مباشرةٍ وقاتلة.
صحيحٌ ان الأوضاع الأمنيّة في المخيمات الفلسطينيّة بشكلٍ عامٍّ قد استتبّت بعد فك الحصار وانتهاء الحرب التي شنّها حافظ الأسد وحركة أمل إلا ان هذا الإستتباب الأمني استثني منه مخيّم عين الحلوة الذي تحوّل بفعل لعنة القوّة العسكريّة نفسها التي حقّقت الانتصار له ولبقيّة المخيمات إلى بؤرةً تعجّ بآلاف المدجّجين بالسلاح الذين يدينون بالولاء لعشراتٍ من أمراء الحرب الصغار ومثلهم من امراء الحرب الكبار الذين تتنازعهم الأطماع والأحقاد رغم انتمائهم جميعا إلى تنظيمٍ وأحد هو حركة فتح. كذلك فقد فاقمت الجماعات الإسلاميّة المتشدّدة والمتعدّدة ومختلفة الولاءات ايضاً في إشعال مزيدٍ من الصراعات فيما بينها أو مع حركة فتح في ان معاً وزاد الطين بلّةً ان المخيّم المزدحم بعشرات الآلاف من السكان المقيمين في مساحةٍ جغرافيّةٍ ضيّقة أكلت توسّعاته العمرانية معظم شوارعها وحوّلتها إلى أزقّةٍ ضيّقةٍ معتمةٍ تسهل فيها الإغتيالات وتمتنع عن أية محاولة للسيطرة الأمنيّة عليها.
انتهت حرب المخيّمات في لبنان في كانون الثاني 1988 لتبدأ بعدها حرب المخيّم الواحد في عين الحلوة التي لا تزال مستمرةٍ حتى لحظة كتابة هذه الجمل في آب 2015. لا يكاد يمضي أسبوعٍ واحد دونما حادثة اغتيال أو رمي قنبلة أو انفجار عبوةٍ او اشتباك مسلحٍ بين فصائل مسلّحةٍ متنافسة او بين أميريّ حرب داخل التنظيم نفسه. كلّ الإغتيالات والقنابل والعبوات المتفجّرة الليليّة عادةً ما تبقى مجهولة المصدر ويجري نسبها في تصريحات الأمراء إلى مؤامرةٍ ينفذها عملاء العدو الإسرائيلي وأدواته فيما تكتفي الدولة اللبنانيّة المقيمة في سرايا مدينة صيدا ولا تجرؤ على مغادرة مبناها بتوثيق الحادثة والإدّعاء ضدّ مجهول, أما المعارك فغالباً ما تنتهي بتدخلّات الهيئات الشعبيّة وتوسّلات أعضائها وتوسطهم بين الخصوم, لتعود وتندلع بعد بضعة أسابيعٍ من جديد. تندلع أغلب المعارك بعد ملاسنةٍ بين مسلّحَين اثنين او تحديقٍ من أحدهما يراه الآخر عدائيّاً فيشهر سلاحه لصدّ تلك النظرة الحاقدة ويتمترس الإثنين كلٌ في زقاقه ويبدان بالرماية شبه العشوائيّة التي غالبا ما يقع ضحيتها المارة من الأبرياء ثم يتطور هذا التراشق بين الإثنين إلى تراشقٍ بين فصيليهما الذين يحشدان مقاتليهم للدفاع عن زقاقهم. ينتهي بعض هذه المعارك خلال بضعة دقائق بينما يتطور بعضها الآخر من اطلاق نارٍ من بنادق آلية إلى تبادل قذائف الهاون والبي 7 ورصاصات الرشاشات الثقيلة إو حتى راجمات الصواريخ وهذه الآخيرة تعني ان المعركة ستطول لبضعة أيام. لتوصيف الوضع في مخيّم عين الحلوة بدقّة وتقريبه إلى مخيلة من لم يخض تجربة العيش فيه عليك ان تتخيّل التالي: مدرجاً ضخماً لملعب كرة قدمٍ ملؤه الآلاف من مثيري الشغب الانكليزيّين ومشجّعي فرق الدوري جميعها. ثمّ أضف إلى هذا الخليط قنابل وصواريخ وبنادق رشّاشة ورواتب شهريّة وأوقات فراغٍ لا متناهيةٍ وفوق هذا كلّه امنع عنهم جميعاً ممارسة الجنس بالمطلق واقنع نصفهم بجوارٍ حسان ينتظرنهنّ إذا ما استشهدوا اثناء جهادهم (الذي هو حماية شيخهم ومصالحه) ووزّع على نصفهم الآخر ما يكفيهم من مادة الحشيشة البقاعيّة. ولا تنسى قصف الجميع بصواريخ الطائرات الحربية بين الفينة والأخرى.
من الناحية الإقتصاديّة أصبح سعر الدولار الأمريكيّ الواحد يساوي 350 ليرة بدلاً من الليرات الثلاثة المعتادة في السبعينات وبداية الثمانينات. وأسعار السلع الغذائيّة والمعيشيّة وصلت إلى أعلى مستوياتها وهبوط سعر الليرة اللبنانيّة متسارعٌ ومستمرٌّ بشكلٍ يوميّ بحيث أصبح الراتب الشهريّ الذي يتقاضاه أحدنا يفقد نصف قيمته بعد إسبوعين من استلامه. هذا لم يمنعنا زملائي الضبّاط وانا من التسكّع شبه اليوميّ وتدخين “الأرجيلة” على كورنيش صيدا أو شرب البيرة عند “كينايات” نهر الأولي. اتّسعت مجموعة الضبّاط البحريّين الذين انضم إليهم ضابطين آخرين من طلّاب الدفعة الثالثة في كراتشي وهما النقيب ثائر حجّو والنقيب نبيل غنيم حيث التحق الأوّل بالقوّة البحريّة قادماً عبر الحدود السوريّة بينما وصل الثاني بالطريقة المألوفة أي على متن أحد السفن العاملة على خطّ قبرص – جونية بمساعدة جهاز مخابرات القوّات اللبنانيّة. في ذهن نبيل غنيم حلمٌ وحيد فقد حمل بضعة آلاف من الدولارات الأمريكيّة التي جمعها من رواتبه خلال وجوده في قاعدة الحديدة اليمنيّة وتوجّه إلى لبنان بغرض الزواج. الطريف في موضوع قدوم نبيل إلى لبنان انه كان ضمن مجموعة أحد أفرادها النقيب “أبو وائل منتصر” وهو أحد ضبّاط القوّات البريّة ويتميّز بضخامة رأسه وكرشه إضافةً إلى لصوصيته وسبب قدومه إلى لبنان هو رغبة زوجته بالعيش قرب أهلها في عين الحلوة. في الطريق أقنع منتصر “نبيلنا” بإدانته مبلغ ألف دولارٍ أمريكيٍّ على ان يردّها له فور وصوله إلى لبنان حيث كانت زوجته قد سبقته عبر مطار بيروت محمّلةً حسب زعمه بكافّة مدّخراته الماليّة. أحرجّ نبيل ذو الطبع الخجول وأعطاه ما طلبه مضمراً في نفسه ان هذا المبلغ الذي أدانه لمنتصر هو الألف دولاراً التي أرسلها معه جهاز ماليّة القوّة البحريّة في اليمن ليسلمه لي كنوعٍ من المساعدة بسبب كوني لم أتلقى المبلغ الماليّ الذي يقدّم للضبّاط عند مغادرتهم بلدان الشتات متّجهين نحو لبنان.
حين أبلغني نبيل بانه حمل معه هذا المبلغ المرسل لي ابتهجت بشدّة حيث كنت بأمسّ الحاجة إليه لكنه فاجأني بعد جملتين حين قال لي انه قد أدان المبلغ لأحد معارفه!. لم أرد إحراجه بالسؤال عن السبب الذي دعاه لإدانة المبلغ الذي يخصّني رغم وجود اكثر من عشرة آلاف دولار من ماله الخاص معه, خصوصاً انني لم أكن أعرف النقيب منتصر ولم أكن قد التقيته بعد, ولكن نبيل اكّد لي ان لا خوف على المال المستدان وسوف يستردّه خلال يومين. استغرق الأمر اكثر من أربعة شهورٍ وعشرات الزيارات إلى منزل منتصر هذا دون ان نفلح بإسترداد دولاراً وأحداً من ذلك “المناضل” رغم إلحاحنا واكتفى منتصر بالردّ على مطالباتنا بالتريث لانه مفلسٌ. بعد تلك الشهور الطويلة لم أعد أجد غضاضةً في وضع نبيل أمام مسؤوليته عن فقدان المبلغ وإبلاغه انه لم يكن من حقّه التصرف بمبلغٍ يخصّني أما إذا اراد إظهار كرمه فقد كان أولى به إستخدام أمواله الخاصة وليس الجزء الذي حمله معه لي ثم انهيت حديثي معه بالسؤال المنطقي:” كيف أضمرت بينك وبين نفسك حين أدنت هذا اللص ان المبلغ الذي أدنته إياه هو المبلغ المرسل لي؟ كيف فرّقت بين مالي ومالك طالما أن الدولارات جميعا تتشابه؟. انتهى الأمر بدفع نبيل للمبلغ من جيبه على ان يسترد هو ما أدانه لمنتصر من منتصر نفسه ولا زال إلى يومنا هذا ينتظر منتصر الذي أصبح أحد قادة السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة ويحمل رتبة لواء.
امضيت بضعة أسابيع في مخيم عين الحلوة كثيراً ما اجتمعنا خلالها نبيل وثائر وعمر ومحمود وطايش وانا عند نهر الأولى نحتسي البيرة عند العصر خصوصاً نبيل وثائر وانا, أمّا الثلاثة الأخرون فقد كان واحدهم يكتفي بتنكةٍ واحدة أو بمشاركتنا بتعاطي البزورات أحياناً. وغاب عن المجموعة النقيب علي الخليل إذ أن ذلك الشاب المرح والمنطلق والملئ بالحياة أضحى شبه انسان, فلا يغادر منزله ولا ينطق إذا ما زرته ويقضي نهاراته محدّقاً بالحائط الذي أمامه دون ان يكلّم زوجته أو أطفاله أو والديه أو أخواته أو ضيوفه. كما انه لا يزور مقرّ القوّة البحريّة حتى لإستلام رواتبه ولا ينتبه لموعدها ولا يأبه لها ممّا يضطّر أحد والديه للقدوم شهريّا لإستلام راتبه وتسليمها لزوجته. أبّان حرب المخيّمات وحصار مخيّم الرشيديّة تمّ تعيين علي الخليل كما ذكرت سابقاً وبموافقته, قائداً للقوّة البحريّة في منطقة صور بإعتباره ينحدر من مخيّم الرشيديّة. وكانت أسرته قد غادرت ذلك المخيّم بعد غارة جويّة إسرائيليّة على قاعدةٍ عسكريّة مجاورة لمنزلهم فهدمته وأصابت شقيقه وشقيقته بجراحٍ بليغة نجم عنها بتر يد شقيقه وتشوه مستديم في ذراع شقيقته. اختارت الأسرة الجريحة مخيّم البصّ كمكان لإقامتها بسبب وجوده وسط المدينة وخلّوه من المواقع العسكريّة عدا بعض المكاتب الإداريّة.
إضافةً إلى كون علي إبن الرشيديّة فقد كان يتمتّع بميزةٍ أخرى نادراً ما تجدها بين الفلسطينيّين وهي انتماء عائلته إلى الطائفة الشيعيّة الفلسطينيّة صغيرة العدد مما قد يسهل عليه عمليّة الوصول إلى مخيّم الرشيدية عبر الطريق الساحليّ الذي تسيطر عليه حركة أمل وتقيم عليه العديد من حواجز التفتيش العسكريّة إضافة إلى حاجز التفتيش الرئيس الواقع عند مدخل المخيّم مباشرةً, والذي يستغرق عبوره الكثير من الوقت والتدقيق والتفتيش. سمات عليّ وملامح وجهه البيضاء وشعره الأشقر تجعله يبدو لبنانيّاً لا فلسطينيّاً لذا فقد تمّ تزويده وزوجته (بيضاء البشرة أيضاً) بإخراجيّ قيد مزورين يفيدان بانهما لبنانيان ثم انطلقا في اليوم الموعود مع ولدهما ونجحا بعبور كافة الحواجز العسكريّة عدا الحاجر الأخير المقام على مدخل المخيّم الذي لم يكن مسموحاً للسيّارات بالعبور إلى داخله خوفاً من ان يتمّ تهريب المواد الغذائيّة أو الأسلحة إليه, ويتحتّم على الداخلين العبور فرداً فرداً بعد عمليّة التفتيش والتدقيق في الهويّات. حين وصل الدور لعليّ أستدعي إلى نقطة التفتيش وخضع للتدقيق المعتاد بأوراقه الثبوتية ثم سمح له بالدخول وما ان تخطّى الحاجز وسار بضعة خطواتٍ حتى اكتشف أحد عناصر الحاجز الذي قام بتفتيش حقيبة يد زوجته وجود بطاقتي هويّة فلسطينيّتين واحدة تحمل صورته والثانية تحمل صورة زوجته فنادى عليه. كان أمام عليّ خياران اوّلهما الركض بإتجاه داخل المخيّم وترك زوجته لمصيرها أو العودة إلى الحاجز وتسليم نفسه وعندها من الأرجح ان يعتقلونه هو بينما يدعون زوجته لسبيلها فاختار الخيار الثاني. لم يدر أحد شيئاً عن وسائل وصنوف التعذيب الجسدي والنفسي الذين تعرض لهما علي في المعتقل إذ انه لم يتحدّث بهذا الموضوع أبداً بعد خروجه ولا حتى بأي موضوعٍ سواه فقد أصيب بإكتئابٍ شديد لم يخرج منه أبدا.
الفصل التاسع
في بلاط راسبوتين
في إحدى الجلسات عند نهر الأولى والتي شارك بها عمر تركيّة اقترح عليّ ان يقوم بالوساطة بيني وبين أكرم ويعمل على مصالحتنا وكان هذا أحد خيارين أمامي ثانيهما هو العودة إلى سوريّة وتلقي راتبي الشهري بضعة أشهر أخرى حتى يتمّ قطعها بسبب غيابي المستمرّ. فسألته عمّا إذا كان قد طرح هذه الفكرة على أكرم قبل طرحها عليّ فأجاب بمواربةٍ إستشفّيت منها انه قد فعل فوافقت على الفكرة معاهداً نفسي ان اعتبر وجودي في حركة فتح مجرد مهنةٍ فرضتها عليّ الظروف فلا أملك مهنةً أخرى سواها بعد وصولي إلى قناعتي الجديدة واكتشاف مدى الفساد المستشري والشامل في عموم المواقع و“المؤسّسات” والبنى التنظيميّة والعسكريّة من أدناها وصولاً إلى أعلاها في قمّة الهرم القيادي. ببساطة شديدة صرت أرى هؤلاء القادة “المناضلين” على حقيقتهم ولم تعد تنطلي عليّ الشعارات.
بعد بضعة أيامٍ رتّب عمر إجتماعاً بيننا أكرم وأنا, عقدناه في مقرّ قيادة القوّة الواقع في الطابق الأول من المبنى السكني المعروف بإسم “بناية شمس” أتفقنا خلاله على عودتي إلى القوّة البحريّة على ان أتولّى منصب ضابط الشؤون الإداريّة ويكون مقرّ عملي في نفس المقرّ الذي اجتمعنا فيه. أي في الشقّة المكوّنة من غرفتين وصالة, ويشغل أكرم نفسه غرفةٌ منها وفيها طاولة مكتبٍ وكرسيٍّ في إحدىالجهات وأرائك جلوسٍ في الجهة المقابلة, أمّا الغرفة الثانية فوضع فيها سريرين يشغل أحدهما مساعد مقرّب من اكرم يدعى “أبو عمّار” وهو من فلسطينيّي سوريا أما الثاني فيشغله ضابطٌ حديث التخرّج يحمل رتبة ملازم ولقبه هو “خالد الضابط” اما الصالة فخاليةٌ من أيّة فرش وليس فيها سوى لوحٌ معلّقٌ على أحد جدرانها لا أدري الحكمة من وجوده. بما ان مكتب أكرم دائماً ما يكون مقفلاً إلّا عند وجوده فيه فلم يبق لي مكان استطيع الجلوس فيه لمزاولة عملي سوى أحد السريرين مما جعلني أحمل المواد القرطاسيّة والآلة الكاتبة النقّالة مع حقيبتها الجلديّة في سيّارتي وأقوم بعملي داخل سيّارتي أو في منزل شقيقتي حيث أقيم. لا يوجد الكثير من العمل الإداريّ على كلّ حال عدا مخاطبة الإدراة العسكريّة مرّةً كل بضعة أيام والتواصل مع الإدارة الماليّة المركزيّة بضعة مرّات في الشهر وكلا الإدارتين موجودتان في مبنيين متقاربين شيّدهما عصام اللّوح ولا يبعدان عن مستشفى الهمشري سوى 200 مترا. تتمحور مسائل التخاطب مع الإدارة العسكريّة حول شؤون التجنيد, والنقل, والترفيع وانهاء العلاقة والذاتيّات والبطاقات العسكريّة اما التخاطب مع الإدارة الماليّة فإن أغلبه يتعلّق بأمور الرواتب الشهريّة للمقاتلين والضبّاط إضافةً إلى الإشراف على أعضاء اللجنة الماليّة التي تزور مواقعنا عند نهاية كلّ شهر لتسليم الرواتب لأصحابها في القوّة. وليس لهذه الإدارة الماليّة أية علاقة بموازنة العمل الشهريّة التي يتلقاها أكرم من تونس مباشرة على شكل حوالة ماليّة بإسمه شخصيّاً ومسحوبةٍ على “البنك العربيّ“. لم آبه أبداً لعدم تخصيص مكتبٍ لي لأزاول فيه عملي أذ بتّ أعرف طبائع أكرم عن ظهر قلب وأعلم جيداً انه يريد ان يسمعني أتذمّر حتى يرضي نزعته السلطويّة مما جعلني لا أذكر الأمر أبداً كما لو كان عملي في سيّارتي أمراً بديهيّاً وطبيعيّا.
في صباح او في ظهيرة كلّ يوم أحضر إلى مقر قيادة القوّة لتفقّد ما إذا كان ثمّة أمورٌ إداريةٌ مستجدّة تتطلب العمل عليها وما إلى ذلك وأمضي ما يقارب الساعتين أحياناً جالساً في مكتب أكرم في حال كان هناك ما نناقشه وغالباً جالساً على أحد الأسرة لشرب الشاي و الدردشة مع من حضر. أما نبيل غنيم فقد أقام بشكلٍ دائمٍ في شقة أخرى ضخمةٍ وفخمة اشتراها أكرم بمبلغ 60 ألف دولاراً امريكيّا وأثثها بأفخم الأثاث وجعل منها منزلاً له واستضاف فيه إضافةً إلى صديقه نبيل إثنين من الجنود اليافعين الوسيمين. تقع هذه الشقّة في الطابق الرابع من مبنىً مواجهٍ لمدرسة “الأميركان” من جهة حيّ “الإمام علي” وتتألف من أربعة غرف نومٍ وصالون وغرفة طعام وحمّامين مع مطبخٍ واسعٍ. ينام أكرم في واحدةٍ من الغرف ونبيل في أخرى أمّا الغرفتان الأخرتان فمخصصتان لضيوف أكرم من الجنود اليافعين المدلّلين.
إضافةً إلى مقرّ القيادة, هناك مواقع ثلاثة أخرى تابعة للقوّة البحريّة في منطقة صيدا أحدهما مبنىً من غرفتين مشيّدتين على طرف الطريق المؤدي إلى بلدة الميّة وميّة ومسقوفتين بألواح الزينك ولا يبعد هذا الموقع عن مقر القيادة سوى 200 متراً ويتواجد فيه ثلاثة أو أربعة عناصر أمّا الموقع الثاني فيقع في أحد منازل بلدة عين الدلب المسيحيّة المهجّرة ويتواجد فيه نحو ستة أو سبعة عناصر جميعهم من فلسطينيّي سوريا ويقودهم النقيب ثائر حجّو الذي عيّنه أكرم قائداً لمنطقة صيدا. الموقع الثالث يقع في أحد منازل بلدة القريّة التي أتخذ منها علاء الأفندي مقرّا لمكتبه ويبعد هذا الموقع عن مكتب علاء حوالي 300 متراً ويتكون من مستودعين أحدهما لبراميل البنزين والآخر للمواد التموينيّة ويشرف عليه أحد أزلام أكرم وهو أحمد فرعتاوي “أبو حديد” الذي رفّعه أكرم كما رفّع جميع غلمانه إلى رتبة مساعد. إضافةً إلى العناصر الخمسة عشر العاملين في الموقعين ومقرّ القيادة هنالك عشرات أخرون منسّبون للقوّة لكنهم لا يقومون بأية مهمّة ويكتفون بالقدوم عن رأس كلّ شهر لتلّقي رواتبهم.
لا يقتصر تواجد القوّة البحريّة على منطقة صيدا بل يمتدّ إلى منطقة صور وبالتحديد مخيّم الرشيديّة الساحليّ حيث هناك حوالي 15 إلى 20 عنصراً من سكان المخيّم نفسه وعلى رأسهم صيّاد سمكٍ سابق معروفٌ بإسم “غسّان البحريّة” واسمه الحقيقي غسان ذيب وهو عديل سلطان أبو العينين وعلاقته مع أكرم سيّئة بسبب شحّ الأخير ونزعته التسلطيّة.
تحت شعار إنشاء البنيّة التحتيّة للقوّة البحريّة توجه أكرم إلى قطاع العقارات وهو المجال الوحيد الذي يمكنه من تبرير صرف مئات الآلاف من الدولارت التي حصل عليها من تونس واليمن فلم يكتف بشراء الشقتين الفخمتين الأولى التي يقيم فيها والثانية حيث يقع مكتبه بل قام بتشييد منزلين عند سفح مخيّم الميّة وميّة وأحاطهما بسورٍ اسمنتيٍّ واسع ليصبح لديه مساحة من الأرض تكفي لتشييد منزلين آخرين فيها. كما قام بشراء محلّين تجاريّين في نفس منطقة سكنه بزعم استخدامهما لتخزين قاربين مطّاطيّين مع محركيهما إضافةً إلى بضعة زعانف وقوارير اكسوجين خاصّة بالغطس. وقام أيضاً بإستئجار منزلاً ومستودعاً في منطقة الهمشري (كما سبق وذكرت فان الإستئجار في لبنان زمن الحرب كان يشبه الشراء إذ يتوجب على المستأجر الجديد دفع بضعة آلاف من الدولارات للمستأجر السابق ليخلي له المؤجّر–ويطلق على هذا المبلغ اسم خلوّ رِجل_ ثم يتابع دفع الإيجار الشهري لصاحب المنزل). بالنسبة لمبنى بستان اليهودي الذي غالبني عليه فقد أسكن في شققه بعض غلمانه وزوجاتهم, ففي الطابق الأرضي سكن عبّاس (سوري لا أذكر بقيّة اسمه) وفوقه أقام معين من مخيّم البدّاوي وفي الطابق الأعلى أحمد فرعتاوي ويضمّ هذا المبنى أيضاً محليّن تجاريّين في طابقه الأرضي. بإسكان هؤلاء ضرب أكرم أكثر من عصفورٍ بحجرٍ واحد, أولهما تأمين مبناه الفارغ خوفاً من إحتلاله من قبل المهجّرين, وثانيهما التحكّم الكلّي بحياة وأقدار غلمانه وضمان ولائهم وتستّرهم على أسراره الجنسيّة وتحرّشاته إذ ان هؤلاء ما كانوا ليستطيعوا الزواج والحصول على المسكن برواتبهم الزهيدة. أما الهدف الثالث فهو تحصيل بدل الإيجار الشهري عن مبناه حيث جعلهم يوقّعون على عقود إيجار فارغة وضع عليها لاحقا قيمة الإيجار الذي يرتأيه ويقوم بتحصيل هذه القيمة شهريّا من الموازنة التي يتسلمها وهو يقوم أيضاً بتحصيل إيجار المحليّن التجاريّين في مبناه بدعوى إستخدامهما كمستودعات.
الخدعة الوحيدة في شراء وتشييد المقرّات والأبنيّة السكنيّة بإسم القوّة البحريّة هي ان جميع هذه العقارات مسجّلةٌ بإسمه شخصيّاً وبموجب عقود شراء رسميّة لا غبار عليها. بالإضافة للعقارات هناك أيضاً السيّارات المدنيّة المسجّلة أيضاً بإسمه مع منح سائقها رخصة سياقتها فقط وبين هذه السيّارات شاحنة دودج يبلغ ثمنها أكثر من عشرة آلاف دولار. العقار الوحيد الذي نجا من قبضة أكرم هو الشقّة التي استأجرها في مدينة صيدا مقابل “خلوّ رجل” بلغ عشرة آلاف دولار ولقد أراد لهذه الشقّة الفخمة ان تكون مأوىً سريّاً له يلجأ إليه عند الضرورة مما اضطره لعدم وضع إسمه على عقد الإيجار من باب التحوّط بل جعل العقد بإسم غسّان طايش وسمح له بإستخدامه حتى لا يبقى فارغاً ويثير شبهات الجيران. بعد أشهرٍ ثلاثة من استئجار هذه الشقّة قام طايش دون علم أكرم بإخلائها وتسليمها لمستأجر آخر بعد ان قبض منه مبلغ العشرة آلاف دولار وسافر مع ابنة عمّه التي تزوّجها حديثاً إلى الولايات المتّحدة الأمريكيّة كونها حاصلة على حقّ الإقامة الدائمة فيها (الغرين كارد). في إحدىزياراته للشقّة بعد مرور أيامٍ عديدة دون إلتحاق طايش بمقرّ عمله ذهب أكرم لتفقدّه وهناك فوجئ بوجود مستأجرٍ آخرٍ فيها فقام على التوّ بإرسال نبيل غنيم إلى منزل أهله مع عنصرين آخرين حيث قاما بتهديد والده الذي لم يكن يعرف شيئاً عن الموضوع. بعد عدّة زيارات وضغوطات خشي والده على أهل بيته وقام بدفع المبلغ خصوصاً انه أمضى عمره يعمل مدرساً في مدارس وكالة الانروا ويسكن في مدينة صيدا ولم يسبق له التعاطي مع أيٍ من مسلحي الفصائل الفلسطينيّة أو حتى جرّب الدخول إلى أحد المخيّمات. ولولا ان والدة غسّان طايش قامت بزيارة منذر أبو غزالة وطلبت منه ترشيح أبنها لدورة الكليّة البحريّة لما قيّض لطايش ان يكون في عدادها .
————————————————————
فجر السبت الواقع في 16/نيسان/1988 نفذت مجموعة من الكوماندوس الإسرائيليّين عمليّة معقّدة شارك فيها بضعة سفن وزوارق حربيّة وحوّاماتٌ بحريّة انتهت بإغتيال عضو اللجنة المركزيّة لحركة فتح ومنسّق نشاطات الانتفاضة الفلسطينيّة خليل الوزير “أبو جهاد” في منزله في تونس, كما قتلت معه العديد من حرّاسه الشخصيّين. في اليوم التالي أقيمت له مراسم جنائزيّة في تونس على ان يدفن في الأردن إلّا إذا وافقت سوريا على إستقبال جثمانه ليدفن في مخيّم اليرموك حيث تقيم عائلته. بعد العديد من الوساطات التي أجراها الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد وكذلك الرئيس الليبيّ معمّر القذافي مع حافظ الأسد وافق على هذه المسألة انما بقي هناك مطلب آخر أراده كلٌ من القذافي وبن جديد من حافظ الأسد ألا وهو السماح لياسر عرفات بالمجيء إلى سوريا للمشاركة بالجنازة على ان يستقبله الأسد لإتمام المصالحة التي كانا يعملان عليها منذ فترة طويلة. إلا ان الأسد اشترط قطع علاقات م.ت.ف مع مصر التي جُمّدت عضويتها في الجامعة العربيّة قبل أيّ لقاءٍ مع عرفات الأمر الذي رفضه الأخير. غادر عرفات تونس متجهاً إلى ليبيا حيث التقى بالقذافي وراح الأخير يحاول جهده في تليين موقف الأسد عبر العديد من الإتصالات الهاتفيّة لكنه بقي متشبّثاً برأيه مما جعل عرفات يمتنع عن الحضور مع جثمان أبو جهاد الذي رافقه بعض أعضاء اللجنة المركزيّة لحركة فتح بينهم فاروق القدّومي “أبو اللطف” وهاني الحسن ووصلوا دمشق 20/نيسان/1988 وكان في استقبالهم نائب الرئيس السوريّ عبد الحليم خدّام ثم انطلقوا بالجثمان إلى مخيّم اليرموك حيث ووري الثرى بعد جنازة عبرت المخيم مشياً على الأقدام وشارك فيها أكثر من 500 ألف فلسطينيّ. في هذه الأثناء كانت الإتصالات الهاتفيّة بين القذافي والأسد لا تزال مستمرّة وبعد الكثير من الضغوطات وحرصاً على استمرار تدفّق الأموال الليبيّة وافق الأسد على مضض على ان يستقبل عرفات بعد ان اقترح القذافي ان تتمّ مناقشة مسألة علاقة م.ت.ف بمصر خلال هذا اللقاء.
وصل ياسر عرفات إلى دمشق قادماً من العاصمة الليبيّة طرابلس في 24/نيسان/1988 حيث استقبله وزير الخارجية فاروق الشرع واتجها سوياً من المطار مباشرةً إلى مقبرة الشهداء في مخيّم اليرموك لزيارة قبر خليل الوزير ومن هناك عاد إلى قصر الروضة حيث بات عرفات ليلته. في الساعة الخامسة من عصر اليوم التالي التقى عرفات بالأسد لفترةٍ مطوّلةٍ امتدت لأكثر من أربع ساعات تمّ فيها بحث مواضيعٍ شتّى أهمها العلاقات السوريّة الفلسطينيّة ودعوة مجلس الجامعة العربيّة للإنعقاد لبحث سبل دعم الانتفاضة الفلسطينيّة. وأخيراً تمّ التطرّق إلى البند الشائك ألا وهو رغبة الأسد بقطع علاقات المنظّمة مع مصر “التي يرفع فيها العلم الإسرائيلي” حسب تعبير الأسد إلّا ان هذا البند اصطدم بتصلب عرفات الذي وجد في مبارك ونظامه حليفاً ضروريّاً في هذه المرحلة التي يسعى فيها إلى تسويق نفسه أمريكيّاً علّه يضمن مقعداً مريحاً في مفاوضات السلام القادمة, وليس هناك أفضل من حليفٍ لأمريكا وشريكٍ في السلام مع إسرائيل ليتولّى مهمّة هذا التسويق. رغم التصريحات الدبلوماسيّة التي أدلى بها عرفات بعد انتهاء اللقاء والحديث عن الجوّ الودّي واتفاق وجهات النظر إلّا ان الإجتماع كان فاشلاً ولقد توجّب على عرفات ان يدفع ثمن هذا الفشل الذي أدّى إليه “تعنّته” وتمسكه بالعلاقات الجيدة مع مصر.
جاء ردّ الأسد على سريعا فبعد بضعة أيامٍ من هذا اللقاء الفاشل وبالتحديد في 30/نيسان/1988 شنّ مسلحو “فتح الانتفاضة” التابع لسعيد مراغة “أبو موسى” حليف النظام السوريّ هجوماً على مواقع حركة فتح الموالية لعرفات في مخيّم شاتيلا وما لبثت هذه الإشتباكات ان امتدّت إلى مخيّم برج البراجنة علماً ان المخيميّن لا يزالان مطوقان من قبل قوّات الجيش السوريّ المتواجد في كاملة بيروت الغربيّة. ورغم وقف إطلاق النار الذي تمّ التوصل إليه بعد يومن من اندلاع القتال بين الطرفين إلّا ان جوّ التوتّر بقيى مخيّماً على المخيمين موحياً بجولةٍ أخرى قادمة. في هذه الأثناء كان نظام الأسد المتحالف مع الشيطان الأصغر الإيراني يهيّئ لضرب القوّة العسكريّة والسياسيّة المتصاعدة لهذا الحليف والمتمثّلة بحزب الله الشيعي وذلك بدعمٍ وتأييدٍ من الشيطان الأكبر الأمريكي.
في 6/أيّار/1988 شنّت حركة أمل هجوماً كاسحا على مواقع حزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت ذات الغالبيّة الشيعيّة ودارت بين الفصيليّن معارك طاحنة استمرّت حتى العاشر من الشهر نفسه حين تمّ التوصّل إلى إتفاقٍ لوقف النار ودخول مراقبين سوريّين إلى المنطقة للإشراف على تطبيق هذا الإتفاق. لكن الإشتباكات ما لبثت ان اندلعت في اليوم التالي من جديد, وبلغت الحصيلة النهائية للضحايا من الطرفين إضافةً إلى المدنيّين حتى 11/أيّار/1988 نحو 152 قتيلاً و558 جريحاً. على أثر هذا التصعيد اتصل الرئيس الإيراني علي الخامنئي هاتفيّاً بحافظ الأسد وحضّه على انهاء القتال الذي بقي مستمرّاً حتى 27 من الشهر نفسه حين دخلت القوّات العسكريّة السوريّة إلى كامل الضاحيّة الجنوبيّة وأقامت فيها سلطتها وأزالت من شوارعها المتاريس ومنعت الظهور المسلّح. بدخول هذه القوّات إلى الضاحية اكتملت سيطرة النظام السوريّ على كامل بيروت الغربيّة ولم يبق أمامه سوى تطهير مخيّماتها من العرفاتيّين فاستؤنفت الإشتباكات في مخيّمي شاتيلا وبرج البراجنة وتصاعدت حدّتها حتى تمّت السيطرة شبه الكاملة لفتح الانتفاضة على مخيّم شاتيلا وتم التوصل إلى وقف لإطلاق النار مشروطاً بمغادرة الموالين لعرفات المخيّم والإلتحاق بمخيّم عين الحلوة الذي يسيطر عليه تنظيمهم بالكامل, خاصةً بعد انشقاق جماعة “أبو موسى” هناك عن التنظيم وإلتحاقهم بكامل عتادهم ومراكزهم بصفوف حركة فتح المواليّة لعرفات. على أثر هذا الإتفاق غادر المخيّم 116 عنصراً بينهم بعض النساء والأطفال من عوائل المقاتلين وذلك بتاريخ 27/حزيران/1988 وما لبث مسلحو “فتح الانتفاضة” ان سيطروا على مخيم برج البراجنة بعد عدّة أيام وتمّ التوصّل هناك إلى نفس الإتفاق المعقود في “شاتيلا” وغادر سلطان أبو العينيّن المخيم في 8/تمّوز/1988 ومعه 175 مقاتلا توجّهوا جميعاً إلى مخيّم عين الحلوة.
———————————————————————
حالما غادرتُ أزقة حيّ عمقا الضيقة والرطبة وأصبحت وسط “شارع السوق” الأوسع قليلاً من الزقاق الذي دلفت منه لفحتني شمس آب الملتهبة. اتجهت شمالاً نحو تقاطع شارعيّ الصفاف والسوق حيث ركنت سيّاراتي في مكانها المعتاد في ساحة “الكفاح المسلّح” التي أكتسبت إسمها من مبنى شغلته قوّات الشرطة المدنيّة الفلسطينيّة التي تحمل هذا الإسم, قبل ان تدمّره غارة جويّة إسرائيليّة أبّان إجتياح 1982 فتحول بعد إزالة الركام إلى موقف سيّارات مجانيّ. صعدت إلى سيّارتي وباشرت سريعاً بفتح الشبابيك قبل ان أُخبز في لهيبها كرغيف, ثم قدتها مغادراً المخيم عبر مدخله الشمالي عند المستشفى الحكومي واتجهت نحو “طلعة الهمشري” فبناية “شمس“, بعد توقّفٍ قصيرٍ أمام المكتبة الواقعة عند “دوّار الأمريكان” لتناول نسخةٍ من كلّ من الصحف اللبنانيّة الثلاثة التي ندفع ثمنها شهريّا وهي “الديار” و“النهار” و“اللواء“. فتحت باب المقرّ بالمفتاح الذي سبق ان أُعطيت نسخةً عنه وعبرت الصالة متجهاً نحو الغرفتين الداخليتين المتواجهتين والمطلّتين على البحر وطرقت باب مكتب أكرم طرقة خفيفة ثم حاولت فتحه للدخول فإذ به مغلقٌ بالقفل فحوّلت نظري إلى الغرفة المقابلة مشرّعة الباب:
– تحيّاتي أبو المجد.
– أهلاً أبو روبين.
جلس أبو المجد (النقيب ثائر حجّو) على كرسيّ بلاستكيٍّ صامتاً منصتّاً إلى حديثٍ يدور بين “أبو عمّار” و“خالد الضابط” الجالسين على سريريهما. سلّمت عليهم وسألت دون ان أوجّه حديثي لأحد معيّن.
– يبدو ان الشيخ (أكرم) لم يأت بعد, أليس كذلك ؟
– بلى. أجاب أبو عمّار. انه في داخل مكتبه مع أبو حديد.
– لكن الباب مقفل!
– نعم. لا أدري عمّا يتسارّون.
أوضح خالد, بينما كنت أجلس إلى جانبه على سريره المعدنيّ وبمواجهتي أبو المجد الذي ابتسم للإجابة وغمز لي بطرف عينيه قاصداً إفهامي إلى ان ما يدور في رأسه عن هذا الإجتماع “المغلق” هو نفس ما يدور في رأسي وعلى الأرجح أيضاً ما يدور رأسيّ خالد وأبو عمّار . لقد اعتاد الجميع هذه المشاهد شبه اليوميّة وأحياناً كانوا أجزاءً منها حتى باتت أحداثاً روتينيّةً رتيبة. لذا تابع خالد وأبو عمّار حديثهما السياسيّ التحليليّ الساذج بإعتبار انه أحد منهما لم يسبق له ان قرأ شيئاً في السياسيّة عدا الجرائد اللبنانيّة. تشظّت تحاليل الشابين وتعدّد مساربهما حتى وصلا بعد خمسة دقائق إلى العلاقة بين م.ت.ف وبابا الفاتيكان وقضيّة إعتراف الفاتيكان بالروابط التاريخيّة لليهود في فلسطين .
– صحيح كلامك. انما الإخ أبو عمّار كما يعرف الجميع هو صديقٌ مقرّبٌ للبابا. قال خالد.
– والماما ؟ سألته انا.
إنفجر الجميع ضاحكين خصوصا أبو المجد الذي أثار هذا الجدال المملّ حفيظته.
– ما أخبارك أبو المجد؟ سألت.
– أحتاج إلى تنكة بنزين لهذا جئت.
فتح باب مكتب أكرم وخرج أبو حديد محمّر الخدّين ولا أدري ان كان ذلك الأحمرار ناتجاً عن تحرّجه أم سوى ذلك من الأسباب فدخلنا ثائر وانا إلى الحجرة .
– تحيّاتي شيخ.
– أهلا تحيّاتي.
– شو في ما في؟
– لا جديد. أراك مبكراً؟
– صحيح. تنامى إليّ أمس ان الحوالة البنكيّة للمخصّصات قد أصبحت جاهزة واليوم هو موعد صرفها.
– هل مررت على جماعة “الماليّة“؟
– لا . سأفعل بعد قليل.
– قد فعلت انا وصرف الرواتب موعده غداً.
– كان الله في العون.
– انا بحاجة إلى تنكة بنزين يا شيخ. قال ثائر.
– لم يمض وقتٌ طويلٌ على المرّة الأخيرة التي أخذت فيها تنكة.
– مرّ على تلك التنكة أكثر من عشرة أيّام وانا دائم التجوّل بالسيّارة ما بين القاعدة ومنزلي في المخيّم.
نادى أكرم على أبو حديد الجالس في الغرفة الأخرى.
– أصرف لأبي المجد تنكة بنزين.
– طالما ان الصرف شغّال فاصرف لي تنكة أيضاً فغداً عليّ ان أقوم بمرافقة “اللجنة الماليّة”.
– اصرف تنكة أخرى لأبي العلا.
– حاضر شيخ. قال أبو حديد ثم انسحب إلى حيث أتى.
– ماذا يوجد في صحف اليوم من أخبار مهمّة؟
– لا جديد. لا زالت التقارير الإخباريّة تدور حول قرار الملك حسين بفكّ إرتباط الأردن مع الضفّة الغربيّة. (تمّ فك الإرتباط في 30/تمّوز/1988).
– واضح انه لم يعد يريد تشكيل وفدٍ مشتركٍ مع الفلسطينيّين إلى مفاوضات السلّام.
– لأنه يخشى ان يتمّ ابتلاعه من قِبلهم بدلاً من ان يبتلعهم هو كما كان مخطّطاً.
دردشنا لبضعة دقائق أخرى ثم استأذنّا بالذهاب وركب كلّ منّا سيّارته, أبو حديد في سيارة “الفولفو” التابعة لأكرم وانا في سيّارتي الخاصة (بي أم 520) وثائر في سيّارته (البي أم 525) وانطلقنا جميعا بإتّجاه مستودع البحريّة في بلدة القْريّة. هناك قام أبو حديد بملء غالوناً بلاستيكيّاً بمادة البنزين لكلّ منّا مستخدماً مضخّة يدويّة لضخّ المادة من أحد البراميل العشرة الموجودة في المستودع. بعد تعبئة خزّانات السيّارات مستعينين بقمع, توجّه كلٌّ منّا في طريقه وكانت طريقي انا نحو وسط المدينة لتناول السندويشتين المعتادتين. بعد تناول طعام الغداء توجّهت إلى منطقة الفوّار حيث يقطن النقيب محمود زكي لزيارته فوجدته جالسا على شرفة منزله الصغير يشرب فنجان قهوة وحوله طفلاه يلهوان. أحضرت زوجته فنجان آخر عند وصولي فشربته.
– كيف الحال ؟
– الحمدلله رواق. وانت؟
– تمام.
– كيف “المنطقة الوسطى” معك؟ (حيث يعمل تحت قيادة كمال مدحت.)
– في أحسن حال. ما أخبار المنيوك؟
– تمام . مكيّف وينتطوط كعصفورٍ من حضنٍ إلى آخر.
– صدفته قبل يومين ومعه في سيّارته شابٌ أشقرٌ وسيم. من يكون؟
– يسمّي نفسه “الكوبرا” رغم انه ألطف من صوص.
الكوبرا هذا جنديٌ شابٌ من مخيّم نهر البارد في مدينة طرابلس لم يجاوز العشرين من عمره وعلى جانب من الوسامة كما وصفه محمود ويميل لون شعره إلى الشقرة. وهو لطيفٌ ودمث الأخلاق وشديد الخجل ويقيم بشكلٍ دائمٍ في مسكن أكرم الذي “يعطف” عليه إلى درجة منعته من فرزه إلى أحد مراكز القوّة للدوام بل استبقاه في منزله وخصّص له غرفةً فيه, ويشاركه في الغرفة أحياناً أحد الجنود الآخرين المقرّبين من أكرم. يكتفي الكوبرا بالتنقّل بين المواقع بغرض التنزه فتراه أحياناً في سيارة الفولفو مع “أبو حديد” في طريقهما لتوزيع التموين وأحياناً أخرى مع أكرم في سيّارته ذاهبين إلى المقرّ أو عائدين منه أو في سيّارة شخصٍ آخر مقرّبٍ من أكرم يدعى “معين” وهو أحد القاطنين في مبناه الواقع في “بستان اليهودي” ولقد تمّ ذكره في صفحاتٍ سابقة. أمّا إذا أزف المساء فتراه غالباً في شقّة أكرم يتمتّع برفاهية العيش الرغيد والكهرباء التي لا تنقطع بسبب وجود محرّك توليد الطاقة الكهربائية على شرفة الشقّة وعشرات براميل البنزين في مستودع “أبو حديد“. هذا في وقتٍ لا تتجاوز فيه ساعات التغذية بالتيّار الكهربائي في المدينة أكثر من 8 ساعات يوميّاً وعلى عدّة دفعات, أمّا مخيم عين الحلوة فبالكاد يحصل على ساعتين أو ثلاثة من التغذية.
– وهل كوبرا هذا هو حارس أكرم الشخصيّ؟
– أعتقد العكس. حاول ان تتحرش به لترى كيف سيواجهك أكرم كذئب. (ضحك.)
قال محمود بعد ان انهينا شرب القهوة انه ذاهبٌ إلى الكتيبة (التي هو قائدها) فقلت: أذهب معك. انطلقنا بسيّارته عبر بلدة “الميّة وميّة” ثم “عين الدلب” ثم انعطفنا نحو اليسار بإتجاه بلدة “كفر جرّة” حيث تتموضع كتيبته. كل هذه القرى خاليةٌ من أهلها (عدا القليل من العجائز) وليس فيها سوى القواعد العسكريّة الفلسطينيّة (أغلبها لحركة فتح) والكثير من أشجار الزيتون المتروكة لمصيرها والتي صار لها حالياً من يقطف زيتونها وهم بضعة نساءٍ من عجائز عين الحلوة الذين لا يجدون ما يدرؤون به فقرهن سوى قطاف هذا الزيتون الذي اضطر أهله لهجره, وبيعه على قارعة الطريق في سوق المخيّم.
بين قرية كفر جرّة وقرية كفار فالوس حيث خطّ التماس مع قوّات “جيش لبنان الجنوبي” يوجد قرىً ثلاثة مهجورةٌ هي الأخرى وهي “وادي بعنقودين” و“لبعا” و“مراح الحباس” حيث تتواجد قوّات التنظيم الشعبي الناصري ومعهم بعض الفصائل الفلسطينيّة خصوصاً منها “الجبهة الديموقراطيّة“. أما القوّات العسكريّة التابعة لحركة فتح فإن حدود انتشارها هي قرية كفر جرّة حسب طلب الحلفاء في التنظيم الناصري خوفاً من إثارة حساسيّة جهاز المخابرات السوريّة التي يحرص مصطفى سعد على عدم إستفزازه, وهو الذي سبق له ان تعرّض للإغتيال عدّة مرّات نجا من آخرها بإعجوبة حين تمّ تفجير سيّارته في العام 1985 وقتلت ابنته ناتاشا في الإنفجار فيما نجا هو ولكنه فقد بصره. تقع كتيبة محمود في الطابق الأرض من أحد مباني الجهة الشرقيّة من كفر جرّة. يوجد داخل الموقع العابق بدخان السجائر ثلاثة شبّان بدوا كأهل الكهف عدا عن قصر ذقونهم. شعرٌ طويلٌ غير ممشطٍ وذقون لم تحلق منذ أسابيع وشحوب في وجوهم وقنوط في عيونهم ربما تسبّبت به عزلتهم وهذا الفراغ الموحش الذي يحيط بهم. شربنا معهم الشاي ودردشنا قليلاً وسألهم محمود عما إذا كان لديهم ما يكفي من التموين أو إذا كان هنالك نقصٌ في أيٍ من المواد فطلبوا شاي وسكّر وبعض السجائر ووعدهم محمود بإحضارها في اليوم التالي ثم ودّعناهم وعدنا إلى منزل محمود حيث كنت قد ركنت سيّارتي, فأخذتها وعدت بها إلى عين الحلوة. اليوم التالي (9/آب/1988) الذي ترقبناه بشوقٍ كعادتنا بسبب التأخير الدائم لمواعيد صرف رواتبنا, كان مميزاً.
في التاسعة والنصف صباحاً, وصلتُ إلى مقرّ القوّة الذي كان فارغاً إلا من أبي عمّار و“خالد الضابط” الذين لا يزالان يغطّان في نومٍ عميق. إذ لم يكن أكرم حضر إلى مكتبه بعد, فغادرت إلى موقع القاعدة القريبة لأنتظر وصول اللجنة الماليّة هناك حسب إتفاقنا. وبدأ العديد من الجنود “الدبّيكة” (وهي التسميّة التي تطلق هنا على الجنود الذين يجلسون في بيتهم طوال الشهر ثم يأتون لتلقّي رواتبهم عند أخر كلّ شهر) يتوافدون إلى المنطقة كما لو ان نبأ صرف الرواتب اليوم قد أذيع في المحطات الإذاعيّة والتلفزيونيّة, وهذا يحدث دائماً إذ يكفي ان يعلم شخصٌ واحد بتاريخ الصرف حتى يعلم الآلاف من الدبّيكة بهذا الموعد خلال ساعتين أو ثلاثة عن طريق التواتر الشفاهي. كان الموعد المضروب مع عضويّ “لجنة الصرف” هو العاشرة صباحا لكن صوت الطائرات الحربيّة الإسرائيليّة قد يؤخّر قدومهما. عند العاشرة إلى خمسة دقائق انطلق صاروخ جوّ–أرض من إحدىطائرات السرب المحلّقة فوقنا وأصاب هدفاً ما على التلّة الواقعة بين بلداتٍ ثلاثٍ هي “الميّة وميّة” و“سيروب” و“الأشرفية” فارتجت الأرض تحتنا من شدّة الانفجار وعلا الدخان مما تبينّا لاحقاً انه عامود إرسال المحطة الإذاعيّة التابعة للحركة والتي لم يمض على انشائها أكثر من ثلاثة أسابيع, والتي أشرف على مشروعها ويقوم بتشغيلها صديقٌ قديمٌ لي يدعى “أبو وسام” وهو أيضاً جارٌ قديمٌ لي في حيّ المغاربة على أطراف مخيّم اليرموك. تلا الصاروخ الأول صاروخٌ ثان ثم ثالثٍ بعد بضعة دقائق, كنّا خلالها انا ومن حضر من الدبّيكة قد أخلينا مبنى الموقع واتجهنا ركضاً نحو منطقة قريبة مزروعة بأشجار الزيتون وتبعد عن الموقع حوالي 50 متراً وهي ليس مسافة كافيّة لدرء أخطار الصواريخ التي ترميها طائرات الأف 16 لكن خيارنا الآخر كان الركض نحو الوادي المجاور والمجازفة بمرور سيّارة لجنة الصرف دون ان نلمحها.
عادةً ما تستغرق الغارات الجويّة الإسرائيليّة بضعة دقائق ترمي خلالها إحدىالطائرات صاروخاً أو صاروخين ثم تغادر, لكن الطائرات هذه المرّة لم تكن على عجلةٍ من أمرها وطال أمد تحليقها وكثرت إنفجارات صواريخها مما اضطرنا للنزول نحو الوادي. مضت نصف ساعة ولا زال هدير الطائرات في أوجّه فتمنّينا لو أحضرنا معنا إبريق شاي وبعض البزورات لتزجية الوقت لكن ولله الحمد كان معنا سجائرنا. لم تنتهي الغارات حتى الساعة الثانية عشرة ظهراً بعد ان نفّذت خمسة عشر عملية إغارة رمت خلالها عشرون صاروخا مختلفي الأنواع منها الانشطاري والفراغي والعنقودي وتوزّعت الغارات على الميّة وميّة والأشرفية وتركّز أغلبها على عواميد إرسال الإذاعة ومبنى الإذاعة نفسه الواقع في ملجأ محصّن, وسقط خلالها أربعة قتلى وأصيب 9 أخرون بجراح. ما لن تذكره صحف اليوم التالي هو ان الهدف الأخر الحقيقيّ لهذه الغارات إلى جانب الإذاعة تمثّل بجهاز رادارٍ جويٍّ اشترته الحركة حديثاً وقام بتركيبه وتدريب أحد الكوادر على تشغيله, النقيب غسّان طايش قبل سفره إلى الولايات المتّحدة ولقد أهداه علاء الأفندي سيارةً لشكره على جهوده وقد كان الهدف من هذا الرادار هو الوقاية الإستباقيّة من الغارات الجويّة عبر منح الفرصة للمقاتلين بإخلاء مواقعهم قبل وصول الطائرات لكن الجهاز لم يصمد طويلا.
عند الرابعة عصراً وصلت لجنة صرف الرواتب المؤلفة من موظّفين إثنين من جهاز الماليّة, محمّلين بحقيبةٍ جلديةٍ وعدد من الصفحات الورقيّة مطبوعاً فيها أسماء مقاتلي وكوادر بضعة وحداتٍ عسكريّة من ضمنها القوّة البحريّة. افترشنا اللجنة وانا الأرض الرمليّة مستظلّين اشجار الزيتون القريبة متحاشين الجلوس داخل الموقع تحسباً لعودةٍ مفاجئة للغارات الجويّة واستغرقت عمليّة الصرف نحو نصف ساعة غادرت بعدها اللجنة لمتابعة عملها في وحداتٍ عسكريّة أخرى على ان تعريج على موقع النقيب ثائر حجّو التابع لنا في بلدة الأشرفية حيث سيجدون ثائر بانتظارهم هناك للإشراف على عمليّة الصرف, وانفرط عقد “الدبّيكة” وانفرط معهم أيضاً عقد غلمان أكرم وبينهم “الأخ كوبرا” الذي حمّلته راتبيّ أكرم ونبيل غنيم شريكيه المنزليّين.
مساءً, زرت منزل النقيب علي الخليل في مدينة صيدا لتسليمه راتبه. حين طرقت الباب فتحت لي زوجته ورحّبت بي فسألتها عمّا إذا كان علي في الداخل فأجابت بنعم ودعتني للدخول إلى غرفة الإستقبال حيث وجدت علي جالساً على أحد المقاعد ومحدّقاً أمامه في باب الشرفة الزجاجيّ المقابل وصافحني ببرودٍ وبقي صامتاً بينما صنعت زوجته “أم أحمد” لنا القهوة. حاولت مراراً استدراجه للحديث في أيّ موضوع انما دون جدوى إذ اكتفى بالإستجابة لما أقوله بكلماتٍ مختصرة لا تعبّر عن شيء. سلّمته راتبه ودعوته لزيارة المكتب لعلّه بخروجه من المنزل يفرّج عن كربه قليلاً فكان جوابه:”ان شاء الله”.
صباح اليوم التالي نهضت أيضاً مبكّراً (وهذا التعبير يعني عندي التاسعة صباحاً وليس الخامسة صباحاً) ووصلت مكتب المقرّ عند العاشرة محمّلاً ببعض المعاملات الإداريّة المستجدة التي تتعلق بعمليّة صرف الرواتب من تغيّب وفصلٍ واستبدال عنصرٍ بآخر. لم أجد أكرم في مكتبه فتوجهت إلى شقّته في حيّ “الإمام علي” ولمّا طرقت الباب فتحه لي نبيل الذي كان على ما يبدو قد تجهّز لتناول الإفطار. على المائدة في حجرة الطعام المفتوحة على حجرة الإستقبال بضعة فناجين شاي وصحون أجبان وألبان وعلى الكراسي أبو حديد وكوبرا وفي المطبخ أكرم يقلي البيض للجميع مرتدياً مئزراً. أحضر أكرم مقلى البيض ونزع مئزره المطبخي ودعاني لتناول الطعام معهم فشكرته واعتذرت ولكنني شاركتهم شرب الشاي.
– كيف جرت عمليّة صرف الرواتب؟
– بسلاسة.
– هل تمّ تسليم العناصر المستبدَلين رواتبهم؟(يقصد الذين أبدلناهم بآخرين بمفصولين)
– نعم كلّ شيء على ما يرام.
ناولته راتب عمر تركيّة.
– اين راتب علي الخليل؟
– سلّمته إياه في منزله.
– كيف تفعل هذا ألم أقل لك ان تستبقيه حتى يحضر هو لإستلامه؟
– عليك ان ترى حالته لتدرك انه غير قادر على الحضور. المسكين بحاجةٍ إلى إخصائيٍّ نفسيٍّ على وجه السرعة.
– هذه ليست مشكلتي. فليأخذه والداه إلى الطبيب.
– أعتقد انها مشكلتنا يا شيخ فالرجل يعاني من إصابة حرب إذ ان مرضه ناتجٌ عن إعتقاله وتعذيبه أثناء ممارسته عمله.
– فليكن. على كلّ حال أرجو إحضار كشفٍ بالرواتب المرتجعة من مكتب الماليّة المركزيّة.
– لا أعرف أحداً يتّبع هذه الطريق سوانا.
– لا عليك. ربما يجب ان يتبعونها.
طلب كشف الرواتب المرتجعة يهدف إلى التأكد من ان الرواتب التي لم يتمّ صرفها من قبل لجنة الصرف لسببٍ أو لآخر (كفصل أحد العناصر عبر مخاطبة الإدارة العسكريّة التي لم تقم بإبلاغ جهاز الماليّة في الوقت المناسب أو تغيّب أحد العناصر غير المعروفين للجنة أثناء عمليّةالصرف) تمّ إرجاعها إلى الخزينة العامّة لا سرقتها من قبل أعضاء لجنة الصرف. وهي طريقةٌ غير فعّالة أبداً فلا أحد في الكون يستطيع منع أعضاء جهاز الماليّة في حركة فتح من السرقة إذ انهم ببساطة موهوبون ومبدعون في استنباط طرائق مناسبة لكلّ أمر. يستطيع هؤلاء ببساطة تزويد أكرم بنسخةٍ خاصة به من الكشف المرتجع يعدّونها حسبما يريدون بينما تكون الرواتب المرتجعة قد اصبحت في جيوبهم واقعاً وهو ما يعلمه أكرم كما أعلمه انا لكنه يستمتع بإستعراض سلطته كما يستمتع طفلٌ صغير باللعب “بحمامته” ويزداد استمتاعه خصوصاً عند توبيخ الكبار له.
– حسناً سأفعل ذلك, فانا ذاهبٌ إلى الإدارة العسكريّة على كل حال لمتابعة بعض المعاملات.
– هل جلبت الجرائد أثناء قدومك؟
– نعم لكنّني تركتها في المكتب.
غادرت شقّة أكرم وتوجهت إلى مبنى الإدارة العسكريّة ومنها إلى مبنى الماليّة المركزيّة وقمت بالمعاملات المطلوبة ثم مررت بعدها بالمقرّ حيث وجدت ثائر حجّو ونبيل غنيم وعمر تركياجالسين مع أكرم الذي كان قد حضر إلى مكتبه. كان باب مكتبه مفتوحاً ممّا يعني عادةً ان الجلسة مفتوحة ولا شيء شخصي يدور فيها. وفي المطبخ امرأةٌ عجوزٌ من مخيم عين الحلوة تقوم بالطبخ والجلي وهي تعمل لمدّة ساعتين يومياً. سلّمت عليها ثم حضّرت لنفسي كوب شاي وجلست مع الشباب في مكتب أكرم.
كان الحديث ثرثرةً عاديّةً ومزاحاً مألوفاً من عمر تركية الذي يشتهر بحمله دائما لآخر المستجدات في محال النكات البيروتيّة خصوصاً منها التي تحاك حول شخصيّة أحد قبضايات بيروت في الثلاثينات من القرن الماضي والمعروف بإسم “أبو العبد البيروتي“, وأغلبه من النوع البذيء المفضل عند “البيارتة” وربما عندنا أيضاً. تشعّب الحديث من موضوعٍ إلى آخر حتى وصلنا إلى موضوع التموين اليومي “الطازج” المكوّن من خضار ولحومات بيضاء وحمراء والذي توزّعه الحركة على الوحدات العسكريّة وهو غير التموين “الشهري” المتكون من الأطعمة المعلّبة والرز والسكر والزيت والسمن وما شابه. كانت حصّة القوّة البحريّة توزّع فقط على ثلاثة مواقع هي مقرّ القيادة وموقع الحراسة المجاور وموقع ثائر في الأشرفيّة وما يفيض منها يتمّ توزيعه على منازل الضبّاط وصف الضبّاط. فقلت لأكرم:
– حبّذا يا شيخ لو تأمر أبا حديد بعدم تخصيصي بحصّةٍ من اللحوم فأنا متبرعٌ بها لمن يحتاجها.
– لماذا هل أصبحتَ نباتيّاً؟
– ليس بعد لكن “جلاميط” اللحمة التي يصطفيها لي رجلك كادت ان تحولني نباتيّاً لولا انه لا يستطيع التلاعب بالدجاجات كونها توزّع كاملةً.
– هو لا يقوم بذلك عن قصد. فحتى حصتي من اللحمة أمس كانت رديئة.
– ممكن. لكنني لا أتكلّم عن أمس بل عن كلّ الأيام الخوالي. (ضحك)
بعد شرب الشاي وتبادل الأحاديث العامّة أتفقنا ان نذهب جميعاً (عدا أكرم) للتنزّه عند “الكينايات” مقرّنا المعتاد على ضفاف نهر الأوّلي. صعد عمر إلى سّيارتي بينما صعد نبيل إلى سيّارة ثائر وانطلقنا في طريقنا المعهود وعند وصولنا أحضر أحدنا أربعة علب بيرة باردة من “الفان–البار المتنقّل” الذي ركّنا سيّارتينا إلى جانبه وجلسنا أربعتنا في سيّارةٍ واحدة نتبادل أطراف الأحاديث والنكات. بعد نفاذ علب البيرة الأربعة الأوائل نزلت انا لأحضر المزيد وسألت ما إذا كان عمر يريد علبة بيرة ثانية لعلمي انه لا يستطيع شرب أكثر من علبةٍ واحدة لكنه أجاب بالإيجاب. وزّعت العلب على الجميع وتابعنا شربنا وكنّا نرمي العلب الفارغة على الطريق الإسفلتي (كعادة أهل لبنان) فلما رمى كلٌّ منّا علبته الثانية صرخ ثائر حجّو في وجه عمر ضاحكاً:
– علبتك ليست فارغة فلماذا رميتها !
– بلى والله العظيم انها فارغة.
– انا متأكد من قولي فرنّة صوت ارتطام العلب الفارغة تختلف عن تلك التي للعلب الملأى.
فتح ثائر باب السيارة ونزل لإستعادة علبة عمر التي اندلقت منها البيرة ولا زال بداخلها المزيد. منذ تلك اللحظة, أعلنّا عليه حظراً كحوليّاً دائماً وأبلغناه به وجاهيّاً موضّحين انه منذ الأن لن يعود باستطاعته مشاركتنا الشرب وعليه الإكتفاء بالبزورات فصالحنا بعدها بعدّة نكات عن “أبو العبد البيروتي”.
بعد أربعة أيام من صرف الرواتب توجّهت ظهراً إلى المقر فوجدته مزدحماً بعض الشئ فاستبشرت خيراً إذ ان هذا الإزدحام النسبي يعني ان الحاضرين قد تداعوا إثر علمهم بان موعد صرف “المهمّات” هو اليوم. توزّع بعض لمتواجدين على السريرين وبضعة كراسي بينما أختار البعض الآخر الوقوف على الشرفة. تواجد في الداخل أبو حديد, وحبيب, وعبّاس, ومعين وأبو عمّار وعلى الشرفة ثائر حجّو ونبيل غنيم. صحيحٌ ان “المهمّة” مخصّصة قانونياً للضبّاط دون الجنود إلّا ان أكرم بعد ان رفّع جنوده المقرّبين إلى رتبة مساعد أضاف أيضاً إلى رتبهم خاصيّة توزيع مهام الضبّاط عليهم لشراء ولاءهم المطلق. لم يكن الأمر يكلفه كثيراً خصوصاً ان المهام الذي يصرفها للضبّاط لا تعادل ربع ما يتلقاه الضبّاط في الوحدات الاخرى.
– السلام عليكم. خير ان شاء الله. طمئنوني هل جهزت “المهمات“؟
– نعم صحيح. أجابني أحد ضبّاط الصفّ.
– عظيم.
عبرت غرفة الأسرّة نحو الشرفة وصافحت ثائر ونبيل وانضممت إليها. كانا يدردشان همساً في الموضوع المفضّل لدى نبيل ألا وهو الزواج.
حين حمل النقيب نبيل غنيم ما استطاع إدّخاره من رواتبه الشهريّة وغادر مدينة الحديدة اليمنيّة متجهاً إلى بيروت مؤمّلاً نفسه بالزواج هناك بعد طول صيامٍ وكبتٍ فرضته التقاليد اليمنيّة المتزمّتة, حيث لا ترى النساء إلا في أكياسٍ سوداء تسير في الشوارع ولا يدري المرء ما الذي داخلها على وجهة التحديد والتأكيد, لم يكن يعلم ان الوقوع في وكر أكرم هوّاري سيزيد من معاناته وكبته ويرهق مشاعره ويؤثّر سلباً على صحته النفسيّة. إذ تعرّض نبيل إلى الكثير من الإبتزازات العاطفية من قبل أكرم, عبر وعوده الكاذبة بتزويجه من إحدىأخواته, وهن متواضعات الجمال ولكنّ نبيل كان محروماً جنسيّاً وفاقد الخيارات البديلة بسبب حيائه الشديد وأيضاً بسبب عدم وجود أيّة علاقات إجتماعيّة أو أسريّة له في المنطقة بإعتباره أصلاً من سكان الأردن ولم يسبق له ان زار لبنان إلّا في الأشهر القليلة التي سبقت إلتحاقه بالدورة البحريّة الثالثة في كراتشي. ومنها انتقل إلى مدينة الحديدة اليمنيّة بعد أسابيعٍ قليلة أمضاها في دمشق. يتمتع نبيل إضافةً إلى حيائه بحسن خُلق وطيبة أمّا علله فلعلّ أبرزها وقوعه كليّاً تحت هيمنة أكرم وسطوته وخضوعه التامّ له.
– لا جديد إذن في موضوع الزواج ؟ سألته.
– ما الذي يعطّل المسألة حتى هذه اللحظات؟
– شربي للكحول. يريدني ان أتوقف عن شرب الكحول كليّاً قبل المباشرة بالموضوع.
– فلتفعل إذن ان كنت تريد الزواج من هذ الفتاة بالتحديد.
– فعلت ذلك عدّة مرّات لكنه في كلّ مرّة يبقى على مماطلته ممّا يستفزني فأعود إلى الكحول.
ينبغي الحذر عند التحدّث مع نبيل فلا تستطيع مثلاً ان توجّه له النصيحة التي لا يحتاجها أحد أصلاً إذ انها معروفةٌ للجميع وهي ان عدد الفتيات الباحثات عن الزواج في عين الحلوة يبلغ عشرات الآلاف بسبب نسبة العنوسة العاليّة التي نتجت عن ارتفاع نسبة الفقر والبطالة لدى الشبّان إضافةً إلى هجرة الآلاف منهم إلى بلاد اللجوء الانساني الأوروبيّة. فان أية نصيحة من هذا النوع سيقوم بالتأكيد بنقلها إلى أكرم مما يسبب لك الإحراج.
حضر أبو حديد إلى الشرفة لإبلاغي بان الشيخ يدعوني إلى مكتبه فدخلت.
– تحيّاتي شيخ.
– أهلا.
– استدعيتك لتسليمك مهمّتك.
– ليس أحب عليّ منها. (مازحاً)
تناولت منه مهمّتي واتجّهت نحو الباب فقال لي : ادعو ثائر لو سمحت. بعد دقيقتين خرج ثائر ومهمّته في جيبه. لم يكن بحاجة لدعوة نبيل إذن انه قد قام بتسليمه مهمّته سلفاً بإعتبار انهما يقيمان في نفس الشقّة كما انهما قد حضرا إلى المكتب معاً بسيّارة أكرم. استأذن نبيل وغادر المكتب بينما دخلنا ثائر وانا إلى حجرة الأسِرّة لشرب الشاي وفي هذه الأثناء بدأ أكرم بإستدعاء ضبّاط الصفّ إلى مكتبه واحداً بعد الآخر ويقوم بإغلاق قفل الباب بالمفتاح عند دخول كلٌّ منهم. لم يكن خروج ضبّاط الصفّ سريعا إذ استغرق عبّاس أكثر من عشرة دقائق فُتح القفل بعدها ودعى عبّاس, زميله أبا عمّار للدخول وأقفل الباب مرةً ثانيةً بالمفتاح, وحين انهينا كوبيّ شاينا لم يكن الأخير قد انتهى بعد من “استلام مهمّته” فغادرنا المكتب سويّاً ثم أتجه كلٌ منّا إلى سيّارته. على الدرج قال لي ثائر: الحمد لله انه لم يقفل الباب بالمفتاح عليّ انا أيضاً, إذ انني ما كنت لأستطيع مقاومة جاذبيّته. فانفجرنا ضاحكين.
————————————————————–
– ها قد ولّى صاحبنا. قال أكرم (قاصداً الرئيس الباكستاني ضياء الحق الذي قتل أمس في 17/آب/1988 مع ثلاثين شخصاً أخرين بينهم السفير الأمريكي في الباكستان بعد ان اسقطت الطائرة التي كانوا يستقلّونها بعيد إقلاعها بصاروخٍ مضادٍ للطائرات)
– “من يأخذ بالسيف بالسيف يهلك” علّقت انا.
– انه الصراع الأمريكي – الفرنسي.
– أعتقد انا ان الصراع هناك هو ببساطة باكستاني – باكستاني, فالرجل أتى إلى الحكم بانقلاب عسكريّ وخرج بانقلابٍ عسكريّ وهكذا دواليك كما هو الأمر عندنا.
– بلغني انك قد فقدت بطاقة هويتك.
— بدّ انك قد قابلت “شريف البدوي” إذن.
– نعم ولكنه لم يتوسّع في التفاصيل.
– كنتُ منذ فترة قد أجريت معاملة تسجيل سيّارتي عند كاتب العدل المجاور مكتبه لساحة النجمة ويبدو انني قد نسيت بطاقتي عنده.
– وكيف وجدها شريف؟
– ذهب ليجري معاملة تسجيل سيّارته عند نفس كاتب العدل الذي رفض إجراءها بسبب اكتشافه ان بطاقة شريف مزوّرة, ويبدو انها مزوّرةٌ بطريقة رديئة. وقد اشترط كاتب العدل لإجرائها ان يقوم شريف بإحضار شخصٍ آخر مع بطاقة هويّة أصليّة ليشهد على المعاملة فاحتجّ شريف وأصرّ على ان بطاقته أصليّة فقام الكاتب بالعدل بسحب بطاقتي من درج مكتبه وأراها لشريف قائلاً هكذا يجب ان تكون البطاقة الأصليّة. تعرف شريف طبعاً على صورتي في بطاقة الهويّة وقال للرجل سأحضر لك نفس الشخص صاحب بطاقة الهويّة هذه ليشهد على معاملتي فوافقه كاتب العدل.
– وهل ذهبت معه؟
– صحيح, وقّعت على معاملة تسجيل سيّارته كشاهد وأحضرت بطاقي المفقودة.
– ما كان يجب ان تفعل ذلك.
– لماذا؟
– ألا تعلم ان شريف البدوي هو من جماعة “هوّاري“؟
– لم أكن أعلم ذلك قبل الآن. أعلم عن مجموعة “نائل السريع” و “سمير زعتر” أنهما يتبعان لهوّراي.
– وشريف أيضا.
– سبق السيف العذل. أرجو ان لا تصحى الدولة اللبنانيّة من غيبوبتها يوماً وتراجع سجّلات السيّارات المفخّخة.
هوّاري هو العقيد عبد الله عبد الحميد قاسم والمعروف بإسم “أبو طارق هوّاري” وهو عضو قيادة جهاز الأمن المركزي في حركة فتح, وقام عرفات بتكليفه برئاسة ما سمّي بجهاز الأمن الخاص بالرئاسة وهو أيضاً عضوٌ في “لجنة لبنان” التي تدير شؤون حركة فتح في لبنان. إضافةً إلى مكانته كرجل أمن مقرّب من عرفات فإن هوّاري هو أيضاً حلقة وصل مع نظام صدّام حسين ويقيم في بغداد ويدير منها “وحدة الشهيد سعد صايل” المتواجدة في لبنان والمختصّة بتوجيه الضربات الأمنيّة إلى أجهزة الإستخبارات والقوّات العسكريّة السوريّة لصالح صدّام حسين وبتمويل خاصّ منه. عدا عن تنفيذ بعض الإغتيالات ضد حلفاء النظام السوريّ في بيروت فإن المهام الرئيسة التي تقوم بتنفيذها هي تفجير السيّارات المفخّخة بالقرب من مواقع وحواجز ومناطق انتشار القوّات السوريّة لضعضة قوّتها وتقويض سلطتها ونفوذها في لبنان وأيضاً للانتقام من مواقفها المعادية لصدّام حسين. أهم الكوادر القيّمين على هذه المهام هم “نائل السريع” ويقطن في شقّة أرضيّةٍ قريبة من دوّار الأميركان, وشريف البدوي ويقيم في “طلعة الهمشري” بالقرب من منزل عبد المعطي أبو ياسر وسمير زعتر ويقيم في منزلٍ مجاورٍ لمبني “شمس” حيث مقرّ البحريّة.
طريقة عمل وحدة الشهيد سعد صايل بسيطة. فهم نظرياً تابعين لعلاء الأفندي كبقيّة الوحدات العسكريّة ويتلقون رواتبهم من قيادة الساحة كما الأخرون لكن أوامرهم العمليّاتيّة تأتيهم عبر جهاز الفاكس أو حتى الهاتف من مكتب هوّاري في بغداد. إضافةً إلى الأوامر العمليّاتيّة يقوم هوّاري بتزويدهم بالمال “الصدّامي” عبر حوالاتٍ بنكيّة شهريّة فيقومون هم بشراء العملاء القادرين على الدخول إلى منطقة بيروت الغربيّة ويكلّفونهم بقيادة سيّارات مشتراةٍ ببطاقات هويّة مزوّرة, ومفخّخةٍ بعشرات الكيلوغرامات من المواد المتفجرة المزوّدة بساعة توقيت أو بجهاز تحكّمٍ عن بعد ويطلبون منهم ركنها بالقرب مواقع عسكريّة وأمنيّة سوريّة سبق ان استطلعوها هم أو عملاء أخرون. أما عمليّات الإغتيال بكواتم الصوت فهي أعقد قليلاً وتتطلّب الكثير من المتابعة والرصد وتحمل مخاطر جسيمة مما يجلعهم لا يلجأون إليها إلّا نادراً وعند الضرورة القصوى.
اتّجهت إلى المطبخ لأسخّن إبريق الشاي الذي أعدّه أحدٌ ما وأصب لنفسي كبّاية بينما أكرم يعدّ نفسه للمغادرة. وبينما انا في المطبخ حضر نبيل إلى المقر وتصادف دخوله مع وجود أكرم في الردهة وكالعادة بادره أكرم بالمزاح الجسدي الذي يختصّ به ويعشقه ويقع مزاحه هذا في منطقةٍ وسط بين المصارعة والمداعبة الجنسيّة ويهدف منه إلى إمتاع نفسه عبر الإلتصاق “العَرضي“ّ قدر الإمكان بموضع ذكورة الشخص الذي يداعبه. جاراه نبيل في مزاحه ضاحكاً كعادته حتّى احمر وجهّه بينما يقلّبه أكرم بين يديه كدميّة ولا أدري ما إذا كان نبيل بسيطاً إلى الدرجة التي لا يدرك فيها الطبيعة المفضوحة لهذا المزاح أم انه محرجٌ من صديقه وقائده إلى درجةٍ تجعله لا يدري ماذا يفعل ليصدّه عن نفسه تحرّشاته الجنسيّة اليوميّة. أمّا أكرم فلا يشعر بالخجل أبداً من تصرفاته ولكنه يقصر هذه المداعبات على المقرّبين منه الذي يهيمن عليهم سايكولوجياً ويسيطر عليهم ماديّاً, خوفاً من انشكاف أمره على مستوى عام ممّا سيطيح به من مركزه ويجعله عاجزاً عن إشباع شهوته إذ ان سلطته هي التي تتيح له استدراج مرؤوسيه للممارسات الجنسيّة كونه لا يتّصف ولو بنسبةٍ ضئيلة, بالوسامة التي عادةٌ ما تساعد اللوطيّين في قضاء شهواتهم. إذا خسر أكرم سلطته يصير أشبه بمدمن سجائر لا مال لديه فيضطر إلى استخراج “أقماع” السجائر من أكياس القمامة ليعيد استخدامها حتى النفَس الأخير.
عدا المقاتلين من ابناء مخيّم الرشيديّة العاملين في مخيّمهم تحت إمرة غسّان ذيب والمرأة العجوز التي تطبخ وتجلي في مقرّ القيادة ثمّ المرأة الفتيّة التي تلتها بعد فترة في نفس الوظيفة, لم ينج أحد من عناصر وضبّاط صفّ وضبّاط القوّة البحريّة من تحرّش أكرم الجنسي المباشر أو غير المباشر وان نجا بعضهم ممّا يتجاوز التحرّشات والمداعبات ويصل إلى العلاقات الجنسيّة اللوطيّة الكاملة. والأرجح عندي ان مرض النقيب علي الخليل النفسي لم يسبّبه التعذيب الذي تعرّض له في معتقلات حركة أمل فحسب بل شيٌ ما آخر ساهم في مفاقمة حالته لكنّني لن أتوسّع في موضوع علي لأن ترجيحاتي في هذا الخصوص تتكئ على إستنباطاتٍ وتحليلاتٍ شخصيّة, لا على معلومات من ضحايا أكرم أومشاهداتٍ مباشرة لممارسات حدثت أمامي ورأيتها رأي العين.
يعتمد أكرم كليّاً على استخدام هيبة السلطة والمال على استدراج نوعٍ معيّنٍ من الضحايا/المقاتلين الذين يحملون صفاتٍ تسهّل له عمليّة إغواءهم واهمّ هذه الصفات هي:
– العزلة النفسيّة إذ ان جميع ضحاياه مفصولين عن محيطهم الأسري والإجتماعيّ وينتمون إلى عوائل تقيم في مناطق بعيدة وأغلبهم هم من مدينة طرابلس الشماليّة أو من المدن والمخيّمات السوريّة, ويحظر عليهم العودة إلى مناطقهم بسبب انخراطهم في حركة فتح وخوفهم من الإعتقال لدى المخابرات السوريّة المسيطرة على تلك المناطق.
– الخجل والحياء الذين يمنعان الضحيّة من تسريب وقائع ومجريات ما يتعرض له على يديّ أكرم من تحرّشات أو ممارسات جنسيّة.
– ضعف الشخصيّة التي تجعل الضحيّة عرضةً للسقوط تحت هيبة وسطوة “القائد” والانصياع لرغباته.
– يفاعة السنّ وانعدام التجربة إذ ان بعض ضحاياه تبدو على وجوههم معالم الإرتباك والحيرة بسبب عدم تيقنهم من طبيعة ما تعرّضون له.
عدا الضبّاط البحريّين الذين لم يتح لأكرم إختيارهم فإن العاملين في القوّة البحريّة جميعاً يتمتعون بالصفات والمزايا الشخصيّة المذكورة أعلاه وقد تمّ اختيارهم وفق عمليّة تصفيّة متانيّة خلال الزيارات الإعتياديّة المتبادلة بين الضبّاط في المواقع العسكريّة المتعدّدة بإعتبار ان عددهم بالمئات ويعملون في مساحة جغرافيّة ضيّقة وجميعهم يعرفون بعضهم البعض. عند سقوط كلّ طريدة جديدة في فخّ تواضع القائد الذي يتقرّب من الجندي ويشعره بتميّزه وأهميّته عن دعوته للإنتقال للعمل تحت لوائه وتمنيته بأنه سيكون من المقّربين المرفّهين لا يعود الأمر يحتاج إلى أكثر من ورقةٍ ممهورةٍ بختم القوّة البحريّة ترسل إلى الإدارة العسكريّة تعلن فيه موافقتها على نقل الجندي فلان الفلاني إلى عداد القوّة. عند إتمام عمليّةالنقل يستمتع الضحيّة الجديدة بالفرادة والرفاهيّة فتراه مقيماً في شقّة أكرم مشاركاً له في مأكله ومشربه ومواظباً على مصاحبته أثناء تنقّلاته في سيّارته ليعود بعد انتهاء “شهر العسل” فيركنه وينتقل إلى سواه, مما يجعل الجندي المستجدّ متحرقاً لا شعوريّاً للعودة إلى ما كان فيه من حظوةٍ ودائم السعي إلى استرداد ما فقده ولو مقابل التغاضي عن بعض ممارسات أكرم معه فيصير شغله الشاغل إلعمل على استجلاب انتباهه وعطفه تماما كما في حالة المرأة الغيورة التي تسعى إلى استرداد رجلها. وهذا بالظبط ما يسعد اكرم ويُشعره بالانتشاء وقد يعود بعد فترة إلى اصطفاء هذا الساعي إليه انما هذه المرّة لن تتوقّف العلاقة الجنسيّة بينهما عند مجرّد المداعبة.
——————————————————
ظهيرة يومٍ أيلوليٍ أصفر ما زال متشبّثاً بشمس الصيف. يبدو ان “الشيخ أكرم” لا ينوي الحضور إلى المقرّ اليوم إذ ان من عادته الحضور باكراً وقد فات موعده. غادرت المقرّ وتوجّهت إلى شقّته ومعي بعض المراسلات الإداريّة التي تحتاج إلى توقيعه. قد تحتمل الأوراق التأجيل إلى الغد لكنّ سيّارتي بحاجةٍ للوقود الذي ما زال مقطوعاً وهذا ممّا لا يحتمل التأجيل إذ كنت عازماً على زيارة أقاربٍ لي في مخيم البصّ على أطراف مدينة صور. ضغط على جرس الشقّة ففتح لي أبو ماجد الباب.
– مرحبا أبو ماجد هل الشيخ موجود؟
– لا قد خرج صباحاً.
– أراكَ وحيداً.
– الشباب في الحجرة الداخليّة.
أبو ماجد شابٌ سوريٌّ كرديٌّ أعزب, ضئيل البنية دمث الأخلاق ومتديّنٌ يهوى قراءة الادب والشعر يخدم ويقيم في أحد المواقع العسكريّة المجاورة. رصده أكرم خلال زيارةٍ قام بها لقائد ذلك الموقع ووجد فيه ما دعاه إلى تكرار زيارة ذلك الموقع والتقرّب منه بطريقته المعتادة ثم سنحت له فرصة الانفراد به في إحدىالزيارات فدعاه لشرب فنجان شايٍ في مكتبه حين يستنّى له الوقت لإستكمال حديثهما في الأدب العربيّ. بعد هذه الدعوة أصبح لأبي ماجد حضورٌ ثابتٌ في مكتب أكرم كما لو كان قطعةً من قطع أثاثه ونادرا ما حضرت إلى المقرّ ولم أجدهما معاً يتحادثان ويتناجيان ويتمازحان (بالطريقة المعتادة نفسها) ثم ما لبث هذا الحضور ان تمدّد إلى ما بعد أوقات العمل إذ بدأ أكرم يقوم بإصطحابه معه إلى شقّته ليستكملا ما هما فيه.
خلال إسبوعٍ واحد من هذه العلاقة الجديدة آن الأوان لإضفاء الشرعية عليها إذ بدت الفريسة جاهزة للإقتناص, فعمل أكرم على نقل ضحيّته الجديدة من الوحدة العسكريّة التي ينتمي إليها إلى القوّة البحريّة وانضم بعدها أبو ماجد إلى جوار المقيمين الدائمين الآخرين في شقّة أكرم, جنباً إلى جبن مع نبيل وكوبرا والفرعتاوي.
في الحجرة الداخليّة الواقعة في الجهة الشماليّة عند أقصى الردهة الفاصلة بين نصفيّ الشقّة وبمواجهة حجرة نوم أكرم توجد غرفة الفيديو. نبيل وكوبرا وأبو حديد يتابعون فيلماً إباحيّاً فانضممت إليهم.
فجأة همس أبو حديد بإرتباك: جاء الشيخ جاء الشيخ!
يبدو انه قد سمعه يتحدّث إلى أبي ماجد في غرفة الجلوس. ارتبك الجميع وسارعوا إلى علبة التحكّم لكن الشيخ كان قد وصل إلى باب الغرفة قبل ان يوقف كوبرا شريط الفيديو. لاحظ الشيخ ارتباكهم وقال: تابعوا تابعوا.
وبقي واقفاً في باب الحجرة لدقيقتين أو ثلاثة يتابع ما كانوا يتابعونه . بعد عشرة دقائق مللت من المشاهدة والتحقت بأكرم في حجرة الإستقبال.
– ماذا لديك؟
– بعض المخاطبات الإداريّة التي تحتاج إلى توقيعك.
– أهذا كلّ شيء؟
– لا . فانا أيضاً بحاجة إلى صفيحة بنزين.
– أرى ان نوفّر لك طاولة مكتب في موقع الحراسة ويصبح مكتب إدارة القوّة في إحدى حجرتيه.
– فكرة جيدة. على ان يسمح لي بزيارة المقرّ من وقتٍ لآخر للتمتّع برؤية الصبيّة التي حلّت في مطبخه محل العجوز (ضاحكاً).
– هناك منجرةٌ في منطقة سيروب تتعامل معها الحركة سأرسل أبو حديدة لشراء الطاولة منها.
– جيد.
– ما هي هذه المخاطبات؟
– هناك كتاب “انهاء علاقة” وآخر “تجنيد” عنصرين جديدين.
– من هما العنصران.
– أحدهما أخي ياسر (يصغرني بسبعة أعوام) والثاني صديق له حضر من الشام برفقته.
– متى حضرا؟
– منذ يومين.
– بإمكانهما الدوام في موقع الحراسة.
– لا بأس بهذا.
وضع توقيعه على الكتابين وناولني إياهما.
بقيت صفيحة البنزين.
- كتب على ورقةٍ صغيرة أمر صرف موجّها إلى أبي حديد.
– هل تعلم أين أبو حديد في هذه اللّحظة؟
– انه في المستودع. إذا ذهبت الآن مباشرةٌ فانك ستلحق به قبل مغادرته.
– سأفعل ذلك إذن. سلام.
– سلام.
بعد استلام صفيحة البنزين من مستودع القريّة توجّهت إلى الإدارة العسكريّة لتنفيذ الكتابين الإداريّين ثم مررت بالمخيّم حيث يقيم ياسر وصديقه محمّد السهلي في مكتب حراسة جمال سليمان في الطابق الأرضي من المبنى الذي يقيم فيه.
– حسناً بإمكانكما الإلتحاق منذ بالقوّة البحريّة منذ اليوم وسيكون دوامكما في موقع الحراسة حيث سيكون مكتبي فيه أيضاً. أستطيع ان آخذكما الآن ان شئتما أو تستطيعان مرافقتي إلى صور للتفسّح وعند عودتنا اوصلكم إلى موقعكم الجديد.
– سنذهب معك.
– حسنا. هيّا بنا إذن. إحضرا حقيبتيكما معكما.
مساءً عند عودتنا إلى مدينة صيدا توجّهت بهما مباشرةً إلى الموقع وليس فيه في ذاك الوقت سوى محمود المصري, وهو فلسطينيّ من مخيّم نهر البارد وعادةً ما يلتحق به نهاراً “محمود التنح” الشاب الوحيد في القوّة الذي ينتمي إلى مخيّم عين الحلوة وهو حاصلٌ على شهادة البكالوريا ووعده أكرم بتنسيبه إلى إحدىالمنح الدراسيّة البحريّة.
– هذا هو أخوكما محمود المصري. “ملك الساحة اللبنانيّة على بياض”.
– وهذان ياسر أبو العلا ومحمد السهلي زميلاك الجديدان الذان سيؤنسا وحدتك من الان فصاعداً.
– تشرفنا.
– سيتم تسليمكما بندقيتين غداً. تستطيعان الليلة تبادل بندقية محمود بينكما الثلاثة في حال حصل هجومٌ ما (ضحك). هناك الكثير من الأطعمة المعلّبة لإعداد طعام العشاء.
– لا تنسيا ان تنتشرا قبل الخامسة صباحاً خارج الموقع. تستطيعان اصطحاب فرشتيكما وإكمال نومكما بين أشجار الزيتون القريبة أو في المنحدر الذي في شمال الموقع. تصبحون على خير.
– وانت بخير. مع السلامة.
—————————————————————-
مع دخول شهر أيلول 1988 واقتراب الإستحقاق الرئاسي اللبناني تسارعت وتيرة اللقاءات الدبلوماسيّة والضغوطات الإقليمية والدولية على امراء الحرب اللبنانيّين والطبقة السياسيّة الموزّعة بينهم على أسسٍ طائفيّة. كان اللاعبون الكبار هم سوريا وفرنسا والولايات المتّحدة الأمريكيّة والأخيرة على تناغمٍ شبه تامٍ مع سوريا الأسد, بينما يصطفّ الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران في المقلب الآخر خلف تيّار المارونيّة السياسيّة. في الأيام الأخيرة لرئاسة أمين الجميّل التي تنتهي في 22/أيلول/1988 احتدم الصراع وتصاعدت نبرة الخطابات السياسيّة للأطراف اللبنانيّة وبدت الدولة اللبنانيّة متجهةً نحو تأجيجٍ شبه مؤكّد للحرب الأهليّة التي كانت نارها قد بدأت تخبو نسبيّاً.
قبل يومٍ واحد من انتهاء ولايته قام الرئيس اللبناني أمين الجميّل بعد تلقيه رسالة من وزير الخارجيّة الأميركي جورج شولتز بزيارةٍ إلى دمشق حيث التقى الرئيس الأسد في محاولةٍ أخيرة للتوافق على رئيسٍ للجمهوريّة وعاد بعدها ليبلغ النوّاب المسيحيّين بان الأسد سيعمل على تعطيل الانتخابات الرئاسيّة إلّا إذا تمّ التوافق على مرشّحه النائب ميخايل الضاهر, وهو ما صرّح به أيضا حلفاء الأسد الذين زاروا دمشق بدورهم وتلقوا نفس الرسالة. رفض كلٌّ من قائد الجيش اللبناني الجنرال ميشال عون وقائد القوّات اللبنانيّة سمير جعجع الرجلان الأقوى والأكثر شعبيّة في بيروت الشرقيّة وبقيّة المناطق المسيحيّة الموافقة على مرشّح حافظ الأسد. مساء 23/أيلول/1988 وقبل عدّة دقائق من انتهاء ولايته القانونيّة عند منتصف الليل أصدر أمين الجميل مرسومين أخيرين عيّن في الأول منهما قائد الجيش اللبناني الجنرال ميشال عون رئيساً لمجلس الوزراء وعيّن في الثاني كلّاً من العقيد عصام أبو جمرة, واللواء محمود أبو ضرغم, والعميد إدغار معلوف, والعميد نبيل قريطم, والعقيد لطفي جابر أعضاءً في مجلس الوزراء. إعتذر أبو ضرغم وقريطم وجابر عن المشاركة في الوزارة المشكّلة بسبب تحرّجهم أمام المرجعيات السياسيّة في طوائفهم فأصبح ميشال عون رئيساً لحكومة تتشكل إضافةً إليه من ضابطين مسيحيّين وتسيطر على بيروت الشرقيّة وجونيّة والمتن وبقيت حكومة سليم الحصّ تحكم في بيروت الشرقيّة وطرابلس والجنوب والبقاع.
قبل ذلك بساعات, بعد ظهر اليوم نفسه أغتيل ثلاثةٌ من قياديي حركة “امل” في مكمنٍ مسلحٍ إستهدف موكبهم في الاوزاعي، وهم: عضو المكتب السياسيّ رئيس الهيئة التنفيذيّة داود داود والمسؤول التنظيميّ العام الحاج محمود فقيه ومسؤول الخدمات الإجتماعيّة في النبطية الحاج حسن سبيتي، فيما اصيب المسؤول التنظيميّ لمنطقة صور علي خريس بجروح خطرة. كان مسلحون قد أستهدفوا في محلّة الأوزاعي موكب “الحركة” المؤلف من سيارتين أثناء توجّهه الى الجنوب واطلقوا في إتّجاهه ثلاث قذائف صاروخية اتبعوها برشقات غزيرة من اسلحة رشاشة. بعد حادث الإغتيال أعلن الإستنفار في صفوف حركة أمل وقطعت طريق الجنوب وتوتر الوضع الأمني في الضاحية والبلدات الجنوبيّة الشيعيّة واعتقل العشرات من أعضاء حزب الله على نقاط التفتيش التابعة للحركة. ترافق ذلك مع إستنفار سوري خصوصاً في منطقة الإوزاعي وتسيير دورياتٍ عسكريّة على الطريق الساحلي. كما انتكس الوضع الأمني على خطوط التماس التقليدية بين البيروتين الشرقيّة والغربيّة ودارت في محوريّ “الأسواق التجاريّة” و“راس النبع” معارك عنيفة استخدمت فيها الصواريخ والرشاشات الثقيلة كما طالت رصاصات القنص مناطق من بيروت الشرقيّة وسقطت بضعة قذائف مجهولة المصدر منطقة بعبدا حيث يقع القصر الجمهوري.
على الصعيد الفلسطينيّ, لم يكن اليوم الأخير من ولاية الرئيس أمين الجميّل أهدأ منه في بيروت والجنوب إذ اندلعت إشتباكات عنيفة بين الفصائل الفلسطينيّة ومسلحي حركة أمل على معظم المحاور في قرى شرق صيدا خصوصاً بين مواقع حركة فتح في جنسنايا والقريّة ومواقع حركة أمل في طمبوريت والمجيدل. ولقد عنفت حدّة الإشتباكات قبيل منتصف الليل موعد نهاية ولاية الرئيس فشملت محاور مخيمي عين الحلوة والميّة وميّة وصولاً إلى عين الدلب , الغازيّة, مغدوشة زغدرايا, طنبوريت وكفر حتّى.
لم يفت الإسرائيليّين أيضاً المشاركة في هذا اليوم الملحمي إذ قصفت القوّات الإسرائيليّة بلدات كفر رمّان واللويزة وعربصاليم بينما قامت الطائرات الحربيّة بتنفيذ ستّة غاراتٍ وهميّة فوق مخيّميّ صيدا وجوارهما وجابت الزوارق الحربيّة المياه قبالة السواحل اللبنانيّة. انه الجحيم اللبناني.
الثلاثاء 25/تشرين أوّل/1988 الجميع يترقّب جحيمٍ من نوعٍ آخر فقد أعلنت الإذاعة الإسرائيليّة ان جيش الدفاع الإسرائيلي قد ألقى القبض على سبعة مسلّحين تابعين لقوّات ال 17 في حركة فتح بينما كانو في طريقهم لتنفيذ هجومٍ على مستوطنة “مسكاف عام” الشماليّة. على الأثر اعلنت حال الإستنفار في جميع المواقع العسكريّة التابعة للحركة وأمروا بتخفيض التواجد داخل المواقع والحرص على الإنتشار بعيداً عنها ما أمكن فقد اعتاد سلاح الجوّ الإسرائيلي الرد المباشر على أية هجمات أو محاولات تسلّلٍ عبر الشريط الحدودي. في الحادية عشرة من صباح اليوم التالي حلّق في أجواء مدينة صيدا سربٌ مشكّلٌ من ستّة طائرات من نوع أف 16 وسكاي هوك وما لبثت أحداهم ان أغارت على بلدة الميّة وميّة على بعد بضعة مئات من الأمتار من موقعيّ المقر والإدارة التابعين للقوّة البحريّة مسقطةً عليها أربعة صواريخ حوّلت ساحتها إلى جحيمٍ حقيقيٍّ وغطّت سحب الدخان فضاء المكان وسارعت سيّارات الإسعاف بالتوجه إلى مكان القصف لإنتشال الجرحى لكن الطائرات التي لم تغادر الأجواء إذ لم تكن قد اكتفت بعد. بعد 7 دقائق من الغارة الأولى شنّت طائرةٌ أخرى غارةً ثانيةً ورمت البلدة بأربعة صواريخ أخرى فتضاعفت سحب الدخان وملأت رائحة الموت والبارود المساحات المجاورة, ثمّ تلا الغارتين غارةٌ ثالثةٌ انما هذه المرّة على مواقع الحركة في عين الدلب. سوّت الغارات الثلاثة 20 منزلاً بالأرض وسقط فيها 15 قتيلاً و 40 جريحاً وكان بين القتلى عائلةٌ فلسطينيّة مهجّرةٌ لم تجد مكاناً يأويها سوى بيتٍ مهجورٍ استصلحته في البلدة المهجورة التي تغصّ بالمواقع العسكريّة. بعد الإنتهاء من إغاراته على منطقتنا تابع السرب طريقه نحو تلال الناعمة الممتدّة على سفوح جبل الدروز بين خلدة والدامور ليقصف مواقعاً تابعةً للجبهة الشعبيّة – القيادة العامّة. وفي نفس الوقت شنّت قوّات “جيش لبنان الجنوبي” الموالية لإسرائيل هجوماً كبيراً على كافة محاور جبهة “كفارفالوس” في محاولةٍ فاشلة لإسترداد تلّتين كانت قد خسرتهما قبل فترة ولقد تمكّنت قوّات التنظيم الناصري يردفها مقاتلي “الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين” من صدّ هذا الهجوم.
لم يكد يمضي شهران على عمليّة إغتيال قادة حركة أمل الثلاثة في الإوزاعي حتّى ردّت الأخيرة بعمليّة تفجير سيّارة مفخّخة كادت ان تودي بقادة حزب الله جميعا بضربةً واحدة. ففي الساعة الثانية عشرة والنصف من نهار 21/تشرين الثاني/1988 وأثناء مرور موكبٍ لحزب الله مؤلّفٍ من سبعة سيّارات ويضم صبحي الطفيلي وعبّاس الموسوي وحسن نصر الله وإبراهيم الأمين ومعهم مرافقيهم أشتبهت السيّارة الأولى من الموكب بسيّارة (فولكس فاكن فان) مركونةً إلى جانب الطريق فأطلقت لها صفّارات الانذار وعندما لم تتحرّك أطلق عليها المرافقين النار من رشاشاتهم الحربيّة فانفجرت محدثةً حفرةٍ بعمق ثلاثة أمتار من شدّة الانفجار الذي قدّر حجمه ب 250 كغ من المواد شديدة الانفجار. فشل هذه العمليّة عنى ان حركة أمل ستدفع ثمناً باهظاً.
حالما وصل خبر محاولة الإغتيال الفاشلة هذه إلى بيروت بدأ التوتّر يسود الأجواء في كافة أحياء الضاحية الجنوبية خصوصاً في مناطق الشيّاح والغبيري والمشرفيّة حيث يتركّز وجود حزب الله العسكريّ. وسريعا ما انقلبت حالة التوتّر إلى انفجارٍ واندلعت الإشتباكات العنيفة من جديد وقد تمكّنت المخابرات السوريّة من التوصّل إلى وقف إطلاق نار أكثر من مرّة ولكنه سرعان ما كان يسقط وان كانت حدّة الإشتباكات قد خفّت قليلا لكن هذا الخفوت النسبي أيضاً لم يدم طويلاً. وما لبثت الإشتباكات ان اندلعت بشكل أوسع في 24/تشرين الثاني/1988 وتمدّدت حتى طالت الكثير من مناطق بيروت الغربيّة واستخدم الطرفان الأسلحة الثقيلة من مدفعيّة وصواريخ ورشاشاتٍ رباعيّة وقد عجزت القوّات السوريّة من شدّة القصف المتبادل عن الوصول إلى خطوط التماس للفصل بين المتقاتلين. لكن الإتصالات الإيرانية مع النظام السوريّ وأطراف الصراع نجحت بعد عدّة أيام في كبح جماح النيران والتخفيف من حدّتها انما كان هذا الكبح مؤقتّاً وبقيّت الخروقات لوقف اطلاق النار مستمرّةً بشكلٍ شبه يومي وبدا واضحاً ان هذه المعركة لن تنتهي بعد الان إلّا بانتصار أحد الطرفين.
في خضم المفاوضات السريّة غير المباشرة بين أطراف الصراع في الشرق الأوسط والتفاوض شبه العلني مع الولايات المتّحدة الأمريكية حول الخطوط العريضة للمفاوضات المباشرة المزمعة بين إسرائيل ودول الجوّار وأيضاً بين إسرائيل والفلسطينيّين, بات الأسد في أمسّ الحاجة إلى الانتصار على حليفه اللدود الذي يزاحمه في لبنان. كان على أسد أيضاً ان يأخذ بعين الإعتبار الإجماع شبه التامّ للقادة العرب على إعادة تفعيل عضويّة مصر في الجامعة العربيّة التي كانت قد جمّدت منذ عشر سنوات بعد إتفاقية كامب ديفيد التي عقدها انور السادات مع الدولة الإسرائيليّة. إضافة ً إلى هذين الأمرين فإن اقتراب موعد جلوس الأسد على مائدة المفاوضات مع الإسرائيليّين سيضعه في موقفٍ حرجٍ أمام الشعب السوريّ وايضاً أمام القادة العرب ولا يعود يتيح له الإبقاء على خصومته مع “نظام كامب ديفيد” بينما هو نفسه يقوم بإعداد “كامب ديفيده” الخاص به. إلى ذلك, فقد أيقن الأسد ان الجوّ العام السائد لدى أغلب القادة العرب يعني ان عودة مصر لتتبوّأ مقعدها في مؤتمر القمّة القادم والذي سينعقد في المغرب محتوماً ان بموافقته أو بدونها, ومن الأفضل له ان تتمّ هذه العودة بموافقته بدل من ان تترفق هذه العودة مع عزلة نظامه ليحلّ هو محلّ مصر في معزلها. خصوصاً ان معظم الدول العربيّة قد أعادت عمليّاً تفعيل العلاقات المقطوعة مع مصر إثر قمّة عمّان التي انعقدت في العام الفائت وصدر عنها قراراً بإعتبار مسألة إعادة العلاقات قضيةً سياديّة وترك أمرها لتقرّره للدول العربيّة نفسها كلٌّ حسب ما ترتأيه.
إختارت الانظمة العربيّة المعتدلة مدّ حافظ الأسد بالسلّم الذي يتيح له النزول عن شجرة ممانعته فوكّلت ملك الأردن حسين بن طلال بالحوار مع الأسد والدخول في وساطة بينه وبين حسني مبارك لترطيب الأجواء والإعداد للقاء القمّة المزمع على أسسٍ تصالحيّة. وكانت الزيارة الأخير لزيد الرفاعي رئيس وزراء الأردن إلى دمشق في 4/كانون الأوّل/1988 مثمرةً في هذا الخصوص إذ أرست دعائم الإتفاق المبدئي بين سوريا ومصر وتبع هذه الزيارة العديد من الإتصالات الهاتفيّة بين الملك حسين والأسد لترسيخ هذا الإتفاق. رغم ان الحوارات الرئيسة بين عمّان ودمشق تناولت العلاقات المصريّة – السوريّة إلا انها قد تطرّقت أيضاً في بعض جوانبها إلى مسألة العلاقات السوريّة الفلسطينيّة التي كان الأسد سابقاً قد اشترط على عرفات قطع علاقته مع مصر لتطبيعها. تعيّن الان على الأسد ان يأخذ عرفات ومبارك كحزمةٍ وأحدة متكاملة ولم يزعجه هذا الأمر بل بالأحرى فإنه _ ويا للغرابة _ أسعده, إذ ان في ذهن الأسد خطّةٌ جديدةٌ فحواها الإستعانة بعدوّه اللدود ياسر عرفات لمجابهة حليفه الإستراتيجي روح الله الخميني.
امّا عرفات الذي احترف اقتناص المتغيّرات والعيش على هوامش التمايزات بين الانظمة العربيّة والإقليميّة فقد وجد في مسعى الأسد هذا فرصةً لتثبيت تواجده الميداني في لبنان وتعزيزه وشرعنته عن طريق ملء بعض الفراغات الجيوسياسيّة التي سيخلّفها الإجهاز على ميليشيا حزب الله. كما تضمّنت الصفقة السريّة إطلاق سراح حوالي خمسة آلاف معتقل فلسطينيّ من سجون الإستخبارات السوريّة التي قامت بإعتقالهم خلال سنوات الصراع الأسدي – العرفاتي الستّة الماضية. بعضهم اعتقل في مطاريّ دمشق وبيروت أثناء محاولتهم التسلّل إلى لبنان بوثائق ومستنداتٍ مزوّرةٍ وبعضهم جرى اختطافهم على حواجز المخابرات المنتشرة في الأراضي اللبنانية. ثمة الكثيرين أيضاً من هؤلاء المعتقلين كانوا خطفوا من منازلهم في مخيّمات سوريا ولبنان على أيدي زوّار الفجر. خلف هذا التحالف الجديد بين عرفات والأسد تقف أيضاً الولايات المتّحدة الأمريكية التي كانت تنظر بعين الرضا إلى هذا الجهد المشترك المزمع للقضاء على تمدّد التطرف الدينيّ الإيراني نحو الحدود اللبنانيّة الإسرائيليّة.
في 21/كانون الأوّل/ 1988 استقبل الاسد في دمشق وفداً من رابطة الحقوقيّين العرب واستغلّ هذا الإستقبال للإعلان عن موقفه الجديد فجاء في خطابٍ ألقاه فيهم ” ان موقف دمشق من العلاقات السوريّة المصريّة هو موقفٌ ينطلق من تقدير سوريا لأهميّة مصر ودورها العربيّ وتضحيات شعبها في النضال العربيّ المشترك وان تعاون سوريا ومصر على أسسٍ قوميّة كان دوماً في مصلحة سوريا ومصر والأمّة العربيّة“. هذه الجملة كانت بمثابة نعوة ليس فقط لجبهة الصمود والتصدّي التي كان دعا إلى تشكيلها معمّر القذافي بعد إعلان انور السادات امام مجلس الشعب المصري عن نيّته بزيارة إسرائيل عام 1977, بل أيضا لمجمل الخطاب السياسيّ والشعاراتي الذي اعتاش عليه الأسد على مدى العقد الفائت برمّته.
في اليوم التالي لخطاب الأسد الجديد شهدنا نحن سكان عين الحلوة انقلاباً فجائيّاً في الأوضاع الأمنيّة والسياسيّة لم يستطع أغلب الناس استيعابه. فكإنما بلمسة زرٍّ تحول الأعداء إلى أصدقاء مقرّبين بل وحلفاء ورغم ان المعركة الأخيرة مع حركة أمل لم يمض عليها أكثر من أسبوعٍ واحد وشملت جميع المحاور في قرى شرق صيدا وأيضاً محور مغدوشة واستمرت من الساعة الثانية عشرة ظهراً وحتى الثامنة مساء حين تمّ التوصّل إلى وقفٍ لإطلاق النار.
فجأة أعلن عن مصالحةٍ شاملة بين حركتي فتح وأمل وأزيلت المتاريس الحربية وفتحت الطرق المغلقة خصوصاً طريق الغازيّة – درب السيم وطريق مغدوشة – جسر سينيق وتصافح المقاتلون أما عدسات الصحافة وتبادلوا التهاني كما بادرت حركة فتح إلى سحب قوّاتها من قرى شرق صيدا الجنوبيّة المتاخمة لقرىً شيعيّة لتمنع أية إحتكاكٍ يمكن ان ينتج عنه إطلاق نار وأُعلنت هذه المرّة النهاية الحقيقيّة لحرب المخيّمات.
في هذه الأثناء كانت إشتباكات الضاحية الجنوبيّة بين حركة أمل وحزب الله تعنف وتشتدّ ولم يخفّف من حدّتها حتى الإنزال الإسرائيلي الذي نفذّته على تلال الناعمة والدامور والمنطقة الساحليّة الممتدة من السعديّات حتى خلدة مجموعة كوماندوس محمولة بالمروحيّات تؤازرها الطائرات والبوارج الحربيّة. بدأ هذا الإنزال في الساعة الثانية والنصف من فجر التاسع من كانون الأول واستمرّ حتى الساعة الخامسة من نفس اليوم حين قامت المروحيّات بسحب الوحدة التي انزلتها بينما استمر تحليق الطائرات الحربية وكذلك الدوريات البحريّة حتى الحادية عشر صباحا. استهدفت هذه الوحدة خلال عمليّتها مواقع الجبهة الشعبيّة – القيادة العامّة المقامة في تلك المنطقة داخل أنفاقٍ جبليّة حصينة طالما استهدفتها الغارات الجويّة الإسرائيليّة في السابق دون جدوى فقرّرت هذه المرّة استخدام الكوماندوس وبصحبتهم كلابٌ مدربّةً على دخول الأنفاق وتحمل على ظهورها حقائب مفخّخةً تمّ تفجيرها عن بعد عند وصول الكلاب إلى عمق الانفاق. سقط في هذه العمليّة أربعة قتلى من القيادة العامّة وخمسة مدنيّين وكذلك أصيب خمسة من مقاتلي الحزب التقدّمي الإشتراكي بجروح.
بعد عشرة أيامٍ من مصالحة فتح – أمل وسّعت الأخيرة من مواجهاتها مع حزب الله وقامت فتح جبهة قرى شرق صيدا الشيعيّة (لا المسيحيّة حيث مقاتلو فتح) فهاجمت معاقل حزب الله في جبل صافي واللويزة وعين بسوار ودكّتها بالمدفعيّة وراجمات الصواريخ وقد نجحت في الإستيلاء على بلدة جرجوع. ردّ حزب الله جاء بنفس الحجم والشراسة واستخدمت كافة أسلحته واستطاع الإحتفاظ بمواقعه كافةً عدا بلدة جرجوع التي عاد فاستردها بعد بضعة أسابيع. رغم ان خطوط إمداد حزب الله في شرق صيدا تقع تحت سيطرة حركة فتح المتحالفة مع حركة أمل إلّا ان الكثيرين من كوادر حركة فتح لم يكونوا مرتاحين للحلف الجديد ونظروا إليه بعين الريبة فيما أبدوا تعاطفاً مع حزب الله وشعاراته خصوصاً ان الحزب كان قد وقف علانيةً في صفّهم أيام حرب المخيّمات وساهمت وقفته تلك ومساهماته في تهريب الأسلحة والمواد التموينيّة إلى داخل المخيّمات المحاصرة, إلى حدٍّ كبير في إطالة فترة صمودها. هؤلاء الكوادر الفتحاويّون المتعاطفون مع حزب الله لم يقفوا فقط عند حدود المشاعر بل قاموا بتسهيل مرور المواد اللوجستيّة والحربيّة عبر حواجز حركة فتح بل وقام بعضهم بنقل هذه المواد بسيّاراتهم الخاصة وإيصالها إلى مواقع حزب الله وعلى رأس هؤلاء الكوادر أبو فادي مهاجر المتزوج من امرأة تنتمي إلى الطائفة الشيعيّة تتعاطف عائلتها من الحزب.
في آذار 1989 تزوجتُ من امرأةٍ لبنانيّة بالكاد تعرّفت عليها, ونتج عن هذه الخطوة المتسرعة, زواجاً فاشلاً كان الطلاق مصيره المحتوم. لن أتوسّع في تفاصيل هذا الزواج العابر الذي كان يجب ان ينتهي بعد الأشهر الأولى لولا واقعة حمل زوجتي بطفلي الأول والذي دفعتني ولادته إلى بذل قصارى جهدي في محاولة الإبقاء على هذا الزواج كيلا ينشأ في أسرةٍ مفكّكةٍ مثل التي نشأت فيها انا. هذه الإطالة الإصطناعيّة لأمد الزواج أثمرت ولدي الثاني مما ضاعف دوافعي إلى محاولة إصلاح ذات البين مع زوجتي بعد كلّ خصام حتى بات الأمر فوق طاقتي وتبيّن لديّ ان التأثير النفسي السلبي على طفليّ الناتج عن نشوئهما وسط الشجار اليوميّ بين أبويهما قد يكون أبعد أثراً وأكثر ضرراً على صحتهما النفسيّة من تلك التأثيرات التي قد يخلّفها عليهما الطلاق, فسعيت إليه. بعد وقوع الطلاق آثرت ان أدع طفليّ الصغيرين يترعرعان تحت عناية والدتهما فتركت لها المنزل تقيم فيه وثابرت على دفع نفقاتهما كاملةً لكنّ طليقتي أدمنت على الشجار حتى بعد وقوع الطلاق وصارت تستخدم الطفلين ورقةً لابتزازي مالياً وعاطفيّاً بشكلٍ مستمرٍ وكانت طريقتها المثلى في عمليّة الإبتزاز هذه هي إحضار الطفلين إلى مقرّ سكني وإعلامي انها قد قرّرت التخلّي عن حضانة الطفلين لأنهما سيعيقانها عن الزواج من جديد, ثم تعود بعد أسبوع لتشتكي في مخفر الشرطة متهمةً إياي بخطف الطفلين وعدم السماح لها بزيارتهما. في نهاية الأمر أبلغتها رفضي لإستلام الطفلين بدون قرار قضائي رسمي يحيل حضانتهما إلى والدتي المقيمة في سوريا على ان تقوم هي بزيارتهما هناك وقتما تشاء فوافقت على ذلك بعد ان التقيت بأخيها في بيروت وشرحت له الظروف المحيطة بأمر الطلاق ووافق على جعل الحضانة لوالدتي وأقنع طليقتي بهذا الأمر. وثّقنا اتفاقنا هذا عند قاضي المحكمة الشرعيّة في صيدا وأرسلت في طلب والدتي من سوريا حيث اصطحبت الطفلين معها وكانا في الخامسة والسادسة من عمريهما. سأكتفي بهذا القدر الضئيل من الحديث عن فترة زواجي الأوّل العصيبة حرصاً على مشاعر ولديَّ الذين أعتبرهما أجمل وقائع حياتي وأعزّها على قلبي.
——————————————————————–
ان التوافق السوريّ الأميركي الذي برز أواخر ثمانينات القرن الماضي والذي قامت الولايات المتّحدة على أثره بتوكيل النظام السوريّ بمهمّة إدارة الصراع في لبنان على ان لا يتجاوز خطّ نهر الأولى حسب الشرط الإسرائيلي, لم يحظ أبداً بموافقة الحكومة الفرنسيّة التي ظلّت على تحفّظها بشأن الهيمنة السوريّة وتأثيرها السلبي على مصير مسيحيّي لبنان. كما ان إدارة الأسد لهذا الصراع فجّرت الساحة اللبنانيّة بأكملها فمن حروب طرابلس بين العلويّين والمتشدّدين الإسلاميّين, إلى حروب المخيمات في بيروت وصيدا وصور, فحرب أمل – حزب الله الجارية في الضاحية الجنوبية لبيروت والتي امتدت إلى الجنوب, مروراً بحرب 6 شباط بين أمل والدروز من جهة وبين المسيحيّين والجيش اللبناني من جهة أخرى, ثم حرب الدروز والمسيحيّين في الجبل, وحرب العلمين بين الدروز والشيعة, ثم حرب الشيعة ضد تنظيم “المرابطون” السنّي في بيروت الغربيّة. في خضم هذه المقتلة اليوميّة التي شملت جميع أطياف وطوائف وفصائل اللبنانيّين ومعهم الفلسطينيّون بقي طرفٌ وحيدٌ يتمتّع بالأمن والسلام عدا بعض السيّارات المفخّخة التي يرسلها هوّاري وجعجع إلى مناطق تواجده دون ان تصيبه بشكلٍ مباشرٍ إلّا في ما ندر وهذا الطرف هو نفسه الطرف الذي يشعل ويدير الحروب اللبنانيّة كافة أيّ النظام السوري .
ان التقسيم الجيوسياسي الذي اعقب انتهاء ولاية الرئيس أمين الجميّل وتعذّر التوافق على خلفٍ له والذي أدّى إلى وجود حكومتين وعاصمتين وجيشين لبنانيّين لم يعد رتقه ممكناً بعد مرور أشهرٍ ستّة رسّخت فرضية التقسيم, تلك التهمة التي تتقاذفها الأطراف اللبنانيّة كلٌّ بوجه الآخر. ليس ثمة طريقٌ للخروج من المأزق إلّا بتوسيع إطار الحروب المشتعلة لتشمل الطرف الذي ينفخ في نيرانها مما حدا بالعماد ميشال عون قائد الجيش اللبناني ورئيس الحكومة العسكريّة التي شكّلها الرئيس السابق إلى إعلان “حرب التحرير” صباح 14 آذار من العام 1989 مفتتحاً إيّاها بقصفٍ مدفعيٍّ وصاروخيّ طال بيروت الغربيّة والضاحية والجبل وسهل البقاع ووصل إلى بلدة شتورة القريبة من الحدود السوريّة. كما هدّد بتوسيع دائرة القصف لتشمل العاصمة السوريّة دمشق. هذه الحرب الجديدة تمتّعت بتغطيةٍ سياسيّةٍ من الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران وأخرى ماليّة وعسكريّة من الرئيس العراقي صدّام حسين الذي زوّده بترسانة من الأسلحة الثقيلة بينها دباباتٌ وصواريخ حديثة ومدافع بعيدة المدى. وقد بلغت حصيلة اليوم الأول لهذه الحرب 20 قتيلاً و60 جريحاً في المناطق التي استهدفها قصف العماد عون بينما سقط في مناطق المسيحيّين نتيجةً للقصف المضاد 45 قتيلاً و150 جريحا.
بعد إسبوعين من اندلاع هذه الحرب أعلنت ميليشيا “القوّات اللبنانيّة” انضمامها إليها تحت وطأة القصف العشوائي الذي طال جميع المناطق المسيحيّة مما زاد في اضطرام أوارها على مدى أشهرٍ طوال. وقد دارت هذه الحرب الإضافية بموازاة بقيّة الحروب اللبنانيّة الأخرى الدائرة في الوقت نفسه دون ان تتأثّر إحداها بالأخرى أو تخفّف من غلوائها واستمرّت معها النداءات والإتصالات العربيّة والدوليّة الداعية إلى وقف إطلاق النار الذي تمّ التوصّل إليه مراتٌ عديدة لكنه عاد فسقط بنفس عدد المرات التي أعلن عنه فيها. ثمة أيضاً سببٌ مباشرٌ لاندلاع هذه الحرب يجب عدم إغفاله وهو القصف الذي تعرّض له مرفأيّ بيروت وجونية رداً على الحصار البحري الذي يفرضه عون على المرافئ غير الشرعيّة التي تديرها الميليشيات المتحالفة مع سورية ولقد ردّ عون إثر قصف هذين المرفأين بقصف بيروت الغربيّة فردّ السوريّون وحلفاؤهم على ردّه بقصف وزارة الدفاع وإصيب بهذا القصف مكتب عون لكنه لم يكن موجوداً فيه لحظة القصف وجاء إعلان عون عن إطلاق حرب التحرير فجر اليوم التالي لهذه الإصابة.
بينما كان النظام العلوي السوريّ يستعين بلحفائه دروز وشيعة لبنان للقضاء على القدرة السياسيّة والعسكريّة لدى مسيحيّي لبنان والموارنة منهم على وجه التحديد, قام بتوجيه ضربةٍ قاضيّة للطائفة السنيّة العزلاء والمترنّحة منذ اغتيال مرجعيّتها السياسيّة في الدولة اللبنانيّة أي رشيد كرامة رئيس الوزراء الطرابلسي في حزيران 1987. ولقد استهدفت الضربة هذه المرّة رأس المرجعيّة الدينيّة لهذه الطائفة ذات الولاء الموزّع تاريخيّاً بين نظامي مصر والسعوديّة وبقيت محصّنةً أمام محاولات الإستحواذ على قرارها السياسيّ التي دأب على القيام بها نظام الأسد.
في مقابلةٍ أجراها حسن صبرا في أيّار 2002 مع نجل مفتي لبنان الشيخ حسن خالد ونشرتها مجلّة الشراع اللبنانيّة التي يملكها ويرأس تحريرها صبرا نفسه كشف سعد الدين حسن خالد عن الكثير من “النصائح” التي وجّهها رموز النظام السوريّ لوالده قبل اغتياله منها ما سمعه الشيخ مباشرة من حافظ الأسد خلال زيارة قام بها إلى دمشق إذ قال له:”بيسوى قبل ان تُقدم على أمرٍ ما ان تطلعنا عليه“, وكذلك من عبد الحليم خدّام يوم أصرّ حسن خالد على التوجّه إلى مدينة طرابلس لحضور مأتم رئيس الوزراء المغتال رشيد كرامة عبر الطريق الساحلي الذي يمرّ في مناطق الموارنة في بيروت الشرقيّة وجونية حيث السيطرة العسكريّة الكاملة للقوّات اللبنانيّة وحزب الكتائب رغم “النصائح” التي وجّهت له بالسفر إلى المدينة جوّاً ومنها ما نقلته إليه بعض الشخصيّاًت السياسيّة والأمنيّة بعد زياراتها لغازي كنعان.
إثر انتهاء ولاية أمين الجميّل ونشوء حكومة لبنانيّة ثانية في منطقة المسيحيّين برئاسة ميشال عون وتقاسم السلطات التنفيذيّة بينه وبين سليم الحص رئيس وزراء المناطق الإسلاميّة والدرزيّة أبقى مفتي لبنان على علاقاته السياسيّة مع الطرفين وحافظ على دعواته للحوار مع المسيحيّين والإصغاء إلى مطالبهم بدلاً من محاولات القضاء عليهم بالقوّة العسكريّة وقد أبقى حسن خالد على قنوات الإتصال بالجنرال عون حتى بعد إعلان الأخير عن بدء معركة “تحرير لبنان من الجيش السوريّ” الأمر الذي أغضب النظام السوريّ وحلفائه في لبنان مما دعا المخابرات السوريّة إلى رفع نبرة التهديدات المعتادة. وقد ترافقت هذه التهديدات مع العديد من القذائف مجهولة المصدر والتي طالت كلٍ من مقر الإفتاء ومحيط منزل المفتي. ويبدو ان الشيخ حسن لم يرتدع وحافظ على مواقفه الداعية للحوار وغير المتوافقة مع سياسة النظام السوري ومصالحه فأقدمت المخابرات السوريّة على إغتياله بتاريخ 16/أيّار/1989 بواسطة سيّارة مفخّخة ب 150 كغ من المتفجرات رُكنت في محلّة عائشة بكّار وتمّ تفجيرها عند مرور موكبه العائد من مقرّ الإفتاء متّجهاً إلى منزله في محلّة الرملة البيضاء. ولقد قتل معه سبعة مرافقين من قوى الأمن العام الداخلي وصهره وسائقه إضافةً إلى 20 مواطناً تصادف مرورهم في المحلّة لحظة التفجير كما سقط أكثر من 100 جريح أغلبهم من المشاركين في مجلس عزاء لأحد الصحفيّين المحليّين تصادف أن أقيم في بالقرب من مكان الإغتيال.
————————————————–
وصلت إلى مكتبي المستحدث في الحادية عشرة صباحاً وجلست إلى طاولتي أتصفّح إحدىالصحف اليوميّة, وكان الشباب في الغرفة الأخرى قد انهوا للتوّ إعداد إبريق الشاي فقدّموا لي كوباً منه. قالت الصحيفة في ما يشبه باب “قراءة الطالع” الذي لا أقربه, ان على سكان صيدا وضواحيها اليوم 18/أيّار/1989 ترقّب انهمار العديد من قذائف المدفعيّة الثقيلة العشوائيّة ومصدرها منطقة الشريط الحدودي الخاضعة لسيطرة جيش لبنان الجنوبي تحت قيادة اللواء انطوان لحد. لم تكشف الصحيفة جديداً فأغلب الناس قد استمعوا مساء أمس لنشرات الأخبار المتلفزة والتي جاء فيها ان لحد قد هدّد المعنيّين في صيدا بقصف المدينة إذ لم يتمّ الإفراج اليوم عن حصص مدينة جزّين وبقيّة بلدات الشريط من مادّة الطحين التي يبدو ان جهةً ما قد قامت بعرقلة نقلها. من سوء حظّنا انا وشباب الموقع الثلاثة ان مقّرنا مسقوفٌ بألواح “الزينكو” وليس بالباطون المسلّح. كان عدد المقاتلين المداومين في مكتب الإدارة قد ازدادا واحداً لكن هذه الزيادة لم يكتب لها ان تعمّر طويلاً إذ ان “أبو ماجد” الذي عمد أكرم بعد استهلاكه إلى ركنه في هذا الموقع لم يستطع تحمّل هذا “الفتور” المستجدّ والتجاهل الذي يبديه قائده نحوه. فقرّر ترك “العمل الفدائي” والقيام بمغامرة إقتصاديّة صغيرة هي عبارة عن إنشاء محرق لتصنيع الفخّار اليدوي الذي يتقن صنعه وبيعه في السوق اللبنانيّة وشيّد لهذا الغرض غرفة صغيرة لا تبعد عن مقرّنا سوى بضعة عشراتٍ من الأمتار وأصبح يبيت فيها.
ناديت على الشباب في الغرفة المجاورة طالباً المزيد من الشاي فأحضر محمّد السهلي الإبريق وأعاد ملء فنجاني.
– مررت مساء أمس بسيّارتي من هذا الطريق فشاهدت سيّارة أكرم متوقفةً أمام الموقع , هل كلّ شيء على ما يرام؟ سألت محمد.
– نعم كل شيء على ما يرام. كانت زيارةً عاديّة.
– وما مناسبة هذا الزيارة؟
– لا شيء. مجرد دردشة قام أثناءها بالطلب إلينا برسم بعض الأشكال على الورق زاعماً انه يستطيع تحليل شخصيّاتنا بواسطة طريقتنا في رسم هذه الأشياء.
– أشياء مثل ماذا؟
– طلب من كلٍّ منّا مثلاً رسم ثعبان.
– وهل كان بارعاً في التحليل النفسي؟
– لا أدري. لم يخبرنا بالنتائج التي استخلصها من رسوماتنا بل احتفظ بها لنفسه.
– وما رأيك الشخصيّ في هذه المزاعم؟
– تخويت. لا أدري ما الذي يدور في خلده.
– شكراً على الشاي.
– العفو أخ غسّان.
– قد تأخر القصف عن موعده يبدو ان أفران الجنرال قد استلمت طحينها.
– أرجو ذلك.
– حسناً. سأغادر الآن. إبقوا متيقظين وان احتاج الأمر, توجهوا إلى المقرّ في مبنى شمس للإحتماء فيه من القذائف المدفعيّة.
كنت مخطئاً في تقديري فطحين الجنرال لم يصله إذ شنّ منذ الساعة الواحدة بعد الظهر سلسلة من الهجمات المدفعيّة التي طالت محيط مخيّم عين الحلوة ومنطقة مجدليون في تلال صيدا وكذلك مداخل المدينة. بعد دزّينة من القذائف وأربعةٍ من القتلى ومثلهم من الجرحى. سارعت الفعّاليات المحليّة إلى استدعاء متعهّد الطحين في منطقة الشريط الحدودي وقامت بتسليمه كميات كبيرة من الطحين تكفي لمدّة إسبوعٍ كامل على الأٌقل ووعدت بإعادة التسليم الدوري لهذه المادة حسب ما كان معمولٌ به قبل الانقطاع الأخير.
لم أرتح لزيارات أكرم التحليليّة للموقع إذ بدا لي واضحاً انه بصدد إصطياد هدفٍ جديد من اليافعين مستخدماً هذه المرّة منهجاً علميّاً! وساءني أكثر ان صديق أخي ياسر موجودٌ ضمن قائمة المستهدفين. عند الساعة الثامنة مساءً قدت سيّارتي نحو موقع الإدارة من جديد بحجّة الدردشة وشرب الشاي مع أخي ووجدت عند وصولي ان أكرم قد سبقني فتظاهرت بالتفاجؤ من وجوده هناك. وسريعا ما حضر الشاي فشرب اكرم فنجانه وغادر فيما بقيت انا لشرب المزيد من الشاي وتقصّي وقائع زيارته بشكلٍ غير مباشر لا يثير التوجّس فتبين لي ان زيارته هذه كانت كسابقتها وتركّزت على محاولة إستكشاف إحتمالات نجاحه في التقرّب من هذا الشاب اليافع . قمت بعدها بتحذير أخي ياسر من هذا الموضوع وشرحت له شخصية أكرم وشذوذه وطلبت إليه تحذير صديقه محمد دون ان يخبره عن مصدر معلوماته.
بعد مرور إسبوعين على هاتين الزيارتين المشبوهتين استدعيت محمد السهلي إلى مكتبي وسألته:
– ما الأمر. أراك تكثر من الشرود.
– لا شيء. مجرد ملل.
– إسمع, انا أعرف ان محمود المصري يتعاطى الحشيشة مثل العشرات وربما المئات من أقرانه. فهل انتقلت العدوى إليكما انت وياسر؟
– لا. لكن يصدف أحياناً ان نتناول بضعة سحبات من سيجارته.
– وهل يعلم أكرم بهذا الأمر؟
– لا أدري. فقد سبق ان سألني لكنني انكرت.
– وما أخبار زياراته؟
– انه يحرجني ولا أدري ماذا أفعل.
– كيف يحرجك؟
– استدعاني عدّة مرّاتٍ إلى مكتبه وقام بإقفال الباب بالمفتاح وبدأ بممازحتي ثم وضع ذراعاه حول خصري واعتنقني بشدّة فلم استطع الإفلات. و..
– و …؟
– وكان اثناء احتضاني يقوم بالضغط بجسده على موضع ذكورتي.
– هذا ليس كلّ شيء. ثمّة المزيد أليس كذلك؟
– …
– وماذا أيضاً يا محمد؟ أكمل.
– بصراحة. حضر إلى الموقع عصر الإربعاء الفائت وكنت فيه وحدي ويغالبني سُكرٌ شديدٌ من أثر سيجارتي حشيشة تعاطيتهما.
– وهل لاحظ سُكرك؟
– نعم.
– وماذا كان تعليقه؟
– دعاني للإستحمام في شقّته لأصحو من الحالة التي كنت فيها.
– وهل فعلت؟
– نعم ..و …أشعر بالحرج.
– أكمل.
– رافقته بسيّارته إلى شقّته وكانت خاليةً وهناك أرشدني إلى الحمّام وناولني منشفةً وحين بدأت بالإستحمام فتح الباب عليّ وقام بمداعبتي وممارسة الجنس الفموي معي ثم شدّني إلى غرفة نومه واستلقى على سريره عارياً وطلب منّي مضاجعته وكنت لا أزال في حالة من السكر الشديد وجدتني معها انفّذ رغبته.
– هل سبق لياسر ان حذّرك من هذا الموضوع؟
– نعم.
– كان يجب ان تكون أكثر حرصاً إذن. للأسف لا أستطيع مساعدتك بسوى تقديم النصيحة لك إذ سبق لهذا الموضوع ان طرح على قيادة الساحة ولم يبدون أيّ اكتراث. أحد وسائل الخروج من هذا المأزق قد يكون تركك القوّة البحريّة وبإلتحاقك بأحد الوحدات العسكريّة الأخرى.
– لا أريد مغادة الموقع الذي اعتدت عليه والأصدقاء الذين اكتسبتهم.
– إذن عليّك عدم تعاطي المخدّرات حتى لا تجدّ نفسك في نفس المأزق مرّة ثانيّة. حين تكون في حالة صحو ليس عليك سوى ان ترفض عروضه. لا يستطيع أكرم إجبارك على اللواطة به إلّا بموافقتك فأنت وشانك إذن.
– معك حقّ.
– هل اخبرت ياسر بهذه الوقائع التي ذكرتها لي ؟
– بعضاً منها. ليس بنفس التفصيل.
– حسناً. أمرك بيدك الان. كن حذراً وحاول ان تبتعد عن المسكرات قدر استطاعتك .
——————————————————-
عند انعقاد القمّة العربيّة الطارئة في الدار البيضاء بتاريخ 23/أيّار/1989 كانت الوساطات والضغوطات والإغراءات قد أتت أكُلها ولم يتبق من عمليّة مصالحة الأسد – عرفات و الأسد – مبارك سوى الرتوش الأخيرة الشكليّة كالمصافحة المرفقة بالإبتسامات أمام كاميرات الأعلام العربيّة والدوليّة. عدا عن هاتين المصالحتن واسترداد مصر لعضويتها في الجامعة العربيّة بشكلٍ رسميّ فإن القضيتين الأساستين اللتين ناقشها القادة العرب في قمّتهم الطارئة كانتا القضيّة الفلسطينيّة وتوجّه المجتمع الدولي نحو الدعوة إلى مؤتمر سلام يجمع أطراف الصراع العربيّة وإسرائيل وهو ما أيدته القمّة ودعت إلى قيامه على أساس قراريّ مجلس الأمن رقم 242 و338, والقضيّة اللبنانيّة التي شُكّلت لمتابعتها لجنة ثلاثية مؤلّفة من العاهلين السعودي فهد بن عبد العزيز والمغربي الحسن الثاني إضافةً إلى الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد. كما توافق المجتمعون على ان يتمّ الحلّ في لبنان على الأسس التالية:
1- وقف إطلاق النار.
2– إنتخاب رئيسٍ للجمهورية.
3- إقامة مؤتمر يجمع النواب اللبنانيّين والنخب السياسيّة والطائفيّة للإتفاق على نصٍ للإصلاح السياسيّ يتوافقون عليه.
4- انسحاب كافة القوى غير اللبنانيّة من لبنان.
بعد ان انفضّ عقد القمّة العربيّة تولّى مبعوث الجامعة العربيّة الجزائري الأخضر الإبراهيمي مهمّة العمل الميداني للوصول إلى وقفٍ لإطلاق النار وهو ما نجح بالقيام به مع بعض الانتكاسات خلال شهريّ تمّوز وآب من العام نفسه. وقد أعيد فتح مطار بيروت الذي كان أغلق لأكثر من ثلاثة أشهر وكذلك استؤنفت الأعمال في المرافق والمرافئ البحريّة المغلقة أيضاً بسبب الأعمال العسكريّة. بينما كان الأخضر الإبراهيمي يقوم بمهام التفاوض مع أمراء الحرب وقادة الطوائف اللبنانيّين بهدف التوصل إلى وقف إطلاق النار والحفاظ عليه كانت مفاوضاتٌ سريّةٌ تدور على مستوىً آخر ويقودها الشيخ السعودي اللبناني الأصل الملياردير رفيق الحريري بتكليفٍ من الملك فهد بن عبدالعزيز. ولقد نجح رفيق الحريري في التوصّل إلى موافقة إجماعية من غالبية النوّاب اللبنانيّين وجميع أمراء الطوائف العسكريّين على المشاركة في مؤتمرٍ يعقد في مدينة الطائف السعوديّة ويهدف إلى إعادة كتابة النصوص الدستوريّة المتعلّقة بتوزيع السلطات بين الطوائف بما يتناسب مع الوضع الراهن على ان يتمّ العمل لاحقاً على إزالة الطائفيّة السياسيّة وإستبدالها بقوانين مدنية وعلمانيّة. ولقد ساعد رفيق الحريري على القيام بهذا الإنجاز إنفاقه مئات الملايين من الدولارات التي زوّدته بها السعودية لهذا الغرض ووزّعت على أعضاء الطبقة السياسيّة اللبنانيّة بمجملها عدا شخصٍ واحد رفض الإلتحاق بهذا المشروع ألا وهو العماد ميشال عون رئيس الحكومة العسكريّة المعيّنة من قبل أمين الجميّل .
————————————————————
عندما أعلن المندوب السامي الفرنسي الجنرال غورو في 31/آب/1920 ضمّ المدن السورية الساحلية بيروت وصيدا وصور وطرابلس ومنطقة البقاع إلى متصرفيّة جبل لبنان وقيام دولة لبنان الكبير كانت الحكومة الفرنسية قد حرصت عند تحديد هذه المناطق المزمع ضمّها, على ان تجعل الدولة الناشئة الجديدة ذات أكثرية مسيحيّة لضمان سيطرتها على الكيان السياسيّ العتيد, إذ ان نسبة المسيحيّين في هذه الدولة شكّلت أكثر من 50% من عدد السكان. في تشرين الثاني 1943 أعلنت الحكومة اللبنانيّة إستقلال لبنان عن فرنسا واعتمادها إحصاء 1932 الذي نظّمته فرنسا أساساً للمحاصصة الطائفيّة التي يجري على أساسها توزيع المقاعد النيابيّة والوزاريّة والوظائف الإداريّة العليا في الدولة. ولقد كانت نسبة المسيحيّين إلى بقيّة الطوائف في هذا الإحصاء تساوي 51.2% وعلى هذا الأساس جرى تقاسم مقاعد المجلس النيابي التشريعيّ بنسبة 6:5 لصالح المسيحيّين وهذه النسبة نفسها اعتمدت المناصب الوزاريّة والإداريّة كما وزّعت المناصب الثلاثة الرئيسة في البلاد على الطوائف الكبرى فمنحت رئاسة الجمهورية للطائفة المسيحيّة ورئاسة مجلس الوزراء للطائفة السنيّة ورئاسة المجلس النيابي للطائفة الشيعيّة.
لحظة اندلاع الحرب الأهليّة اللبنانيّة عام 1975 كان هذا التوازن الطائفي قد أصيب بالإختلال ولم يعد التمثيل السياسيّ للطوائف يعبّر عن واقع النسب الطائفية الحقيقيّة لسكان لبنان, وذلك بسبب عوامل كثيرة أهمّها هجرة الكثير من المسيحيّين اللبنانيّين إلى الدول الغربيّة والعادات الإجتماعيّة المتفاوتة والعوامل الإنتاجيّة لمختلف الطوائف. فبينما تميل الطوائف المسيحيّة إلى التمثّل بالمجتمعات الغربيّة في تحديد النسل, ترى الطوائف المسلمة (حتى منتصف السبعينات على الأقلّ) عدم جواز هذا الأمر في الشرع الإسلامي وكذلك فان الطائفة الشيعيّة التي عمل أغلب سكانها في الزراعة (قبل ازدهار قطاع المقاومة) مالت كأغلب المجتمعات الفلّاحيّة إلى الإكثار من النسل بسبب الحاجة إلى الأيدي العاملة العائليّة الرخيصة. ولقد كان هذا الخلل في التوازن الطائفي سبباً رئيسيّاً في اندلاع الحرب الأهليّة التي أجّج أوارها شعور الطوائف الأخرى غير المسيحيّة بالغبن والإهمال.
عقد مؤتمر الطائف بتاريخ 30/أيلول/1989 وبعد أسابيع من المداولات التي شارك بها 62 نائباً لبنانياً من اصل 73 نائباً وأشرف عليها السعوديون ممثّلين برفيق الحريري تم التوصل في 22/تشرين أوّل/1989 إلى توافقٍ بين أغلبيّة النواب على نصٍّ اطلق عليه اسم “وثيقة الوفاق الوطني“. وقد تضمّنت هذه الوثيقة العديد من بنود الإصلاح السياسيّ والإداريّ والقضائيّ والتنموي لكن الأهمية الكبرى تمحورت حول بنود الإصلاح السياسيّ التي أعادت النظر في “صيغة 1943″ التي حكمت الحياة السياسيّة في لبنان منذ الإستقلال حتى لحظة حادثة “بوسطة عين الرمّانة“, الشرارة التي أشعلت الحرب اللبنانيّة وجوهر هذه البنود يمكن تلخيصه على الشكل الآتي:
1- إلغاء نسبة 6:5 في المحاصصة الطائفيّة وإقرار مبدأ المناصفة في عدد النوّاب بين المسيحيّين والمسلمين والنسبيّة بين مذاهب كلٍّ من الفئتين.
2– زيادة عدد النواب إلى 108 نائباً (رفع لاحقاً في انتخابات 1992 إلى 128).
3- نقل صلاحيّات رئيس الجمهوريّة المتعلّقة بالسلطة الإجرائيّة وتفوضيها إلى مجلس الوزراء مجتمعاً.
4- العمل على إلغاء الطائفيّة السياسيّة وتأسيس مجلس شيوخ تتمثّل فيه جميع العائلات الروحيّة وتنحصر صلاحيّاته في القضايا المصيريّة.
5- حلّ جميع الميليشيات اللبنانيّة وغير اللبنانيّة وتسليم أسلحتها في مدة أقصاها 6 أشهر.
6- إعتماد اللامركزيّة الإداريّة.
7- بسط سيادة الدولة اللبنانيّة على كافة أراضيها على ان “ تقوم القوّات السوريّة مشكورة بمساعدة قوّات الشرعية اللبنانيّة لبسط سلطة الدولة اللبنانيّة في فترة زمنية محددة أقصاها سنتان تبدأ بعد التصديق على وثيقة الوفاق الوطني وانتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل حكومة الوفاق الوطني، وإقرار الإصلاحات السياسيّة بصورة دستورية. وفي نهاية هذه الفترة تقرر الحكومتان الحكومة السوريّة وحكومة الوفاق الوطني اللبنانيّة، إعادة تمركز القوّات السوريّة في منطقة البقاع ومدخل البقاع الغربي في ضهر البيدر حتى خط حمانا المديرج عين داره،”.
لم تضع هذه التسويّة السياسيّة بين الطوائف حلولاً سحريّة للتناقضات الطائفيّة ولكنها نجحت في وضع حدٍّ للحرب الأهليّة المستعرة منذ تسعة عشر عاماً. أو بالأحرى ستضع حدّاً لها في المستقبل القريب إذ ان الحرب بقيت مرحليّاً دائرة بسبب ان النوّاب الموقّعين على هذه الوثيقة والمسيحيّين منهم على وجه التحديد لم يعودوا يمثلّون سوى انفسهم. إذ ان الظروف التي انتخبوا فيها العام 1972 قد تبدّلت وتوزّع ولاء الناخبين على أمراء الحرب وأوليائها ولم يعد الكثيرون يذكرون أحداً من هؤلاء النوّاب. ولقد رفضت قوى الأمر الواقع في مناطق المسيحيّين المكوّنة أساساً من الجنرال عون وسمير جعجع وثيقة الوفاق الوطني وحذّرت النواب المسيحيّين من العودة إلى مناطقهم إلّا بعد تراجعهم عن تأييد هذه الإتفاقيّة ولقد بلغ ضعف الحجم التمثيلي لهؤلاء النوّاب حدّاً جعلهم لا يجرؤون على العودة إلى منازلهم واختار أغلبهم العيش في فرنسا ريثما تنجلي الأمور.
رغم ان الجانب السوريّ كان له تأثيرٌ على مضامين وثيقة الوفاق الوطني بسبب كونه القوّة العسكريّة الرئيسة على الأراضي اللبنانيّة إلّا ان الضغوطات الدوليّة والإقليميّة أجبرته على الإذعان لبعض البنود التي لا يستسيغها خصوصاً المتعلّق منها بانسحاب قوّاته العسكريّة في مدّةٍ أقصاها سنتين. لكن الموافقّة العلنيّة والترحيب بهذه الإتفاقيّة على ألسنة الناطقين باسم النظام السوريّ لم تتعدَّ كونها مجاملاتٍ لفظيّة تخفي تحتها النيّة السوريّة في الإشراف على تطبيقها بطريقتها الخاصّة وبما يضمن لها مصالحها ونفوذها واستمراريّة وجود قوّاتها العسكريّة على الأراضي اللبنانيّة.
بعد مرور أقلّ من إسبوعين على إقرار إتفاق الطائف اجتمع النوّاب اللبنانيّون في جلسةٍ معدّةٍ لانتخاب رئيسٍ للجمهوريّة في مطار القلعيات العسكريّ الواقع في شمال لبنان وذلك بسبب تعذر اجتماعهم في مجلس النوّاب في العاصمة اللبنانيّة لأسبابٍ أمنيّة, وصوّت للنائب اللبناني المرشّح رينيه معوّض 52 نائباً من أصل 58 شاركوا في عمليّة التصويت. بعد يومين من انتخابه اصطدم معوّض بموقفٍ سوريٍّ معلنٍ ينسف أحد الأسس الرئيسة لإتفاق الطائف والمعنيّ بانسحاب القوّات السوريّة من بيروت خلال سنتين على أقصى حدٍّ ويعتبر هذا الانسحاب هو المكسب الوحيد الذي منحه الإتفاق للطائفة المسيحيّة بعد ان جُرّدت من حصصها التاريخيّة وأعطيت 50% فقط من أعضاء مجلسيّ النوّاب والوزراء ناهيك عن نقل صلاحيات رئيس الجمهوريّة المسيحي إلى مجلس الوزراء. تضمّن الموقف السوريّ المستجدّ الرؤية السوريّة لتنفيذ هذا الإتفاق إذ صرح محمد سلمان وزير الإعلام السوريّ ان انسحاب القوّات السوريّة لن يتمّ إلّا بعد إستتباب الأمن وانسحاب القوّات الإسرائيليّة من جنوب لبنان وهو ما لم ينصّ عليه الإتفاق.
عدا عن تأجيل النظام السوريّ لإنسحاب قوّاته لأجل غير محدّد قدّم غازي كنعان إلى معوّض قائمةً بعشرين وزيراً بينهم ميشال المرّ طالباً منه إقرارها وهو ما لم يستجب له. كان رينيه معوّض رجل حوارٍ ودبلوماسيّة ورفض عرضاً من النظام السوريّ يقضي بإستخدام القوّات السوريّة للقضاء على ميشال عون واختار مقايضة عون بإعادة تموضع جزئية للقوّات السوريّ تنسحب بمقتضاها من المناطق المسيحيّة مقابل ان ينهي عون تمرّده وينضم إلى القوى السياسيّة المنضوية تحت لواء وثيقة الإتفاق الوطني وكانت هذه ” ثالثة الأثافي ” التي استوجبت قتله بنظر النظام السوريّ. في 23/تشرين الثاني/1989 انفجرت أثناء مرور موكب الرئيس المنتخب عبر تقاطع شارعي الصنائع – فردان عبوةٌ ضخمةٌ من المتفجرات الموضوعة في كشكٍ خشبيّ وبلغت شدّة الانفجار حدّاً قذف بسيارة معوّض المصفّحة خمسين متراً من مكان الانفجار, ولم يعثر في داخلها سوى على جزءٍ من الجانب الأيسر لوجهه ونتفٍ من ربطة عنقه. طويت مع رينيه معوّض صفحةً لم تفتح بسبب الرغبة السوريّة بعدم فتحها وانتقلت البلاد إلى حقبة الوصايّة السوريّة المطلقة والتنفيذ السوريّ لإتفاق الطائف مع انتخاب الدمية السوريّة النائب إلياس الهراوي رئيساً للجمهوريّة في جلسةٍ نيابيّة عقدت في فندق “البارك أوتيل” في مدينة شتورة غير البعيدة عن بلدة عنجر حيث المقرّ الرئيس لغازي كنعان. كانت أوّل مهام الرئيس الياس الهراوي توجيه إنذارٍ إلى ميشال عون لإنهاء تمرّده وإخلاء القصر الجمهوري في بعبدا خلال 48 ساعة تحت طائلة الإستعانة بالقوّات السوريّة لشنّ هجوم كاسح على المنطقة الشرقيّة وإخراجه من القصر الجمهوري بالقوّة العسكرية. أمّا القرار الأوّل لحكومة العهد الجديد فكان تعيين دميةٍ سوريّةٍ أخرى هي العماد إميل لحّود قائداً للجيش بعد ترفيعه, وإعفاء ميشال عون من منصبه كقائدٍ للجيش ووضعه في تصرّف وزارة الدفاع.
————————————————
جبهة التحرير الفلسطينيّة هي فصيل مسلّح صغير تشكّل أبّان الحرب الأهليّة اللبنانيّة على أيدي كلٍّ من محمّد عبّاس (أبو العبّاس) وطلعت يعقوب الذين انشقّا عن تنظيم الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين – القيادة العامّة بعد خلافٍ مع أحمد جبريل وقع أثناء حصار تلّ الزعتر من قبل القوّات السوريّة والمسيحيّة عام 1977. وكان جبريل قد اختار الوقوف في الجانب السوريّ بينما رفض يعقوب وعبّاس هذا الموقف واختارا الإنضمام إلى م.ت.ف. وكبقيّة الفصائل الفلسطينية تلقّى هذا الفصيل الجديد الدعم الماليّ خلال مراحل حياته من عدّة جهات وتنقّلت ولاءاته حسب المستثمرين الذين تعاقبوا عليه وكان بينهم الجزائر وليبيا وسوريا والعراق والأخيرة هي التي استقّرّ عليها ولاء الجبهة وقائدها أبو العبّاس (بعد ان انشق عنه طلعت يعقوب والتحق من جديدٍ بالنظام السوريّ) الذي اتخذ من بغداد مقرّاً له حتى تاريخ اعتقاله من قبل القوّات الأمريكية في العام 2003 بتهمة قتل مواطن أمريكي عجوز كان على متن السفينة الإيطاليّة السياحيّة أكيني لاور التي اختطفتها مجموعة تابعة له. وقد توفّي أبو العباس في سجنه عام 2004 إثر سكتة قلبيّة. وكما هوّاري المقيم أيضاً في بغداد والذي اختصّ اتباعه بمهاجمة المواقع السوريّة بناءً على طلب مخابرات صدّام حسين كذلك كان أبو العبّاس مكلّفاً من قبل نفس الجهة بمهاجمة الخصم نفسه مع فارق ان أبو العبّاس لم يكن له أتباعٌ كثرٌ في لبنان. لكن انضمام أحد كوادره إلى حركة فتح بعد فراره من السجون السوريّة وتشكيله لوحدةٍ عسكريّة كبيرة تعمل تحت إمرته جعلته يستعيد بعض قدرته ويسهم في توجيه واحدة من أشدّ الضربات إيلاماً للنظام السوريّ في لبنان رغم انها لم تكلّل بالنجاح.
أبو محمّد “رؤوف الزعروة” نزيلٌ سابقٌ في السجون السوريّة ورغم انتمائه إلى جماعة “أبو العبّاس” المواليّة لعرفات إلّا ان مكان اعتقاله كان سجناً مدنيّاً وبعد محاكماتٍ مدنيّة أدانته بإرتكات العديد من الجرائم (المدنيّة أيضاً). رجلٌ ضخمٌ متين البنيّة في أواخر الأربعينات من عمره ويمتلك جرأةً وقسوةً نادرتين جعلتاه يعتاش من عمليات السطو المسلّح داخل سوريا. ومن المعروف عنه فراره منها إلى لبنان بسيارة فخمةٍ مسروقةٍ مرتدياً بذةً ضابطٍ في الجيش السوريّ وعلى كتفيه سيوفاً ونجومٍ تكفي لدبّ الرعب في نفوس الجنود ورجال المخابرات العاملين على نقاط التفتيش السوريّة الممتدة من منطقة المصنع وحتى بلدة الرميلة شمال مدينة صيدا التي نجح بالوصول إليها بهذه الطريقة. بعد وصوله بدأ الزعرورة بتشكيل قوّات عسكريّة سرعان ما أصبحت الأكبر من حيث العديد بسبب وقوع المقاتلين تحت سحر جرأته وشجاعته وتسابقهم للانضمام إلى قوّاته, علماً ان أغلب المنضمّين إلى هذه القوّات كانوا من فلسطينيّي سوريا ومخيّماتها. وخلال شهرين أو ثلاثة من وصوله إلى منطقة صيدا أصبحت قوّاته المتموضعة في الأشرفيّة والقريّة والمية وميّة هي القوّة الضاربة الرئيسة في حركة فتح وصار ذكر اسمه يثير الرعب في نفوس قادة الساحة وبقيّة أمراء الحرب داخل حركة فتح. وبدأت زعامته تمتدّ إلى مخيّم عين الحلوة حيث والاه بعض السكان المتحدّرين من بلدة صفّورية الفلسطينيّة التي ينتمي إليها الزعرورة. رغم انتشار الإشاعات حول تعاطي أغلب أتباعه لمادة الحشيشة إلّا ان الرجل في الحقيقة كان صارماً ومتديّناً وقد يكون الوحيد في صفوف مرتبته من الضبّاط (عدا أبناء عين الحلوة) الذي يقيم الصلاة في مواقيتها وقد رأيت ذلك رأي العين أكثر من مرّة حين زرته برفقة محمود زكي الذي كان يعتزم الإنتقال من “قوّات المنطقة الوسطى” والعمل تحت أمرة الزعرورة , أمّا بخصوص الحشيشية فان تعاطيها منتشرٌ في صفوف جميع القوّات ولا يتميّز أحد عن أحد في هذا الموضوع.
رغم ان الحرب السريّة التي تخوضها الجماعات التابعة لهوّاري ضد القوّات السوريّة لم تكن معالمها وأهدافها وكذلك منفذوها تخفى حقيقةً عن أعين أجهزة الإستخبارات اللبنانيّة والسوريّة إلّا ان عدم الإعلان عنها أو تبنيّها من أية جهة عنها أبقى أطرافها غائبةً عن التداول الإعلامي . مع تصاعد وتيرة المصالحة بين الأسد وعرفات طلبت المخابرات العراقيّة من أبي العبّاس تنفيذ عمليّة عسكريّة نوعيّة وعلنيّة سعياً لوقف عمليّة التطبيع بين م.ت.ف والنظام السوريّ وإعادة خط الأوراق في المنطقة من جديد. صحيحٌ ان المصالحة كانت قد تمّت خلال قمّة الدار البيضاء إلّا ان تطبيع العلاقات وإعادة بناء الثقة كانا لا يزالان غير ناجزين بعد وأمامها أشهرٌ طويلةٌ من العمل الدؤوب وأيضاً من الفرص التي يمكن انتهازها لإفشال هذين المسارين.
مساء الخميس 14/كانون أوّل/1989 زارني محمود زكي وثائر حجّو وجلسنا في غرفة المطبخ الخارجيّة نشرب الشاي والقهوة حول طاولة صغيرة. بدا الإثنان مشتّتي الذهن ويكثران من النظر إلى الساعة فاستفسرت عن الأمر منهما فأجابني ثائر بأن ثمّة حدثٌ مهمٌّ سيحصل هذه الليلة لكنهما لا يستطيعا إبلاغي عنه بعد. كان ثائر قد اكتشف حديثاً ان أكرم قد قام بترقين قيده في الإدارة العسكريّة في غزّة مما يعني انه حالياً بلا قيود حقيقيّة وان رتبته العسكريّة أضحت صوريّة وغير موجودة إلّا على كشوف الساحة اللبنانيّة. بمعنى آخر فان ثائر قد فقد مستقبله المهني وصار عمله في القوّة البحريّة تحت أمرة أكرم مجرد لعبٍ في الوقت الضائع. لذا فقد ظننت ان الأمر الذي يقولان انه وشيك الوقوع ربما يتعلّق بهذه المسألة. وعلى كلّ حال لم ألحّ عليهما فرغم كوني فضوليّاً بطبيعتي إلّا انني ايضاً موقنٌ بالمثل العامّي الذي يقول: “الخبر اليوم بمصاري بس بكرة ببلاش“. عندما غادرا منزلي كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل بقليل إذ انهما كانا قد حضرا متأخرين. لاحظت في اليوم التالي عند خروجي من منزلي ان هناك استنفاراً عسكريّاً أمام مكتب “أحمد الحمزاوي” أحد كوادر التنظيم الشعبي الناصري, وان المسلحين هناك قد اتخذوا مواضع قتاليّة وهو ما يحصل عادةٌ عند كلّ إشكال يقع بين أحد أفراد المجموعة التابعة له وآخرٍ من حركة فتح وقد حصل هذا بضعة مرّات سابقاً. صعدت إلى سيّارتي وقدتها صعوداً نحو المكتب راجياً بيني وبين نفس ان لا يفتتح جيراني من مسلحي الحمزاوي حربهم بي. حين وصلت إلى المقرّ كان الشباب يتحدّثون عن “الأجواء” المتوترة في مدينة صيدا المضربة بشكلٍ كامل إستنكاراً لحادثة ليل أمس أو بالأحرى فجر اليوم.
حين كان ثائر ومحمود يناظران ساعتيهما أمس بقلقٍ كان رؤوف زعرورة يتحرّك على رأس مجموعة مسلّحة بالأسلحة الرشاشة الخفيفة وقواذف البي 7 وقنابل “ميلز” الهجوميّة. تألّفت المجموعة من أربعين عنصراً واتجهت في سيّارات مدنيّة وعلى دفعات نحو نهر الأوّلي عند بوّابة صيدا الشماليّة. قبل وصولهم إلى الجسر الواقع على طريق صيدا – بيروت الرئيس الذي تتموضع عليه نقطة تفتيشٍ عسكريّة تابعةٌ للتنظيم الشعبي الناصري انحرفوا يميناً متجهين نحو الشرق بمحاذاة ضفة النهر حيث التقوا بسيّارات أخرى أتت من الإتجاه الآخر عبر حيّ “القيّاعة“. انزلتهم السيّارات هناك ثم عادت إلى مراكز انطلاقها بينما بدأ المقاتلون يتسلّلون راجلين عبر جسرٍ عتيقٍ وصغيرٍ يقع على بعد 300 متراً إلى الشرق من جسر الأوّلي ويوصل إلى الأطراف الجنوبيّة لجبل الشوف. لا تستطيع السيّارات العبور منها حالياً لان قوى الأمر الواقع (التنظيم الناصري و شرطة رفيق الحريري) كانت قد عمدت إلى إغلاقه بواسطةٍ أطنان من الرمل التي وضعت في وسطه بإرتفاع ستة أمتار بهدف تسهيل ضبط الأمن المحلّي للمدينة ومراقبة معابرها. لذا فقد عمد الزعرورة إلى تجهيز سيّارات أخرى تنتظره ومجموعته على الجانب الآخر من الجسر حيث يوجد طريقٌ ريفيٍّ غير مطروقٍ في مثل هذا التوقيت. نقلتهم السيّارات عبر البلدات السنيّة جنوب جبل الشوف التي تشكّل نصف دائرة بدءاً من علمان – فصعوداً نحو االصابونيّة – مجدلونة – المغيّريّة ثم نزولاً نحو كترمايا – الوردانية فجرود بلدة الرميلة الساحليّة حيث يقيم ويعمل “العقيد زياد” رجل المخابرات السوريّة القوي ورئيس ما يسمّى بالمراقبين السوريّين في صيدا والمتحكّم برقاب أهل المدينة ومخيّميها عبر نقطة التفتيش التي أقامها على مقربةٍ من مقرّه والواقعة على الممر الوحيد من وإلى صيدا.
توزّعت المجموعة إلى قسمين, وضع على رأس الأول منهما جمال حجّو شقيق ثائر حجّو وشكّل رأس الحربة في الهجوم ومهمّته شنّ الضربة الإبتدائيّة بينما ترأّس القسم الثاني رؤوف الزعرورة بنفسه ومهمّته إقتحام مبنى المخابرات واعتقال العقيد زياد. حين أزفّت ساعة الصفر تردّد جمال المرابط على بعد عشرات الأمتار من الهدف في شنّ الهجوم ولا أحد يعرف سبب تردّده, وقد يكون لاحظ أمراً حول الهدف يتعلّق بالحراسة واختار ان يتمهل قليلاً. حين أصدر له قائد الهجوم له عبر جهاز اللاسلكي أمر الهجوم ثانيةً ولم يباشر بتنفيذه تحرّك الزعرورة مع مجموعته وانتقل إلى موضع مجموعة جمال حيث وجّه مسدّسه إلى رأسه وقام بإعدامه مباشرةً ثم شنّ الهجوم بنفسه. كان عنصر المفاجأة في هذا الهجوم المباغت ساحقاً ولم تستمرّ العمليّة سوى ربع ساعة دخل بعدها الزعرورة إلى مقر المخابرات ولم يجد العقيد زياد داخل غرفة نومه علماً ان سريره كان لا يزال دافئاً حين وضع يده عليه مما يعني انه قد غادرة قبل دقائق قليلة فقط. بعدها قامت المجموعة المهاجمة بنقل كميّاتٍ ضخمة من الملفّات الأمنيّة إلى السيّارات التي عادوا بها إلى مدينة صيدا عبر الطريق الرئيس هذه المرّة إذ ان الذي دعاهم إلى تفادي نقطة التفتيش التابعة للتنظيم الناصري هو الإحتفاظ بعنصر المفاجأة أمّا وقد تمّت العمليّة فلم يعد هناك حاجة للتخفّي.
عند وصول السيّارة الأولى التي يقودها الزعرورة إلى النقطة التفتيش تلك أبلغ المسلّحين المتواجدين فيها انه ضابطٌ في حركة فتح ومعه العشرات من المقاتلين المسلّحين وحذّرهم من إطلاق النار وتابع سيره, لكن عناصر النقطة حاول منع السيّارات من العبور وأشهروا بنادقهم وردّ مقاتلي الزعرورة بالمثل فقتل مقاتلَين اثنين من التنظيم وعبرت السيّارات نحو مدينة صيدا ومنه شرقاً إلى مواقعها. نتج عن العمليّة سقوط 8 قتلى و15 جريحاً إثنان من القتلى هما من عناصر التنظيم الشعبي الناصري وأربعة هم من المهاجمين بينما قتل عنصران من المخابرات السوريّة وجرح آخرون لكنهم نجحوا بالفرار شمالاً والنجاة بإنفسهم. كان وقع هذه العمليّة التي فشلت في إعتقال العقيد زياد بالغ الشدّة على النظام السوريّ إذ انها المرّة الأولى منذ العام 1982 التي تتجرأ فيها عناصر فلسطينيّة على تحدّي أجهزة المخابرات السوريّة ومواجهتها وجهاً لوجهة وكسر حاجز الخوف لدى المقاتلين ممّا يفتح الباب على مزيدٍ من الهجمات.
إستمرّ الإضراب في مدينة صيدا طوال نهار الجمعة الذي تمّ فيه تشييع القتيلين الصيداويّين ثم بدأت الحياة تعود إلى طبيعتها إعتباراً من صباح السبت وانجلت مظاهر التوتّر واختفى الانتشار المسلّح. من ناحية حركة فتح, فإن أياً من مسؤوليها في لبنان لم يعلّق على هذا الهجوم وتركوا أمره لياسر عرفات الذي أنكر التهمة وأعلن ان لا علاقة للحركة به وطلب المشاركة في لجنة التحقيق لكشف ملابسات هذه الحادث وصرّح بانه قد أصدر أمراً لمسؤولي الحركة في صيدا بتسليم أية مشتبهٍ به إلى اللجنة. أما بعيدا عن الإعلام فقد تم توصيل رسالة للأسد تشرح ظروف الهجوم والجهة التي أمرت به والجهة التي قامت بتنفيذه ومرّت الحادثة دون كبير أثرٍ على مسار تحسين العلاقات مع النظام السوريّ.
سمحت السلطات السوريّة لعائلة جمال حجّو بدفن جثّته في مقبرة مخيم اليرموك على ان يتمّ الدفن ليلاً ودون جنازةٍ رسميّة. غير انها لم تسمح لهم بإقامة مجلس عزاء لفقيدهم كما جرت العادة رغم انتماء والده لحزب البعث وعمله في جهاز الإستخبارات العسكريّة السوريّة. استعيض عن هذا بعزاء أقامة ثائر في منزله في عين الحلوة وبعد اسبوعين من هذه الحادثة حزم محمود وثائر وعائلتيهما حقائبهم وغادروا سرّاً إلى جزيرة قبرص عبر ميناء صيدا الذي كانت تؤمّه دورياً سفينة ركاب صغيرة الحجم وتعمل على خط صيدا – ليماسول. عادةً ما تستخدم هذه السفينة لنقل الكوادر الفتحاوية من وإلى لبنان عبر قبرص لكن زوارق البحريّة الإسرائيليّة تقوم بإعتراضها بعض الأحيان وتلقي القبض على هؤلاء الكوادر. كانت الوجهة النهائية لثائر ومحمود هي ألمانيا الغربيّة حيث تقدما بطلبات لجوءٍ انسانيٍّ لهما ولأفراد عائلتيهما وتمّت الموافقة عليها واستقروا جميعا هناك حيث لا زالوا يقيمون حتى الان عدا محمود زكي الذي وافته المنيّة بعد بضعة سنوات.
—————————————————-
عزمت بعد ان أبلغني محمد السهلي عن لواطته بقائد القوّة البحريّة على ان أقوم بنقل أخي ياسر الذي لا يتجاوز التاسعة عشرة من عمره أيضاً كحال محمّد إلى وحدة عسكريّة أخرى. إذ بدا من الواضح ان شهوة راسبوتين الأربعيني هذا لا قاع لها. أوعزت لياسر بأن يختار الوحدة التي يفضّلها وله فيها أصدقاء لكي أنقله إليها لكن قرار حركة فتح بالإنتشار في المناطق الفاصلة بين حركة أمل وحزب الله المتقاتلين في إقليم التفّاح بإعتبارها قوّة فصل, حسب تعليماتٍ أتت من مكتب ياسر عرفات في تونس بعد تقدّم عمليّة التطبيع مع الأسد أجّل أمر النقل. إذ طلب علاء الأفندي أواخر كانون اوّل 1989 من جميع التشكيلات العسكريّة في حركة فتح ومن ضمنها القوّة البحريّة, المشاركة في هذه القوّة, بسبب اتساع رقعة منطقة الإنتشار المزمع, ولم أرد أين يبدو أمر نقل أخي تهرّباً من التوجّه إلى خطوط القتال.
في الثالث من كانون أوّل 1990 صدر الأمر إلى القوّات العسكريّة التابعة لحركة فتح والمتجمّعة في بلدتيّ القرية وعين الدلب بالتحرّك شرقاً نحو وادي الليمون والمجيدل وتموضع جزءٌ من هذه القوّات فيهما بينما تابع الجزء الآخر طريقه للتموضع على التلال المحيطة ببلدتيّ كفر حتّى وكفر ملكي الشيعيّتين اللتين تدور فيهما معارك طاحنة بين أمل وحزب الله. ان تحرّكات قوّة الفصل هذه وأماكن تموضعها تمّ تنسيقها فقط مع أحد طرفيّ الصراع وهو حركة أمل بينما أعلن حزب الله رفضه لتواجد القوّات العسكريّة الفلسطينيّة وعدم اعتباره لها بصفتها قوّة سلام بل قوّة حربٍ ستزيد الأمور تعقيداً. لكن انشغال الحزب في معركتة مع أمل جعله يكتفي بإستهداف القوى الفلسطينيّة بين الفينة والأخرى برشّاشاته الثقيلة دون ان يشنّ معركة فعليّة معها. كان هناك بين القوّات التي تموضعت على تلال كفرحتّى مجموعةٌ صغيرة تابعة للقوّة البحريّة تعدادها ثلاثة أفراد هم محمد السهلي وياسر أبو العلا ومحمود المصري. في هذا الوقت كان الأخ الأصغر لأكرم (أناديه انا بإسم شكيب أحد شخصيّات مسرحيّة شي فاشل لزياد الرحباني) وكذلك الأخوة الثلاثة لخطيبته الجديدة والذين هم أيضاً يتلقون الرواتب ومدرجون في عداد القوّة, يداومون في منازلهم ولا أحد يراهم سوى عند صرف الرواتب آخر كلّ شهر. أقالم أبناء الحما الثلاثة لأكرم في مخيّم الميّة وميّة وأكبرهم يزاول عمله المدني كالمعتاد في أحد محلّات بيع الملابس في الوسط التجاري لمدينة صيدا أما شكيب فيداوم في شقّة الأهل على الأتوستراد الساحلي عند مشارف بلدة خلدة. بقي ان أذكر ان العروس (ويا لمحاسن الصدف !) هي ابنة أخت جمعة اللئيم قائد القوّة البحريّة المركزيّة الذي خلف منذر أبو غزالة.
عصر اليوم الثاني لهذا الانتشار الفتحاوي ركبت سيّارتي وتوجّهت نحو تلال كفرحتّى لزيارة أخي وزميليه والإطمئنان عن أحوالهم. مع اقترابي من وادي الليمون بدأ أزيز الرصاص المتطاير بغزارة يعلو وكذلك علّت أصوات الانفجارات المدفعيّة. عند وصولي إلى موقعهم شاهدت رأس أخي ياسر تطلّ من الحفرة القتاليّة ويده تلوّح لي إذ انه ميّزني بنوع ولون سيّارتي. انضممت إليه في الحفرة التي يتشارك بها مع محمد ومحمود وجالستهم لنصف ساعة لم يصمت طوالها أزيز رصاص القنص الذي يمرّ من فوق رؤوسنا. بعد ثلاثة أسابيع, حين اقتضى الأمر تبديل المجموعات بأخرى تستقدم لتحلّ مكانها بينما تعود الأولى إلى المؤخّرة للإستراحة لم يجد أكرم من يبدل بهم هؤلاء المقاتلين الثلاثة الذي أصبحوا الآن اثنين إذ ان محمود المصري قد قتل خلال أحد الإشتباكات وارسلت جثّته إلى أهله في مخيّم نهر البارد وبرفقتها (كالعادة في هذه الظروف) “شواليّ” الرزّ و السكّر وبعض القهوة المطحونة وكراتين السجائر المتنوّعة لزوم إقامة العزاء.
بعد عودة شقيقي وزميله إلى موقع الإدارة استقرّ رأيه على الانتقال إلى كتيبة شهداء عين الحلوة حيث لديه أصدقاء من جيله بين أقرباء جمال سليمان فطلبت إليه زيارة الحاج جمال وإحضار مراسلة إداريّة موجّهة إلى الإدارة العسكريّة حسب الأصول وتنصّ على ان:”لا مانع لدينا من انتقال العنصر المذكور إلى مرتّبنا“. بعد بضعة أيام سألته عمّا إذا كان قد زار جمال بعد فأجابني بنعم انما لم يحضر ورقة “اللّا مانع” معه. قال لي:”سأقوم بذلك لاحقاً في الزيارة التالية“. مرّت أيامٌ خمسة أخرى وياسر لا زال يبدو متردّداً.
– ما الأمر, هل غيّرت رأيك بخصوص الانتقال إلى كتيبة جمال؟
– في الواقع نعم. أودّ ان انتقل إلى قوّات الزعرورة.
– هل انت مجنون! ألا ترى كثرة الإشتباكات الدوريّة التي تقع بين عناصره وعناصر بقيّة الوحدات العسكريّة. ناهيك عن اعمال التشبيح اليوميّة لعناصره؟
– لا يهمّني ذلك.
– أرى ان تراجع نفسك وتعيد التفكّر بهذه المسألة.
– حسنا. اترك الموضوع بضعة أيامٍ أخرى.
ان النمو في القدرة العسكريّة, وخصوصاً في التعداد البشري لقوّات الزعرورة مضافاً إلى هذا شخصية رؤوف الزعرورة الإستعلائيّة الميّالة إلى العنف والتحدّي وعدم الانضبّاط شكّلا حوله حزاماً من الخصومات الشخصيّة مع كبار الضبّاط وبينهم قائد الساحة ونائبه. ولقد استعان على هؤلاء الخصوم بالطريقة الوحيدة التي يجيدها أي العنف المعلن والمباشر, بينما امتلك كلٌّ من الأفندي وأبو ياسر ما يكفي من الدهاء ليجعلهم يتصدّون له ولسواه بالعنف السرّي أي عمليّات الإغتيال مجهولة المنفّذ. قبل بضعة أيام وإثر ملاسنةٍ جرت بين عناصره وعناصر وحدة الدفاع التابعة لأبي ياسر السبعاوي والتي يقودها النقيب البحري جواد جاد الله, قام الزعرورة بإرسال مجموعة مسلّحة ومعهم سيارتين لإقتحام مقر وحدة الدفاع وإلقاء القبض على جواد, وهو ما حصل دون ان يجرؤ أحد من مقاتليه بالتصدّي لهم. وضعوا جواد في الصندوق الخلفي لإحدىالسيّارتين ونقلوه إلى مقرّ الزعرورة حيث بقي قيد الإعتقال بضعة أيام قبل ان تثمر الجهود التي قام بها وسطاء ويتمّ إطلاق سراحه.
حين عدت للحديث إلى ياسر مرّةً أخرى عن موضوع النقل كان ذلك في منزلي إذ كنت دعوته لتناول طعام الغداء.
– لا أريدك ان تنتقل إلى قوّات الزعرورة. أفضل ان تنتقل إلى كتيبة جمال أو أية كتيبة أخرى.
– لكنّني مصرٌّ على ذلك وقد أحضرت كتاب “لا مانع” من ضابط إدارته منذ يومين والكتاب الان موجودٌ في الموقع سأسلمك إياه غداً.
– ما الذي يحدث ياسر وما سبب إصرارك على الانتقال إلى هذه القوّات والعمل مع هذه العناصر المنفلتة؟
– لا سبب محدّد.
– بل أجزم بان هنالك سبباً ما وأرجو ان تفاتحني بالأمر.
– حسناً هناك سببٌ لا استطيع ذكره.
بعد أكثر من ساعةٍ من الإلحاح المستمرّ وركوة قهوة وإبريق شاي والعديد من السجائر اعترف لي شقيقي بأن انتقاله للعمل تحت إمرة الزعرورة كان بأمرٍ من جمال سليمان.
– كيف حصل هذا بالتحديد, ومتى طلب منك ذلك؟
– حصل منذ المرّة الأولى التي زرته فيها.
– وما الذي يريده من هذا, مراقبة الزعرورة والتجسّس عليه؟
– لا. يريد منّي تصفيته جسدياً.
– قتل الزعرورة, هل انت مجنون؟
– هذا ما حصل.
– وكيف يريدك ان تنفّذ عمليّة الإغتيال؟
– قال لي ان الأمر سهل. “صلّي ركعتين لله تعالى ثم قف مباشرةً بعد الصلاة والدعاء ووجّه بندقيّتك الملقّمة مسبقاً نحو الزعرورة واصرخ بأعلى صوتك الله أكبر وافرغ مخزن بندقيتك في رأسه وصدره”.
– وكيف تنسحب بعدها؟
– لم نتفق على طريق الإنسحاب لكنه طلب منّي مبدئياً العودة إلى جبل الحليب بعد تنفيذ العمليّة.
– وكيف تنوي ان تجتاز المئات من مقاتلي الزعرورة وبقيّة الكتائب العسكريّة؟
– لا أعرف.
– سأعرّفك انا. ستقتل في نفس اللّحظة ويتمّ وسمك بعد مقتلك بالعمالة لإسرائيل أو المخابرات السوريّة ثم يأتي دوري انا بإعتباري لا بدّ مشارك بشكلٍ أو بآخر وتتمّ تصفيتي ويضيع ولدي.
– فكّرت بهذا وهو سبب تردّدي خلال الفترة الماضية.
– وهل قال لك جمال لماذا يريد قتل الزعرورة؟
– لا. لم نتطرّق لهذا الموضوع.
بعد هذا الحديث واظبت على مراقبة شقيقي عن قرب واصطحابه إلى منزلي يوميّاً والنقاش معه في كافة المسائل الفكريّة والسياسيّة مع التركيز على الدوافع الشخصيّة وراء كلّ ما يدور حولنا أكان داخل حركة فتح أو خارجها. مضت أسابيع قبل ان أنجح في نزع فكرة إغتيال الزعرورة من رأسه.
—————————————————
تتعدّد الميليشيات والأحزاب اللبنانيّة المسيحيّة المسلّحة بتعدّد أمراء الطائفة المارونية وأشهر هؤلاء الأمراء هم بيار الجميل زعيم حزب الكتائب وكميل شمعون زعيم تنظيم النمور الأحرار وسليمان فرنجيّة زعيم تنظيم المردة. أما عماد القوّة العسكريّة الرئيسة للموارنة فهو ذو ركنين أوّلهما الجزء المسيحي من ألوية الجيش اللبناني الذي انشق إلى نصفين مع بدء الحرب وثانيهما هو القوّات اللبنانيّة التي ولدت من داخل حزب الكتائب وشكّلت الجناح العسكريّ له إلى ان قتل بشير الجميّل فضعفت هيمنة آل الجميّل عليها وأصبحت حزباً مسلحاً منفرداً بذاته. تعاقب على قيادة القوات اللبنانية منذ انشائها عام 1976 كلٌّ من بشير الجميل, فادي أفرام, فؤاد أبو ناضر, إيلي حبيقة, ثم سمير جعجع. شاركت جميع هذه الأحزاب في الحرب الأهليّة اللبنانية تحت شعار إخراج م.ت.ف من لبنان واستعانت بالنظام السوريّ في الأشهر الأولى لإندلاعها لكنها عادت فتصدّت له بعد ان أيقنت ان قوّاته قد أتت إلى لبنان لتهيمن عليه وليس لتدافع عن المسيحيّي . أبقى حزبٌ واحدٌ فقط من هذه الأحزاب وهو تنظيم المردة الزغرتاوي التابع لآل فرنجية, على تحالفه الذي أقامه بعد حرب 1975 – 1976 مع نظام الأسد إثر خلافات سياسيّة مع شركائه في “الجبهة اللبنانيّة”.
في خضم الحرب الأهليّة المندلعة بين طرفين رئيسين دائماً ما توالدت حروبٌ جانبيّة داخل الصفّ الواحد نتيجة الصراعات الداخليّة على السلطة والنفوذ والمال وينطبق هذا الكلام على الطرف المسيحي بنفس الدرجة التي ينطبق فيها على الطرف المسلم – الفلسطينيّ. وما القتال الذي يدور في إقليم التفاح بين أمل وحزب الله وكذلك المعارك التي تجري بين الفينة والأخرى بين الفصائل الفلسطينيّة أو حتى بين أقطاب الفصيل الواحد كما هو الحال داخل حركة فتح, سوى أمثلةٍ صارخة سبقتها ولحقتها الكثير من المعارك ذات الطبيعة نفسها والدوافع ذاتها.
ليست المنطقة الشرقية وقواها المسلّحة إستثناءً بطبيعة الحال وقد شهدت عبر سنوات الحرب العديدة من المعارك الجانبية وبعضها جاوز في حدّته وضراوته الحرب الرئيسة وفاقها عنفاً وبأسا. أهم هذه الحروب الداخليّة التي شهدتها المناطق المسيحيّة دارت في منطقة إهدن الزغرتاويّة بين القوّات اللبنانيّة وتنظيم لواء المردة في حزيران 1978 وقتل فيها زعيم المردة طوني فرنجيّة وزوجته وابنته وأكثر من ثلاثين من أنصاره ولقد تبع هذه المعركة حرباً طويلة أطلق عليها إسم معركة المائة يوم وسقط فيها مئات القتلى والجرحى من الطرفين.
تعايش الجيش مع القوّات اللبنانيّة في المناطق المسيحيّة لسنواتٍ طويلة لكن هذا التعايش لم يخلُ من التوترات والإشكالات والإشتباكات التي وقعت بينهما من وقتٍ لآخر. ولقد تصاعد هذه الإشتباكات في حدّتها ووتيرتها بعد تعيين الرئيس اللبناني أمين الجميل للعماد ميشال عون قائداً للجيش اللبناني خلفاً للعماد ابراهيم طنّوس وذلك بسبب طموحات عون السياسيّة ومحاولاته المستمرّة لتوحيد المقاتلين المسيحيّين تحت سلطته الشخصيّة. في شباط 1989 وإثر إشكالٍ بين بعض عناصر القوّات وأفرادٍ من الشرطة العسكريّة التابعة للجيش اللبناني قتل فيه أحد عناصر الشرطة, اندلعت معارك عنيفة استمرت بضعة أيام وامتدت من المونتيفردي إلى أحياء المتحف والبربير والدكوانة وجلّ الديب والأشرفية وسقط فيها 40 قتيلاً و 165 جريحا من الطرفين وتم التوصل إلى وقف إطلاق النار بعد وساطة البطريرك الماروني نصر الله صفير.
أواخر 1989 بدأ سمير جعجع, الذي اضطر إلى المشاركة في حرب التحرير العونيّة دون ان يقرّرها, في طرح مبادرةٍ سياسيّة دعا فيها إلى إقامة فيدرالية لبنانيّة تنقذ لبنان من التقسيم الذي أصبح أمراً واقعاً وتتيح في الوقت نفسه لكلّ طائفةٍ ان تدير شؤونها بنفسها. ولقد أبدى جعجع لاحقاً في مؤتمرٍ صحفيٍ عقده في 10 كانون ثاني 1990 استعداده للقاء سليم الحص رئيس الوزراء في المنطقة الغربيّة أو عمر كرامة للتباحث في هذا الموضوع مما أثار غيظ ميشال عون فعمد بتاريخ 16 كانون الثاني 1990 إلى إصدار قرارٍ عن حكومة الطوارئ التي يرأسها يمنع بموجبه على كافة وسائل الإعلام في المناطق الواقعة تحت سيطرته إستخدام ألقاب نائب, أو رئيس جمهورية أو وزير لوصف نوّاب ووزراء ورئيس الجمهورية “غير الشرعيّين” في المناطق المسلمة. قبل المؤتمر الصحفي الذي عقده جعجع ليطرح فيها مشروع الفيدراليّة, هاجم مسلّحون مجهولون منزل قائد الشرطة العسكريّة لجيش ميشال عون المقدم عادل ساسين بالصواريخ فقتل خمسة من عناصر حمايته وجرح 3 بينما نجا ساسين لعدم تواجده بالبيت عند الهجوم. لم يتبنى هذا الهجوم أيّاً من الفصائل لكن اغلب الشبهات دارت حول القوّات اللبنانيّة حيث أن المقدم ساسين كان قد قاد هجوم 14 شباط 1989 على القوّات اللبنانيّة.
إثر قرار عون المتعلّق بفرض قيودٍ على المؤسّسات الإعلامية في المنطقة الشرقية المملوكة بأغلبها من قبل القوّات اللبنانيّة وحزب الكتائب وبينها محطتان إذاعيتان هما صوت لبنان ولبنان الحرّ, قرّرت الصحف والمجلّات والإذاعات الإمتناع عن بثّ نشرات الأخبار كليّاً ريثما يتمّ إلغاء هذا القرار. مع تصعيد التحدّي بين القوّات والكتائب من جهة وبين ميشال عون من جهة ثانية, تزايد الإحتقان بين أنصار الطرفين ووصلت الأمور إلى شفير الانفجار. وما لبث ان أدّى هذا الإحتقان إلى اشتباكٍ مسلحٍ صغير نشب في 29 كانون الثاني بين عناصر من الطرفين وأدّى إلى جرح جندي وعنصرين من القوّات. عقد عون بعد هذا الإشتباك اجتماعاً مطولاً مع وزيريه عصام أبو جمرة وإدغار معلوف صرّح بعده بأن لا سلاح شرعي إلّا سلاح الجيش وأنذر القوّات اللبنانيّة بتسليم سلاحها وانضمام من أراد من أفرادها إلى الجيش اللبناني وأمهلهم 24 ساعة. في اليوم التالي اندلعت وأحدةٌ من أشرس الحروب الداخليّة وشملت جميع أحياء المناطق الشرقية من ضبيّة وانطلياس والرابية إلى غاليري سمعان والحازمية وصولاً إلى عيون السيمان وأطراف بكركي. لم تتوقف هذه الحرب إلّا بعد مرور عامٍ كاملٍ وسقوط 650 قتيل و800 جريح للقوّات و594 قتيل و650 جريح لعون عدا المدنيّين الذين سقطوا في المناطق الشرقيّة, وأيضاً الغربيّة بإعتبار ان حرب التحرير لم تتوقف مع بدء حرب الإلغاء وان كانت وتيرتها قد خفّت. كان الطرف الوحيد الذي حاول التوسّط بين الفريقين المتحاربين هو الصديق والحليف المستجدّ لكليهما أيّ م.ت.ف, إذ كلّف عرفات عضو قيادة إقليم لبنان في حركة فتح, زيد وهبه (أبو اسامة) بزيارة المنطقة الشرقيّة واجراء لقاءات مع كلٍّ من عون وجعجع في محاولةٍ للتهدئة والتوصل إلى مصالحةٍ ما إلّا ان هذه الجهود قد باءت بالفشل .
————————————————-
بينما انا أقود سيّاراتي في “طلعة الهمشري” متوجّهاً نحو مقرّ إدارة القوّة أشار لي سائق تاكسي قادمٌ من الإتجاه المعاكس فخففت سرعتي و أوقفت السيارة وكذلك فعل السائق حين أصبحت سيّارته بجانب سيارتي وقال لي عبر نافذته المفتوحة ان أحد موظفي الصليب الأحمر الدولي يسأل عنّي. بدا وجه السائق مألوفاً لديّ لكنني لا أعرف إسمه. سألته ما الأمر بالتحديد فأجابني بأن الموظف لم يطلعه على أيّة تفاصيل, وكلّ ما هنالك هو انه كان في زيارة لمكتبهم في عين الحلوة لأمرٍ يخصّه وهناك سأله أحد الموظفين عمّا إذا كان يعرف غسّان أبو العلا فأجابه بالإيجاب فطلب منه إبلاغي بضرورة الحضور. شكرت الشاب ومضيت في طريقي. شربت فنجان شاي في مكتبي وتصفّحت الجريدة ثم خرجت متجهاً إلى عين الحلوة حيث يقع مكتب الصليب الأحمر في الطابق الأول من مبنى من ثلاثة طوابق محاذٍ للطريق العام (الشارع الفوقاني). بعد ان عرّفت عن نفسي ناولني الموظف رسالةً قال انها من أحد المعتقلين في إسرائيل ولمّا فتحتها وجدت انها من صديقي محمد عبد الحفيظ فابتهجت. شكرت الموظف وغادرت المكتب ووقفت أقرأ الرسالة على الدرج المبنى.
محمّد عبد الحفيظ أو أبو حفيظ كما كنّا نطلق عليه هو أحد أفراد دفعتنا في الكليّة البحريّة وقد أصبحنا هو وانا صديقين مقرّبين بسبب تقارب السنّ بيننا. وحين انتقلت انا إلى “كليّة كرساس” للهندسة البحريّة اختار هو البقاء في “رهبر” للتخصّص في الملاحة ولكننا بقينا على صداقتنا وكثيراً ما كنّا نتزاور. بعد الإنشقاق في حركة فتح واستفحال الصراع بين الحركة ونظام الأسد غادرسوريا مع بقيّة الضبّاط البحريّين واتّجه إلى اليمن الشمالي حيث القاعدة البحريّة الفلسطينيّة في مدينة الحُديدة وعمل فيها وأقام في منطقةٍ قريبة منها.
بعد قرار أبو جهاد الوزير بالتركيز على محاولات التسلّل البحري لتنفيذ ضرباتٍ عسكريّة ضد إسرائيل بسبب انسداد المنافذ الأخرى البريّة في كلّ من الأردن ومصر وسوريا ولبنان, إختار أبو حفيظ التطوع للقيام بإحدىهذه المحاولات مع ضابطين أخرين هما “عبد الناصر البحريّة” ونادر شديد وتمّ حملهم جميعا على متن إحدىالسفن الصغيرة المملوكة للحركة متجهين نحو السواحل الفلسطينيّة. وقد رصدتهم القوات البحرية الإسرائيليّة وهم لا يزالون في المياه الدولية وتقدم أحد الزوارق الإسرائيليّة نحو سفينتهم وأمرهم عبر المايكروفون بالتوقّف, لكنهم رفضوا الإمتثال للأوامر وتابعوا طريقهم, ولمّا أطلق الزورق عليه طلقاتٍ تحذيريّة ردّوا بإطلاق النار على الزورق من أسلحتهم الخفيفة وكانت نتيجة الإشتباك معروفةً سلفاً وقتل خلاله نادر وعبد الناصر وتمّ أسر محمد.
كتب محمّد في رسالته لي عن العموميّات المسموح بها حسب نظام السجون, وسأل عنّي وعن أحوالي وأحوال بقيّة الشباب وأبلغني بأنه شخصيّاً بخير وان عائلته تزوره في سجنه باستمرار, وطلب منّي الكتابة إليه عبر الصليب الأحمر والبقاء على تواصل. في نهاية الرسالة ذكر أبو حفيظ شبه مازحٍ أنه لا ينقصه شيئاً داخل سجنه انما إذا ما أصرّيت انا على إرسال بيجامة رياضة نوع أديداس على قياسه فانه لن يرفضها.
عدت بعد قراءة الرسالة إلى المقرّ لأرى ما إذا كان أكرم قد حضر إلى مكتبه ولكنّني لم أجده هناك فزرته في شقّته.
– تحياتي.
– أهلاً.
– آسف للإزعاج لكنّي فرحٌ برسالةٍ من صديقي أبو حفيظ وأردت ان اطلعك عليها إذ ان فيها ما يحتاج إلى كرمك.
– هل هو بخير؟
– نعم ويرسل سلامه لك وللجميع.
– هل تحمل الرسالة معك؟
– نعم هاك هي.
قرأها ثم أعادها لي قائلاً من الجيد ان نسمع منه أنه بخير.
– هلا لاحظت موضوع البيجاما الأديداس؟
– نعم لاحظتها. أنه يمزح كعادته.
– لا أظنّه يمزح فحسب, بل أراه يطلب البيجاما بطريقةٍ مازحة. فإن رجلاً معتقلاً في سجون الإحتلال بعد عمليّة عسكريّة كاد ان يقتل فيها لن يتكلّف عبء إرسال رسالةٍ بالصليب الأحمر ليرسل لنا نكتةً تبهجنا.
– ما المطلوب منّي؟
– المطلوب ان تدفع من أموال “موازنة القوّة البحريّة” ثمن بيجامة أديداس لأشتريها وأرسلها له مع الصليب الاحمر, أو يمكنك إن أردت ان تشتريها بنفسك وأقوم انا بإرسالها له.
– قلت لك انه يمزح. فانا كنت معتقلاً في إسرائيل وأعلم أن هناك لجاناً حركيّة تقوم بمدّهم بكلّ إحتياجاتهم وبشكلٍ دوريّ.
– “زيادة الخير خير“. وماذا ان كانت لديه بيجاما وحصل على أخرى فانها لن تضيره.
– أؤكّد لك انه لا يبتغي من طلبه للبيجاما سوى التأكّد من وصول الرسالة.
– ماذا تقصد؟
– أقصد ان إرسال البيجاما سيؤكّد له انك قد استلمت رسالته ولهذا طلبها.
– لكنني ممكن ان أؤكد له وصول رسالته عبر إرسال جوابٍ عليها!
– ثق بي انه ليس بحاجة إلى بيجامة.
– ان مبلغ مائة دولار لن يؤثّر على الموازنة وهو مبلغٌ شحيحٌ قياساً بتضحية صديقٍ كادت روحه ان تزهق.
– الأمر لا يتعلّق بالمبلغ بل بيقيني انه ليس بحاجة لبيجاما.
شهيدٌ حيٌّ يطلب بيجاما رياضيّة وتمنع عنه رغم امتلاك قائد البحريّة اللبنانيّة لعشرات الآلاف من الدولارات. أيّ نوعٍ من النضال يخوض هذا الرجل. وفوق هذا فإن أبو حفيظ هو صديقٌ مقرّبٌ من أكرم نفسه. لا أستطيع انا شخصيّاً تأمين 100 دولار لشراء ما طلبه محمد بإعتبار ان راتبي الشهريّ بأكمله هو 200 دولار, وكذلك لا استطيع إرغام نفسي على كتابة رسالة جوابيّة ارسلها له دون ان يكون معها البيجاما التي طلبها. ماذا أقول له ؟ ليس معي ثمن بيجاما, أم ان أكرم رفض شراءها من الموازنة لانه يعتقد انك لا تحتاجها! مزّقت رسالته ورميتها في الطريق وعدت إلى بيتي حانقاً يملؤني القرف.
———————————————-
بحلول العام 1990 كانت الإتصالات الأمريكيّة السريّة والعلنيّة مع كلٍّ من م.ت.ف والنظام السوريّ قد قطعن أشواطاً مهمّة وأبلغت سوريا الولايات المتّحدة موافقتها على المشاركة في مؤتمرٍ للسلام لا تكون الأمم المتّحدة طرفاً فيه, وكذلك موافقتها على فصل مسألة الجولان عن القضيّة الفلسطينيّة أي ان تكون المفاوضات ثنائيّة تجري بين إسرائيل وسوريا والأردن والفلسطينيّين كلٍ على حدة. وان تقتصر المفاوضات متعدّدة الأطراف فقط على القضايا ذات العلاقة بالأطراف جميعاً وكانت هذه هي الشروط الإسرائيليّة. أما فلسطينيّاً فقد تمّت الموافق على المشاركة في المؤتمر الذي سيعقد على أساس مبدأ “الأرض مقابل السلام” وقرارات مجلس الأمن 242 و338 و425. كذلك كان المجلس الوطني الفلسطينيّ المنعقد في الجزائر في تشرين ثاني 1988 قد أكّد في بيانه الختامي على ضرورة انعقاد المؤتمر الدولي الفعال الخاص بقضية الشرق الأوسط، وانسحاب إسرائيل من جميع الأراضي الفلسطينيّ والعربيّة المحتلة منذ عام 1967م. ولقد كان لإنتفاضة 1987 الفلسطينيّة وظهور القوّة الإسلامية غير المعتدلة وعلى رأسها حركة حماس كتيارٍ ذي شعبيّة لا يستهان بها بين الفلسطينيّين, دوراً كبيراً في تعجيل التوافق الأمريكي الفلسطينيّ.
في هذه الأجواء التوافقيّة جاءت زيارة الأسد للقاهرة في 13/تمّوز/1990 لتكون ذروة الإنسجام مع التوجّهات والمواقف الأمريكيّة ولقد انعكس هذا الانسجام على الدور السوريّ في لبنان. ورغم عدم انعقاد لقاء قمّة مشترك يجمع الأسد ومبارك وعرفات أثناء تلك الزيارة كما كان متوقّعاً, إلّا ان ظلّ عرفات كان مخيّماً على لقاء الرئيسن المصري والسوريّ الذين تطرّقا في محادثاتهما إلى الأزمة اللبنانيّة وبحثا إمكانيّة القيام بعملٍ مشتركٍ سبق ان حظي بمباركة أمريكيّة, بين النظام (أو حلفائه) وم.ت.ف بهدف مكافحة الإرهاب والحدّ من مخاطر الدور الإيراني وحزب الله على مسيرة السلام المزمعة, خصوصاً مع تضخم قدراته العسكريّة وعجز النظام وحركة أمل عن وقف تمدّده نحو الحدود اللبنانيّة الإسرائيليّة.
بعد أربعةٍ وعشرين ساعة من عودة الأسد إلى دمشق نفذت حركة فتح في قرى شرق صيدا انتشاراً جديداً تضمن توغّل قوّةٍ عسكرية قوامها 400 مسلّحاً من مقاتليها إلى البلدات الشيعيّة الواقعة في عمق جبل عامل والقريبة من مدينة النبطيّة الجنوبيّة ووصلت إلى قرى جرنايا وعنقون وصربا وعربصاليم وجرجوع. وكلّ هذه القرى تدور فيها اشتباكاتٌ عنيفة بين أمل وحزب الله وكان سقط فيها خلال اليومين الأخيرين فقط أكثر من 40 قتيلاً وعشرات الجرحى من الطرفين. هدف هذا الإنتشار الجديد كما أعلنت حركة فتح إلى تشكيل قوّة فصل بين المتحاربين, وأضافت انها لم تأخذ إذن أحد من الطرفين ولم تستشر أيّاً منهما فيه, وهذا طبعاً كذبٌ صريحٌ ومكشوفٌ لجميع الأطراف خصوصا قيادة حزب الله.
لم يستجب حزب الله لدعوات قوّات الفصل الفلسطينيّة المخاتلة بوقف إطلاق النار وبقيت المعارك الدائرة على وتيرتها من العنف وسقط في اليوم الأول للتوغل الفلسطينيّ قتيلٌ وأحد وأربعة جرحى إثر تدهور سيّارتين عسكريّتين تعرضتا للقصف ولكن القوّات الفلسطينيّة واصلت تقدّمها وتموضعت في التلال الجنوبيّة المشرفة على بلدة جرجوع. ترافق اشتداد المعارك العسكرية مع نشوب معركة مواقف سياسيّة بين فتح وحزب الله فأنذرت فتح الحزب بضرورة إخلاء بلدة جرجوع خلال 24 ساعة وإلا فإن مقاتليها سيدخلونها بوسائلهم الخاصّة. بقي الحزب على تصلّبه ولم تلبث القوات الفلسطينية ان عمدت إلى هذه الوسائل الخاصة وشنّت هجوماً مدفعياً عنيفاً طال محاور حومين الفوقا وعربصاليم وعين بسوار وكفر ملكي وتركّز خصوصاً على بلدة جرجوع التي يتحصّن فيها مقاتلو الحزب.
في اليوم الثاني للهجوم نجح مقاتلو حركة فتح بالسيطرة على جرجوع لكن سيطرتهم لم تدم طويلاً وسرعان ما شنّ حزب الله هجوماً معاكساً غير متوقّع سقط فيه عشرات القتلى من حركة فتح. استمرّت المعارك التي استخدمت فيها راجمات الصواريخ والمدفعيّة الثقيلة بغزارة نحو إسبوعٍ وشاركت فيها القوّات الإسرائيليّة التي قصفت مدفعيتها الرابضة في الشريط الحدودي الأطراف الثلاثة دون استثناء. إضافة إلى مشاركة المدفعيّة الإسرائيليّة العامّة شاركت في المعارك مدفعيّة أخرى فلسطينيّة وهي مدفعيّة جمال سليمان الحليف شبه السرّي لحزب الله في جبل الحليب التي استهدفت مواقع فتح في كفرحتّى وأسقطت العديد من القتلى والجرحى. كانت حصيلة الإصابات الفلسطينيّة في هذه المعركة هائلةً وبلغت 150 قتيلاً وعشرات من الجرحى سقط أغلبهم في بلدة جرجوع الذي نجح حزب الله في استدراج الفلسطينيّين إليها ثم الإطباق عليهم. ولقد فشلت فتح في تحقيق أيّ تقدّمٍ في أيٍّ من المحاور وقد تكون مدفعيّة جمال سليمان قد ساهمت في هزيمة الحركة إلّا ان العامل الرئيس فيها كان شراسة مقاتلي حزب الله العقائديّين مغسولي الدماغ والطامحين إلى الشهادة ودخول الجنّة عكس مقاتلي حركة فتح الذي وجدوا أنفسهم فجأة في خندقٍ واحد مع عدوٍ جرت شيطنته خلال السنوات الماضيّة أبّان حرب المخيّمات, وفي مواجهة حزبٍ وقف معهم وزوّدهم بالذخيرة والمواد التموينيّة التي ساعدتهم على التصدي لهجومات حركة أمل وحصارها. كما يمكن طرح المدفعيّة الإسرائيليّة من المعادلة كونها استهدفت الأطراف جميعا وبالتالي لم تسهم في تغيير المعادلة العسكريّة على الأرض.
مع دخول هدنةٍ إنسانيّة حيّز التنفيذ في محاور الإشتباك ودخول موظّفي الصليب الأحمر اللبناني وبدء عمليّة انتشال الجثث وجّهت حركة فتح مدفعيّتها على جبل الحليب وسيروب حيث تتموضع كتيبة الرائد جمال سليمان وشنّت صباح يوم الأربعاء الموافق 1/آب/1990 هجوماً كاسحاً تركّز على ثلاثة محاور هي محور سيروب الشرقي التي تقدّمت منه قوّات الشهيد سعد صايل بإمرة المقدّم رؤوف الزعرورة والمحور الغربي الذي قامت بتغطيته قوّات ال17 بإمرة الرائد منير المقدح ومحور درب السيم الذي تقدّمت منه مجموعاتٌ تابعةٌ لمنصور عزام أحد “قبضايات” مخيّم عين الحلوة. اندلعت هذه المعركة في السابعة صباحاً وبقيت أصوات الصواريخ والقذائف المدفعيّة تسمع حتى الثامنة مساءً واشتعلت أثناءها العديد من الحرائق في جبل الحليب وحوصر الكثير من أفراد كتيبة جمال داخل مستشفى سعد صايل المتاخم لمواقعه. كان جمال سليمان لحظة البدء في هذا الهجوم يبيت ليلته في منزل الشيخ هشام شريدي قائد تنظيم عصبة الانصار الذي منعه من الإلتحاق بموقعه بسبب انسداد كافة الطرق بالقوّات المهاجمة.
عند الساعة الثامنة بدأ سريان وقف إطلاق النار الذي تمّ التوصّل إليه بمبادرة من تنظيم الجماعة الإسلامية وشيوخٍ صيداويّين آخرين. وفي صباح اليوم التالي قام هشام بإطلاق نداءاتٍ من مكبّرات الصوت في جامع الشهداء داعياً أهالي المخيّم إلى المشاركة بالقتال والوقوف إلى جانبه وجانب جمال سليمان وقد كان لمشاركة جماعة هشام شريدي في القتال إلى جانب مسلّحي جمال دورٌ بارزٌ في تمكين الآخير ومن تبقّى من مقاتليه من النجاة وقد انتشروا جميعا في منطقة الشارع الفوقاني حيث السيطرة لتنظيم العصبة واتّخذ جمال وهشام من مسجد الشهداء الذي يأمّ فيه هشام المصلّين بشكلِ يوميّ, مقرّا لهما. أسفرت هذه المعركة عن سقوط 24 قتيلاً و135 جريحاً وانتهت بخروج جمال سليمان ومناصريه من مخيّم عين الحلوة والتجائهم إلى أحد مواقع حزب الله شمال شرق مدينة صيدا.
بينما كان الرائد جمال سليمان ينفّذ انسحاباً منظمّاً عملت القوى الإسلاميّة في صيدا على تنسيقه مع حركة فتح , كان آل صبّاح وجيشهم يغادرون الكويت في فرارٍ عشوائيٍّ محمومٍ تحت ضربات الجيش العراقي الذي يبلغ تعداده ثلث تعداد سكان دولة الكويت والخارج للتوّ من حرب بقيت مستعرّةٌ لثمان سنوات تضخمّت خلالها قدراته وخبراته العسكريّة. استطاعت القوّات العراقية السيطرة على العاصمة الكويتيّة منذ اليوم الأوّل كما هو متوقع وتابعت زحفها على بقيّة المناطق دون ان تلقى أيّة مقاومةٍ تذكر إلّا في بعض الجيوب القليلة.
——————————————
إندلعت الحرب العراقية الإيرانيّة التي شنّها صدام حسين في أيلول 1980 منتهزاً لحظةً تاريخيّة ظنّها موآتيّة بعد الثورة الإيرانيّة التي أسقطت الحكم الشاهنشاهي واستبدلته بحكم آيات الله وأدخلت. البلاد في حالة فوضى. ومنتهزاً كذلك ضعف الجيش الإيراني المرحلي الذي بدأ الحكّام الجدد في إعادة بنائه بما يناسب التوجه الدينيّ المستجد فأقالوا الكثير من ضبّاطه الموالين لنظام الشاه المنهار. لم تجر الحرب بالسهولة التي اعتقدها صدّام إذ ان آيات الله سريعاً ما أعادوا ضبّاط النظام السابق إلى عداد الجيش الإيراني الذي رفدوه بألويةٍ جديدةٍ قوامها المتدينون المتطرفون الذي تمّ تحفيزهم بالشعارة الدينيّة الطائفية فلبست الحرب من وجهة النظر الإيرانيّة لبوس الحرب المقدّسة وتفانى الإيرانيّين في القتال وكان أغلب المقاتلين من الشباب اليافعين يحملون في جيوبهم أو يتقلدون في أعناقهم مفاتيح للجنّة أهداهم إياها الوليّ الفقيه آية الله روح الله الخميني.
لم يخرج صدّام حسين من الحرب التي استغرقت ثمان سنوات منتصراً ولكنه في المقابل لم يخرج مهزوماً لكنه بالتأكيد خرج منها مفلسا. فمن جهةٍ أولى فشل في تحقيق الهدف المعلن منها فلم يحرّر أيّ شبرٍ من إقليم الأحواز العربيّ, أمّا من الجهة الثاني فقد نجح في الحفاظ على عرشه مقابل مليون قتيلٍ من الطرفين عركتهم عرك الرح” قادسيّة صدّام. بعد انتهاء الحرب العراقيّة الإيرانيّة عام 1988 وجد صدّام نفسه في حربٍ من نوعٍ آخر لا تنفعه فيها ترسانته العسكريّة إذ ان الإقتصاد العراقي المنهك شبه مفلسٍ بفعل عقود شراء السلاح وهبوط معدّل النموّ الإقتصادي ودمار البنيّة التحتيّة والذين تسبّبت بهم الحرب, ويرزخ تحت وطأة دينٍ سياديّ بلغ حجمه حسب منظمة “هيئة العلاقات الخارجيّة ” الأمريكيّة ما بين 120 إلى 130 مليار دولار توزّعت على الشكل التالي:
- 21 مليار دولار (عدا الفوائد) لنادي باريس من ضمنها 4 مليار لليابان, 3.5 مليار لروسيا, 3 مليار لفرنسا, 2.5 مليار لألمانيا, 2 مليار للولايات المتّحدة الأمريكيّة و 1.7 لإيطاليا.
- 57 مليار دولار عقود غير مدفوعة أغلبها عقودٌ عسكريّة.
40 مليار دولار متوجبة لدول عربيّة .
- 10 مليار دولار ديون أخرى متفرقة .
- وسط هذه الأعباء الماليّة الضخمة أدّت سياسية بعض دول منظّمة الأوبك في حدود حصص الإنتاج النفطي المخصّصة لها من قبل أوبك مما أدى إلى إغراق السوق وانهيار أسعار النفط في الأسواق العالميّة مكبّدة العراق (حسب المصادر العراقيّة) خسارة بلغت ما بين 7 – 10 مليارات دولار سنويّاً. وقد اتهم العراق دولتين عربيّتين هما الكويت والإمارات العربيّة المتّحدة بمشاركتهما في المؤامرة الأمريكيّة ضدّ العراق. إضافةً إلى إغراق السوق النفطي من قبل هاتي الدولتين العربيّتين فقد بلغ حجم الديون السياديّة العراقية لدى دولة الكويت مبلغ 14 مليار دولار طلب صدّام إلغائها وإعتبارها إسهاما في حربه ضد إيران التي صنّفها هو على أنها حرب دفاعٍ عن البوابة الشرقيّة لدول الخليج العربيّ كافةً لكن الكويت رفضت هذا الطلب. إضافةً إلى هذين العاملين الأساسين الذين أدّيا إلى إقدام صدّام على غزو الكويت هنالك قضيتان خلافيّتان أخرتان هما النزاعات الحدودية التاريخيّة بين الدولتين, وإتهام العراق للكويت بسرقة نفط حقل الرميلة الحدودي الذي يقع جزءٌ منه في الأراضي الكويتيّة.
شعبيّاً, حظيت خطوة صدّام حسين عند عموم الفلسطينيّين وكذلك عند القومجيّين سوريا وليبيا والجزائر وتونس, بالإعجاب الشديد ورفعت من أسهمه لدى الجماهير التي تسوقها الشعارات الرنّانة عن الوحدة العربيّةوالبطولة والمطالبة بالتوزيع العادل لعوائد الثروات النفطيّة الخليجيّة على عموم شعوب الوطن العربيّ (علماً ان صدّام نفسه لا يوزّع نفطه عليهم بل يكتفي بشراء بعض قياداتها وإعلاميّيهم ببضعة ملايين من الدولارات).
تحمل شعوب أهل الشام عموماً صورةً بالغة السوء عن الخليجيّين حكاماً ومواطنين لا تختلف كثيراً عن صورهم في الأفلام الهوليوديّة, فالخليجي عند السوريّ هو شخصٌ سمينٌ خاملٌ غبيٌّ وبالغ الثراء يقضي أوقاته في صرف الأموال في بارات أوروبا على بائعات الهوى وطاولات الميسر ولا يملك أيّة أحاسيسٍ وطنيّة أو انسانيّة ولا تهمّه قضية فلسطين ولا القضايات القوميّة العربيّة كتحرير فلسطين والوحدة والحريّة. هذه الصورة النمطيّة روّجها (ويروّجها) منذ خمسينات القرن الماضي أباطرة القوميّة العربيّة من ضبّاط الجيوش الذين استولوا على بلدانهم ونهبوا ثرواتها تحت نفس شعارات الوحدة العربيّة وتحرير فلسطين ومقاومة الإمبرياليّة الأمريكيّة. علماً ان مصاريف هذه المقاومة والنضال والصمود والتصدي دفعها بالكامل شعوب وحكّام الدول الخليجيّة “الرجعيّة“.
حسب صحيفة وول ستريت جورنال فإن ثروة م.ت.ف التي نمت بفضل أموال الخليجيّين تقدّر أصولها ما بين 2 و 14 مليار دولار. وسبب إتساع الهوّة بين التخمينات هو انعدام الشفافيّة الماليّة بالمطلق إذ ان هذه الأصول لا يعلم بها أحد سوى ياسر عرفات والأفراد التي سجّلت بأسمائهم وأشهرهم محمد رشيد. “ان (م.ت.ف ) هي المنتج الأكبر للبيض في غينيا, وتعمل في تصدير فاكهة الأناناس إلى فرنسا والإتحاد السوفياتيّ, وتوزّع سنويّاً مبلغ 52 مليون دولار على شكل ضمان إجتماعي, وشاركت في تأسيس أحد الخطوط الجويّة في جزر المالديف, وشريكة في السوق الحرة داخل مطار تنزانيا الدولي“. ويشير شانزر إلى مصادر دخل المنظّمة غير الواضحة فيضيف “السعوديّون وحدهم يدفعون 86 مليون دولار سنويّاً“. كما يذكر شانزر كمثال أنه “خلال قمّة بغداد 1978 وافقت الدول العربيّة على منح مبلغ 250 إلى 300 مليون دولار سنويّاً لم.ت.ف … السعودية وافقت على منحها 85.7 مليون دولار, الإمارات العربيّة المتّحدة 34.3 مليون دولار, الجزائر 21.4 مليون دولار, العراق 44.6 مليون دولار, قطر 19.8 مليون دولار, الكويت 47.1 مليون دولار, ليبيا 47.1 مليون دولار“. وهذه القائمة تكشف بوضوح ان بين الدول الأكثر إسهاماً بدعم م.ت.ف مالياً توجد دولتا الكويت والسعوديّة وهما الدولتان اللتان تجذبان الكمّ الأكبر من كراهية أهل بلاد الشام عموماً والفلسطينيّين خصوصاً (والمصريّين طبعا, ولنذكر أكياس الرزّ التي تحدّث عنها عبد الفتاح السيسي). هذا الأموال المذكورة أعلاها والتي تتدفّق على خزائن م.ت.ف لا تشكّل سوى جزءٍ بسيطٍ من عشرات المليارات التي دفعتها الدول العربيّة الخليجيّة لما يسمّى بدول الطوق ثمن سلاحٍ تمّ شراؤه ومراكمته على مدى عقودٍ طويلةٍ لنفس غرض السلاح الفلسطينيّ أي “تحرير فلسطين”.
هذه الصورة السلبيّة للمواطن الخليجي جعلت الفلسطينيّون يحتفلون بنصر صدّام حسين على “بدو” الكويت وتحرير المحافظة العراقيّة التاسعة عشر وملأت صور المهيب جدران المنازل الداخليّة والخارجيّة في مخيّم عين الحلوة. حتى ان بعض الفلسطينيّين العاملين والمقيمين في الكويت الذين ظنّوا ان اندماج الكويت بالعراق أبديّاً رحبوا بالجيش العراقي المحتل وقاموا باستقباله استقبال الفاتحين. الغريب ان الموقف الفلسطينيّ الداعم لإحتلال الكويت لم يقتصر على عامّة الناس بل شمل أيضاً قاداتهم الذي يعلمون بحجم الأموال التي ضخّتها الكويت على مدى عقود إلى خزائنهم وعلى رأسهم رئيس الهيئة التنفيذيّة ل م.ت.ف ياسر عرفات ولقد قدّر صدّام هذا الموقف ومنح عرفات على أثره مبلغ 150 مليون دولار. كالعادة, فان هذا الموقف سيدفع ثمنه عشرات الآلاف من الفلسطينيّين المقيمين في الكويت الذين سيتم طردهم بعد التحرير .
———————————————————————–
أخيراً تزوّج الشيخ أكرم الذي حسبه الناس لن يتزوج أبداً. أقام عرساً باذخاً امتشق فيه سيفه الذي حمله معه من الكليّة البحريّة ثمّ قطّع به مع عروسه قالب الحلوى. بعد العرس سكن وعروسه في شقّته التي كان مقرّا له ولمحبّيه, بعد ان استبدل أثاثه بآخرٍ حديثٍ وفاحشٍ يناسب ميزانيّته الحديثة بعد زواجه من قريبة جمعة اللئيم.
لقد غادرالنقيب نبيل غنيم الشقّة والبلاد بعد ان يأس من وعود أكرم الخلّبية بتزويجه من إحدى أخواته فتقدّم لخطبة فتاةٍ أخرى يعمل والدها سائقاً لإحدىمركبات الإسعاف في مستشفى الهمشري. لم أعرف عائلة الصبيّة قبل ان أزورهم مشاركاً بالجاهة وكان معنا أكرم وصديقان آخران لنبيل. قرأنا الفاتحة وتناولنا القهوة والبقلاوة ثم غادرنا متمنّين للعروسين السعادة والهناء. لم تدم فرحة نبيل طويلاً إذ ان مسار خطبته لم يكن على ما يرام وسرعان ما انفصل عن عروسه الجديدة وطلب من أكرم الإذن بالمغادرة بعد فشل مشروعه فزوّده الآخر بتذكرة السفر ومصاريفه وودّعه (منفردا على ما يبدو, إذ انني شخصيّاً لم أعلم بأمر سفره إلى بعد أيامٍ عديدة). أما الكوبرا فقد سرّحه أكرم بإحسانٍ وفرزه إلى موقع البحريّة في مخيّم الرشيديّة ليكون عيناً له فيها على غسّان ذيب المتمرّد على سلطته والمتحصّن بعلاقة نسبه بسلطان أبي العينين. تنفّس بعض البحّارة الصعداء بعد زواج أكرم أما بعضهم الآخر فقد افتقد العيش في كنفه لكن القائد الذي أضحى في منتصف الأربعينات من عمره لم يستطع الصبر على هواه طويلاً وسرعان ما عاد إلى ما كان فيه قبل زواجه. إذ ما كاد يمضي على حفل عرسه إسبوعان أو أقلّ قليلاً حتى عاد إلى سابق عهده بنزقٍ وشهوةٍ أكثر مما عهده منه غلمانه في السابق.
راجت سياسة الأبواب المغلقة بالأقفال من جديد واشتدّ زخمها بعد ان حرم أكرم من مقرّ عملياته في شقّته المنزليّة التي احتلّتها زوجته وأخوتها الثلاثة الذين أصبحوا مرافقين شبه دائمين له حينما يفرغون من أعمالهم اليوميّة. حين كان انسباؤه الجدد أو أحدهم يرافقونه/يرافقه إلى مكتبه صرت تجد بابه مفتوحاً على مصراعيه أما في الأوقات الأخرى فنادراً ما يشرّع بابه.
الثانية عشر صباحاً. سّيارة أكرم المرسيدس الحديثة التي خلعها عليه علاء الأفندي كهديّة عرسٍ واقفةٌ في الفناء. جيد. فأنا أبحث عنه منذ يوم أمس لأستلم منحة “البدل الشهري“. حين وصلت إلى المقرّ أمس في مثل هذا الوقت قيل لي أنه قد غادر قبل دقائق. فتحت باب المقرّ وولجت لأرى المقر فارغاً وباب مكتب أكرم مغلقاً فطرقت ثم دفعت الباب لأتأكد فوجدّته مقفلاً وسمعت همهمّة من الداخل استنتجت منها ان أكرم موجود في الداخل انما قد يكون “مشغولاً“. عدت إلى المطبخ فوجدت إبريق الشاي فاتراً فسخّنته قليلاً على موقد الغاز ثم صببت لنفسي كوباً وخرجت إلى الشرفة أشربه وأدخّن معه سيجارة. لم أكن قد انهيت سيجارتي بعد حين فتح باب أكرم وخرج من مكتبه عبّاس المصري. سلّمت عليه وقلت لأكرم: أخيراً وجدتك! فأجابني لم أكن أعلم انك تبحثّ عنّي. قلت مازحاً : لست أبحث عنك انت بالتحديد بل عن منحة “البدل الشهريّ” التي تحملها في جيبك. سّلّمني منحتي ثم وقف ليغادر فيما عدت انا إلى الشرفة بعد ان صببت لنفسي كأس شايٍ آخر وأشعلت سجارةً أخرى وكان عبّاس قد سبقني إليها.
– أراك متجهّماً , ما بك يا عبّاس.
– انه هذا القذر.
عبّاس هو الوحيد الذي لا يخشى من تناول أكرم أمامي لأنه الوحيد الذي خرج عن طاعة الأخير بعد ان اكتشف فساده الأخلاقي. للدِقّة, فإنه قد خرج عن طاعته انما في السرّ ولم يعلن تمرّده عليه على الملأ بسبب كونه يقيم مع زوجته مجّاناً في شقّةٍ في مبنى أكرم الواقع في بستان اليهودي. هي شقّة مجّانيّةٌ بالنسبة لعبّاس فقط إذ انه لا يدفع إيجارها الشهريّ لكنها بالنسبة لأكرم فانه ليست مجّانيّة لأنه يتلقى أجرتها الشهريّة من حركة فتح كما أسلفت سابقاً. حين عدت إلى العمل في القوّة البحريّة بعد توسّط عمر تركيابين أكرم وبيني كنت قد وضعت عمليّة محاولة إختطافي من قبل أكرم وراء ظهري إذ انني أخذت في عين الإعتبار ان الذين قاموا بها انما كانوا ينفّذون أوامراً أتتهم من قائدهم الأعلى ولم يكونوا حتّى يعلمون من انا وما هو الدافع وراء الأوامر التي أتتهم. كنت أعلم طبعا انهم من الحاشيّة التي رأيتها تحوم حول أكرم بعد عودتي إلى القوّة لكنني لم أسعَ لأعرف من منهم بالتحديد. لكن عبّاس منحني ثقته بعد بضعة أشهر من التعامل شبه اليوميّ معي وبعد ان أيقن ان وجودي في القوّة البحريّة لا يعني موافقتي على ما يقوم به أكرم من إعتداءات جنسيّة وتوريطاتٍ وتغريرٍ بالعناصر الشابّة من أفراد القوّة دون تمييز.
أخبرني عمّا كنت قد شهّدته مراراً من تعدّياتٍ ذات طبيعة تحرّشية جنسيّة على الأفراد, وعن محاولات أكرم المتكرّرة لمداعبته جنسياً ورفضه لجميع هذه التحرّشات وصدّه بحزم, وعن إقدام أكرم على ممارسة الإبتزاز الماليّ عليه إذ أنه غالباً ما يحتاج إلى عدّة أسابيع لتحصيل حقوقه الماليّة من أكرم رغم ان زملاءه (أبو حديد وسواه) ينالون هذه الحقوق دوريّاً وتلقائيّاً وفي المواعيد المحدّدة.
وعبّاس هذا هو في الخامسة والعشرين من عمره سبق ان شارك في عمليّات التسلّل البحريّ التي نفّذتها القوّة مستخدمةً زوارق مطّاطيّة بغرض تهريب بعض الأسلحة والذخائر والمقاتلين إلى مخيّم الرشيديّة أثناء فترة حصاره من قبل حركة أمل. لم تستمرّ هذه المحاولات التي نجحت بادئ الأمر, طويلاً إذ ان مواقع حركة أمل على ساحل مدينة صورة ما لبثت ان اكتشف أمر الزوارق واستهدفة أحدها أثناء اقترابه من شاطئ المخيّم بنيران الرشاشات الثقيلة وكان على متنه بضعة صناديق من الذخائر والمواد التموينيّة ويقوده عبّاس الذي لم يستطع التعامل مع النيران المعاديّة إذ لم يكن بحوزته سوى بندقيّته. ولقد أصيبت الزورق وأصيب معه عبّاس لكنّه استطاع السباحة حتى الوصول إلى الشاطئ بينما قامت القوّات العسكريّة في مخيّم الرشيديّة باستهداف مواقع الرماية بمدفعيّة الهاون لإلهائها وتمّ إسعاف الجريح الذي تبيّن ان أصابته هي في فخذه وليست خطيرة ولقد قدّر له الشفاء التام منها.
– ما به هذا “القذر“؟
– قلنا ان الله قد هداه واستبشرنا خيراً بزواجه لكنّ الأمر يبدو على ما كان عليه قبل الزواج.
– ماذا جرى؟
– تقدّمت بطلب مساعدةٍ ماليّة منذ أكثر من شهرٍ بسبب ضائقةٍ أمرّ بها منذ زواجي لكنه لا يزال يماطلني, واليوم عاد إلى سابق عهده في محاولاته الشاذّة فصددته كعادتي.
– والنتيجة ؟
– النتيجة انه أبلغني بان عليّ الإنتظار شهراً آخراً للحصول على المساعدة المرجوة لأن القوّة تمرّ بضائقةٍ ماليّة.
– أرى ان القوّة تمرّ بضائقةٍ لا شكّ, لكنها ليس بماليّة.
– هكذا يبدو.
———————————————-
خلال هذه الفترة من “المدّ الثوري” حدث ان قدم إلى مقرّ القوّة البحريّة زائرٌ بسيطٌ هو جريحٌ سوريٌّ قديم فقد إحدىرجليه أثناء عمله في القوّة البحريّة قبل إجتياح 1982 ثمّ تقطّعت به السبل بعد انسحاب حركة فتح من بيروت ولاحقاً من البقاع وطرابلس ووجد نفسه وحيداً مع عائلته التي لم يعد له القدرة على إعالتها. بعد سنواتٍ من المعاناة الماديّة قرّ عزمه على المجيء إلى صيدا في محاولةٍ للحصول على حقوقه الماليّة والنظر في إمكانيّة تزويده بالمعدّات الطبيّة الضروية لمساعدته على الحركة فحمل عكّازه وتجاوز رعبه من المخابرات السوريّة وتوجّه إلى معاقل حركة فتح في مخيّم عين الحلوة حيث أرشده أحدهم إلى مقرّ القوّة البحريّة فحضر إليه. بعد مقابلة أكرم وعده الآخير بتأمين تذكرة سفر له للذهاب إلى ليبيا حيث يتواجد “فتحي البحريّة” الذي سيتولى شأنه ويعمل على تحويله إلى أحد المراكز الصحيّة لعمل اللازم كما تصرف له بعض الرواتب الشهريّة بمفعولٍ رجعيّ.
بقي الرجل مقيماً في مقرّ القوّة لأسابيعٍ ثلاثة ريثما قام أكرم بالإتصالات الهاتفيّة اللازمة مع قيادة القوّة البحريّة في الخارج, كان الضيف خلالها ينغّص على النقيب أكرم عيشته كما لو كان ضرساً مسوسّاً في فمه ينبض وجعاً على مدار الساعة. لم يكن الرجل ثرثاراً أو ضيفاً ثقيلاً أو كثير التطلب بل اكتفى بالجلوس أغلب الوقت على سريره الحديديّ في الغرفة التي تشاركها مع “أبي عمّار” وأحياناً “الكوبرا” القادم من مخيّم الرشيديّة ليزور أكرم بضعة أيامٍ حسب طلبه, أو التفسّح على شرفة المقر عند العصر واقفاً على رجله وعصاه أو جالساً على الأرض العاريّة, وفي أوقاتٍ أخرى متنقلاً بين حجرة المطبخ والحمّام لسدّ وقضاء حاجاته الجسديّة.
لكن ما أزعج أكرم من وجوده هو تواجده المستمرّ في المقرّ بسبب عجزه عن التجوّل وعدم وجود ما يدفعه للخروج إلى أيّ مكان فلا أقارب له في المنطقة, ولا أصدقاء ولا مال لديه للتسوّق ولا رجلين تمكّنه من التفسّح سيراً. ان التواجد المستمرّ لهذا البحّار العجوز ذو الرجل الواحدة والقادم من غياهب الزمن القديم جعل أكرم غير قادرٍ على ممارسة “هواياته” المعتادة خلف الأبواب المقفلة التي ستثير لا ريب, ريبة هذا الضيف الثقيل وهو ما كان على أكرم تفاديه خصوصاً ان هذا الضيف هو في طريقه للقاء قادة القوّة البحريّة في الخارج وقد يبوح بما قد رآه رأي العين.
حين زوّده أكرم بثمن تذكرة سفرٍ عبر دمشق – طرابلس تنفس كلاهما الصعداء فالأول على وشك ان يستعيد حرّيته والثاني على وشك ان يستعيد قدرته على التنقل ورواتب تقيه وعائلته شرّ العوز. غادر البحّار العجوز مبكراً صباح اليوم التالي متجهاً إلى سوريا حيث تقيم عائلته وعادت الأبواب المقفلة إلى سابق عهدها بعد طول غياب. لكن الرجل ذا الساق الواحدة لم يغب طويلاً إذ ما لبث ان عاد وفي حوزته المبلغ الذي منحه إياه أكرم لأنه لم يكفِ لشراء التذكرة المتّفق عليها فجنّ جنون أكرم الذي لم يكن قد أشبع نهمه بعد خلال هذا الأسبوع. حين لم أجد البحّار العجوز في المقرّ بعد يومين أفترضت ان أكرم قد منحه تكملة المبلغ ثم أرسله في حال سبيله .
بعد خمسة أيام وأثناء مرافقتي لأكرم في سيّارته عائدين من مكتب علاء الأفندي بعد إنجاز بعض الأمور الإداريّة عرّج أكرم إلى موقع البحريّة في بلدة الأشرفيّة (الذي كان سابقاً بإمرة ثائر حجّو) وكان فيه بعض العناصر مسترخيّين في كراسيهم على الشرفة الواسعة. دخلنا إحدىالحجرات الداخليّة فإذ بأبي حديدٍ يشرف على تعذيب البحّار العجوز المقيّد بسلاسل معدنيّة والملقى على الأرض. الخوف بادٍ على وجهه المدمّى وصيحات الإسترحام والقسم بأنه بريءٌ هو كلّ ما يقوم بترديده. تحاملت على نفسي وكتمت غيظي لبعض الوقت ريثما خرج أكرم بعد ان أبلغه أبو حديد بأن لا المعتقل لم يدلي بأيّة اعترافات بعد, ولحقت به سائلاً إياه:
– ما تهمة هذا الرجل, وهل تحوّلت البحريّة إلى فرع فلسطين؟
– انه عميلٌ للمخابرات السوريّة.
– وكيف تمّ اكتشافه؟
– سبق لي ان اعطيته ثمن تذكرة السفر إلى ليبيا, لكنه عاد متحجّجا بانه المبلغ لم يكفِ. رغم ان المبلغ الذي يحتاجه لإكمال ثمن التذكرة هو ضئيل وكان بإستطاعته تدبرّه بدلاً من العودة.
– ألم يداخلك الشكّ بأنه قد يكون معدماً وليس لديه من يدينه المال. أو ربّما يكون طمّاعاً فحسب مما لا يستوجب معاملته بهذا الطريقة غير الأخلاقيّة.
– هل تريدني ان أدعه في المكتب ليقوم بمراقبتنا وتزويد المخابرات السوريّة بأسرار عملنا.
– ليس عليك ذلك. أما ان تعطيه ما يقول انه ينقصه أو تردّه على أعقابه دون منحه أية مساعدة إضافيّة. بإمكانك أيضاً ان تستعيد المبلغ الذي اعطيته اياها وتردّه إلى أهله مدقعاً كما حضر اوّل مرةً.
– هذه القيم الإنسانيّة التي تدعو إليها لا مجال لها هنا في عملنا.
– لم يعذّبك الإسرائيليّون حين كنت معتقلاً لديهم ومع ذلك ها هم صامدون ومنتصرون.
– دعك من هذا الكلام.
وصلنا إلى سيّارة أكرم وتابعنا هذا الحديث غير المجدي أثناء رحلة عودتنا إلى المقرّ. ركبت سيّارتي وعدت إلى بيتي وفي ذهني صورة أبي حديد يجلد البحّار العجوز بفخرٍ واعتزازٍ ونشوةٍ نضاليّة يعود بعدها ليضاجع زوجته بحماسةٍ ورجولةٍ وعنفوان قلّ نظيره. ربما يفعل هذا أكرم أيضاً والدليل ان أمرأته حبلى بطفله الأوّل.
الفصل العاشر
إسدال الستارة
إثر التعاون الميداني بين حركتي فتح – اللجنة المركزيّة وفتح – المجلس الثوري الذي فرضته ظروف حرب المخيّمات وساهمت في التحضير له الجبهة الديموقراطيّة لتحرير فلسطين عبر ممدوح نوفل قائدها العسكريّ في لبنان, جرت بين التنظيمين إتصالاتٌ سياسيّةٌ وأمنيّةٌ على مستوياتِ أرفع أجراها صلاح خلف (أبو إياد) مع عاطف أبو بكر أحد قياديّي تنظيم المجلس الثوري المقرّبين من زعيمه صبر البنّا (أبو نضال) أثمرت تقارباً بين التنظيميّن. إستمرت هذه الإتصالات عدة أشهر وتخلّلها لقاءان نادران عقدا في الجزائر بين ياسر عرفات وصبري البنا. ولقد جرى هذان اللقاءان على هامش دورتيّ المجلس الوطني الفلسطينيّ عاميّ 1987 و 1988 وتركزّت المحادثات على عودة البنّا وتنظيمه إلى صفوف حركة فتح. رغم ان هذه المحادثات كانت واعدةً إلّا ان مآلها كان الفشل الذي حمّل البنّا مسؤوليته لصلاح خلف عضو اللجنة المركزيّة لحركة فتح ومسؤول جهاز الأمن الموحّد مدّعياً ان فشل هذه المحادثات مردّه إلى الشروط التعجيزيّة التي فرضها الأخير.
قبل انهيار المحادثات التصالحيّة بين الفتحين كان أبو أياد قد نجح في اختراق تنظيم البنّا من خلال عاطف أبو بكر وعبد الرحمن عيسى الذين قاما أواخر 1989 بحركةٍ انقلابيّةٍ داخل التنظيم ونجحا في استقطاب العديد من كوادره إلى جانب حركتهما, خصوصاً منهم الكوادر المتواجدة على الساحة اللبنانيّة الذين سبق أن خاضوا حروباً عديدة إلى جانب قوّات فتح اللجنة المركزيّة في مخيمات بيروت ثم في قرى شرق صيدا ولاحقاً في معركة مغدوشة. لم يكن هذا الزخم في الكوادر الميدانيّة الموالية وحده كافياً للسيطرة على مقاليد الأمور داخل التنظيم السرّي والحديدي في لبنان, مما وضع الكوادر المنشقّة في مأزقٍ مصيريٍّ. إذ قامت الكوادر المواليّة لصبري البنّا بسيلٍ من الإعدامات التي طالت مئاتٍ منهم وكان بين من نفذت بهم أحكام الإعدام أغلب القيادات المعتدلة التي شاركت فتح اللجنة المركزيّة معاركه. بدأت عوائل الكوادر والمقاتلين المختفين قسراً بالمطالبة بهم وكانوا جميعاً يتلقون من التنظيم ردّاً واحداً: ولدكم قد أُرسل في دورةٍ عسكريّة وسوف يعود عند انتهائها. طالت الأيام وكثرت الإعدامات ولم يعد أحد من المغيّبين (وبينهم زوج أوصاف, المرأة التي تعمل في مكتب مقرّ القوّة البحريّة) ولم تتوضّح الأمور إلا يوم اكتشف في أحد البلدات البقاعيّة التي تحتضن مقرّاً للمجلس الثوريّ, قبراً جماعياً ضمّ 92 جثة لكوادر ومقاتلين من عناصر التنظيم نفسه.
أواسط حزيران 1990 قام أحد الكوادر في تنظيم فتح – المجلس الثوري والمعروف بإسم “سفيان” بحركة انشقاقٍ في مخيّم الرشيديّة وذلك بالتنسيق مع عاطف أبو بكر عبر حركة فتح ومسؤولها في المخيّم سلطان أبو العينين. واجه المجلس الثوريّ حركة الانشقاق هذه بالعمل العسكريّ وقام بمهاجمة المواقع العسكريّة التابعة لسفيان لكن هجوماته باءت بالفشل إذ تصدّت لها القوّات العسكريّة التابعة لفتح اللجنة المركزيّة التي هي القوّة العسكريّة الرئيسة في مخيم الرشيدية وتمّ حسم المعركة سريعاً لصالح سفيان الذي أطلق على تنظيمه الوليد إسم حركة فتح – المجلس الثوريّ – قيادة الطوارئ.
توتّر الموقف في مخيّم عين الحلوة ومدينة صيدا أثناء اشتباكات الرشيديّة إلّا ان ضخامة القوّة العسكريّة للطرفين في المخيّم, جعلت كلٌّ منهما يتردّد في مهاجمة الآخر واستطاعت الإتصالات التي أجرتها القوى الوطنيّة والإسلاميّة في صيدا ان تكبح ردّات الفعل العسكريّة بين الفتحين متحاشيةً حرباً كبرى لا يمكن ان تبقى محصورةً داخل المخيّمين الفلسطينيّين إذ ان الطرفين يمتلكان شققاً داخل أحياء المدينة تشكّل بؤراً عسكريّة إحتياطيّة.
رغم ضغوطات الفعّاليّات والهيئات السياسيّة والعسكريّة الصيداويّة وتردّد قيادات الفتحين في الحسم العسكريّ إلّا ان حالة الإحتقان والتوتر ظلّت طاغيةً على الأجواء بين الطرفين في مخيّم عين الحلوة وكانت مسألة الانفجار المؤجّل حتميّةً ينتظر الجميع ساعة قدومها بقلق. وقد أزفّت الساعة عند الثالثة من بعد ظهر الجمعة في 7/أيلول/1990 إذ شنّت القوّات العسكريّة التابعة لحركة فتح – اللجنة المركزيّة هجوماً مباغتاً استهدف المواقع التابعة لحركة فتح – المجلس الثوري في مخيّم عين الحلوة واستطاعت حسم الإشتباكات لصالحها على أغلب محاور الهجوم خلال بضعة ساعات عدا عن مركزٍ رئيسٍ تقع فيه غرفة عمليّات المجلس الثوري ويتحصّن فيه قادة العمل الميداني في المخيّم. ويقع هذا المركز في حيّ حطّين جنوب المخيّم وهو عبارةً عن مجمّع سكنيّ يطلق عليه إسم “الروضة” لإحتوائه في أحد طوابقه على روضةٍ للأطفال تابعة للتنظيم. هذا الحسم السريع جاء نتيجةً لعدم إعتماد تنظيم صبري البنّا لسياسة إقامة مواقع عسكريّة علنيّة إلّا في إطارٍ ضيّق بسبب حرصه على العمل السرّي واعتناقه مبدأ الإغتيالات والعمليّات الإستخباريّة كوسيلةٍ أساسيّةٍ في “نضاله“. إذ ينتشر أغلب العناصر المنتمين لهذا التنظيم في شققٍ سكنيّةٍ مموهّةٍ بعضها يقع في داخل المخيّم بينما يقع أغلبها في أحياءٍ سكنيّةٍ وسط مدينة صيدا.
سريعاً ما امتدّ القتال بين التنظيميّن إلى قرى شرق صيدا حيث يتجاور مقاتليهما بالقرب من محاور التماس مع جيش لبنان الجنوبي (لبعا – كفرفالوس) وخصوصاً في بلدة كفر جرّة. كانت هذه المعركة وحدةً من أقسى المعارك واستخدم فيها الطرفان كافة أسلحتهما من قذائف المدفعيّة ورشاشات ثقيلة وراجمات صواريخ وقد حصلت فيها الكثير من المواجهات المباشرة وجهاً لوجه بين المتخاصمين وجرى استخدام المسدسات والأسلحة البيضاء في بعض هذه المواجهات. أسفر اليوم الأول عن مقتل عشرين شخصاً وجرح أكثر من ثلاثين بينهم 4 قتلى من سكّان حيّ “حارة صيدا” الشيعيّ الذي استهدفته مدفعيّة المجلس الثوري الرابضة في محاور كفر فالوس وذلك لممارسة الضغوط على فعّاليات مدينة صيدا ودفعهم إلى الضغط بدورهم على قيادة حركة فتح لوقف الهجوم. من جهتها, استهدفت حركة فتح اللجنة المركزيّة بعض أحياء المدينة بالرشاشات والقذائف المدفعيّة بهدف دفع نفس الفعّاليات للعمل على إخلاء عناصر تنظيم المجلس الثوري للعشرات من الشقق السكنيّة في المدينة. ولقد تركّز القصف المدفعي والصاروخي لتنظيم صبري البنّا الذي عاد بعد هدوءٍ مسائيٍّ إلى التجدّد بعنف بعد منتصف الليل, على محيط مبنى “الروضة” الذي يتحصّن في ملجأه العديد من عناصر كوادر التنظيم المحاصرين من قبل المهاجمين.
خلال الأيام الثلاثة الأولى من معركة الفتحين بلغ عدد الضحايا 70 قتيلاً و250 جريحاً واتّسع نطاق القصف المدفعي على مدينة صيدا وأحيائها وشمل القصف الأحياء القريبة من مخيّم عين الحلوة كالتعمير والفيلات ومنطقة الحسبة وأعلن مسؤولون في حركة فتح – اللجنة المركزيّة انهم لا يستهدفون الأهالي بقصفهم للمدينة بل المواقع الأمنيّة والعسكريّة التي أقامها تنظيم المجلس الثوري في أحيائهم وطالبوا فعّاليات المدينة بالعمل على إغلاق هذه المواقع. ولقد ساهم في إرتفاع حالة التوتّر في المدينة التي أعلنت الإضراب المفتوح حصول بعض الإشتباكات والمطاردات بين عناصر من التنظيميّن يستقلّون سيّارات مدنيّة.
مع حلول اليوم الرابع تمّ التوصّل إلى وقفٍ لإطلاق النار بعد تأكيد مصطفى سعد وبقيّة فعّاليات المدينة عزمهم على إغلاق الشقق التي يشغلها مسلحو المجلس الثوري على ان تقوم “الشرطة الأمنية” (غير الحكوميّة) بالتحقّق من هذا الأمر. ولقد جاء وقف إطلاق النار هذا بعد سقوط موقع “الروضة” آخر معاقل المجلس الثوري في المخيم, في قبضة مقاتلي حركة فتح – اللجنة المركزيّة فيما بقي التوتّر سيد الموقف في المدينة التي أبقت على إضرابها ولم تعد عنه إلّا بعد مرور عشرة أيامٍ على اندلاع الحرب عملت خلالها “الشرطة الأمنيّة” على إخلاء العديد من الشقق التابعة للمجلس الثوري خصوصاً منها تلك التي أصبحت مكشوفةً فيما بقيت العديد من الشقق السريّة على حالها وحافظ المجلس على مواقعه خارج المخيم خصوصاً تلك الواقعة في وادي بلدة بقسطا الجنوبيّة حيث مخازن سلاحه الرئيسة وبقيت بحوزته حتّى العام 1994 رغم تسليم الميليشيات اللبنانيّة والفلسطينيّة لأسلحتها منتصف العام 1991 إذ ان هذا التنظيم عمل لصالح مخابرات الجيش اللبناني خلال السنوات الثلاث الأخيرة من عمره في المدينة وكان مهمّته “تطهير” المدينة من بقايا الكوادر العرفاتيّة.
—————————————————————————
بعد إحتلال الجيش العراقي للكويت وإعلان الحكومة العراقيّة عن ضمّها للعراق وتعنّت صدّام حسين ورفضه للإنسحاب منها قرّر الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب ومعه قادة الدول الرئيسة في أوروبا تشكيل تحالفٍ دوليّ يعمل على تحرير الكويت بالقوّة. ولقد كان لا بدّ لهذا التحالف الدوليّ ان يتمتّع بغطاءٍ عربيٍّ حتى لا تتخذ العمليات العسكريّة الغربيّة شكل “الحروب الصليبيّة” فتستفزّ الوعي الجمعي العربيّ مما قد يورّط المنطقة في حربٍ “مقدّسةٍ” لا تبقي ولا تذر. بادرت الإدارة الأمريكيّة إلى العمل على تأمين أوسع مشاركة عربية ممكنة وكانت القمّة العربيّة الطارئة في القاهرة قد أقرّت في 10 آب 1990 الإستجابة لطلب المملكة العربيّةالسعوديّة وبقيّة دول الخليج العربيّ بنقل قوّات عربيّة إلى أراضيها للمساهمة في الدفاع عنها ضدّ أيّ عدوان خارجي. بعد انتهاء هذه القمّة بيومين تلقى حافظ الأسد إتصالاً هاتفيّاً من جورج بوش بحث معه فيه مسألة المشاركة السوريّة في التحالف المزمع وقضايا أخرى تتعلّق بالأزمة اللبنانية وأسفر الإتصال عن موافقة الأسد على المشاركة في التحالف مقابل وعودٍ بمساعداتٍ إقتصاديّة تقدّمها الدول الخليجيّة وإطلاق يد الأسد في الساحة اللبنانيّة والتأكيد على منحه الضوء الأخضر الأمريكيّ للتخلّص عسكريّاً من الجنرال ميشال عون. كما وعد بوش الأسد بالمباشرة بالإعداد لمؤتمر السلام فور الانتهاء من إعادة ترتيب الأمور في الخليج العربيّ. ولقد وصف بوش نتائح هذ المحادثة الهاتفيّة بقوله انه أبلغ الأسد بأن الولايات المتّحدة عازمة على القيام بواجباتها وإجبار الجيش العراقي على الإنسحاب من الكويت بالقوّة العسكريّة “وان الأسد قال لي الشيء نفسه” وأضاف انه “كان مرتاحاً جدّاً لان الأسد ينظر إلى المسألة بالمنظار نفسه الذي لدى واشنطن”.
انضم الأسد إلى التحالفي الدولي بقيادة الولايات المتّحدة الأمريكيّة ومعه تسعة دولٍ عربيّةٍ أخرى هي مصر والسعوديّة والكويت وقطر وعُمان والبحرين والإمارات العربيّة المتّحدة والمملكة المغربية إضافة إلى 22 دولة غربيّة أخرى. وبعد يومين من الإتصال الهاتفي الذي أجراه معه بوش أرسل الأسد الدفعة الأولى من جنود الجيش السوريّ إلى الأراضي السعوديّة للمرابطة على حدودها مع الكويت وكان تعداد تلك القوّة هو 1100 ضابط وصفّ ضابط وجندي. ولقد تتابعت الدفعات العسكريّة المرسلة إلى السعوديّة حتى بلغ حجم القوّات المرسلة حسب ما أعلنته دمشق في 2 تشرين الثاني 1990, 20 ألف جنديّاً ومعهم 300 دبّابة من نوع T32 روسيّة الصنع.
عند الساعة السابعة من صباح يوم السبت الواقع في 13 تشرين الأوّل 1990, وبعد حصارٍ محكمٍ استمرّ إسبوعين لمنطقة المتن والقصر الجمهوري في بعبدا الذي يقيم فيها ميشال عون, شنّت القوّات السوريّة هجوماً مدفعيّاً وجويّا على مناطق تواجد الجيش اللبناني الموالي لميشال عون, تؤازرها قوّات تابعة للجيش اللبناني الموالي للرئيس المنتخب الياس الهراوي وميليشيات حليفة للنظام السوريّ هي الحزب القومي السوريّ وجماعة إيلي حبيقة وحركة أمل. لم يكن لجيش عون أيّ أمل بالصمود أمام هذه الهجمة بسب الفارق الكبير في العدد والعتاد بين حجم القوّات الموالية له وتلك المهاجمة مما أضطّره للجوء إلى السفارة الفرنسيّة التي قامت بمنحه اللجوء السياسيّ. ولقد تبيّن ان مفاوضاتٍ كان قد جرت مسبقاً بين فرنسا وميشال عون ووافقت فيها الحكومة الفرنسيّة على منحه عون اللجوء السياسيّ في سفارتها في حال تمّت مهاجمة قوّاته بشرط ان يعلن إستسلامه ويدعو جنوده إلى الإستسلام منعاً لسفك الكثير من الدماء.
مع التفويض الأمريكي الذي تلاه إزاحة ميشال عون والتوغّل العسكريّ والإستخباري السوريّ في المناطق الشرقيّة المسيحيّة ابتدأ عصر الهيمنة السوريّة الشاملة على الدولة اللبنانيّة وجيشها ومؤسّساتها ونوّابها ووزرائها, وأصبح مصير البلاد والعباد يتقرّر في مكتب العميد غازي كنعان رئيس جهاز الإستخبارات السوريّ العامل في لبنان. ورغم ان الخط الأحمر الإسرائيلي المرسوم عند نهر الأولي والذي يحظر على القوّات السوريّة تجاوزه إلّا ان سيطرة النظام السوريّ على الجيش والدولة اللبنانيّين سمح لهذا النظام ان ينفّذ ما يشاء من العمليّات الأمنيّة والإختطافات والإغتيالات في صيدا والجنوب اللبناني عن طريق هذه الأجهزة أو عن طريق إستخدام الفصائل المسلّحة المواليّة له لتنفيذ هذه المهام.
——————————————————–
بينما كانت منطقة الشرق الأوسط والخليج العربيّ تشهد واحدةً من أعنف الحروب الحديثة التي يخوضها تحالفٌ دوليٌّ مكوّنٌ من 34 دولة بقيادة الولايات المتّحدة الأمريكيّة وتحمل الإسم الكودي “عاصفة الصحراء” وتهدف إلى تحرير الكويت من القوّات العراقيّة, كان فلسطينيّو الجنوب اللبناني على وشك ان يشهدوا معركةً صغيرةً خاصةً بهم ستمنعهم لبعض الوقت من التهليل والتطبيل وإطلاق الرصاص إحتفالاً كلّما أطلق العراق صاروخاً باليستيّاً نحو الأراضي الإسرائيليّة, رغم ان أغلب هذه الصواريخ كان يتمّ إصطيادها قبل سقوطها بواسطة بطّاريات صواريخ “باتريوت” المضادة للصواريخ والتي قامت الولايات المتّحدة بتزويد الإسرائيليّين بها.
منتصف شباط 1991 اندلع خلافٌ بين المقدّم رؤوف الزعرورة قائد قوّات “الشهيد سعد صايل” و“علاء الأفندي” أمين سرّ م.ت.ف والقائد العام لقوّات حركة فتح في الساحة اللبنانيّة ولقد نشب هذا الخلاف على خلفيّةٍ ماليّة, كبقيّة الخلافات والصراعات التي عادةً ما تدور بين الأطراف المتنافسه داخل الحركة, مما دفع بالزعرورة المضيّق عليه ماليّاً من قِبل الأفندي إلى التوّجه نحو مقرّ سكن الأخير في مدينة صيدا على رأس مجموعةٍ كبيرة من مقاتليه محمولةً بالعديد من السيّارات المدنيّة. عند وصول المجموعة الضخمة إلى المدخل الجنوبي لشارع “دلّاعة” حيث يقيم علاء توقّفت السيّارات وترجّل منها المقاتلون وباغتوا حرس علاء المكوّن من مجموعة مسلّحة صغيرة فألقوا القبض عليهم فيما صعد الزعرورة إلى الطابق الأخير والقى القبض على الأفندي الذي حاول التملّص من قبضة الزعرورة وقبضات مرافقيه دون جدوى. جرّه الزعرورة إلى الطابق السفليّ وأخرجه إلى الشارع حيث سيّارته ورماه في صندوقها وأحكم إغلاقه عليه ثم انطلق به إلى مقرّه.
عند وصوله إلى مقرّه قام الزعرورة بالإتصال هاتفيّاً بياسر عرفات, الذي اعتاد تلقّي الإتصالات من كبار الضبّاط بشكلٍ دائم وقد زوّدهم لهذا الغرض بأحدث تقنيّات الإتصال, وذلك حرصاً منه على الإمساك بخيوط اللعبة كاملةً ومباشرةً دون المرور عبر التسلسل القيادي الذي كان قد أقرّه هو شخصيّاً. نقل الزعرورة إلى عرفات عبر الهاتف فحوى الإشكال الحاصل بينه وبين علاء الأفندي من وجهة نظره وركّز على ان علاء كان عند اقتحام شقّته يشرب الويسكي برفقة صديقته المسيحيّة وفاء (المعروفة بإسم “وفاء الأفندي” وهي من بلدة القريّة التي أقام علاء مقرّه فيها وأقام علاقة علاقة شخصيّة معها وغمرها بالأموال والهدايا وبين هذه الهدايا سيّارة مرسيدس حديثة) وكان كلاهما شبه عارٍ وفي وضعٍ غير لائق. لكنّ ياسر عرفات لا يقيّم مناصريه على أسسٍ أخلاقيّة انما على أساس الولاء الشخصيّ ومدى قدرة الشخص المعنيّ على تنفيذ قراراته ولقد كان الزعرورة بالنسبة له شخصاً مشكوكاً في ولائه بسبب انتمائه إلى جماعة أبو العبّاس وعلاقته بالنظام العراقي عكس علاء المقرّب منه فأمر الزعرورة بإطلاق سراحه.
بعد العديد من الوساطات, خرج الأفندي من سجن الزعرورة حاملاً ذراعه المكسورة بحزامٍ طبيٍّ معقوداً على رقبته وسرعان ما جمع كبار ضبّاطه للتداول في أمر اختطافه وحزم الجميع أمرهم بعد إتصالٍ هاتفيٍّ أجروه بدورهم مع عرفات, على إصدار أمرٍ بعزل الزعرورة من منصبه كقائدٍ لقوّات سعد صايل ودعوته للمثول أمام القضاء العسكريّ فإذا ما أبى الانصياع لهذا القرار فسوف يتمّ عزله بالقوّة العسكريّة ولقد رفض الزعرورة هذا القرار كما هو متوقّع.
في الرابعة من فجر الجمعة 15 شباط 1991 شنّت كافّة القوّات التابعة لحركة فتح هجوماً نارياً عنيفاً على كافة المواقع التابعة للزعروة في كلٍّ من سيروب والميّة وميّة والأشرفيّة وعين الدلب والقريّة وجنسنايا. استمرّت المعارك الضارية بين المهاجمين وقوّات الزعرورة حتى الساعة الرابعة عصراً حين تمّت محاصرة الزعرورة ومعه اثنين من مرافقيه في موقعه الأخير ولم يعد هناك مفرّاً له من الإستسلام خصوصاً انه قد أصيب أثناء القتال في يده وكانت جراحه تنزف, لكن استسلامه لم ينجه من وحشيّة سلطان أبو العينين الذي أمر مقاتليه بتصفيته مباشرةً مع مرافقيه الإثنين المتبقّين ثم أشاع ان رؤوف الزعرورة هو من أطلق النار على نفسه منتحراً وهذه الإشاعة هي ما ذكرته الصحف اللبنانيّة في اليوم التالي.
في نفس الوقت الذي شنّت فيه القوّات العسكرية هجومها على قوّات الزعرورة كان القوّات الموالية لعلاء بقيادة الحاج توفيق تشنّ هجوماً في مخيّم الرشيديّة على مواقع كتيبةٍ تابعةٍ لقوّات الزعرورة ويقودها “أبو نضال الأسمر” لكن معركة الرشيديّة كانت محسومةً سلفاً ولم تستمر طويلاً وقد غادر أبو نضال بعدها المخيّم إثر وساطاتٍ من أعيان المخيّم.
أدّت هذه المعركة إلى سقوط 21 قتيلاً بينهم 6 من المدنيّين و30 جريحاً وأستسلمت القوّات التابعة للزعرورة وبلغ عدد الذي سلّموا انفسهم للقوّات المواليّة لعلاء 105 بينما فرّ 43 مقاتلاً والتجأوا إلى مدينة صيدا حيث قاموا بتسليم انفسهم إلى أفراد التنظيم الشعبي الناصري. بعد اسبوعين من التحقيق أفرج عن جميع المعتقلين وأعيد تشكيلهم وفرزهم إلى بقيّة القوّات العسكريّة بإعتبار انهم كانوا ينفذّون ألأوامر التي أصدرها قائد قوّاتهم ولا ذنب لهم. أحد عناصر الزعرورة هو جارٌ لي في مخيّم اليرموك (حارة المغاربة) وهو شابٌّ يافعٌ من آل مقّاري التجأ إلى منزلي أثناء الإشتباكات فأخفيته عندي بضعة أيامٍ ريثما خفّت حدّة التفتيشات والإعتقالات وعاد بعدها إلى سوريا.
—————————————————————-
طرقٌ على باب منزلي.
– مرحبا.
– أهلاً أبو حديد. خير؟
– والله أرسلني الشيخ أكرم لتفقّد خزانة الحائط عندك إذ يبدو ان نبيل غنيم قد ترك فيها عند تسليمه المنزل لك غرضاً يحتاجه الشيخ للضرورة.
– قد فتّشتها بنفسي ولم يكن فيها سوى زجاجة ويسكي نصف ملأى قمت بالقضاء عليها.
– لا أعرف. قال لي الشيخ انظر من جديد فلربما يكون غسّان قد سها عن رؤية “الغرض”.
– وما هو هذا “الغرض“؟
– غرضٌ خاصٌ لا يمكن البوح به.
– آها. سرٌّ عسكريّ إذن لا يعرفه سوى انت والشيخ.
– ههه هه. (متبسّماً بغباء).
– أدخل إذن. انما إذا وجدت غرضك لربّما تضطر للكشف عنه أمامي عند إخراجك إياه.
– هه هه ( ضحكةٌ بلهاء أخرى).
– فتحت له باب الخزانة وأضئت الضوء فيها. لا شيء. خرج قائلاً:
– هل أستطيع تفقّد حديقة المنزل؟ قد يكون تركه هناك.
– بالتأكيد. إتبعني.
جال بناظريه في الحديقة الصغيرة وبدا عليه خيبة الأمل. لا شيء هناك أيضاً.
– بلّغ الشيخ بأن غرضه ليس هنا.
– سأفعل ذلك.
زيارةٌ مريبةٌ بكلّ تأكيد لكن الوقت عصراً ولا أنوي الخروج من منزلي في هذا التوقيت. سأتقصّى الأمر غدا.
صباح اليوم التالي ذهبت كالمعتاد إلى مكتب الإدارة. كان في المكتب شقيقي ياسر ومحمّد السهلي ومعهما أبو ماجد يشربون الشاي ويدردشون.
– مرحبا. كيف الشباب؟
– أهلاً أبو روبين. الحمدلله .
– ما الجديد في “حال الأمّة“؟
– لا جديد. عدا عن سرقة مولّد الكهرباء الذي اشتراه أكرم منذ فترة.
– أها. كيف تمّت سرقته؟
– لا نعلم. لا يوجد أثار خلع لكن المحرّك المتروك على شرفة المقرّ مفقودٌ ولا أثر له.
– همم.
إستشطّت غضباً. شربت الشاي على عجلٍ ثم توجّهت إلى مكتب أكرم. لحسن الحظّ لم يكن مقفلاً هذه المرّة.
– مرحبا.
– أهلا.
– هل وصل بك الأمر إلى إتّهامي بالسرقة؟
– من قال انني اتهمتك بالسرقة؟
– قاله إرسالك لأبي حديد لتفتيش منزلي بحجّة أشدُّ غباءً منه.
– قلت لك لا أحد أتهمّك بالسرقة.
– بل فعلت. ولتعلم انني لست بسارقٍ حتى لو بلغ بي الفقر مبلغه بسبب شحّك الشديد واحتفاظك بكلّ الموازنة لنفسك.
– أحرص على كلامك.
– انا في غاية الحرص, لذلك أكتفيت بما قلت ولم أذهب أبعد من ذلك.
– حسناً.
– بقي شيءٌ آخر أود ان أذكّرك به. انا ضابطٌ وزميلٌ لك في نفس الدورة العسكريّة ولا يجوز لك بأي حالٍ من الأحوال ان ترسل هذا “الأبو حديد” إلى منزلي لتفتيشه وكان حريٌّ بك ان تأتي بنفسك إن كنت تشكّ بنزاهتي. كنت تستطيع إستخدام نفس الخدعة الساذجة التي ألقنتها لأبي حديدك لهذا الغرض.
أنهيت كلامي ثم غادرت مكتبه والمقرّ برمته ولم أعد إليه لمدّة أسبوعين, جرى خلال أحد أيامها تبادل قصيرٌ لإطلاق النار بين شقيقي ياسر وأبي حديد بعد ان علم ياسر بما قام به الأخير من تفتيشٍ لمنزلي ولكن لم يصبّ أحد منهما بآذى. بعد مرور هذين الإسبوعين دون إلتحاقي بعملي أرسل أكرم أبا حديدٍ إلى منزلي مرّة أخرى انما بحجةٍ مختلفة.
– ماذا تريد؟
– أرسلني الشيخ أكرم لأقول لك انه بحاجةٍ لإستعارة سيّارتك لأمر مهمٍ يتعلّق بالعمل.
– ما هو هذا الامر المهم.
– لا أعلمه. إذهب وقل له انني أيضاً بحاجةٍ إلى سيّارتي لأمرٍ أكثر أهميّةَ.
– أكّد عليّ ان ابلغك بالضرورة القصوى لهذا الأمر.
– إستخدموا سيّارته أو سيّارة التموين.
– لا نستطيع لان واحدةً منهما معطّلة والأخرى لا تكفي فنحن بحاجة لسيّارتين.
– إذهب من هنا. ولتلعمه ان سيّارتي ليست للإعارة. إذا كان الأمر بالغ الأهميّة كما يقول إذن يمكن إستعارة سيّارتي بشرط ان أقودها بنفسي.
– حسنا سأبلغه ذلك.
طبعا هناك العديد من السيّارات المتوفّرة منها شاحنة الدودج الأمريكيّة وسيّارات العديد من عناصر وصف ضبّاط القوّة. إنما هدف أكرم هو تجريدي من سيّارتي المسجّلة بإسمه كبقيّة أملاك القوّة البحريّة ثم إبتزازي بها وإرغامي على الإلتحاق بعملي.
——————————————————-
يتناقل كوادر حركة فتح نبأً مفاده ان الرائد مصعب العزّي الذي قدم مؤخّراً إلى الساحة اللبنانيّة يحمل قراراً شفويّاً بتسلّم قيادة القوّة البحريّة وان الأمر الإداريّ المكتوب سيلحق به خلال أسابيع. لا أعرف مصعب معرفةً شخصيّةً ولم يسبق لي ان التقيته لكنني سمعت انه من الكوادر المقرّبة من “مفاتيح” المناصب والتعيينات وهم ضبّاط المراتب العليا ذوي النفوذ والمقرّبين بدورهم من مكتب عرفات ومكاتب أعضاء “لجنة لبنان”.
مرّ أكثر من شهرٍ على اعتكافي الإحتجاجيّ لم أر خلالها وجه أكرم أو احدٍ من غلمانه إذ انه قام بإلغاء حصتي من التموين اليوميّ الأمر الذي أراحني من رؤية وجه رئيس الغلمان شبه اليوميّة. حين حان موعد صرف الرواتب ذهبت مباشرةً إلى مقرّ جهاز الماليّة المركزيّة واستلمت راتبي هناك من أحد الموظّفين.
في الإسبوع السادس زارني أكرم في منزلي فظننت انه قادمٌ للإعتذار وتسويّة الأمور لكنّ زيارته تكشّفت عن أمرٍ أخر.
– مرحبا.
– أهلاً تفضّل.
جلسنا على حافّة سريري إذ انني لا أملك أية أرائك.
– أتشرب القهوة أم الشاي.
– شكراً. لا شيء رجاءً فقد شربت الكثير من الشاي والقهوة اليوم.
– لا بأس.
– إسمع . زيارتي ستكون قصيرة فانا هنا لأقول لك جملةً واحدة.
– ما هي هذه الجملة؟
– انا مغادرٌ لبنان لكنّني أؤكّد لك انني سأعود. وسأعود إلى منصبي. فاحرص على لسانك وحاذر في ما تذكره عنّي أمام مصعب.
– أراك تهدّدني!
– لا أهدّدك انما إبلغك وقائع.
– الوقائع لا تكون وقائعاً إلّا بعد ان تقع.
– ها انا قد أبلغتك.
– انا أيضاً لن أعلّق على تهديدك بسوى جملةٍ واحدة: سأقول وأفعل ما شئتُ وحينما أشاء.
خرج دون تحيّة. إذن ها ان مصعب قد أصبح قائداً للبحرية. غداً صباحاً ألتحق بعملي ولنر هذا القائد الجديد.
أصلعٌ في الخمسينات من عمره وإحدى عينيه زجاجيّةً بسبب فقدانه للأصلية إثر حادث سيرٍ وقع له في بلغاريا منذ سنوات. يقيم في شقّة إشتراها في المجمّع السكني الواقع على مقربةٍ من مجمّع “سكن الضبّاط” التابع للجيش اللبناني ولقد أصبح هذا المجمّع الضخم الذي يقيم مصعب العزّي في أحد شققه مصعب ملاذاً لأغلب الضبّاط المتموّلين ذوي النفوذ في حركة فتح لسببين رئيسيّين أولهما بعده عن مخيّميّ الميّة وميّة وعين الحلوة بما يكفي ليحميهم من كلٍّ الغارات الجويّة الإسرائيليّة والإغتيالات والإحتراب شبه الدائم بين أنصار بعضهم البعض داخل المخيّم وثانيهما انه قريبٌ بما يكفي من المخيّمين ليفرّوا إلى أحدهما لغرض الإحتماء في حال حدوث تطورٍ عسكريّ مفاجئ يطال المدينة نفسها.
صافحته وعرّفته بنفسي ورتبتي ووظيفتي وأبلغته انني جاهزٌ للتعاون معه والعمل تحت أمرته بعد ان كنت معتكفاً عن العمل لبضعة أسابيع. تبادلنا الحديث لساعةٍ ونصف أبلغته فيها عن كثيرٍ من الأسئلة التي كانت تدور في ذهنه حول طبيعة العمل الجديد إذ كان أكرم قد رفض تسليمه أيّ شيءٍ من ممتلكات البحريّة أو المستندات الخاصّة بها. وذكر مصعب أمامي انه عرض على أكرم البقاء في القوّة البحريّة بصفته نائباً له لكن الأخير رفض عرضه وفضّل ترك العمل في القوّة والسفر إلى ليبيا وتونس للقاء المتنفذين هناك.
إنصبّ إهتمام مصعب في الأسبوعين الأوّلين على محاولة حصر ممتلكات القوّة البحريّة التي بقي أغلبها بحوزة أكرم وقد ذكّرتها له بالتفصيل وأبلغته ان كل هذه الممتلكات مسجّلةً بإسمه الشخصيّ حتى ان هذه الشقّة التي نحن جالسين فيها الان وهي مقرّ قيادة القوّة البحريّة هي عمليّاً وقانونيّاً لا تزال ملكاً شخصيّاً لأكرم الذي غادر إلى ليبيا مصطحباً معه خمسةً من غلمانه المقرّبين خوفاً من تسرّب أخبار “ّنشاطاته السريّة” معهم. الشيء الوحيد الذي استطاع مصعب الحصول عليه من ممتلكات أكرم هو سيّارته الشخصيّة حتى انه أرسل سائقه ( من سكان مخيّم البرج الشمالي) إلى زوجة أكرم طالباً تسليمه مولّد الكهرباء الموجود على شرفتها لكنها رفضت تسليمه إياه (وهو غير المولّد المسروق من المكتب).
ينتمي مصعب إلى نفس “الأورطة” والجيل من الضبّاط المتموّلين التي ينتمي إليها صلاح جديد ويونس عوّاد وأبو فادي مهاجر وهو مثلهم (عدا مهاجر) قد ترك زوجته وعائلته في مكان ما خارج لبنان ليتفرّغ كما تفرّغ أصدقاؤه “للنضال“. الفارق الوحيد بين مصعب وأكرم هو ان أكرم يقضي جلّ وقته في الصلاة والصوم وإرغام فدائيّيه على ممارسة اللواط معه, بينما يقضي مصعب العزّي أغلب وقته في معاقرة الخمور ومعاشرة ما يطاله من نساء حتى ان اوّل ما قام به من الأعمال بعد تسلّم منصبه الجديد هو إرسال سائقه إلى سوق صيدا المركزيّ في الحسبة لشراء “شوال” فستق حلبي أخضر غير محمّص لزوم المازّة, ونقل عمل الأرملة أوصاف من مطبخ مقرّ قيادة القوّة إلى الشقّة التي يقيم فيها. ولقد حرم الله هذه الأرملة من الجمال ولكن قد يكون فيها مزايا أخرى أجهلها. ولقد علمت لاحقاً انها كانت بمثابة صنّارة يستدرّ بها نساءً أخريات بينهم شقيقتها الشابّة.
لم يقم مصعب بأيّ عمل يذكر إذ ان لا مهاماً حقيقيّة يمكن للقوّة البحريّة في لبنان تنفيذها فعدا بعض محاولات التسلّل إلى مخيّم الرشيديّة أبّان حرب المخيّمات لم يكن للقوّة أيّ نشاطٍ حقيقيّ يذكر (عدا نشاط أكرم السرّي). ان منصب “قائد القوّة البحريّة” الذي تولّاه أكرم ثم خلفه فيه مصعب القادم من خارج القوّة البحريّة هو عبارةً عن عنوانٍ لإستدرار المال والجاه والسلطة وهذه حال الكثير من الألقاب والمناصب في م.ت.ف.
قد يكون العمل البحري الوحيد الذي قام به مصعب العزّي هو زيارته لمخيّم الرشيديّة واجتماعة مع غسان ذيب ثم التوجه وإياه إلى شاطئ المخيّم حيث راح مصعب يمارس سلطته و“قنزحته” أمام الناس عبر الشرح لغسّان عن عملٍ “نضاليٍّ” يحضّر لتكليفه به وأخذ أثناء حديثه يكثر من إستخدام يديه للإشارة إلى نقاطٍ ما في عمق البحر بما أوحي للعامّة انه بصدد تنفيذ عمليّة بحريّة إنطلاقاً من حيّهم السكني مما حدا بعشرات النساء من سكان الحيّ القريب من الشاطئ بمهاجمته “بالصرامي” وطرده من المنطقة إذ ان آخر ما يريده الناس في المخيّمات هو “قائداً” آخر يناضل منطلقاً من بين منازلهم ثم يعود إلى مكان سكنه الآمن لتأتي بعدها الطائرات الإسرائيليّة لتغير على مكان انطلاق “العمليّة” فتهدم منازلهم وتقتل أطفالهم. لقد تعلّم أهالي المخيّمات الدرس جيداً وقد كلّفهم تعلّمه عشرات الآلاف من القتلى وعشرات السنوات من الهدم والتشريد.
———————————————————-
بينما كان مجلس الأمن الدولي في 29 تشرين الثاني 1990 يصدر قراره رقم 678 بأغلبيّة 12 صوتاً مقابل صوتين وامتناع الصين, والذي يجيز إستعمال القوّة لإرغام القوّات العراقية على الإنسحاب من الكويت ما لم تنسحب هذه القوّات من تلقاء نفسها وقبل 15 كانون الثاني 1991 كنت انا أعدّ العدّة للسفر إلى اليمن والإلتحاق بمعسكر البحريّة الفلسطينيّة الرئيس في مدينة الحديدة, وإطلاع القيادة والزملاء الضبّاط على حقيقة الظروف المحيطة بالعمل في الساحة اللبنانيّة والفساد الماليّ والأخلاقي للقادة الذين تولّوا قيادتها في السنوات الخمسة الأخيرة. رغم يقيني ان المعلومات التي سأقدّمها لن تقدّم أو تؤخّر في الأمر شيئاً بإعتبار ان هذه المعلومات نفسها سبق ان قدّمت لقيادة الساحة اللبنانيّة التي لم تحرّك ساكناً. كما لو كان إستغلال السلطات للإيقاع بالفتيان وجرّهم إلى ممارسة الشذوذ أمراً طبيعيّاً وان الفساد الماليّ وشراء العقارات والممتلكات لحساب قائد القوّة البحريّة شخصيّاً هو من صلب العمل الفدائي والنضالي في م.ت.ف. إلّا ان قراري هذا كان فعل تمرّدٍ لا بدّ منه على الواقع الموبوء وكان القرف والإشمئزاز من هذا الواقع قد بلغ منيّ مبلغاً جعلني أعقد العزم على ترك العمل في حركة فتح نهائيّاً إذا لم يتم التعاطي مع كل هذه القذارات بما تستحقّه, والسفر إلى أية بلد في العالم أتمكّن من الدخول إليه حتى لو كان يقع في مجاهل إفريقيّا على ان تكون الأولويّة لأيّ بلدٍ في أوروبا الغربيّة.
كان بحوزتي أمرٌ إداريٌّ يقضي بصرف مبلغ 500 دولار من الماليّة المركزيّة وموقّع من علاء الأفندي وذلك تعويضاً عن سيّارتي الخاصّة التي كان محرّكها قد تعطّل نهائيّاً أثناء إستخدامها من قبل القوّة البحريّة في عمليّة نقل التموين اليومي وتوزيعه. إذ أكرم قد طلب إستعارتها لمدة ساعتين يوميّا لهذا الغرض على ان تتكفّل حركة فتح بأيّة مصاريف تتأتّي عن استخدامها وكان هذا قبل منحي السيارة الحركيّة (المسجّلة بإسم أكرم). كان تلك السّيارة تساوي حوالي 1000 دولار ولكنني استطعت بيعها كخردة بمبلغ 500 دولار ودفعت الحركة باقي ثمنها. بعد إستلامي للأمر الإداريّ الموقّع من علاء الأفندي بصرف المبلغ, فوجئت بمسؤول الماليّة المركزيّة “منذر الأسدي” الذي تولّى هذا المنصب بعد مغادرة المسؤول السابق أحمد المدهون للساحة اللبنانيّة, يبلغني حين قدّمت إليه أمر الصرف بأن صندوق الماليّة فارغٌ بالكامل وبالتالي لا يمكن تطبيق أمر الصرف حاليّاً بسبب ضائقة ماليّة تمرّ بها حركة فتح وانعكست هذه الضائقة على القيادة في لبنان.
عند العصر زارني شابٌ سوريّ الجنسيّة يعمل في البحريّة إضافة إلى عمله على سيّارة نقل ركّاب وهو صفّ ضابط برتبة مساعد يدعى أحمد المصري وكنت اتفقت وإياه على السفر سويّاً على ان نقوم بسحب زوجتينا وأطفالنا بعد وصولنا إلى أوروبا كوننا لا نملك من المال حاليّاً ما يكفي لسفر العائلتين. أحمد هذا سمسارٌ بالفطرة وخبيرٌ في عمليّات البيع والشراء لجميع السلع إبتداءً من السيّارات وانتهاءً بالذمم وقد يكون اكتسب هذه الخبرة من خلال عمله لصالح هوّاري لسنواتٍ عديدة قبل انضمامه للقوّة البحريّة.
خطتنا أحمد وانا تقضي بشراء وثيقتي سفرٍ مزوّرتين واستخدامهما لمغادرة لبنان انطلاقاً من مرفأ صيدا الذي تزوره من فترةٍ إلى أخرى سفينة ركّابٍ قبرصيّة تعمل على خط صيدا – ليماسول, ثم شراء تذكرتي طائرة للسفر من مطار ليماسول إلى مطار صنعاء اليمني ومنه الانتقال برّاً إلى مدينة الحديدة على البحر الأحمر حيث معسكر القوّة البحريّة مبدأيّا. تنبع أهميّة وثيقتيّ السفر المزوّرتين من كثرة دوريّات الزوارق الإسرائيليّة في عرض البحر وتمشيطها المستمرّ للمنطقة الواقعة بين الساحلين اللبناني والقبرصي واعتيادهم إعتراض السفن المدنيّة وتفتيشها بحثاً عن كوادر م.ت.ف المتسلّلين في الإتجاهين. كذلك هناك حاجةٍ إلى اختيار وثائق مزوّرة تابعةٍ لبلدان أخرى غير لبنان وسوريا تسهّل إلى حدٍّ ما عمليّة الإنتقال من اليمن إلى إحدىالدول الأوروبيّة.
– ماذا حصل معك, هل استلمت المبلغ.
– لا للأسف. أبلغني منذر بعدم وجود أيّ مبلغ في خزنة الماليّة.
– كاذبٌ كالبقيّة. حتى انه أكذب من المدهون الذي سبقه.
– أعلم ذلك انما لا أملك إلّا الإنتظار .
– انا أعرف سائقه وقد سبق ان قدّم لي خدمةً مقابل مبلغٍ ماليّ. ربما بإمكانه المساعدة.
– حسناً. إذهب إليه ثم عدّ وأخبرني.
– سأفعل ذلك غدا صباحاً ثم أعود لزيارتك بعد لقائه مباشرةً.
– حسنا. إتفقنا. أراك غدا.
سرعان ما حضر الغد وزارني أحمد من جديدٍ ومعه في المقعد الامامي لسيّارته مرافق منذر الأسدي. لم يغادرا السيّارة التي ركنها أحمد بجانب منزلي بل ذهبت انا وجلست في المقعد الخلفي وتفاوضت مع هذا الشخص الذي سبق لي رؤيته دون ان أحصّل شرف التعرّف عليه. كانت المفاوضات بسيطة وعرضه الذي لا يمكنني ان أرفضه يتلخّص بأخذي للتوّ إلى مكتب الأسدي حيث انتظر انا خارجه ويدخل هو إلى المكتب ليحدّث منذر ثم يعود ويدعوني إلى الدخول وإستلام المبلغ على ان اناوله 50 دولاراً أثناء خروجي فوافقت. بعد ربع ساعة كنت أدلف من جديدٍ إلى مكتب منذر الأسدي انما هذه المرّة لإستلام مستحقاتي ولا ذكر البتّة للعجز الماليّ ولا للخزنة الفارغة. لحظة خروجي من مكتب منذر إلى غرفة الإستقبال قفز سائقه نحوي مادّاً يده فقلت له: لا يوجد لديّ صرافة. سأزورك لاحقاً لدفع المبلغ المتّفق عليه, فبدا عليه الإمتعاض. لم يدع لي فرصةً لزيّارته إذ انه قام بزيارتي في منزلي عصراً وابلغته عندما طرق بابي بانني لا أنوي حقّاً ان أدفع له أو لسواه, وأسمعته ما يستحقّه برأيي ويستحقّه معه “معلّمه” اللص, الذي بقي مديراً للماليّة ومقرّباً من قائد الساحة سلطان أبو العينين لأكثر من 15 عاماً ربما بسبب “نزاهته” بالتحديد.
دخلنا أحمد وانا إلى مكتب حسن نوفل المعروف بحسن الحكيم, الواقع على الرصيف الأيمن لمدخل مخيّم عين الحلوة مقابل المستشىفى الحكومي تماماً. تحدثنا بضع دقائق وشرحنا له غرضنا فقال ان غرضنا موجودٌ ويكلّف 350 دولاراً أمريكيّاً للقطعة الوأحدة فحاولنا مفاوضته بخصوص السعر إلّا انه أصرّ لان هذا المبلغ هو تقريباً سعر التلكفة ولن يربح منه سوى “حفنةٍ صغيرةٍ من الدولارات“, مما أضطرنا للقبول بالسعر الذي طلبه. إذ ان “الحكيم” هو المرجع الرئيس لكافة عمليّات تزوير الوثائق التي تتمّ في لبنان وقد طبقت شهرته الآفاق بسبب دقّة وجودة “منتجاته“ّ حتى زعم البعض (على سبيل المزاح) ان بطاقات الهويّة وجوازات السفر التي يصدرها من مكتبه وتشمل جنسيّاتٍ مختلفة هي أجود من تلك التي تصدرها المديريّات المعنيّة في تلك البلدان نفسها. ناولناه المبلغ وصورةً شمسيّةً لكلّ منّا مكتوبٌ عليها الإسم المطلوب فغادر مكتبه إلى غرفةٍ خلفيّةٍ تقع في المنزل الملاصق لمكتبه من الجهة الغربيّة ثم عاد بعد نصف ساعة وبيده جوازا سفرٍ تونسيّان ناولنا إياهما فتصفحناهما على عجلٍ. على جواز سفر سطّر إسمي الحقيقيّ مع بعض التعديل إذ أصبح غسّان بن روبين أبو العلا بدلاً من غسّان روبين أبو العلا وهي الطريق التونسيّة في لفظة وكتابة الأسماء, أما مكان ولادتي فأصبح “صفاقس” المدينة التونسيّة على ساحل خليج قابس المتوسطيّ.
بعد خروجنا من مكتب الحكيم توجّهنا مباشرةً إلى أحد مكاتب السفريّات القليلة في مدينة صيدا والواقع في الطابق الثاني من أحد مباني حيّ الستّ نفيسة الملاصق لقلب المدينة وهناك اتفقنا مع مدير وصاحب المكتب على موعدٍ سفرنا البحريّ الموعود إلى قبرص على ظهر سفينة الركاب الوحيدة التي تعمل في مرفأ صيدا بشكلٍ متقطّعٍ غير دوريّ. ناولناه 150 دولاراً مقابل هذه الخدمة الشفاهيّة إذ لم نستلم منه تذكرتي سفر أو أية مستنداتٍ أخرى أو حتى وصل إستلامٍ بالمبلغ الذي قبضه منّا. في لبنان الثمانينات لا يحتاج المرء إلى ضماناتٍ قانونيّة لحقوقه إذ ان الجميع يعلم ان الجميع قادرون على استرجاع حقوقهم دونها أو انهم على الأقل قادرون على تدفيع السالب ثمناً باهظاً ولا يكلّف الأمر أكثر من طلقة غضبٍ واحدةٍ أو عبوّة ناسفةٍ تتعدّد أحجامها وأنواعها حسب ضخامة المبلغ المسلوب. مما يعني انها قد تذهب بسيّارته وحدها أو بسيّارته ومحلّه أو بسيّارته ومحلّه وشخصه الكريم وربما تأخذ معها آل بيته في الحالات القصوى.
عند اقتراب موعد السفر بادرت إلى بيع أثاث منزلي القليل بعد ان كانت زوجتي ومعها شقيقتي قد أعدّتا للأمر عبر إبلاغ جاراتهن وصديقاتهن بموعد البيع لذا لم يستغرق الأمر أكثر من نصف ساعةٍ اصبح منزلي بعدها شبه خالٍ. بلغ الحجم الماليّ لكافة أصولي وممتلكاتي حوالي ال700 دولار وأضفت إليها مبلغ 500 دولار استلفته من عمّي الذي يعمل في الخليج ويقيم في مدينة صيدا وهو الأخ نصف الشقيق لوالدي. بعد انتهاء عمليّة البيع اصطحبت زوجتي وطفلي إلى منزل شقيقتي داخل المخيّم حيث بتنا ليلتنا ثم ودّعت الجميع صباح اليوم التالي وتوجّهت مع أحمد إلى مرفأ صيدا الصغير على ان تقوم زوجتي خلال يومين بالإنتقال مع طفلنا إلى منزل أهلها في بلدة “شقرا” الجنوبيّة للإقامة هناك ريثما أرتّب أموري وأرسل في طلبها.
تمام العاشرة صباحاً كنّا واقفين حسب الإتفاق على رصيف مرفأ المدينة أمام مكتب الجمارك الحكوميّ ولكن لدهشتنا لم نجد هناك أية سفينة. بدلاً من السفينة كان هناك مركبٍ صغيرٍ لا يتجاوز طوله بضعة أمتار وعلى ظهره حجرةٌ وأحدةٌ للقيادة وبضعة مقاعدة خشبيّة مثبتّةٌ بأرضيّة المركب, تشبه المقاعد التي تجدها في الحدائق العامّة. كان هناك ستّة مسافرين آخرين بدت على وجوههم نفس الخيبة البادية على وجهينا ونمّت حقائب سفرهم “ّالظهريّة” صغيرة الحجم, كما حقيبتينا, عن حقيقة كونهم كما نحن, على عجلةٍ من أمرهم وانهم واقعين تحت ضغطٍ ما جعل من مغادرتهم للمدينة أمراً ملحّاً. هذه الضرورة الملحّة تجلّت بعد ربع ساعة حين وقف بيننا أحد رجال الأمن العام اللبناني, الذي تبيّن انه المشرف على عمليّات تهريب الركّاب من وإلى المدينة كعملٍ إضافيٍّ يقوم به أثناء عمله (نظريّاً) لصالح الدولة. انه المساعد أوّل “أبو علي نحلة” المعروف جيداً بالنسبة لي لكونه يمتّ لي بصلة قرابةٍ ضعيفةٍ رغم كونه لبنانيٌّ شيع.يّ وهذه القرابة هي من ناحية والدته وجدتي لوالدي اللتين كانتا إبنتي خالة, كما ان شقيقته “فاطمة نحلة” كانت ذات مرّة زوجةً لأبي قبل ان يطلّقها بعد بضعة شهور من زواجهما. تفاجأ أبو علي بوجودي كما تفاجئت انا بوجوده فتصافحنا وتبادلنا الأسئلة القصيرة المعتادة عن الأحوال.
– يؤسفني ان أبلغكم ان سفينة الركاب الموعودة لم تحضر .
– كيف ولما لم تحضر؟ أوليست تعمل على خطّ بحريٍّ رسميٍّ ومعلن؟
– الأمور خارجة عن إرادتي. فقد أبلغت بالهاتف بأن السفينة لم تقلع من مرفأ ليماسول لأسبابٍ لم يتمّ الإفصاح عنها من قبل الشركة المالكة لها.
– وما العمل الان؟
– انتم أمام خيارين, إمّا ان تستردّوا المبالغ الماليّة التي دفعتموها ثمناً لرحلتكم أو ان تصعدوا إلى هذا المركب الراسي أمامكم على الرصيف لينقلكم إلى مرفأ ليماسول.
– ولكنه يبدو صغيراً, هل حقّا يمكن لهذا القارب الإبحار كلّ هذه المسافة؟
– انه مركبٌ مجرّبٌ يقوده بحّاران ذوو خبرة وهما يقومان بمثل هذه الرحلة بشكلٍ شبه إسبوعي.
– وماذا عن السفينة. متى تعود إلى العمل على خطّ سيرها المعتاد.
– لقد أوقف العمل على خطّ سيرها نهائيّاً. أبقوا فقط على خطيّ مرفأي بيروت وجونية فمن يستطيع منكم الوصول إلى إيّ منهما يمكنه السفر عبرهما.
أحمد وأنا لا نستطيع ذلك خوفاً من المخابرات السوريّة التي تغلق كلّ المنافذ وتتمركزّ بالتحديد في مرفأ بيروت ومطارها إنْ بالتواجد المباشر أو عبر مندوبيها في الميليشيات الحليفة لها. الركاب الخمسة الأخرون لبنانيّو الجنسيّة لكن لا بدّ ان هناك ما يخيفهم أيضاً ويدفعهم إلى السفر عبر مرفأ صيدا فقط. بعد تفكيرٍ وتردّد استغرقا بضعة دقائق, اختار أحمد عدم الصعود إلى المركب أما انا والركاب اللبنانيّون الخمسة فقد قررنا المجازفة بالسفر عبر زورق الصيد هذا. بين هؤلاء الركاب الخمسة كان هناك عروسان في مقتبل العمر هما من طائفتين مختلفتين وقد عقدا قرانهما دون موافقة ذويهما وعائلتيهما وقرّرا الهرب إلى قبرص, لكن الثلاثة الآخرين, وهم أيضاً في ريعان الشباب فلم يتحدّثا عن سبب عدم قدرتهم على السفر بالطرق الشرعيّة الأخرى. أما انا فقد حرقت مراكبي حين تركت منزلي وبعت أثاثه ولم يكن أمامي من خيارٍ سوى البحر وان على متن زورقٍ صغيرٍ متهالكٍ لا أعلم ما إذا كان ملّاحاه قادرين على الوصول به إلى شاطيء الجزيرة فعلاً أم لا.
وضع أبو علي نحله أختام “المغادرة” على جوازات السفر اللبنانيّة ثم استدعاني جانباً ليهمس في إذني قائلاً: خذ جواز سفرك إلى مكتب الحكيم في عين الحلوة وأطلب منه ان يضع لك ختم المغادرة على جواز سفرك حتى لا أتورط انا في هذا الأمر. سأطلب من ملّاح المركب ان ينتظرك ريثما تعود. استغرق ذهابي إلى المخيّم لختم جواز سفري عند الحكيم وعودتي إلى المرفأ ساعةً وأحدة صعدت بعدها إلى المركب لأنضم إلى الركاب الآخرين الجالسين على المقاعد الخشبيّة. الطقس المعتدل والبحر الهادئ أضفيا علينا هدوءاً واطمئناناً وانسيانا لبعض الوقت مخاطر الإبحار, وحين غادرنا المرفأ واتجه بنا القارب نحو أعماق البحر الأبيض المتوسط متهادياً أوّل الأمر غمرني صفاءٌ ذهنيٌّ وخفتت حدّة توتّري ولم أعد آبه لما سيأتي حتى لو تمّ اعتراضنا من قبل الزوارق الإسرائيليّة, ورحت أتأمل المياه الزرقاء التي نشقّ عبابها بتؤدة ورويّة فأزدادُ انتشاءً بمشهدها موجةً تلو موجة.
إسترخى الركاب جميعاً تحت تأثير الأزرق الصافي وراحوا يستمتعون بالرحلة البحريّة كما لو كانوا يقومون بنزهة, فيما أخذ الملّاحان وأحدهما يسمّي نفسه “كوستا” يتغامزان ويتهامسان ضاحكين ويسألان الركّاب بين الفينة والأخرى عمّا إذا كانوا يستمتعون بالرحلة ثم يغرقون بالضحك عندما يجب أحدهم بالقول نعم انها رحلة ممتعة. كنت انا الوحيد بين الركّاب الذي أعلم السرّ وراء قهقهات الملّاحين الشابّين والتي مبعثها علمهما بمرحلة دوار البحر والغثيان والقيء الذين سيصيبون الركاب عمّا قليل بسبب تغيّر أحوال الموج وصغر حجم القارب وترنّحه على إيقاع الموجات التي ستتقاذفه في عرض البحر إذ لم يسبق لأحدهم ان ركب البحر من قبل.
ليس في المركب إسطرلاباً أو عدّاد سرعة أو بوصلةً أو أيٍّ من وسائل الملاحة المعاصرة وكل ما يعتمد عليه هذا المركب في سفره هو جهاز اتصالٍ لاسلكي والخبرة الشخصيّة التي اكتسبها الملّاحان خلال عملهما الطويل (على ما يبدو) في التهريب. بعد ساعتين من الإبحار الهادئ ابتدأ الطقس بالتحول والإتجاه نحو الرداءة وتغيّر حجم الموج الهادئ وأصبح جدراناً صاخبةً تتقاذف المركب من ذروةٍ إلى ذورة وحلّت الريح الشديدة ورذاذ المطر المالح مكان خيوط الذهبيّة لأشعة الشمس. وهبطت درجة الحرارة بشكلٍ ملحوظ وانتاب الجميع (عدا الملّاحان وانا) حالةً من الغثيان الشديد وترك الجميع مقاعدهم الخشبيّة وارتموا على الأرض الخشبيّة لغرفة الملاحة الصغيرة ووجوهم داخل الأكياس البلاستيكيّة التي وزّعها عليهم كوستا وهو يضحك بخبث, ليملأوها قيئاً ثم يرمونها في البحر ويتناولون منه المزيد من الأكياس. عدا غرفة الملاحة الصغيرة والمرحاض الملاصق لها من الجهة الخلفيّة, يوجد في المركب خزّان يحتلّ كامل المساحة تحت أرضية المركب العليّا وهو معدٌّ لتخزين البضائع المهرّبة أو لوضع شباك وحصيلة رحلات الصيد في حال تم استخدام المركب في الوظيفة التي صنع لأجلها. لا توحي الرائحة في القاع الخشبيّ بأن هذا المركب قد سبق ان استخدم في رحلات صيد السمك ولا بدّ ان عمله يقتصر على تهريب البضائع من وإلى لبنان, وكون الملّاحين من الطائفة الشيعيّة كما تشي لهجتاهما فعلى الأرجح ان البضاعة الرئيسة التي يقومون بتهريبها هي الحشيشة التي يعتاش منها الكثير من أهل الطائفة من مزارعي سهل البقاع اللبناني.
مع حلول المساء جهزت فراشي في الخزّان الخشبيّ الذي نزلت إليه عبر السلالم المعدنيّة المثبّتة عند فوّهته واخترت بطّانيتين من البطانيّات التي قام الملّاحان بتجهيزها لهذا الغرض ووضعت إحداهما على الأرضية الخشبيّة واستلقيت فوقها وتلفّحت بالأخرى مستخدماً حقيبتي الصغيرة كمخدّة. رغم انني لم أتقيّأ إلا ان صخب الموج المتلاعب بالمركب قد أصابني بعد مرور الوقت بشيءٍ من الغثيان كافٍ لجعلي غير قادرٍ على النوم العميق فاكتفيت بالسهو المتواتر الذي يتخلّله كثيرٌ من الصحو المرهق. حضر ركّابٌ آخرون للنوم ولكنهم بقوا جميعاً أرقين ودأبوا على التنقّل بين قاع المركب وحجرة القيادة مصطحبين في الحالتين أكياسهم البلاستيكيّة.
استغرقت رحلتنا البحريّة 14 ساعةً لاح لنا بعدها البرّ القبرصيّ فعمّ التفاؤل بين الركّاب وهنّأوا انفسهم بالنجاة وأطلقت بشائر الفرح ألسنتهم وراحوا يتبادلون الأحاديث ويشربون أكواب الشاي التي أعدّها كوستا بشغفٍ انساهم غثيانهم. إصطفّ مركبنا على رصيف مرفأ ليماسول الذي يعجّ بعشرات من سفن النقل العملاقة التي تقوم بتحميل أو تفريغ بضائعها من وإلى رصيف الميناء الشاسع. عقد كوستا حبال ربط المركب على قائمتيّن حديديّتين مزروعتين في الإسمنت المسلّح للرصيف ومدّ الجسر الخشبيّ الصغير الموصل بين المركب والرصيف ونزّلنا جميعا ومعنا كوستا الذي اتّجه بنا نحو مبنى الجمارك على الجهة المقابلة من المرفأ حيث استقبلنا رجلا أمن صارمان وأبلغانا بعد تمعّنٍ قصيرٍ بجوازات سفرنا, أمر منعنا من مغادرة المرفأ والدخول إلى الجزيرة وأمرانا بالعودة من حيث أتينا متذرّعين بأن المركب الذي حملنا لا يمتلك أية شرعيّة أو رخصة قانونيّة لنقل الركّاب من وإلى الجزيرة.
غمرتنا مشاعر الخيبة وعدم التصديق وبدأنا بلوم الملّاحيّن الذين قالا بانهما غير مسؤولين عن هذا الأمر إذ ان من قام بإستئجار مركبهما لنقلنا هو ضابط الجمارك اللبناني أبو علي نحلة وانهما لم يعلما بانهم ممنوعون من نقل الركّاب على متن مركبهم. كان كلٌّ منّا قد دفع مبلغ 400 دولار للوسيط الذي قادنا إلى أبي علي نحلة لم يتلق منها ملّاحا المركب سوى جزءٍ ضئيلٍ وذهب نحلة بأغلبها. اتفقنا جميعاً على رفض الأمر بالمغادرة والإعتصام داخل المرفأ حتى يتمّ إدخالنا للجزيرة وأبلغت انا (الوحيد الذي يتكلّم الانجليزيّة) موقفنا هذا لأفراد الشرطة القبرصيّة شارحاً اننا جميعاً لا نريد سوى العبور إلى المطار لمتابعة رحلتنا وليس بيننا من يريد ان يبقى في قبرص. أصرّ رجال الشرطة على موقفهم وأصرّينا نحن على موقفنا وكانوا هم طبعا أقدر منّا على فرض موقفهم فمنعونا من تجاوز المبنى الجمركي وأرسلوا رجلي شرطة ليتناوبا على مراقبتنا ويجلسا معنا على سطح مركبنا على مدار الساعة. ساهمت حرب الخليج الجديدة التي شنّتها الدول الغربيّة في تعقيد الموقف وتصلّب الأمن القبرصي في موقفه الرافض لدخولنا خصوصاً ان قدومنا على متن مركب تهريب قد أثار شكوكهم حول الدوافع الحقيقيّة لسفرنا وإمكانيّة انتمائنا لأحد التنظيمات المتطرّفة التي تسعى لضرب المصالح الغربيّة في قبرص انتقاماً للعراق. كانت مهمّة الضابطين الذين تناوبا على مراقبتنا هي مصادقتنا والتقرّب منّا وإستدراجنا للحديث في الأمور السياسيّة وحرب الخليج القادمة وأبدَ كلاهما كرههما الشديد للقوى الدوليّة التي تهيمن على منطقة الشرق الأوسط وخصّا بالذكر القاعدة الجويّة البريطانيّة على المقامة على أراضي الجزيرة القبرصيّة. لم ينتبه الركاب اليافعين إلى ان ضابطيّ الشرطة إنما يقومان بإستدراجهم والتحقيق معهم بشكلٍ غير مباشر وراحوا جميعاً يتمادون, وبلغةٍ انجليزيّة رديئة مدعومة بتعابير جسديّة, في الكشف عن ميولهم السياسيّة والتعاطف مع موقف الضابطين السلبي من القاعدة البريطانيّة في بلدهما ممّا اضطرني للتدخّل لتنبيههم ولفت انظارهم على مسمعٍ من أحد الضابطين مستخدماً تعابيراً محايدة بسبب ظنيّ شبه اليقيني بانهما يتقنان اللغة العربيّة وإنْ كانا يتظاهران بعدم معرفتهما بها.
بقينا على رصيف ميناء ليماسول أياماً أربعة, اتصلت خلالها هاتفيّاً بمكتب ممثل م.ت.ف في قبرص الذي لم يبد اهتماماً بالموضوع رغم تعريفي عن نفسي وإبلاغه بانني أحد ضبّاط حركة فتح وفي طريقي للإلتحاق بالقوّة البحريّة الفلسطينيّة في اليمن. في هذه الأثناء نمت “الصداقة” بين ركّاب المركب والشرطيّين الذين اكتسبا ثقتهم وتأكد الأمن القبرصيّ من عدم انتمائنا لأية تنظيمات متطرفة واننا لم نتعرّف إلى بعضنا البعض إلّا بعد اعتلائنا لسطح المركب الذي نسافر على متنه.
راح المبلغ الماليّ الضئيل الذي أحمله يتناقص بشكلٍ سريعٍ بسبب الوجبات الثلاثة التي سُمح لكوستا بإحضارها لنا من خارج الميناء والتي يبالغ في احتساب أسعارها بعد ان جعل منها مصدر دخلٍ له. ولقد كنت انا اشدّ الرافضين للعودة من حيث أتينا إذ انني الوحيد الذي لا أملك مكاناً للعودة إضافةً إلى ارتفاع احتمال توقيف مركبنا العائد إلى لبنان من قبل البحريّة الإسرائيليّة عند خروجنا منه إذ يحرص الإسرائيليّون على توقيف الكوادر الفلسطينيّين القادمين إلى لبنان أكثر من حرصهم على توقيف المغادرين.
صباح اليوم الثالث أرسلت إحدىالصحف القبرصيّة مندوبةً لها ومعها مصوّرٌ صحفيّ قاما بإجراء مقابلةٍ معي ركّزت فيها على النواحي الانسانيّة ودرجة تصاعد الأخطار التي دفعتنا لمغادرة لبنان وأكّدت فيها على مطلبنا الوحيد وهو إيصالنا مباشرةً إلى المطار لمتابعة سفرنا.
ظهر اليوم الرابع حضر إلى الميناء ضابط الأمن العام اللبناني أبو علي نحلة قادماً عبر المطار والتقى بنا وأكّد علينا بان لا سبيل أمامنا إلّا العودة إلى لبنان مشدّداً على عدم مسؤوليّته عن المأزق الذي نحن فيه ورادّاً الأمر برمّته إلى شكّ السلطات الأمنيّة بدوافع سفرنا. نافيّاً ان يكون عدم امتلاك المركب لرخصة تسمح له بنقل الركاب هو الذي عطّل دخولنا رغم تكرار رجال الجمارك القبرصيّة لهذه العقبة كسببٍ وحيد لمنعنا من الدخول. من سوء حظّ نحلة ان غضبي الذي فجّره مأزقي المحكم قد فاقمته بضعة علبٍ من البيرة مما جعلني أردّ على كذبه بالشتائم والسباب التي طالته وطالت معه عائلته وطائفته وحكومته دون تمييز. بعد مغادرة أبو علي نحلة مصحوباً بشتائمي عدتُ إلى ما كنت فيه من تحريضٍ للركاب المرافقين الذين وافقوا على خطّتي بتسيير مظاهرة صغيرة تتكوّن منّا السبعة وقمت بتحفيظهم شعار المظاهرة الوحيد “We want Freedom” الذي بدأنا نصرخ به بأعلى أصواتنا متجّهين نحو مبنى الجمارك الذي خرج منه بضعةً من رجال الشرطة المسلّحين بالهرّاوات والمتحصّنين بالخوذات والتروس البلاستيكيّة الصلبة وبدأوا بضربنا ممّا ذكرني بقولة أحد ضبّاط الجمارك يوم وصولنا حين طلبت منه إحضار محامي فأجابني “Where do you think you are” (أين تعتقد انك موجودٌ) ملمّحاً إلى إعتقادي بانني في دولةٍ غربيّة وقاصداً ان قبرص ليست سوى دولةٍ شرق أوسطيّة رغم إرتباطاتها الثقافيّة والإقتصاديّة بالغرب. كان محقّاً .
لم نستطع التصدّي لرجال الشرطة المحترفين وهرّاواتهم خصوصا اننا جميعاً ننتمي لفئة ضئيلي الحجم فتراجعنا تحت وطأة ضرباتهم وأوعزت لزملائي بالقيام بشرب كلّ الأدويّة التي يحملونها معهم دفعةً واحدةً وعلى مرأى من العمّال والبحارة المتواجدين في المرفأة وبادرت شخصيّاً بالإقدام على هذا الفعل أمامهم وتبعني الأخرون وما هي إلّا دقائق حتّى كنّا موزّعين في سيّارات إسعافٍ تنقلنا على وقع زماميرها إلى مستشفىً قريبٍ حيث أجريت لنا عمليّات غسيل معدة تعافيت بعدها من الخدر والإغماء الذين أصاباني جرّاء الكميّة الكبيرة من الأدوية التي ابتلعتها. بعد ساعاتٍ ثلاثة حملتنا سيّارات الشرطة ونقلتنا جميعاً إلى مركبنا وكنّا لا نزال نعاني من القيئ والإسهال بسبب تأثير عمليّة غسل المعدة. اصطفّ رجال الشرطة على الرصيف مباشرةً وأمروا الملّاحين بمغادرة المرفأ فوراً تحت طائلة السجن بتهمة التهريب ولم يكن الملاحان ليأبهان لولا خشيتهم من الركّاب إلّا اننا كنّا جميعا منهكين واهنين وكلّنا يقينٌ بأننا لم نوفّر جهداً في محاولة تجاوز مأزقنا وإجبار السلطات القبرصيّة على السماح لنا بعبور أراضيها ولم يعد أمامنا من خيارٍ سوى القبول بالفشل والعودة إلى لبنان.
كانت رحلة العودة مشابهةً لرحلة المغادرة مع فارق وحيد هو ان الأمل الذي كان يحذونا أثناء المغادرة قد رحل وحلّت محلّه خيبة الأمل. يبدو ان العيش وسط المنافقين واللصوص قدرٌ لا فكاك منه. ومن ناحيةٍ أخرى لعلّ الأرجح ان القادة المناضلين الموجودين في اليمن أو تونس أو ليبيا هم من نفس طينة القادة العاملين في لبنان وما كان لرحلتي إلى اليمن لو قيّض لها الإكتمال ان تسفر عن أية تغييرٍ في هذه البنى التنظيميّة الموبوءة باللصوصيّة والإنحطاط الأخلاقي. خيبة أملي الحقيقيّة كانت في خسارة الفرصة التي حسبتها متاحةً للهجرة إلى أوروبا بعد انتهاء مهمّتي في اليمن ذات المآل المحتوم إلى الفشل.
عند عودتي إلى مخيّم عين الحلوة كان مصعب العزّة قد أسكن سائقه في المنزل الذي أخليته فقمت باستئجار أحد المنازل في المخيّم واستخدمت ما تبقّى معي من مال السفر في شراء فرشتين إسفنجيتين وموقد غاز صغير وبعض الحاجات الضروريّة وعاونتني شقيقتي ببعض الأدوات المطبخيّة الزائدة عن حاجتها. بات عليّ ان أبدأ من الصفر في إعادة تكوين منزلٍ عائليٍّ لي من جديد ولم يكن الأمر سهلاً في ظلّ تدنّي رواتبنا وتضخم العملة اللبنانيّة المتواصل يوميّاً.
——————————————————————–
لم يطل غياب أكرم إذ ما لبث ان عاد مع غلمانه إلى لبنان متسلّحاً بأمرٍ عسكريّ جديدٍ يحمل توقيع القائد العام لقوّات العاصفة ياسر عرفات ويقضي بتعيينه قائداً للقوّة البحريّة في لبنان. كان “فتحي البحريّة” قد عمل على إعادة إستصدار القرار لمصلحة أكرم الماهر في توزيع ولائه بين فتحي المقرّب من عرفات ونسيبه جمعة اللئيم قائد القوّة البحريّة.
لكن هذه العودة المظفّرة إلى سدّة القيادة لن تدوم طويلاً إذ ان النظام السوريّ كان قد شرع (مدعوماً من الولايات المتّحدة) في تطبيق “الرؤية السوريّة” لإتفاق الطائف الذي يقضي بحلّ كافة الميليشيات المتواجدة على الأراضي اللبنانيّة وتسليم أسلحتها للجيش اللبناني (مستثنيّاً الميليشيات الفلسطينيّة واللبنانيّة المواليّة له بدعوى ان “سلاح المقاومةّ” لا يندرج ضمن أسلحة الميليشيات).
إستبق النظام السوريّ خطوة نشر الجيش اللبناني في منطقة صيدا بإطلاق سراح الآلاف من المعتقلين في سجونه منذ سنوات بتهمة الانتماء ل “زمرة عرفات – الوزير” ورميهم في منطقة البقاع اللبناني ليلتحقوا بقوّات عرفات في صيدا. إذ لم يعد من المجدي الإحتفاظ بهؤلاء الرهائن خصوصاً ان القوّات “العرفاتيّة” بمجملها هي على وشك مغادرة لبنان إلى غير رجعة ومن الأفضل ان تأخذهم هذه القوّات معها عند رحيلها بدلاً من أين يكونوا عبئاً على كاهل النظام لا طائل منه بعد الآن.
جُرّدت الأحزاب الدرزيّة والمسيحيّة من سلاحها الثقيل فيما أبقي على سلاح الطائفة الشيعيّة الموجود لدى حركة أمل وحزب الله بعد ان تمّ التفاهم مع المرشد الإيراني الجديد الذي خلف آية الله الخميني على تقاسم “الأرباح السياسيّة” فيما يتعلّق “بالمقاومة اللبنانيّة” التي سيأخذها حزب الله على عاتقه منذ الان لتعمل إيران على إستثماره في عمليّة مدّ نفوذها الإقليمي وبناء سلاحها النووّي بينما تجيّر بعض “عوائد” هذا الإستثمار لصالح النظام السوريّ ليستخدمها في مفاوضاته مع إسرائيل وليتخذها في نفس الوقت غطاءً “مقاومتيّاً” لعنّته المستدامة. مع بداية شهر أيار 1991 سلّمت “القوّات اللبنانيّة“, أضخم وأقوى الميليشيات اللبنانيّة المسيحيّة كامل أسلحتها إلى الجيش اللبناني وانسحبت من مواقعها العسكريّة ليحلّ محلّها قوّات من الجيش, وكان قد سبقها إلى تسليم السلاح الحزب التقدمي الإشتراكي والحزب الشيوعيّ اللبناني.
أواخر أيّار 1991 أكمل الجيش اللبناني انتشاره بمؤازرة الجيش السوريّ وأجهزة مخابراته في أغلب المناطق اللبنانيّة واختفت الميليشيات المسلّحة من المدن والبلدات التي تموضع فيها, عدا المنطقة الجنوبية التي تجاور فيها مع قوّات حزب الله حيث بقي تواجده فيها صوَريّاً بينما احتفظ الحزب لنفسه بالهيمنة الفعليّة عليها. في نفس الوقت, وجّه الساسة والأمنيّون اللبنانيّون والسوريّون العديد من الإنذارات العلنيّة والسريّة إلى م.ت.ف أكدوا فيها إستعداد الجيش اللبناني للدخول إلى مدينة صيدا وقراها الشرقيّة بالقوّة إذا لم تنسحب قوّات المنظّمة سلميّاً قبل انتهاء المهلة الممنوحة لها والتي حُدّدت بتاريخ 30 حزيران 1991.
أعلنت القيادة الفلسطينيّة في الخارج تأييدها لحلّ الميليشيات وكذلك ترحيبها بخطوة انتشار الجيش اللبناني على كامل المناطق اللبنانيّة لكنها بقيت على موقفها الداعي إلى وجوب تحاور الحكومة اللبنانيّة مع م.ت.ف بخصوص الوجود الفلسطينيّ في لبنان ورفضت الانسحاب قبل انعقاد هذا الحوار. كما طلبت قيادة حركة فتح في لبنان من الأطراف اللبنانيّة السماح لها بالإبقاء على منطقة مستشفى الهمشري وأحياء التعمير والفيلّات ونادي الضبّاط المجاورين لمخيميّ الميّة وميّة وعين الحلوة لتأمين التواصل بين هذين المخيّمين لكن الأطراف اللبنانيّة ومن ورائها النظام السوريّ أعلنت عن إصرارها على تراجع القوّات الفلسطينيّة إلى داخل حدود المخيّمين المعمول بها منذ أربعة عقود, كما رفضت ربط موضوع الحوار مع المنظّمة بمسألة الإنسحاب الفلسطينيّ وتسليم سلاح المنظّمات الفلسطينيّة للدولة اللبنانيّة (عدا سلاح الجبهة الشعبيّة – القيادة العامّة الموالية لسوريا والتي جرى “إعتمادها” ضمن صفوف “المقاومة”).
ميدانيّاً وجّهت القيادة الفلسطينيّة في الخارج أوامرها إلى قيادة الساحة اللبنانيّة بعدم إخلاء المناطق التي تحتلّها في شرق صيدا حتى إذعان الحكومة اللبنانيّة لشروطها, ولكنها طلبت منهم في نفس الوقت عدم المواجهة العسكريّة مع الجيش اللبناني وأوعزت إليهم بوضع الورود الحمراء في فوّهات بنادق المقاتلين الفلسطينيّين في المواقع المواجهة لنقاط تموضع الجيش اللبناني ليتمّ تداولها في الصحف اللبنانيّة ممّا قد يشكّل ضغطا على الحكومة التي ستبدو بدور المعتدي إذا ما استعرت الحرب. لكن الجيش اللبناني الذي أصبح يدار كبقيّة مؤسّسات الدولة اللبنانيّة من قبل المخابرات السوريّة لم يعد يقيم أي وزنٍ للرأي العام أو للصحافة اللبنانيّة وبدا مصمّماً على نزع سلاح م.ت.ف وإرغام الفصائل على الانسحاب إلى داخل مخيماتها.
تماهى موقف النظام السوريّ ودعمه لانتشار الجيش اللبناني في منطقة صيدا والجنوب, تماماً مع الموقف الأمريكي إذ أرسلت الإدارة الأمريكية اواخر حزيران 1991 وفداً مفاجئاً إلى بيروت لم يعلن عنه سوى قبل ساعات من وصوله. ولقد رأس الوفد فريدريك فريمان نائب مساعد وزير الخارجيّة الأميركي الذي جال بصحبة أعضاء الوفد على رئيس الجمهوريّة إلياس الهراوي وكلٍّ من عمر كرامي رئيس مجلس الوزراء ونبيه برّي رئيس مجلس النوّاب وطمأنهم إلى الدعم المطلق لهذه الخطوة وأبلغهم ان السفير الأميركي في بيروت سيبقى على تواصلٍ مباشرٍ بالحكومة الإسرائيليّة لمتابعة موضوع الإنتشار والتأكد من عدم عرقلته من قبل الجيش الإسرائيلي. كذلك فإن الموقف الفرنسي جاء أيضاً متطابقاً هذه المرّة مع الموقف الأمريكي إذ صرّح دانييال برنارد المتحدّث باسم وزارة الخارجيّة الفرنسيّة بأن انتشار الجيش اللبناني في الجنوب يأتي تطبيقاً لإتفاق الطائف الذي يتلاءم مع المطالب الفرنسيّة, فيما أعلن المتحدث باسم الخارجيّة البريطانيّة عن رغبة بريطانيا في ان يمدّ لبنان مظلّة الشرعيّة إلى الجنوب اللبناني تطبيقاً لإتفاق الطائف.
في نفس الوقت إستدعيّ وفدٌ فلسطينيّ مؤلّف من كافة الفصائل الفلسطينيّة إلى ثكنة زغيب التابعة للجيش اللبناني حيث التقى بهم كبار الضبّاط العسكريّين القائمين على عمليّة الإنتشار وبينهم العقيد ماهر الطفيلي رئيس شعبة المخابرات العسكريّة في الجنوب (الشعبة الثانية) الذي أكّد لهم ان لا تراجع عن نشر الجيش في جميع المناطق في صيدا والجنوب وضرورة إنسحاب المسلّحين الفلسطينيّين إلى داخل المخيمات. كما تمّ إبلاغ الوفد الفلسطينيّ ان الحكومة اللبنانيّة على إستعدادٍ تامّ للتحاور مع الفصائل الفلسطينيّة حول كافة المواضيع التي تتعلّق بسلامة الفلسطينيّين على ان يتمّ هذا الحوار بعد اكتمال عمليّة إنتشار الجيش وليس قبلها.
مرّةً جديدة, ارتكبت القيادة الفلسطينيّة بحقّ المدنيّين الفلسطينيّين في مخيّمات لبنان حماقة كانوا في غنىً عنها وذلك بإصرارها على عدم الإنسحاب من المواقع التي يتواجد فيها مقاتلوها قبل الحوار مع الحكومة اللبنانيّة وإصدارها في نفس الوقت أمراً عسكريّاً يقضي بعدم الإشتباك مع الجيش اللبناني الذي أعلن إصراره على الإنتشار في هذه المناطق. كانت كلّ المؤشّرات العسكريّة والسياسيّة إضافةً إلى الإتصالات السريّة تأكّد ان الإنتشار حاصلٌ لا محالة وانه ليس أمام م.ت.ف من خيارٍ سوى الانسحاب والموافقة على تسليم السلاح الثقيل الأمر الذي كان ,لو نفّذ سلميّاً سيوفّر على الفلسطينيّين هزيمةً جديدةً ويتيح لهم بدايةً جديدةً في بناء العلاقات مع المحيط اللبناني والدولة اللبنانيّة لا يكون مدخلها الحرب والدماء, خصوصاً ان الميليشيات اللبنانيّة نفسها قد قامت بتسليم سلاحها الثقيل للدولة.
صباح الأوّل من تمّوز 1991 بدأ ستّة ألاف جنديٍ لبنانيّ بتنفيذ انتشارهم في مدينة صيدا وبعد إحكام سيطرتهم على وسطها قاموا بالتقدّم مع دباباتهم وآلياتهم التي بلغ عددها 123 مركبةً, نحو شرقها الذي لا زال المسلّحون الفلسطينيّون يتمركزون في بلداته. واندلعت المواجهة الأولى بين الجيش والفلسطينيّين في بلدة كفر جرّة التي يتواجد فيها مقاتلون تابعون للجبتهين الشعبيّة والديموقراطية ولحركة فتح – المجلس الثوري وكانت هذه المواجهة عبارة عن مناوشاتٍ خفيفة انتهت في الثامنة مساءً وأفضت إلى اعتقال 73 مسلحاً من الفلسطينيّين.
لم تفلح إجتماعات زيد وهبي أمين سرّ اللجنة السياسيّة في م.ت.ف – فرع لبنان مع مصطفى سعد ولا تصريحاته الداعية إلى الحوار مع المنظّمة قبل انتشار الجيش في المنطقة في وقف تقدّم هذا الجيش وكذلك ذهبت هباءً مناشدات عرفات بعد اجتماعه مع الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد ونداءاته للرئيسين معمّر القذّافي وحسني مبارك بوقف المجازر الجديدة التي ترتكب بحقّ الفلسطينيّين في لبنان. إذ ان قراراً دوليّاً قد أتخذ في هذا الشأن ولم يعد أمام القادة العرب, ومعهم م.ت.ف إلّا الإنصياع خصوصاً بعد بدء انهيار الإتحاد السوفيات والكتلة الشرقيّة وظهور النظام أحاديّ القطب وحلوله محلّ نظام القطبين الذي أتاح في الماضي لبعض القادة العرب والفلسطينيّين هامشاً للمناورات السياسيّة وحيّزاً جغرافيّاً يديرون فيه معاركهم الصغيرة.
ان الإحتفاظ بورقة الوجود الفلسطينيّ المسلّح في لبنان مسألةٌ كانت دائماً ذات أهميّةٍ أستراتيجيّةٍ وقد علا شأنها وازدادت أهميّتها مع افتتاح المفاوضات السريّة ممّا جعل المغامرة ببضع عشرات من الشهداء أو ربّما المئات في سبيل الإحتفاظ بها مسوّغاً. علماً ان سقوط عشرات الآلاف من القتلى الفلسطينيّين الذين خلّفتهم الفصائل الفلسطينيّة وراءها خلال عقودٍ من النضالات التي لم تسفر سوى عن تضخّم حسابات أمرائها البنكيّة كان دائما مسوّغا ومغلّفاً بالشعارات والأعلام وصور الزعماء الخالدين والكثير من الاناشيد الحماسيّة والأهازيج التي دأب الفلسطينيّون على تردادها في دبكات أعراسهم على مدى أكثر من قرنٍ من الزمان.
مع حلول مساء اليوم الثاني من المعارك الضاريّة بين الجيش والفلسطينيّين كان الأوّل قد حقّق سيطرةً شبه تامّة على 90% من المواقع الفلسطينيّة داخل قرى شرق صيدا ولا زال يتابع تقدمه بإتجاه بلدة الميّة وميّة. كان التقدّم سريعاً رغم القصف المدفعي الفلسطينيّ الكثيف الذي طاول محيط المخيّمين وانصب جزءٌ منه على طريق صيدا – الزهراني الذي يعتبر الشريان الحيويّ للجنوب والذي طالته أيضا رصاصات القنص بالرشاشات الثقيلة.
تواصل تقدّم الجيش اللبناني ونجح في إطباق الحصار على مخيّم الميّة وميّة من جهاتٍ ثلاث تاركاً الجهة الغربيّة التي تصله مع مخيّم عين الحلوة عبر تلال سيروب مفتوحةً ليتسرّب منها مئات المقاتلين الفلسطينيّن الذين سبق أن تجمّعوا في بلدة الميّة وميّة. وقد ترافق هذا التقدّم مع تمشيط الجيش لبلدات جنسنايا والقريّة وعين الدلب وصولاً حتّى تخوم طنبوريت. في هذه الأثناء كان السفير الأمريكي ريان كروكر متواجداً طوال الوقت في مكتبه ويتابع الإتصال بوزارة الخارجيّة الأمريكيّة وإبلاغها بانباء المعارك في شرق صيداً أولاً بأوّل بينما كان مجلس الوزراء اللبناني يعيّين خلال جلساته المفتوحة لجنةً وزاريّةً للحوار مع الفلسطينيّين على ان تبدأ مهمّتها بعد انتهاء المعركة. كانت حصيلة اليوم الثاني من المعارك الضارية هي مقتل ضابطين لبنانيّين وجرح 15 وسقط على الجانب الفلسطينيّ 15 قتيلاً و25 جريحا .
الأربعاء 3 تمّوز 1991 لا يزال القصف المدفعي المتساقط على مخيّميّ عين الحلوة والميّة وميّة على حدّته ويردّ الفلسطينيّون بقصف خطوط إمداد الجيش اللبناني واستهداف مدينة صيدا. أكثر من ألفين مقاتل فلسطينيّ أصبحوا الآن محاصرين داخل مربّعٍ جغرافيّ شديد الكثافة السكانيّة ولا تتجاوز مساحته الخمسة كم مربّع هي مساحة المخيّمين مضافٌ إليها تلال بلدة سيروب الفاصلة بينهما وذات الأغلبيّة الفلسطينيّة و كذلك المساحة الممتدة بين الأطراف الشماليّة لمخيم عين الحلوة ومستشفى الهمشري الذي أقامته م.ت.ف في منطقة الفوّار وتضم هذه المساحة أحياء التعمير والفيلات ومساكن الضبّاط حيث تقيم عائلات ضبّاط الجيش اللبناني منذ عشرات السنين.
سياسياً جرى إتصالٌ هاتفيّ بين الوزير نبيه برّي ومحسن إبراهيم أمين عام منظّمة العمل الشيوعيّ وأمين عام الحركة الوطنيّة اللبنانيّة التي قاتلت إلى جانب الفلسطينيّين في جميع معاركهم التي خاضوها في لبنان. وكان إبراهيم المقرّب من ياسر عرفات قد سافر إلى الجزائر منذ بدء الإستعدادات لهذه المعركة وأجرى لقاءاتٍ يوميّة مع ياسر عرفات وعمل كوسيطٍ بينه وبين الحكومة اللبنانيّة. إتفق برّي وإبراهيم على ان يقوم الأوّل بتقديم مبادرةٍ سياسيّة تتضمّن الموافقة على مطالب م.ت.ف التي تشكّلت من ثلاثة بنود هي:
– إلغاء القرارات الصادرة أبّان حقبة الرئيس اللبناني أمين الجميّل القاضية بمنع اللاجئين الفلسطينيّين المقيمين في لبنان من مزاولة 89 مهنة ولا تتيح لهم سوى العمل في المهن الوضيعة.
– تشكيل لجنة حوار لبناني فلسطينيّ.
– إطلاق جميع الأسرى الفلسطينيّين.
والبند الأخير من المطالب الفلسطينيّة جاء على خلفيّة إستخدام الجيش اللبناني بعض الأسرى كدروعٍ بشريّة حيث أقدم كتيبة دبابات خلال تقدّمها في قرى شرق صيدا على ربط ضابطٍ فلسطينيّ على مقدمة الدبابة في أوّل الرتل لمنع المقاتلين الفلسطينيّين من استهدافها.
كما نجح ياسر عرفات في دفع العقيد معمّر القذافي والرئيس المصري حسني مبارك, (وهما بعض ما تبقّى له بعد تخلّي دول الخليج العربيّ عنه بسبب موقفه من الإحتلال العراقي للكويت) على عقد إجتماعٍ في الإسكندرية دعيا فيه إلى وقف المعارك في جنوب اللبناني وحقن دماء الفلسطينيّين.
راح برّي يروّج للمبادرة الجديدة وقامت اللجنة الوزاريّة للحوار مع الفلسطينيّين والمشكّلة من الوزيرين عبدالله الأمين وشوقي فاخوري (بعد استبعاد الوزيرين مروان حمادة ونديم سالم منها بسبب إعتراض كلٌّ منهما على الآخر) بالإتصال هاتفيّاً بمصطفى سعد طالبين منه الإعداد للقاءٍ يجمعهم في صيدا مع القيادات الميدانيّة للفصائل الفلسطينيّة في صيدا.
إضافةً إلى القصف بمدفعيّة الدبابات المتقدّمة التي طالت بلدة الميّة وميّة, جرت طوال النهار معاركٌ عنيفة شمال مخيّم عين الحلوة عند محور مستديرة الأميركان – فرن العربيّ خط الدفاع الأخير للفلسطينيّين والجدار الأخير المتبقّي لهم قبل تقدّم الجيش اللبناني ووصوله إلى تماسٍ مباشرِ مع مخيّم عين الحلوة. في الثامنة مساءً تكثّفت حدّة القصف المدفعي والصاروخي على مخيّم عين الحلوة بعد انا ظننّا ان حدّة المعركة آخذةٌ بالانحدار, فيما أعلنت قيادة الجيش اللبناني في بيان لها ان 400 من المقاتلين الفلسطينيّين قد شنّوا هجوماً واسعاً على حيّ سكن الضبّاط مما أضطرّ الجيش إلى الردّ بكافة الوسائل. بلغت حصيلة اليوم 5 قتلى و23 جريحاً فلسطينيّاً وهذا الرقمان متواضعان إذا ما قيسا بعدد رشقات الراجمات الصاروخيّة والمدفعيّة التي سقطت على رؤوسنا. ويعود سبب تدّني عدد الضحايا إلى حقيقة ان أغلب سكان المخيمين كانوا قد استبقوا المعركة بالنزوح إلى شوارع مدينة صيدا والإقامة في مساجدها ومباني المدارس الحكوميّة المتوقفة عن العمل بسبب القتال الدائر في ضواحي المدينة.
الجمعة 5 تمّوز 1991 خفتت حدّة الإشتباكات بشكلٍ كبير بعد إتصالاتٍ هاتفيّة بين نبيه برّي ومحسن ابراهيم وافقت خلالها القيادة الفلسطينيّة في الجزائر وتونس على الإنتشار الكامل للجيش اللبناني وانكفاء المسلّحين الفلسطينيّين إلى داخل مخيّميهم دون الإحتفاظ بالمناطق المجاورة التي تصل المخيّمين ببعضهما وبمستشفى الهمشري الفلسطينيّ التي كانوا يطالبون بها. كذلك تمّت الموافقة على تسليم السلاح الثقيل إلى الدولة اللبنانيّة أو نقله إلى خارج لبنان حسب ما يرتأيه كلّ فصيلٍ فلسطينيّ على حدا. نقل نبيه برّي فحوى هذه الإتصالات إلى الوزيرين فاخوري والأمين أثناء اجتماعهما المعقود في منزل مصطفى سعد مع ممثلي الفصائل وبينهم زيد وهبي ممثلاً لحركة فتح اللجنة المركزيّة وكذلك هاتفت القيادة الفلسطينيّة في تونس أتباعها لإنبائهم بموافقتها على الإنسحاب وتأجيل الحوار السياسيّ بين الحكومة والمنظّمةإلى مرحلةٍ أخرى واقتصار المباحثات الجاريّة على المسائل الحياتيّة اليوميّة لأبناء المخيمات في لبنان.
نص الإتفاق المبرم على انسحاب المقاتلين الفلسطينيّين من مواقعهم الذي سيتمّ بين الساعة الخامسة والساعة السادسة من فجر يوم السبت على ان تتقدّم قوّات الجيش اللبناني إلى هذه المواقع لتحتلّها بعد ساعةٍ من الإنسحاب. فجأةً وجدنا انفسنا داخل معتقلٍ مسيّجٍ بالأسلاك الشائكة ونقاط التفتيش العسكريّة التي تحيط بالمخيم من كل جانب ولم تترك زاروبةَ واحدةً يمكن التسلّل منها دون المرور بحواجز التفتيش والتعرّض للمهانة والذلّ اليوميّ مواجهة خطر الإعتقالات العشوائيّة عند الخروج أو الدخول. ناهيك عن صفّ السيّارات الطويل على المسربين والمداخل الرئيسة الأربعة للمخيّم مما جعّل الرحلة من المخيم إلى وسط مدينة صيدا والتي تستغرق بالعادة أٌقلّ من عشرة دقائق تتحوّل إلى معاناةٍ طويلةٍ تمتدّ لأكثر من نصف ساعة.
بعد محاولةٍ فاشلة لإلتماس عطف النظام السوريّ والسعي لإضافة سلاح حركة فتح الثقيل إلى سلاح بقيّة الفصائل التي أعلنت عن قرار نقله إلى منطقة سهل البقاع اللبناني الواقعة تحت سيطرة الجيش السوريّ أعلنت فتح عن نيّتها تسليم سلاحها إلى الجيش اللبناني كهديّةٍ من ياسر عرفات إلى الشعب اللبناني بينما قامت الجبهتين الديموقراطية وا لشعبيّة وجبهة القيادة العامّة بنقل أسلحتها إلى منطقة البراميّة في ضواحي مدينة صيدا تمهيدا لنقلها إلى بلدة الرميلة حيث مقرّ غرفة عمليّات الجيش اللبناني المستحدثة على ان تتابع طريقها بعد معاينتها من قبل الجيش, إلى منطقة البقاع.
الأحد 7 تمّوز اصطف مئاتٌ من سكان عين الحلوة واصطفّ معهم مئاتٌ آخرون من المقاتلين على جانبيّ الشارع الفوقاني يودّعون بالدموع أسلحة الفصائل الفلسطينيّة الثقيلة ويراقبون عشرات العربات العسكريّة المحمّلة بالذخائر والمدفعيّة والرشاشات الثقيلة وهي تسير ببطء نحو حاجز الجيش اللبناني الملاصق لبوّابة المستشفى الحكومي. إستغلّ أحد الشباب بطء حركة العربات وانقضّ على جيب عسكريّ من نوع تويوتا محمّلٍ برشاش عيار 500 فأنتزعه بخفة رامٍ محترفٍ على السلاح ثم ركض به إلى منزله. لم يأبه سائق العربة له والأرجح انه مؤيّدٍ لموقف الشاب فتابع طريقه لتسليم العربة إلى الجيش عند المرابض على مدخل المخيّم ثم العودة راجلاً إلى داخل المخيّم. ترافقت عمليّة تسليم السلاح الثقيل إلى الجيش اللبناني مع الإفراج عن 67 معتقلاً من داخل سجون مخابرات الجيش اللبناني من أصل 576 قامت بإعتقالهم خلال المعركة والأيام القليلة التي سبقتها.
بقيت مسألة تسليم السلاح بين أخذٍ وردٍ على نارٍ حامية لبضعة عشر يوماً أعلن خلالها قيادة الجيش اللبناني أكثر من مرّة ان السلاح الذي سلّمته حركة فتح ليس كافياً وان بعهدته كشفاً بهذا السلاح. واجتمع بعض رجال المخابرات العسكريّة اللبنانيّة بالمقدّم كمال مدحت الذي كان عيّن رئيساً لجهاز الإستخبارات الفلسطينيّة في لبنان والذي أعلن بعد (وخلال) الإجتماع ان أغلب سلاح حركة فتح الثقيل قد خلّفه المقاتلين ورائهم في قرى شرق صيدا عند انسحابهم العشوائي منها.
بعد بضعة أيام تمّت أيضاً عمليّة تسليم سلاح الفصائل الفلسطينيّة في مخيّمات مدينة صور بنفس الطريقة وبدون أية عوائق تذكر فيما تابعت اللجنة الوزاريّة حواراتها مع ممثلي الفصائل حول الأمور الحياتيّة والظروف المعيشيّة للمدنيّين الفلسطينيّين في المخيّمات ولم ينتج عن هذه الإجتماعات والحوارات شيئاً يذكر عدا الوعود الوهميّة بتحسين شروط عيش اللاجئين والإفراج عن حقوقهم المدنيّة ومعاملتهم وفق الشرائع الدوليّة وقوانين حقوق الانسان.
قبل المعركة مع الجيش اللبناني ببضعة أيام كنت حاولت استعادة منزلي من سائق مصعب العزّة الذي احتلّه بعد سفري إلى قبرص لكنّ الشاب أبلغني بأنه ليس لديه ما يكفي من المال لدفع إيجار منزلٍ آخر إذا ما غادر منزلي وتمنّى عليّ ان أدفع له مبلغ 500 دولار على ان يترك المنزل. استطعت بعد طول عناء من الوصول إلى علاء الأفندي المتمترس داخل مبنىً ضخم كان قد شيّده عصام اللوح ليكون مقرّاً له في الملمّات التي قد تفرض عليه ترك منزله في المدينة واللجوء إلى المخيّم. وهو المبنى الذي أقام فيه علاء وكبار ضبّاطه وعقدوا فيه الإجتماعات اليوميّة مع سفراء ومبعوثين عرب توسّطت دولهم لدى الدولة اللبنانيّة والفلسطينيّين بهدف عقد مصالحة نهائيّة وتطبيع العلاقات بين الطرفين نهائيّاً. حين عرضت مسألة المنزل وحاجتي إلى مبلغ 500 دولار كان ردّه انه لا وقت لديه لهذه التفاصيل الصغيرة إذ انه بصدد العمل على تقرير مصير مئات الآلاف من الفلسطينيّين المقيمين في لبنان وكفالة أمنهم وسلامتهم. بعد بضعة أيام تبيّن ان الحوار الدائر بين قيادة حركة فتح والمبعوثين والسفراء هو كفالة أمن هذه القيادة وتأمين سفر أعضائها إلى تونس. إذ اكتشفنا فجأة ان علاء وأبو ياسر ومعهم عشرات من كبار الضبّاط قد أصبحوا خارج لبنان وبعضهم انتقل للعيش في بيروت الشرقيّة (كمال مدحت) بضيافة أعداء الأمس من القوى السياسيّة المسيحيّة تاركين عشرات مئات الآلاف سكان المخيّمات وعشرات الآلاف من المقاتلين الذين حاربوا بدمائهم, لمصيرهم المشؤوم.
لم يشهد المخيّم مثل هذا الإزدحام الشديد قبل الآن إذ ان الكثافة السكانية المخيّم المكتظ أصلاً بالسكان المقيمين في مبان عشوائية وحاراتٍ ضيّقة تتآكلها الرطوبة, قد تضاعفت بسبب دخول ما يقارب ال 2000 مقاتل إليه. يقيم هؤلاء المقاتلين في بقايا مكاتب ومواقع حركة فتح وعلى جوانبها وعلى الأرصفة الملاصقة لها. واتسع مقرّ اللوح بعد خلوه من القادة لجزء كبيرٍ منهم بينما التجأ جزءٌ آخر إلى مبنىً غير مكتمل كان معدّا ليصبح قاعة للمهرجانات السياسيّة والخطابات “الوطنيّة” التي يلقيها أولئك القادة (الذين غادروا).
لم يكتفِ علاء وعبد المعطي وكبار ضبّاطهم بالمغادرة إلى تونس بل سحبوا معهم كلّ أرصدتهم البنكيّة تاركين المقاتلين المهزومين دون أية موارد أو آفاق. إذ انهم ممنوعون من العمل بحكم القوانين اللبنانيّة وبحكم ان أغلبهم يقيم في لبنان بطريقةٍ غير شرعيّة والكثيرين منهم لا يملكون أية مستنداتٍ أو وثائق قانونيّة مما جعلهم غير قادرين على تجاوز نقاط التفتيش التابعة للجيش اللبناني على جميع محاور المخيّم.
وفي هذا الوقت بالتحديد “اكتشفت” قيادة م.ت.ف انها تعاني من أزمةٍ ماليّة ولم يعد بإستطاعتها صرف رواتب هؤلاء المقاتلين في لبنان وأيضاً في بعض دول الشتات الأخرى. رغم هذا الانقطاع المفاجئ في صرف رواتب هؤلاء المحاصرين إلّا ان بعض الأموال السريّة بقيت تتسرّب إلى أمراء مخيّم عين الحلوة الجدد الذين حلّوا محل الأمراء الكبار العائدين إلى تونس وهؤلاء هم زعماء الزواريب الضيّقة وقادة الأمر الواقع من “شبّيحة” المخيم وأكبرهم في هذا ذلك الوقت هم سلطان أبو العينين ومنير المقدح وخالد الشايب ومنتصر (سارق ال1000 دولار) وأخرون أقلّ حجما.
———————————————————————–
من المؤكّد انه كان لموقف م.ت.ف من إحتلال صدّام حسين للكويت الكثير من العواقب الوخيمة سياسياً وماليّاً. فعلى الصعيد السياسيّ وجدت المنظّمة نفسها في موقفٍ لا تحسد عليه إذ تمّ عزلها عربيّاً ودوليّاً حتى ان الإدارة الأمريكيّة بدأت تبحث عن شخصيّاًتٍ محليّة مستقلّة من بين فلسطينيّي الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة تشركها في المفاوضات الإٌقليميّة بدلاً م.ت.ف. أما في لبنان فقد اطلقت يدّ حافظ الأسد الذي انضم إلى التحالف الغربي وخاض معركة “عاصفة الصحراء” لتحرير الكويت جنباً إلى جنب مع الولايات المتّحدة بينما كفّت يد عرفات ورفعت عنه جميع الأغطية السياسيّة مما جعل هزيمته العسكريّة والسياسيّة أمراً محتوماً.
أمّا على الصعيد الماليّ فلقد خسر عرفات مئات الملايين من الدولارات التي كان الخليج العربيّ يغدقها عليه سنويّاً فلم يتبق له من مصادر الدعم العربيّة سوى العقيد القذافي الذي لا يعتدّ به ولا يمكن الإعتماد عليه بسبب تقلّباته المفاجأة وغير المرتقبة. أموال الخليج المقطوعة هذه ومعها أموالٌ من الدول الغربيّة ودول العالم الأوّل راحت تصبّ في حجر حافظ الأسد غريم ياسر عرفات اللدود الذي نجح ليس فقط في هزيمة قوّاته مرّةً جديدة في لبنان بل وأيضاً في إستعادة الحظوة الخليجيّة بالدعم الماليّ الذي انقطع منذ قمع حركة الاخوان المسلمين في سورياً بالحديد والنار إذ ذكرت صحيفة اللوموند الفرنسيّة في 15 آذار 1991 (نقلاً عن كتاب :سوريا في عهدة الجنرال الأسد, للكاتب الفرنسي صاحب الإسم المستعار دانييل لوغاك) ان ” .. ما بين ديسمبر كانون الثاني و شباط فبراير من عام 1991 بدأت اليابان و الاتحاد الاقتصادي الاوربي و المانيا اعطاء سوريا بالتتالي : 250 مليون دولار ,75 مليون دولار , 200 مليون دولار , وقبل ذلك اعادت الامارات و الممالك البترولية مساعداتها و قدرت المساعدات بحوالي ملياري دولار استلمتها دمشق من هذه الدول خلال عام 1991 وحده”.
أشرت سابقاً إلى تقدير صحيفة الوول ستريت جورنال ان حجم ثروة م.ت.ف تتراوح بين 2 – 14 مليار دولار والدخل السنوي الذي تتلقاه من الدول العربيّة النفطيّة يتراوح بين 250 – 300 مليون دولار بينما تبلغ مصاريفها حوالي 220 مليون دولار سنويّاً إلّا ان المبلغ المذكور الذي تتلقاه من الدول النفطية لا يتضمّن ال 5% التي يتمّ إقتطاعها من رواتب العمّال والموظفين الفلسطينيّين في دول الخليج العربيّ والذي بلغ حسب فضائية الجزيرة حتى العام 1990 مبلغ 14 مليار دولار في حين بلغ حجم الإستثمارات التابعة للمنظّمة 50 مليار دولار.(موقع الجزيرة الإلكتروني, 9/2/2006). كما ذكر المدير السابق لبنك فلسطين الدولي عصام أبو عيسى في لقاءٍ مع شبكة CBS الأميركيّة ان حجم المبالغ التي تمتلكها القيادة الفلسطينيّة يصل إلى 30 مليار دولار في حساباتٍ خارجيّة و2 مليار دولار في حساباتٍ داخليّة (نفس المصدر السابق).
هذه الثروة الضخمة التي يبلغ حجمها عشرات المليارات من الدولارات وفق أقلّ التقديرات تشير بوضوح إلى ان توقّف ضخّ المساعدات الخليجيّة إلى حسابات م.ت.ف البنكيّة لا يمكن ان يكون قد أدّى إلى إفلاس المنظّمة خلال عامٍ وحد يبدأ من آب 1990 تاريخ الإجتياح العراقي للكويت وينتهي في تمّوز 1991 تاريخ دخول الجيش اللبناني إلى منطقة صيدا وفرار كبار الضبّاط والقادة إلى الخارج إذ ان 220 مليون دولار هو حجم مصاريفها السنويّة يعتبر مبلغاً ضئيلاً يمكن ان يوفّره إستثمارٌ وأحد من مئات الإستثمارات التي تملكها والمسجّلة بأسماء أقرباء ومقرّبون من ياسر عرفات ويديرونها لصالحه. ممّا يؤكّد ان الأزمة الماليّة التي اعلنتها م.ت.ف هي أزمةٌ مفتعلة خصوصاً انها تلت مباشرةً آخر معارك م.ت.ف في لبنان وانتفاء الحاجة إلى المقاتلين. أي ان الأمرأشبه بتسريح عمال شركةٍ ما دون تعويض نهاية الخدمة بدعوى إلإفلاس ويلاحظ في هذا الصدّد ان هذا الإفلاس المعلن قد طال كوادر الحركة في لبنان أكثر مما طال الكوادر المقيمة في دول الشتات الأخرى الذين كانوا يتلقون رواتبهم أو جزءاً منها بين الفينة والأخرى بينما كان زملاؤهم في لبنان يتضورون مع عائلاتهم جوعاً بالمعنى الحرفي للكلمة, كما طال هذا التوقّف عن الدفع مخصّصات أُسر الشهداء والجرحى والأسرى على وجه الخصوص.
يذكر جاويد الغصين وهو وزير ماليّة سابق ل م.ت.ف وأحد كبار لصوصها في تصريحٍ أدلى به لوكالة الأسوشييتد برس “ان ثروة عرفات (الشخصيّة) كانت تقدّر بما بين 3 – 5 مليارات دولار عندما غادر هو المنظّمة سنة 1996″, أي ان عرفات وحده كان قادراً على تحمّل مصاريف المنظّمة لعدّة سنوات ومن حسابه البنكي الخاص به, ناهيك عن حسابات المنظّمة بالغة الضخامة هي الأخرى. هذا يؤشّر إلى أهدافٍ سياسيّة سعت إليها القيادة الفلسطينيّة من خلال إعلان إفلاسها والأرجح ان هذه الأهداف هي التالية:
– الضغط على الحكومة اللبنانيّة ودفعها إلى الحوار مع م.ت.ف عبر ترك ألاف العوائل الفلسطينيّة من التي احترف أربابها العمل العسكريّ على مدى عقودٍ ولم يسبق لهم ان مارسوا أية مهنة, دون مصادر دخل مما يشكّل عبئاً إجتماعيّاً وأمنيّاً على السلطات. إذ ان هؤلاء المقاتلين المحترفين المحتجزين في أقفاصٍ يطلق عليها إسم مخيّمات لن يلبثوا أن يستخدموا أسلحتهم الفرديّة في تحصيل لقمة عيشهم وعيش أسرهم مما سيرفع نسبة الجريمة إلى حدٍّ شديد الخطورة (وهو ما حصل لاحقاً).
– إبتزاز قادة الدول الخليجيّة إعلاميّاً بحيث تبدو مقاطعتهم للقيادة الفلسطينيّة موجّهةً نحو الفلسطينيّين بشكلٍ عام وخصوصاً منهم عوائل الشهداء والجرحى والأسرى.
– كسر الروح المعنويّة للكوادر العسكريّة وإخضاعهم لشروط إقتصاديّة وإجتماعيّة رديئة وذلك تهيئةً لهم للتحوّل الإستراتيجي الكبير والدوران السياسيّ 180 درجة والجلوس على طاولة المفاوضات مع الإسرائيليّين. وتسهيلاً لتقبّلهم النتائج المزريّة المتوقّعة لهذا التفاوض الذي سيجري في ظلّ إختلال التوازن الكبير عسكريّاً وسياسيّاً.
– إيهام الرأي العام الفلسطينيّ والعربيّ بان تنازلات القيادة الفلسطينيّة جاءت نتيجة الحصار الماليّ وعزل الدول العربيّة النفطيّة لها.
على صعيد القوّة البحريّة استبق أكرم المعركة الأخيرة عبر القيام بنقل ممتلكاته المنقولة إلى داخل المخيّم وجمع الزوارق والعتاد البحري في المخزن الضخم الذي يمتلكه أسفل مبناه في “بستان اليهودي” وكذلك قام بإحضار شاحنة الدودج الضخمة وركنها بجوار المبنى بينما احتفظ ببقيّة سيّارات القوّة أمام منزله خارج المخيّم. كما قام أكرم بعد المعركة مباشرةً بالتوقّف عن الدفع وإعلان الإفلاس كما فعلت قيادة م.ت.ف ولم يبدِ إيّ إستعدادٍ للإستجابة لتوسّلات المقاتلين أو الضبّاط الذين راحوا يتخبطّون بيأس ولا يدرون من أين يأتون بطعام أطفالهم أو بثمن علب سجائرهم رغم ان حساباته البنكيّة كانت تزخر بمئات الآلاف من الدولارات. شيئاً فشيئا بدأ بتصفية الممتلكات عبر بيعها في السوق المحليّة ثم قام بتأجير محلّاته التجاريّة في المدينة كما قام بتأجير المحل الواقع في الطابق الأرضي لمبنى بستان اليهودي لأحد ضبّاط الصفّ (عبّاس المصري) الذي افتتح فيه بقاليّة تقوم بأوده وأود أطفاله. هذه البقاليّة بالتحديد شكّلت طوق نجاةٍ لي إذ اعتمدت على الشراء منها بالإستدانة في الحالات الحرجة والطارئة فقط إذ لا يمكن لبقّالية صغيرة الحجم ان تتحمّل عبء ديونٍ كبيرة. علب حليب الأطفال لطفلي الرضيع هي أحد أهم هذه الطوارئ.
عندما حان موعد دفع بدل الإيجار الشهري اسقط في يدي إذ كنت وقتها أشحد السجائر من زملاء الأكثر حظّاً منّي انما ليس بدرجة كبيرة. حملت طفلي وأثاث منزل الصغير المكوّن من فرشتيّ إسفنج وبضع أوان مطبخيّة وتوجّهت مع زوجتي إلى منزلي القديم في الفوّار. دفعت باب المطبخ الخشبي المطلّ على الطريق العام ففُتح بسهولة إذ يبدو ان الساكن الجديد لا يزال يستخدم مسماراً ملويّاً لإغلاقه من الداخل. دخلنا دون ان نتكلّم مع المرأة أو طفليها ووضعنا أغراضنا في الغرفة الداخليّة الوحيدة. بعد ساعتين حضر الزوج وجلس مع زوجته الغرفة الأخرى المفتوحة على الصالة دون بابٍ أو جدارٍ بينهما. تابعنا عيشنا ذلك اليوم مع بعضنا دون ان نتحدّث لبعضنا البعض وكنا نتصرّف كاننا لا نرى الفيل وكذلك تظاهرت العائلة الجارة بنفس الطريقة. حين نهضت من نومي صباح اليوم التالي كان سائق مصعب وعائلته قد غادرا المنزل مصحوبين بأثاثهم القليل.
بإستعادتي لمنزلي تقلّصت مشاكلي إلى النصف إذ ان هذا المنزل هو في الاساس ملكٌ لأحد المسيحيّين المهجّرين وسوف تمرّ سنوات قبل طيّ صفحة الحرب الأهليّة والبدء بمرحلة الإعمار وإعادة المهجّرين مما يعني ان ليس هناك بدل إيجارٍ شهريّ يتهدّدن مطلع كلّ شهر كسيف معلّق فوق رقبتي. بقي الآن مسألة المأكل والمشرب والملبس إضافةً إلى الحليب والعناية الطبيّة لطفلي وكذلك السجائر. والأخيرة تأتي قبل المأكل والمشرب والملبس في الأهميّة وتتلو في الأهميّة حليب طفلي مباشرة.
بينما راح حساب لدى بقّاليّة عبّاس يتضخّم كانت العملة اللبنانيّة كالعادة تسابقه في التضخّم وفقدان قيمتها وحين بلغنا بعد ثلاثة أشهر ان القيادة في تونس قد أرسلت مبلغاُ ماليّاً يكفي لصرف راتب شهرٍ واحد كان هذا الراتب قد فقد نصف قيمته في السوق المحليّة. مئات من الضبّاط والمقاتلين يتجمعون على شكل نصف دائرةٍ انما بغير انتظام و“يتدافشون” ويتدافعون كما لو كانوا في طواف الحجّ حول أحد مباني الحركة المكوّن من طابقٍ واحد وسط “بستان اليهودي” يقف على سقفه جمال كايد وخالد الشايب وبيد أحدهما كيس خيشٍ بينما يمسك الآخر بكشفٍ بأسماء المقاتلين. اضطرّ الإثنان إلى الصعود إلى السطح بعد ان كادت الجموع تداهمهم من شدّة لهفتها وكان بإمكان تلافي كلّ هذا الإزدحام لو قاما بتوزيع الكشوف والأموال على بضعة ضبّاط ليقوموا بصرفها لأصحابها, لكن يبدو ان السلطة مغريّةٌ إلى حدٍّ يستسهل فيه الناس إذلال الخلق في سبيلها. كنا أمام حالة كباش “كيسيٍّ” كذاك الذي جرى قبل أعوامٍ بين “الشيخ” أكرم ومحمود زكي انا بدون مشهد شدّ الشعر. في البدء غمرّني حسٌّ بالإرتياح كون زميل جمال كايد هو أحد الضابطين الذي يقومان بعمليّة صرف الرواتب لكن شعوري هذا بدأ بالتلاشي بعد نصف ساعةٍ من الصراخ بإسمه ومناداته ومحاولة لفت نظره دون جدوى. بدا كأنه يتعمّد عدم الإلتفات إليّ منعاً لإحراجه. جرت عمليّةالصرف على الشكل التالي:
– ينادي جمال كايد من أعلى السطح على أحد الأسماء مدّة خمسة دقائق بسبب ضجيج وصراخ المحتشدين.
– بعد خمسة دقائق يظهر الشخص المعنيّ ويحاول التقدّم ما أمكن نحو الحجر الأسود للثمه, اي نحو جدار المبني الذي يقف عليه جمال وخالد.
– تمرّ خمسة دقائق أخرى يحاول خلالها المنادى عليه رمي بطاقة هويّة لتصلّ إلى السطح.
– بعد التدقيق فيها يرمى له راتبه المكوّن من رزمة ماليّة من فئة ال 250 ليرة لبنانيّة ملفوفة الوسط بمطاطة.
– ثم ينادى على التالي .. وهكذا دواليك.
جاء دوري بعد ساعتين, كنت خلالهما قد أُتخمتُ ذلّا. تلقفت الرزمة الملقاة وتوجهت إلى منزلي بعد ان مررتُ بدكان عبّاس وناولته نصف راتبي تقريباً واعداً إياه بتأمين دفعةٍ آخرى عمّا قريب. لم أعرف ما الفترة الزمنيّة التي عنيتها بقولي “عمّا قريب” ولم أكن أتوقّع دخلاً من أيّ مصدر.
أدّت الهيمنة السوريّة على لبنان وتوقيع ما عُرف بإتفاقيّة “العلاقات المميّزة” بين الطرفين إلى فتح الحدود اللبنانيّة على مصراعيها أمام العمالة السوريّة دون ان تحتاج إلى أيّ نوعٍ من المعاملات الإداريّة أو المراجعات في الدوائر الحكوميّة أو إحتساب الضرائب أو شيءٍ من هذا القبيل. يعبر العامل السوريّ الحدود مستخدماً بطاقة هويّته بعد ان يقوم بدفع 500 ليرة سوريّة كرسم خروجٍ تتقاضاه الدولة السوريّة ثم يذهب حيث يشاء جنوباً أو شمالاً أو بقاعاً أو جبلا. يبحث عن عملٍ و حين يجده يبدأه مباشرةً ثم ينقل راتبه آخر الشهر إلى عائلته في سوريا. بلغ عدد العمّال السوريّين في لبنان أكثر من مليون عامل شغلوا بغالبيتهم الأعمال الدنيا التي كانت قبلهم من حصّة فلسطينيّي لبنان وبسبب التفاوت الإقتصادي بين البلدين يستطيع العامل السوريّ ان يؤدّي نفس العمل بنفس الجودة, مقابل نصف ما يتقاضاه العامل الفلسطينيّ ولا يستطيع العيش بأقلّ منه بسبب الأسعار الفاحشة للسلع في لبنان.
هذا الإكتساح السوريّ لسوق العمل اللبناني أدّى بالطبع إلى تضرّر بعض العمّال اللبنانيّين من الفئة الأدنى إجتماعيّاً (الأدنى وفق قواعد السوق) إلّا ان المتضرّر الأكبر كان العامل الفلسطينيّ الذي وجده نفسه عاطلاً عن العمل أو في أحسن الأحوال مضطّرّاً إلى العمل مقابل نصف ما اعتاد ان يتقاضاه سابقاً. والحديث هنا طبعا عن العمّال المحترفين خصوصاً منهم عمّال البناء وتوابعه الذي أصبح سوق العمل الرئيسة بعد بدء مشاريع إعادة الإعمار الضخمة التي أطلقها الملياردير رفيق الحريري وعصبةٌ من المتموّلين اللبنانيّين والخليجيّين أمّا العمّال الذين لم يسبق لهم ان عملوا من قبل (كضبّاط وكوادر م.ت.ف) فقد كان مصيرهم أسوأ بكثير. خصوصاً ان حركة فتح – المجلس الثوريّ التابعة لصبري البنّا وبتحريضٍ من النظام السوريّ قد أشعلت موجة اغتيالاتٍ عشوائيّة إنتقاميّة في مدينة صيدا طالت العشرات من الكوادر الفتحاويّة واستمرّت سنوات وهدفت إلى تطهير الجنوب اللبناني من البقايا العرفاتيّة عبر إعدام بعضهم وترهيب البعض الآخر ودفعه إلى الفرار (المستحيل) او الإمتناع عن مغادرة المخيّم (أي السجن الطوعي).
بعض الاموال المسرّبة لأهل الحظوة من الضبّاط بقيت تتسرّب عبر سلطان أبو العينيّن الذي تحصّن وحاشيته في مخيّم الرشيديّة الجنوبي الهادئ وقليل السكان وتمكّن من بسط سلطته الشاملة على أهله بالطريقة الفتحاويّة التقليديّة أي عبر شراء شبابه بالرواتب الشهريّة وإستخدامهم لحراسته الشخصيّة. ومن هناك كان يرسل بعض الأموال إلى “شبّيحة” مخيّم عين الحلوة ليشترى ولائهم أيضاً. من بين هؤلاء من سبق ذكرهم كمنير المقدح وخالد الشايب ومنصور عزّام ومحمود عيسى (اللينو) وصبحي أبو عرب وبلال أصلان وعمر عبد الكريم, إضافةً إلى ضبّاط كبارٍ أخرين هم أصلاً ليسوا من سكان لبنان لكنهم اختاروا البقاء فيه بسبب جنسيّة زوجاتهم اللبنانيّة ومنه أبو فادي مهاجر والحاج توفيق. كان هناك أيضاً حفنةٌ من الضبّاط المتنفذين الذي احتفظوا بخيوطٍ خارجية مختلفة بعضها مع قيادة تونس وبعضها الآخر مع جهات إستخباريّة محليّة وإقليميّة أمّنت لهم حمايتهم ووفّرت لهم أرزاقهم ومن بين هؤلاء خالد عارف وكمال مدحت الذين حافظا على نمطي حياتهما الإعتياديّة وبقيا يتجولان بحريّة بين مكتبيهما في المخيّم ومنزلهما في بيروت وصيدا واحتفظا بحرسهما الشخصيّ الذي دفعت رواتب أفراده عبر تلك “الخيوط”.
———————————————————
لا تبدأ نهارات مدمني السجائر دون طقوس شرب القهوة والتدخين الصباحيّة. ثمّة “طبخة” في علبة القهوة تكفي لهذا الصباح لكننا دخّنا آخر سجائرنا مساء أمس قبل ذهابنا إلى النوم. زاد شرب القهوة من شدّة أعراض الإمتناع عن التدخين خصوصاً اننا زوجتي وانا قد تقاسمنا الركوة كاملةً كعادتنا عند كلّ صباح. بقاليّة “سمهون” لا تبعد عن منزلنا سوى عشرة أمتار لكنّ صاحبها أبلغنا قبل أيّام انه لم يعد يستطيع بيعنا بالإستدانة بسبب تراكم ديوننا عنده. تذكّرت بفرحٍ بالغٍ ان لي بذمّة أكرم مبلغ 1000 ل.ل (تساوي 70 سنتاً) وهذا المبلغ يكفي لشراء علبة سجائر كاملة تحتوي على 20 من تلك “الغاليّة”!.
انتعلت “حفّايتي” وذهبت إلى منزل أكرم الذي لا يبعد عن منزل سوى حوالي 200 متراً. طرقت بابه ففتحه لي متجّهماً إذ انه قد رآني عبر العين الكاشفة المزروعة في الباب فاستعدّ مسبقاً لمواجهتي بأن ارتدى على وجهه “جلدة طيزه” كما يقول المثل الفلسطينيّ البذيء. لم نتبادل التحيّة إذ كنت قد تبادلت معه بعض الشتائم حين أشهر إفلاسه الفجائي بوجهي منذ أشهر.
– أتذكر يوم صرفت لي “بدل مهمّة” شهر آب الماضي؟
– ماذا عن ذلك اليوم؟
– يومها لم يكن المبلغ الذي تحمله معك كافياً وبقي لي بذمّتك 1000 ليرة وعدتني ان تدفعها لاحقاً ثم نسينا الأمر.
– نعم صحيح. سأحضر لك المبلغ.
عاد بعد دقيقة وناولني ورقة الألف ليرة وأغلق الباب في وجهي. عدت مباشرةً إلى بقّاليّة سمهون واشتريت بالمبلغ علبة سجائر “فايسروي” واتجهت إلى منزلي وأعدت تحضير ركوة القهوة مستخدماً التفل الذي بقي في قعرها. خفيفة هي القهوة لكن طعم السجائر الجميل يجعلك تسهو أحياناً عن صغائر الأمور.
———————————————————————–
غالباً ما التقي بنزيه سلّام أثناء تسكّعي في مخيّم عين الحلوة. ضابطٌ تخرّج من الكليّة العسكريّة “المقلّدة“ التي استحدثتها حركة فتح في بيروت وخرّجت منها بضعة دفعات من تلاميذ الضبّاط بعد دوراتٍ استغرق كلٌ منها بضعة أشهر, ثم التحق بعد تخرّجه بالقوّة البحريّة. اعتاد نزيه (أبو ربيع) على ترداد اغنيّةٍ تُبثّ من إحدىمحطّات التلفزة اللبنانيّة عند انتهاء برنامج موجّهٍ للأطفال وتقول لازمتها:”خلص خلصت قصّتنا .. باي باي .. باي باي .. باي باي يا حلويييييييييييين“. دأب على ترديدها بوجعٍ لبضعة أشهر.
– هل وجدت عملاً بعد؟
– لا.
– هل بحثت؟
– فعلت ما في وسعي, ادور في طرقات المدينة يوميّاً طارقاً باب كلّ الأعمال.
– كيف تعيش؟
– بالإستدانة من بقّاليتين, إحداهما بقاليّة عبّاس المستأجرة في مبنى أكرم والثانية تقع داخل الأزقة الضيقة في المخيّم ويملكها مازن عويّد أبن أخت صهري المرحوم خالد.
– وكيف ستدفع ديونك؟
– لا أدري. ماذا تفعل انت؟
– هلّ جربت البحث في بيروت؟ قد يكون سوق العمل هناك أكثر وفرةً.
– وكيف أذهب يوميّاً للعمل في مدينة أخرى وكم ساعة يتحاج الإنتقال اليوميّ إلى هناك.
– لدي خطّة. البحث عن عملٍ بين المسيحيّين في منطقة بيروت الشرقيّة حيث لا يمكن ان تصل أيدي جماعة أبو نضال. العمل في صيدا يعني بالنسبة لي الموت المؤكّد كونني معروفٌ بخدمتي تحت أمرة سلطان أبو العينين وهم يعتبرونه العدوّ الأوّل بإعتباره كان قائداً للهجوم على معقلهم في “الروضة”.
– قد يكون في الموت خلاصٌ من هذا البؤس والعجز.
– نستطيع ان نبحث عن عملٍ يتطلّب النوم في العمل, كمحطة بنزين أو ما شابه. ونعود إسبوعيّاً إلى عائلتينا.
– حسنا. لا خيارات أخرى لديّ لذا سأصاحبك علّ وعسى.
– نذهب غداً؟
– نعم إنما يجب ان تعلم انني لا أستطيع المساهمة في دفع تكاليف الوقود لسيّارتك.
– لا عليك. سأتحملها انا.
– اتفقنا إذن. أراك غداً صباحاً.
– سأمر بك عند الثامنة ثم ننطلق مباشرةً.
لا تستغرق الرحلة إلى بيروت سوى نصف ساعة على الأتوستراد السريع لكن الرحلة من أطراف بيروت الجنوبية نحو أحياء بيروت الشرقيّة تستغرق وقتاً أكبر بسبب إزدحام السير. عند الساعة التاسعة كنّا وسط بيروت الشرقيّة التي لم يسبق لي زيارتها. جلّ الديب, الاشرفيّة, الزلقا, سنّ الفيل, الشيّاح, عوكر, الدورة, فرن الشبّاك, الحازميّة وعين الرمانة … أحياءٌ وبلداتٌ ذات أسماء مألوفة لكثرة ما تردّدت في نشرات الأخبار خلال الخمسة عشرة عاماً الأخيرة ولكثرة ما انفجرت فيها سيّارات مفخّخةٌ لم نأسف لضحاياها وسقطت فيها صواريخٌ وقذائفٌ نحن من رماها. لكن أرض الأعداء هذه لم تعد كذلك في السنوات الأخيرة بعد ان نمت العلاقات السريّة بين حركة فتح وميليشيات القوّات اللبنانيّة وجيش الجنرال ميشال عون لكن هذه العلاقات السريّة عنت ان الناس العاديّين في بيروت الشرقيّة لم يعتادوا بعد رؤيّة الفلسطيني كإنسان عاديٍّ لا يشبه المقاتل البربريّ الذي في مخيّلتهم. بدا ذلك واضحاً في عيون العشرات من البيارتة الذين طرقنا أبواب مؤسّساتهم ومعاملهم ومتاجرهم بحثاً عن عملٍ لم نوفّق به.
كان الجميع يعتذرون بلباقة عن عدم توفّر فرص عمل حاليّا ويبدون استغرابهم ودهشتهم عن سبب بحثنا عن عملٍ في بيروت الشرقيّة بعيداً عن مقرّ سكننا في مدينة صيدا وكنّا نوضّح لهم الأمر أحياناً:”الظروف الأمنيّة والإغتيالات التي تنفذها جماعات مناهضة تعيق قدرتنا على الحركة هناك“. في الواقع كان أبو ربيع دائماً هو المبادر لتقديم الشروح بينما كنت انا أميل إلى التذرع بأسبابٍ أخرى أقلّ دراماتيكيّة لا تجعل صاحب العمل, المتوجّس أصلاً, يزداد توجساً وقد نبّهته إلى هذا الأمر لاحقاً فكفّ عن تقديم الشروحات الحقيقيّة.
سألنا في عشراتٍ من محطّات البنزين, معامل تعبئة الكولا, شركات النقل, الصناعات الغذائيّة, معارض بيع السيّارات, وكلّ ما تصادف مرورنا أمامه لكن السوريّين على ما يبدو (والمصريّين والبنغلادشيّين) كانوا قد سبقونا إليها, فعدنا مساءً بخفّي حنين. رغم خيبة الأمل إلّا ان مشاهدة بيروت الشرقيّة كانت ممتعةً إذ ان هذا الجزء من بيروت الذي احتجب عنّا كل هذه السنوات لا يشبه نصفه الآخر أبداً بل هو أقرب إلى مدينةٍ أوروبيّةٍ منه إلى مدينةٍ عربيّة حتى لو كانت هذه المدينة هي نصفه الآخر. هذا الفرق بين نصفيّ بيروت لا يتعلّق بالمباني والشوارع والأرصفة بل هو فراقٌ أكثر منه اختلافٌ ويمتد ليشمل أواصر العلاقات الإجتماعيّة ومنظومة القيم الأخلاقية والسياسيّة ويمكن للمرء ان يرى كلّ هذا في لباقة وتواضع أصحاب العمل عند الإعتذار عن عدم وجود شواغر في مؤسّساتهم, وتراه في تهذيب السائقين الذي يفسحون لك المجال للمرور بدل من مزاحمتك, وفي تعبيرهم عن الشكر والتقدير إيماءاً في حال أفسحت انت لهم المجال للمرور قبلك وكذلك تراه في ملابس النساء الجريئة والكاشفة وفي تشابك أيدي العشاق في الطرقات وأحياناً تبادلهم العناقات والقبلات العلنيّة. بيروت الشرقيّة التي تمتدّ حتى كسروان والمتنين الأعلى والأسفل وشمالاُ حتى جونية هي المدينة العربيّة الوحيدة التي يعتبر الحبّ فيها شرعيّاً وقانونيّاً.
في طريق العودة تابع نزيه ترديد أغنيته المفضلة:”باي باي .. باي باي .. باي باي يا حلوين“. بدا لي انه واقع تحت صدمة لا يصدّق انها ممكنة الحدوث أو بالأحرى لا يريد ان يصدّق. رغم انه مثلي متأهلٌّ وله طفلان إلّا ان وضعه الماليّ افضل قليلاً من وضعي إذ ان أحد أشقائه (الملقّب بالرينغو) يقيم في السويد مما يمكنّه من مدّ يد العون له بين الحين والآخر. امّا ان فانني رغم أزمتي إلّا انني قد أكون أفضل حالاً من اخوتي ووالدتي في مخيّم اليرموك وكذلك فان علاقة زوجتي بأهلها ليس على ما يرام وبالتالي فإنهم لا يمدّون لها يدّ المساعدة.
مرّت أسابيع أخرى من الإستدانة من بقّاليتيّ عبّاس ومازن وليس من بصيص أمل في إيجاد عمل حتى جاء يومٌ كنت أزور فيها أحد أقربائي المقيمين في مخيّم عين الحلوة واسمه إبراهيم الشرقاوي وهو أصلاً من مخيّم البصّ لكنه أقام بعد زواجه في مخيّم عين الحلوة. كان يعمل مقاتلاً في كتيبة جمال كايد ويسكن قريباً من منزل الأخير في حيّ الصفصاف. لم يكن ابراهيم قبل معركة الجيش يكتفي براتبه من حركة فتح بسبب تدنّيه لذا كان يتحتّم عليه أداء أعمالٍ متفرقّةٍ هنا وهناك لتحصيل عيشه وعائلته المكوّنة من زوجته وأطفاله الثلاثة. عادةٌ ما أزوره مساءً لشرب كأسي عرق معه فقد كان يتناوله يوميّاً عند كلّ مساء.
– غداً لدي عمل. هل تودّ ان تذهب معي لتشاركني القيام وبه وأعطيك نصف ما أحصّل؟
– نعم بالتأكيد أود ذلك!
– حسناً. فلتحضر إذن عند الثامنة صباحاً.
– سأفعل ذلك. ما هي طبيعة هذا العمل؟
– أحد الذين عملت معهم في السابق لديه مجارير مسدودة في مرحاض منزله ويحتاج إلى من يسلكّها.
– أين يقيم؟
– في بلدة الغازيّة. سنذهب مشياً لتوفير أجرة التاكسي.
– حسنا اتفقنا. لم يسبق لي ان قمت بهذا العمل (أو أي عملٍ آخر) لكنني سأتبع إرشاداتك.
– انه عملٌ بسيط لا تقلق.
في الصباح لم يكن جاهزاً (كما توقّعت لمعرفتي به), فشاركته شرب القهوة والتدخين لساعةٍ ثم ارتدى ملابسه وغذذنا السير نحو الغازيّة عبر الطرق الفرعيّة من جهة جنوب المخيّم متجهين نحو درب السيم ثم الأطراف الغربيّة لتلّة مغدوشة واستغرقت رحلتنا نحو الساعة. وصلنا إلى المنزل المقصود وخرج صاحب المنزل ليشرح لنا المشكلة التي لم تكن معقّدة وبإستطاعة أي انسان ان يقوم بها لكنه على ما يبدو لم يطق ان يعمل وسط الفضلات العضويّة ففضّل دفع اجرة عاملٍ ليقوم بذلك نيابةً عنه.
تلخّصت المشكلة بالآتي: المجرور الخارج من داخل مرحاضه إلى العراء حيث يصب في حفرةٍ مفتوحةٍ (كمنزل مهاجر في بستان اليهودي) “مسطومٌ“. الحلّ المنطقي: إحضار سيخ معدنيٍّ ليّنٍ وإدخاله في أحد أطراف المجرور الذي يبلغ طوله أربعة أمتار ودفع العوائق بواسطته. لا تحتاج المسألة إلى أكثر من عاملٍ واحد ليقوم بدفع السيخ لكنني شكرت إبراهيم في سرّي لإحضاري معه. لست في وضعٍ يسمح لي بالقرف, بل لعلّني على إستعدادٍ للسباحة في هذا الفضلات العضويّة إذا كنت سأتلقى عشرة دولارات مقابل هذه الرياضة.
كنّا أحضرنا معنا معولاً ومجرفةً تحسباً فتناول ابراهيم المعول وبدأ يجرف المجري الترابيّ للفضلات العضويّة لتعميقه ليصبح جريان الفضلات الممزوجة بالمياه أكثر سرعة في الهبوط نحو الحفرة. ليس لهذا علاقة بالمجرور المسدود لكن إبراهيم همس لي:”فلنعمل ببطء شديد. حاول ان تبدو مشغولاً لكن دون القيام بأي عملٍ حقيقيّ“. كان الهدف على ما يبدو هو إطالة فترة العمل إلى أكبر حدّ ممكن. هذه هي القاعدة الأولى على ما يبدو في العمل المياوم. شعرت بالإحراج الشديد وانا أحاول وسعي تطبيق ما شرحه لي إذ انني لست فقط غير معتادٍ على العمل لكنني أيضاً لست معتادٍ على “عدم العمل” أثناء العمل. اكتشفت لاحقاً ان هذه التقليد متّبعٌ في أغلب بقاع الأرض وبعد وصولي إلى بريطانيا حيث أقيم الآن شاهدت برنامجاً تلفزيونيّاً إسبوعيّاً يقوم مقدّمه بتصوير هذا النوع من العمّال أثناء “عدم عملهم” بكاميرات سريّةٍ ثم يواجههم بالأفلام.
مضت ساعتان من المناورات قدّم لنا صاحب المنزل خلالها إبريق شاي وتوقفنا بضعة مرّات لشرب الشاي والتدخين (لست أدري عمّا توقفنا بالتحديد) عند الثانية ظهراً أعلن إبراهيم انه قام بما يكفي لهذا اليوم واننا سنعود في الغد لنكمل هذا المشروع. غسلنا أيدينا بصنبور الماء القريب وغادرنا إلى منازلنا عبر نفس الطريق تاركين المعول والمجرفة في أرض “المشروع” بدلاً من حملها ذهاباً وإياباً مرةً أخرى.
في اليوم الثاني أفلح إبراهيم بمهارةٍ منقطعة النظير في تمديد مشروع عملٍ يحتاج إلى خمسة دقائق إلى نهاريّ عملٍ لعاملين إثنين وبعد مرور ساعتين أقدم على إستخدام يديه العاريتين وجرف العوائق التي داخل المجرور بكفّه بعد ان أدخل ذراعة فيه حتى الكتف فانهمرت بعدها بقيّة الفضلات كنبعٍ متجهةً نحو الحفرة التي تصبّ بها معلنةً انتهاء المشروع.
غسلنا أيدينا وعدّتنا ثم نادينا (نادى إبراهيم للدقّة) على صاحب المنزل وأبلغه الانباء المفرحة فشكرنا الرجل ثم سأل كم هي أجرتنا فأجابه إبراهيم :” 50 دولاراً“. انتفض الرجل كمن تفاجأ بأفعى وانتفضت انا أيضاً من شدّة الحرج. تركت “معلّمي” يتفاوض مع صاحب البيت دون ان أدلي بدلوي خصوصاً انني لم أساهم أبداً في العمل الذي استغرق يوميّ عملٍ قصيرين. في النهاية تمّ الإتفاق بينهما على 30 ألفاً (20 دولاراً) تناولناها شاكرين ثم حملنا “العدّة” وانكفأنا عائدين إلى المخيّم. في الطريق منحني إبراهيم نصف المبلغ فشكرته.
لم يدم المبلغ طويلاً إذ انني اشتريت, إحتفالاً بالمبلغ, “فرّوجاً مشويّاً” طال انتظاره مع علبتي ثوم إضافيتين وزجاجة بيبسي من الحجم العائلي. رغم ان إبراهيم قدّ أكّد لي انه سيبحث عن مزيدٍ من الأعمال والمشاريع ويشركني فيها إلّا ان انتظاري قد طال.
بعد إسبوع خطرت لي فكرةً يائسةٌ فحواها ان “أفتتح” بسطة لبيع العلكة والبسكويت والسكاكر والشوكولاته وكراتين “السحبة” للأطفال في الفسحة الصغيرة أمام منزلي التي كنت أركن فيها سيّارتي فيما مضى وهي مسقوفة بألواحٍ باطونيّة رفيعة. ناقشت الأمر مع شقيقتي المقيمة في عين الحلوة والتي كانت تتلقّى راتب زوجها الشهيد من ميليشيا “انصار الله” التابعة لحزب الله التي شكّلها صهرها جمال سليمان بعد انفصاله عن حركة فتح فعرضت ان تدينني ثمن بضائع البسطة الذي يبلغ 60 ألف ل.ل (40 دولارا) فوافقت شاكراً. جهّزت “طبليّةً خشبيّةً ثم اشتريت من محلٍ لبيع الجملة تشكيلةً من البضائع ورصفتها على الطبلية وجلست خلفها على كرسيٍّ صغيرٍ انتظر زبائني. الطريق الإسفلتي أمام منزلي ليس مطروقاً خصوصاً منذ انسحاب الفصائل المسلّحة من المنطقة لذا فقد اقتصر زبائني على أربعة أطفالٍ هم أبناء جيراني في الطابقين العلويّين من المبنى الذي أقطنه, مما جعل “أسهم بسطتي” تنهارٌ انهياراً فظيعاً خلال أيامٍ ثلاثة توقّفت بعدها عن العمل وأكلت على مراحل وبمساعدة زوجتي بقيّة البضاعة التي لم يتمّ بيعها وتابعت بحثي اليوميّ المحموم عن العمل في مدينة صيدا.
لا سجائر, لا حليب أطفال, ولا حفاضات لطفلي. ماذا أفعل يا الله ! راتب اختي الأرملة بالكاد يكفيها وأولادها, عمي “نايف” لا يكلّمني بسبب ال 500 دولار التي استندتها منه وعدته بسدادها ثمّ لم أفعل. أهل زوجتي لا يساعدونها, وأهلي افقر من ان يمدّوا يد العون لي. ثمة صديقٌ قديمٌ لوالدي يقيم في منطقة عبرا ولم ألتقه منذ سنوات لكنّني أعلم انه رجلٌ غنيٌّ يدير تجارةً ناجحةً في أفريقيا. هذا الشخص هو شقيق لأبي علي نحلة الذي سبق ذكره وأيضاً لزوجة أبي السابقة (واسمها حياة) ويدعى “أبو روبين نحلة” إذ انه قد أطلق إسم والدي على بكره. لم يسبق لي ان شحدت لكنني أعزلٌ من الخيارات. استغرقني المشي صعوداً نحو حيّ عبرا حوالي 45 دقيقة وتوقّفت عند أسفل المبنى الذي يقطن في الشقّة الثانية منه نحو خمس دقائق أحاول التحكّم بالحرج الذي يغمرني وإقناع نفسي بان عليّ القيام بما انوي القيام به. رحب بي كثيراً عندما طرقت منزله وذكّرته بنفسي واستقبلني ببشاشةٍ وقدم لي القهوة ثم تجاذبنا أطراف الحديث عن والدته واخوته وسألني عن أخوتي وبقيّة أهلي وقال لي انه علم من أخيه أبو علي انني اسكن في منطقة صيدا وكثيراً ما كان يسأله عني. بعد نصف ساعة آن وقت انتهاء الزيارة فوجّدتني, لدهشتي , أطلب منه مساعدةً ماليّة بسبب سوء الأوضاع وعدم تمكّني من العثور على عمل منذ أشهر طويلة توقّفت خلالها حركة فتح عن دفع رواتبنا. رغم ان الهدف الوحيد من زيارتي كان طلب المساعدة إلّا انني بقيت متشكّكاً من قدرتي على السؤال حتى اللّحظة الأخيرة. خرج أبو روبين من حجرة الجلوس ثم عاد وبيده ورقةً ماليّة من فئة ال 100$ وناولني إياها فشكرته ثم صافحته مودّعا وغادرت منزله عائداً إلى منزلي.
إضافةً إلى انقطاع الرواتب الفجائي , والإغتيالات شبه الإسبوعيّة التي تطال الكوادر الفتحاوية بعشوائيّة, وانعدام فرص العمل رغم بحثي المستمرّ على مدى أشهرٍ طوال, كان بانتظاري مفاجأة أخرى. طرق بابي شخصٌ عرّف عن نفسه بأنه من مخابرات الجيش وطلب مني مرافقته إلى ثكنة زغيب المجاورة لمنزلي وذلك للتحقيق معي. لم يقل ما هي تهمتي وكان وراءه على بعد خمسة أمتارٍ منه عنصران آخران يرتدياً زيّاً مدنيّاً مثله يقفان على أهبّة الإستعداد للانقضاض فبدا لي ان لا مفرّ من مرافقته طوعا. عرفت فيما بعد ان الطارق هو المساعد في “ّالشعبة الثانية” قاسم قمح وهو شيعيٌ من الجنوب ويعمل في ثكنة زغيب في القسم المختصّ بمتابعة الفلسطينيّين في صيدا وعين الحلوة. أمّا المخبر الذي بلّغ عنّي فهو جارتي “بارعة” وزوجها الشيعي الذي يعمل رقيباً في الجيش اللبناني ومقرّ عمله هو ثكنة زغيب. وبارعة هذه امرأةٌ لعوبٌ في الثلاثين من عمرها اعتادت استضافة كبار ضبّاط حركة فتح بعد ان تقوم بإستدراجهم من شرفة منزلها الأرضي الواقع على مدخل طريق الهمشري حيث الممرّ الإجباري لمئات من الضبّاط, مستعينةً بتنانيرها القصيرة وساقيها شبه العاريتين على مدار الفصول وقد تبيّن لاحقاً انها تعمل لصالح مخابرات الجيش.
عندما تدخل سجون المخابرات العربيّة تكتشف ان السجّانين الإسرائيليّين ملائكة رحمة. دلفنا من البوّابة الغربيّة لثكنة هنري زغيب وتوقّفت السيارة على بعد 5 أمتار من الحاجز الحديديّ للبوابّة ونزل الجنود وأمروني بالنزول وقام أحدهم بدفعي من ظهري بإتجاه المبنى الطوليّ المكوّن من طابقين على يمين المدخل. حين دخلنا الغرفة الأولى قاموا بتقييد يديّ خلف ظهري ب“كلبشة” معدنيّة فضيّة اللون, وأحضر أحدهم خرقةً سوداء اللون و “طمّش” عينيّ بها وعقد طرفيها على مؤخّرة رأسي . فكّرت في نفسي:”ما الداعي لتطميش عينيّ طالما انني قد شاهدت وجوههم عندما أحضروني“. يبدو ان الجميع على عجلةٍ من أمرهم إذ ما ان انتهوا من التطميش حتى بادروا لدفعي بظهري كما فعلوا سابقاً انما بقسوةٍ أشدّ هذه المرّة كونهم قد أصبحوا داخل المبنى وليس هناك من يرى. صعدت معهم الدرج بصعوبة إلى الطابق الأول ودخلنا غرفةً على الجانب الأيمن وبدأوا بضربي بهرّاواتهن مباشرةً وبشكل عشوائيّ دون حتّى ان يتحاشوا رأسي. كنت قبل الان أظنّ ان أجهزة المخابرات تتحاشى قتل المعتقل, على الأقلّ قبل انتهاء التحقيق وانتزاع المعلومات منه لكن يبدو انني قد أكثرت من مشاهدة أفلام جيمس بوند. أكتشف أثناء تلقّي العصيّ ان الخرقة السوداء على عينيّ لم تكن تهدف إلى منعي من رؤية جلاديّ بل الهدف منها هو مضاعفة حجم الألم الذي تسبّبه الضربات الفجائية التي لا يعلم المرء بالتحديد متى ستصيبه ولا أدري ما هو التفسير العلميّ لهذه الظاهرة لكنّني متأكدٌ من صحّتها. ترافق الضرب المنهال عليّ بالعصيّ البلاستيكيّة المضغوطة مع صفعات متكّررةٍ على وجهي و“شلاليطٍ” تقع على كلّ ما تطاله أقدامهم من مساحة جسدي وفي اللحظات التي هوت فيها أقدامهم على خصيتيّ وعضوي الذكري كنت أكف عن التألّم من وقع الهرّاوات التي تهوي على رأسي وسائر بدني. كم ذراعٍ يملك هؤلاء أم انهم قد أستقدموا دعماً؟. كذلك لم تتوقّف ألسنتهم عن ترداد سيلٍ من الشتائم كانما هي موسيقى تصويريّة لا بدّ منها لإكتمال المشهد:” يا عرص , يا ابن الشرموطة, يا اخو الشرموطة. بدّي انيك فلسطين تبعك .. “.
بعد فترةٍ زمنيّةٍ تمطّت دقائقها متثائبةً واستطالت حتى قاربت الأبدية (نعم ان الزمن يمكن تكثيفه أو تمديده ولا حاجة لنظريّة أينشتاين النسبيّة في هذا الخصوص) أجلسوني على كرسيٍّ خشبيٍّ وربطوا ساقيّ بركيزتيّ الكرسي الأماميتين مستخدمين لاصقاً عريضاً. مذهلٌ هو كمّ الأشياء التي تستطيع الحدس بها حين لا تكون قادراً على الرؤية. ظننت لوهلةٍ ان الحفلةً قد انتهت وان التحقيق قد يكون أغلق. لكن ظنّي ما لبث ان خاب إذ انقلب كرسيّي بي إلى الخلف وأصبح رأسي وظهري في وضعٍ افقيّيٍ متوازٍ مع أرضية الغرفة وفخذاي عاموديّان وساقاي افقيتان وقدماي مشرّعتان امام أسواطهم المعقودة من أشرطة التوصيل الكهرباء المعدنيّة المغلّفة بالبلاستيك والمجدولة حول بعضها البعض (رأيتها تحت الطمّاشة التي ابتدأت تنزاح عن عينيّ من فرط تزاحم الضربات). خلعوا حذائي من قدميّ وأتبعوه بالجرابات (هل كوّروا الفردة اليمنى من الجرابات ثمّ وضعوها في الفردة اليمنى من الحذاء واليسرى في اليسرى؟ فانا أعاني عرضاً خفيفاً من إضطراب الإستحواذ القهري بهذا الخصوص). إبتدأ الجزء الثاني من حفلة التعذيب وراحت الأسواط تنهال على قدميّ وساقيّ واستؤنفت سمفونية الشتائم التي كانت قد هدأت للحظات أثناء انشغالهم بتقيدي ساقي بالكرسيّ.
إنّ الجسد الانساني مصمّمٌ لتحمّل قدرٍ معيّنٍ من الألم لا يمكن تجاوزه وعند وصول الجسد إلى عتبة هذا الحدّ المعيّن ينطفئ الجهاز العصبي للمرء ويغمى عليه أو يتوفى. ربما يكون الانسان قد اكتسب هذه الخاصيّة لتساعده على ان يؤكل من قبل وحوش العصر ما قبل الحجري دون ألمٍ مجّانيٍّ لا جدوى منه. أغلب الجلّادون يدركون هذا بحكم خبراتهم لذا يرفقون الضرب بالشتائم شديدة التأثير والتي لا يمكن للجهاز العصبي ان يطفئ نفسه ليتلافاها.
رغم انني كنت أصرخ بأعلى صوتي مسترحماً طوال الحفلة إلّا ان الألم لم يكن حقيقة بحجم أصوات التوجّع المفجعة التي اؤدّيها. لكن هذه الأصوات هي آليةٌ دفاعيّةٌ تلقائية تشبه الضربة الإستباقيّة لكنها ليس ضربة بل عملاً وقائيّاً يريد المرء من خلاله ان يروي تعطّش مهاجمية لإيذائه ويوحي لهم بأنه قد نال ما يستحق فلا داعي لزيادة مقدار جرعة الألم حتى لا يغمى على الضحيّة ويفقدون متعتهم بتألّمه.
لن أجازف بمحاولة تقدير المدّة الزمنيّة التي استغرقتها حفلة التعذيب لعدم امتلاكي لأدنى دليل وقد تكون استمرّت لدقيقيتين أو لساعتين. (حسب ساعة يدي فانها لم تستغرق أكثر من عشرة دقائق). أصلحوا وضعيّة الكرسيّ الذي أجلس عليه (تقريباً) ونزعوا الرباط عن ساقيّ ثم أمروني بالوقوف (الذي لم يكن مريحاً على الإطلاق). ودفع أحدهم بحذائي و“جرابيّ” نحو بطني وأمرني بالإمساك بهم (لم يكن الجرابان مكوّران داخل فردتي الحذاء أبداً بل مرميان فوقهما بشكلٍ عشوائيّ!) ثم جرّوني إلى الطابق الأرضي. سمعت فتح أقفال معدنيّة مرّتين ثم صرخ بي الجندي الذي قادني بان أُبقي عينيّ متجهتين نحو الجدار بعد ان يفكّ العصبة السوداء عن رأسي فنفذت أوامره. أغلق الباب الحديديّ خلف دون أن يعطني الجندي موافقته على فتح عينيّ. أيقنت أنه قد ذهب لكنّي لم أرد المجازفة وحافظت على إغلاق عينيّ حوالي الدقيقتين بعد أغلاق باب الزنزانة, ثم فتحتهما وبقيت متوجّهاً نحو الجدار محاولاً رؤية ما خلفي. وقد نجحت في ذلك وهو أمرٌ سهلٌ لا يحتاج إلى تدريب.
أمامي حائطٌ إسمنتيٌّ غير مدهون. ثمة “مصطبةٌ” باطونيّة عند الجانب الأيمن من الجدار بطول مترين تقريبا بعرض 60 أو 70 سم وعلوّ بنفس قياس عرضها وعليه بطّانيتان. فوق المصطبة توجد فتحة تهوية مغلقةٌ بصفيحةٍ حديديّةٍ بنفس حجم الفتحة لكنها ثبّتت على الجدار من الجهة الخارجيّة بأذرع معدنيّة مغروزة فيه وطول الأذرع حوالي عشرين سمّ وهي المسافة التي بين الصفيحة والجدار التي يدخل عبرها بعض الهواء والنور. خلف ظهري تماماً يوجد باب حديديٌ فيه كوّةٌ صغيرةٌ ذات مزلاجٍ لا يمكن فتحه أو إغلاقه إلّا من الخارج وهي حاليّاً مغلقة. الزنزانة نفسها هي بطول ثلاثة أمتار وعرض مترٌ ونصف.
سريعاً ما تتغيّر مفاهيم السجين وتضيق مداركه وأحلامه لتصبح بحجم الزنزانة التي تحتويه. فالزنزانة بحدّ ذاتها هي رفاهيةٌ تكاد تحسد نفسك عليها قياساً بالطابق الأعلى الذي غادرته للتوّ. أول ما خطر ببالي هو إراحة قدميّ فاستلقيت على المصطبة واضعاً إحدىالبطّانيات تحت رأسي بعد ان لففتها لتصبح بشكل مخدّة. خفّت آلامي تدريجيّاً مع مرور الوقت فوقفت بعد ساعتين على المصطبة – السرير لإستكشاف فتحة التهويّة التي تطلّ على الجهة الغربيّة. أستطيع من خلال المسافة بين الجدار والصفيحة المعدنية رؤية السور الخارجيّ للثكنة لكن دون الأرض. وكذلك أستطيع رؤية مساحةً ضئيلةً من الشارع خارج السور بسبب كون الطابق الأرضي الذي انا فيه مرتفعٌ عن سطح الأرض بمقدار أربعة أو خمسة درجات صعدناها عند دخولنا مما يترك مساحةٌ لشبابيك التهويّة في الطابق المقام تحت الأرض والذي قد يكون ملجأً حربيّاً أو مخزناً أو سجنا. هذه المساحة الصغيرة التي أستطيع رؤيتها خارج السور كافيةً لتمنحني القدرة على رؤية رؤوس المارّة إذا ما كانوا على مسافةً مناسبة من الجدار لحظة مرورهم, وهي منذ الآن حدود أفاقي لكن الشارع الذي أطلّ عليه ليس مطروقاً للأسف ونادراً ما يمرّ منه راجلين أو راجلات.
مستلقيّاً على ظهري, انشغل ذهني بمسألتين أساسيّتين هما السجائر والتبوّل وكلاهما بذات الأهميّة. فإن المعاناة الناتجة عن الانقطاع الفوري عن التدخين خصوصاً في الظروف العصيبة لا تقلّ شدّةً عن آلام التعذيب الجسدي الذي يتعرّض له السجين. مددت يدي إلى جيب بنطالي حيث علبة سجائري واخرجتها لأتفحّص عدد السجائر المتبقيّة فيها فوجدتها ستّة أما علبة الكبريت ففيها وحد وعشرون عوداً. الغريب انهم لم يجردوني من أيّ شيء, فاحتفظت بسجائري وعلبة الكبريت وساعة اليد وحزامي ورباطيّ حذائي وكلّها تعتبر من الممنوعات في السجون الأمنيّة. استطيع ان اقتل نفسي بأية طريقة شئت عدا التدخين حتى الموت إذ ليس هناك ما يكفي من السجائر. لا أفكّر في قتل نفسي حقيقةً انما أجد مسألة ترك كلّ أشيائي بحوزتي غريبةً ومدعاة تساؤل. يمكنني التقنين في التدخين بحيث تدوم هذه السجائر الستّة لفترةٍ طويلة لكن عيدان الكبريت المحدودة تعني انني أستطيع التدخين إحدىوعشرين مرّة. أشعلت سيجارتي الأولى وأخذت منها نفسين عميقين ثم أطفأتها برقةٍ ورويّة عن طريق حفّها بالجدار حفّاً خفيفاً بحيث لا أفقد من التنباك فيها سوى الجزء المشتعل ثم أعدتها إلى داخل علبة السجائر. قررت ان أشعلها للمرة الثانية عند المساء حين يحين وقت النوم.
طالما عانيت منذ أكثر من عشر سنوات مما يسمّيه الأطباء “مثانة مفرطة النشاط” وهذا العارض يعني ان جدار المثانة يكون مفرط الحساسيّة بحيث يشعر المصاب بحاجته للتبوّل بعد وصول كميّة قليل من البول إليها ولا يستطيع الانتظار ريثما تمتلأ كما هو معتاد عند غير المصابين بهذه العلّة, كما ان توتّر الحالة النفسيّة يضاعف من نشاط المثانة المتضاعف أصلاً. هذا الباب الحديديّ يعني ان لا خيار لديّ سوى التبوّل في أرض الزنزانة أو الصراخ كل ربع ساعة والطرق على الباب حتى يأتي أحد الجنود المكلّفين ب“رعاية” المعتقلين والخيار الثاني سيعرّضني إلى حفلات تعذيب إضافيّة مجّانيّة كل بضعة دقائق. ثم ان رائحة البطّانيتين الذين انام عليهما تشبه رائحة البول إلى حدّ كبيرٍ ولن تزيد بركة بولٍ في زاوية الزنزانة من معاناتي إلّا قليلا. وقفت على الزاوية المقابلة للباب الحديدي وتبوّلت في “حجرة نومي“. فتح الباب عند الثانية ظهراً لإدخال طعام العشاء المكوّن من صحن أرزّ وصحن فاصولياء وسأل الجنديّ بحنق:”ما هذه الرائحة” فبقيت صامتاً إذ ما ان اكمل جملته حتى رأى بقعة البول وبدا عليه عدم الممانعة ربّما لظنّه ان هذا البول سيزيد من معاناتي أو معاناة من سيليني أو ربما يكون من طبيعةٍ أخرى إذ ان تصرفاته وطريقته بالحديث حياديّة توحي بانه يقوم بوظيفته فقط ولا يحمل داخله أيّة عدائيّة نحو المعتقلين. وضع الطعام على الأرض ثم سألني ما إذا كنت أحتاج الذهاب إلى المرحاض فأجبت بنعم فأشار إليّ بان أتبعه. الممرّ أمام الحجرة لا يدخله نور النهار لكن في سقفه ضوء كهربائيٍ. على يميني ثلاثة زنازين متلاصقةٌ أمّا المرحاض فعلى الجهة اليسرى في آخر الممرّ قرب الباب الرئيس لهذا المعتقل. قال الجندي:” بعد ان تنتهي عدّ إلى زنزانتك” ثم تركني وغادر مغلقاً خلفه المزاليج الحديديّة. في طريق عودتي إلى زنزانتي سمعت طرقاً خفيفاً على باب الزنزانة الملاصقة لزنرانتي فقرّبت أذنيّ من الباب وهمست:
– من هناك؟
– انا محمّد شريدي من عين الحلوة , وانت؟
– انا غسّان أبو العلا من عين الحلوة أيضاً.
– لما أحضروك؟
– لا أعرف بعد. وأنت؟
– أوقفوني عند نقطة التفتيش بتهمة إطلاق النار.
لم أطل الحديث أكثر حتى لا يفاجئنا الجندي فولجت إلى زنزانتي وأغلقت بابها وما هي إلّا دقائق حتى عاد الجندي واغلق المزاليج من الخارج.
لم يعتورني أيّ شعورٍ بالجوع فلم أقترب من الطعام أبداً وقد أخذ الجندي الصحنين عند المساء حين أحضر طعام العشاء وهو عبارة عن بيضة وحبّة بطاطا مسلوقتين ومعهما نصف رغيف خبز. وحين أحضر طعام الإفطار في الصباح ورأى انني لم ألمس الطعام بعد سألني:”لماذا لم تأكل؟” فأجبته بانني لا أشعر بالجوع فأخذ صحن العشاء وناولني صحن اللبنة والزيتون ونصف رغيف من الخبز. أرغمت نفسي على تناول بضعة لقمات حتى يستعيد جهازي الهضمي عافيته ثم أشعلت السيجارة لنفسين آخرين وأطفأتها بنفس الطريقة وأعدتها إلى العلبة. هذه هي المرّة الثالثة التي أشعل فيها هذه السيجارة الأولى ولكنها لم تفقد بعد أكثر من ربعها. عند العاشرة صباحاً عاد الجندي الذي أحضرني إلى الزنزانة في المرّة الأولى فنهرني بلؤمٍ وأمرني بان أقف أمام الباب ووجهني متجهاً نحو الحائط ثم “طمّشني” وقادني من جديدٍ نحو الطابق الأوّل. كما المرّة الفائتة, بدأت الحفلة فور دخولي مباشرةً وكانت مختلفةً عن حفلة أمس بانها تضمّنت تحقيقاً ويبدو ان أجوبتي لم تكن تلقى أيّ استحسانٍ من الجلّادين إذ كانوا يضاعفون من شدّة الضرب مع الصراخ:”بتكزب يا كلب” وشتائم أخرى.
– ما رتبتك؟
– ملازم أوّل.
– كذّاب ! انت برتبة ملازم. (ضربات على الرأس)
– والله العظيم ملازم أوّل.
– أين الزوارق المطاطيّة التي تملكونها . (شلاليط)
–لا أعرف.
– بل تعرف يا أخو الشرموطة. (المزيد من الهرّاوات والأسواط الكهربائيّة على كافة انحاء جسدي)
– والله العظيم لا أعرف. سمعت ان أكرم قد باعها.
– لمن باعها ؟
– لا أدري. (الضربات مستمرّة)
– من زوّر لك بطاقة الهويّة؟
– والله العظيم انها صادرة من السراي الحكومي. (شلاليط وصفعات على الوجه)
– انت سوري يا منيك! فلا بدّ ان تكون البطاقة اللبنانيّة التي بحوزتك مزوّرة.
– أين يسكن أكرم؟
– يسكن بجانب “مدرسة الأميركان” (المزيد من الضرب)
على الكرسيّ من جديد. استمرّت الأسئلة نفسها والأجوبة نفسها أيضاً انما على وقع الفلقة هذه المرّة. عند الإنتهاء عدت إلى زنزانتي بنفس الطريقة وحاملاً بيديّ حذائي و“جراباتي” الذين لم يعودا يتّسعا لقدميّ المتورّمتين. ما ان أغلق الباب عليّ حتى سارعت إلى إشعال السيجارة وتدخينها حتى نصفها غير مبالٍ بحدود التقنين الذي كنت قد فرضته على نفسي.
عندما تُضرب وتُشتم بينما انت معصوب العينين ومقيد اليدين وعاجزٌ تماماً لا تعود انت الشخص نفسه الذي كنته قبل الضرب. شيء ما داخلك ينكسر ولا يجبر أبدا. تكره نفسك وتلومها وتحمّلها مسؤوليّة ما حصل لها بنفس الطريقة التي تلوم المغتصبة نفسها وتحمّلها مسؤولية اغتصابها. نعم ان يديك كانتا مقيّدتين وعينيك معصوبتين لكن فمك كان حرّاً فلم لم تردّ الشتيمة على الأقل؟ يدرك عقلك بوضوح ان آلية حفظ النوع لدى جميع الحيوانات والبشر هي التي تتسلّم سدّة القيادة عند المخاطر الكبيرة ولا يعود للتقاليد والقيم المكتسبة أيّ دور. ثمّة خياران فقط أمام الكائن الحيّ عندما يتهدّده الخطر في مثل هذه الظروف: القتال أو الهروب ويعتمد تبنّيه لأحد الخيارين على المعطيات الموضوعيّة كعدد وحجم وقوّة فكّيّ مصدر التهديد ولا شيء سوى ذلك. رغم إدراكك بأن ردّك على الشتائم التي يمطرك بها الجلّادون بشتائم مقابلة قد يودي بحياتك لكون المعطيات الموضوعيّة في هذا الظرف واضحة وتبيّن ان نسبة حظوظ نجاتك في هذه الحالة هي 0% إلّا ان اناك العليا التي تعود لإستلام مركز القيادة داخل شخصك بعد زوال الخطر لن تغفر لك عدم مواجهتك لجلّاديك أبدا. كن أكيداً بانك ستكره نفسك, لكنّك على الأقلّ ستحيا.
في اليوم الثاني بدأت بالتعوّد على ظروفي الجديدة وصرت أتناول الطعام في مواعيده كما وجدت في زاوية الغرفة المظلمة كيساً فارغاً من النايلون تركه وراءه أحد المساجين الذين سبقوني في سكنى هذه الزنزانة. ان هذا الكيس هو الحلّ المثالي لمثانتي مفرطة النشاط. صرت أبول فيه ثم أقف على سريري الباطوني وأرمي ما فيه من البول خارجاً من خلال فتحة التهويّة ثم أحتفظ به للمرّة القادمة . بعد بضعة إستخدامات اصبح الكيس مبلّلاً بالبول من الخارج كما هو من الداخل لكنني ثابرت على استخدامه إذ ان بضعة قطرات من البول على يديّ لن تضيرني. ليس للنظافة أيّة أهميّة في الزنازين وكلّ ما يحتاجه المرء ليكون مرفّها في الزنازين هو السجائر. الكثير منها.
في العاشرة من صباح اليوم السادس فتح باب زنزانتي فتهيأت لحفلة التعذيب المعتادة لكن الجندي الذي حضر لجلبي لم يطمّش عينيّ أو يقيّد معصميّ هذه المرة كما انه دعاني لإتّباعه بدلاً من دفعي وجرّي كالمرّات السابقة. بدلاً من ان يتّجه بي إلى الطابق الأول إتجّه نحو الغرفة التي دخلتها اوّل ما دخلت عندي وصولي إلى الثكنة. على كرسيه خلف الطاولة الحديديّة جلس قاسم قمح (أبو محمّد). أمرني الجنديّ بالجلوس على الكرسي المواجه.
– كيفك؟
– الحمدلله.
– انشالله ما يكونوا ضايقوك الشباب.
– الحمدلله. ماشي الحال.
– قد نويت الإفراج عنّك انما هذا الإفراج سيكون مشروطاً.
– تفضّل.
– أريدك ان تبقى على إتصال بنا.
– ان شاء الله.
– أريد منك ان تكتب لي تقريراً يوميّاً مفصّلاً عمّا يدور داخل التنظيم الذي انت فيه.
– لكنّني لا أعمل معهم حالياً. ليس هناك تنظيم ولا رواتب وانا أقضي نهاراتي في البحث عن عمل مدنيّ.
– حتى لو كنت تبحث عن عمل مدنيّ. يمكن الذهاب إلى المخيّم لمدة ساعة لترى زملاءك وتسأل عن الأخبار.
– اقسم لك بالله انه لم يعد هناك لي من زملاء بعد هذه الظروف.
– ستتدبّر أمرك. كما اننا سنكافئك ماديّاً على خدماتك.
– والله العظيم ما بيطلع بإيدي هيك شغل.
– ألا تريد الخروج من السجن؟ هل تريد ان نسلّمك للمخابرات السوريّة؟
– لا.
– حسنا. هاك رقم هاتفي على هذه الورقة. إبقَ على إتصالٍ دائم وبلّغني بكل صغيرةٍ وكبيرة.
– حسناً سأفعل.
– هل هناك أية أغراضٍ تخصّك في زنزانتك؟
– لا.
– حسناً إذن. تستطيع الذهاب إلى منزلك الان.
– ماذا عن بطاقة هويّتي؟
– بطاقة هويّتك مزوّرة وقد صادرناها.
– والله العظيم ليست مزورة.
– إصمت!
– حسنا.
عندي خروجي من باب الثكّنة وانعطافي نحو اليسار متّجهاً إلى منزلي الذي لا يبعد سوى بضعة مئات من الأمتار عنها نظرت إلى فتحة التهوئة عند سقف زنزانتي فرأيت الجدار الخارجيّ برمّته مبلّلاً ببولي.
بعد يومين من إطلاق سراحي وحلول موعد الإتصال الأول مع قاسم قمح غادرت منزلي مصطحباً زوجتي وطفلي لأقيم بضعة أيامٍ في منزل شقيقتي داخل المخيّم ريثما يقضي الله أمراً كان مفعولا أو اجد مخرجاً أو أعود إلى السكنى داخل المخيّم هرباً من سطوة المخابرات العسكريّة اللبنانيّة. بعد يومين زارني المقدّم أبو فادي مهاجر ليطمأن على سلامتي ولمّا علم سبب انتقالي إلى المخيّم ضحك وقال لي: هذا الكلام يقولونه لكلّ من يطلقون سراحه بسبب عدم وجود مسوّغاتٍ قانونيّة لإعتقاله وتحويله إلى القضاء العسكريّ أو المدني فلا عليك.
– وماذا ان عادوا واعتقلوني بسبب عدم الإتصال بهم؟
– لن يعودوا. هناك مئات من الكوادر الذين اعتقلوهم على مدى الأشهر الفائتة بهدف التحقيق معهم, وكلّهم تقريباً سلّموا رقماً هاتفيّاً للتواصل مع جهاز الإستخبارات عبره, وكلّهم لم يفعلوا ورغم ذلك لم يعودوا لإعتقالهم. ليس هناك من مسوّغٍ قانوني لإعتقالك. إلّا ان تكون قد تسلمت منهم أموالاً؟
– لا يا رجل! لست بهذا الغباء.
بعد بضعة أيام وتكرار سماع نفس الانباء من الزوّار حول موضوع المعتقلين المطلق سراحهم وأوامر “البقاء على إتصال” عدت إلى منزلي واستعدت عافيتي رويداً رويداً إذ ان آلام وعلّامات الضرب والفلقة استمّرت لإسبوعين تابعت بعدها عمليّة البحث اليوميّ عن عمل.
——————————————————————-
الفصل الحادي عشر
النهوض من الرماد
في العاشرة من صباح نهارٍ خريفيٍّ رطبٍ ذهبت سيراً على الأقدام إلى وسط مدينة صيدا لزيارة صديقٍ تركيٌّ متزوجٌ من امرأةٍ سوريّةٍ تمتُّ بصلة قرابة لوالدتي, ويعمل ناطوراً في أحد المباني التجاريّة المخصّصة للمكاتب والعيادات ويقيم مع زوجته وابنته في أحد المكاتب الخاليّة في نفس المبنى. كان هدف الزيارة السؤال من جديدٍ عمّا إذا تناهى إليه من أصدقائه وجود شاغرٍ في مبنىً يحتاج إلى توظيف ناطورٍ فيه إذ كان قد وعدني بأن يستفسر عن الموضوع في محاولةٍ لمساعدتي في إيجاد عمل.
عند وصولي إلى المبنى الذي يعمل فيه إبراهيم (زوج قريبتي) والواقع على بعد عشرين متراً من مستديرة النجمة في قلب صيدا, لم يكن موجوداً في الغرفة الصغيرة على زاوية مدخل المبنى مقابل المصعدين الكهربائيين ممّا يعني انه يقوم بعملٍ ما من مهامه اليوميّة في أحد الطوابق. أعلم بحكم زياراتي المتكرّرة لإبراهيم ان غيابه عن حجرة الناطور الصغيرة لن يطول فقرّرت انتظاره على الرصيف المحاذي للمبنى والمزدحم بالمارّة والمحلّات التجاريّة والصاغة والصرّافين.
أثناء تسكّعي على الرصيف تصادف ان التقيت بإيهاب رفاعي وهو شابٌ في منتصف العشرينات من عمره, كنت قد تعرّفت عليه أثناء عمله في كتيبة جمال كايد حيث كانت مهمّته الأساسة هي قيادة السيّارة العسكريّة التابعة للكتيبة ونقل الأفراد والتموين وتأدية بعض المهام الأخرى لموقع الكتيبة المتموضعة في بلدة درب السيم, وقد تبيّن فيما بعد انه إيهاب هو أحد عناصر تنظيم المجلس الثوري المزروعة داخل حركة فتح اللجنة المركزيّة. بعد المعركة التي دارت بين فتح – اللجنة المركزيّة وفتح المجلس الثوري والتي تلتها بعد بضعة أشهر المعركة بين الجيش اللبناني والفصائل الفلسطينيّة وإرغام الفصائل على الإرتداد إلى داخل المخيّمات, استفرد المجلس الثوريّ الذي حافظ على سلاحه ومواقعه داخل المدن اللبنانيّة والمخيّمات الفلسطينيّة الواقعة في المساحة الجغرافيّة التي تهيمن عليها القوّات السوريّة في بيروت وطرابلس والبقاع بالكوادر الفتحاوية من الصفّ الثاني وبدأ بإصطيادهم كالعصافير بسبب إقامتهم داخل المدن لا في المخيّمات التي امتهنوا “الدفاع عنها” والتحدّث بإسمها وإستثمار أبنائها. وكانت السكنى وسط المدن والإحتماء بأهلها تعني الطمانينة والرفاهيّةً لهؤلاء الكوادر يوم كان المنطقة واقعةً تحت نفوذهم وكان بإستطاعتهم تأمين حراسة مسلّحة ترافقهم ليل نهار أو الإستعاضة عن الحراسة بالقيام بالتنسيق الأمني مع الأجهزة الإستخباريّة المعنيّة (السوريّة واللبنانيّة) المسيطرة على مناطق إقامتهم لتضمن أمنهم الشخصيّ وسلامتهم. أما بعد انتشار الجيش اللبناني والمخابرات السوريّة في كافة المناطق ورفع الغطاء السياسيّ عنهم فقد أصبحوا لقمةً سائغةً لعمليّات الإغتيال التي طالت بين عاميّ 1991 – 1993 أكثر من 50 كادراً منهم قتل بعضهم في أحياء العاصمة بيروت وبعضهم الآخر داخل مدينة صيدا. 90% ممن تمّ اغتيالهم في مدينة صيدا بأوامر من وصفي الحنون القيادي في تنظيم المجلس الثوري قتلوا على يد إيهاب الرفاعي وأخيه ثائر الذين قاما بهذه الإغتيالات علناً وفي ضوء النهار وبشغفٍ واستمتاع كما لو كانا يمارسان هوايةً رياضيّة.
مدّ إيهاب يده مصافحاً كما لو كنا صديقيّن قديمين وسألني عن أخباري ثم دعاني لتناول فنجان قهوةٍ في مكتبهم القريب الذي لا يبعد أكثر من بضعة مباني عن مكان وقوفنا كما قال. شكرته واعتذرت عن الدعوة بسبب انشغالي بموعدٍ مسبق مع صديقي الذي أقوم بانتظاره. دفعني من كوعي الأيسر دفعاً خفيفاً بإتجاه المكتب المذكور قائلاً:”هلمّ يا رجل. لن يستغرق شرب فنجان القهوة سوى ربع ساعة يكون صديقك خلالها قد حضر“, فتصلبت في مكاني موكّداً على موقفي بانني لا أملك الوقت مردّداً القول “في المرّة القادمة ان شاء الله يا إيهاب . . هناك متّسعاً من الوقت والكثير من الأيام القادمة”.
انتقل من جانبي إلى الوقوف أمامي مباشرةً حاجباً جسده عن المارّة ثم فتح الجهة اليسرى من سترته الجلديّة كما لو كان بائع ساعات يدلّل على ساعاته المعلّقة في ثنايا معطفه الداخليّة. لكن بدلاً من الساعات أراد إيهاب ان يريني مسدس الشتاير الألماني (عيار 9ملم وآلي الحركة) المثبّت في غطاءٍ جلديٍّ يتدلّى من حزامٍ ملتفٍّ حول كتفه في إشارةٍ واضحة إلى ان امتناعي عن قبول الدعوة له عواقب وخيمة. لم تستغرق إشارته سوى ثانيةً وأحدةً ردّ طرف سترته بعدها وعاد إلى إمساكي من ذراعي والإتجاه شمالاً نحو المكتب كما لو ان الأمر بات مقضيّاً بعد رؤيتي لمسدسّه الرشّاش, فأزداد تصلّبي وتمسمرتُ في مكاني. إذا كان يودّ ان يقتلني فعليه ان يفعلها هنا وعلانيةً حتى يُعرف غريمي على الأقلّ وحتى لا تقضي والدتي بقيّة عمرها متسائلةً عن مصيري وعمّا إذا كنت حيّاً أو ميتا.
– انت تعلم يا إيهاب انني لست من الصنف الذي تبحث عنه. فإن موتي لن يهزّ شعرةً واحدةً عند قيادة الحركة.
– لا أريد قتلك انما أردت ان نشرب القهوة ونتحدّث على انفراد.
– لست في مزاجٍ ملائم للقهوة ثم انني لم أعد انتمي لحركة فتح ولا أنوي الانتماء إلى أيّ فصيل آخر فما جدوى الحديث على انفراد.
– تعلم انني أحترمك يا أخي غسّان وأعلم انك من الشرفاء.
– أشكرك. لا أدري ما إذا كنتُ من الشرفاء لكنّني بالتأكيد من الفقراء وليس في ذهني حاليّاً سوى البحث عن عملٍ أستطيع من خلاله تأمين القوت لطفلي.
– لا عليك يا صديقي. ليس في نيّتي قتلك صدّقني.
– جيد. أرجوا إذن ان نشرب القهوة سويّاً في مرّةٍ قادمة حين تكون الظروف أكثر ملائمةً.
– تحياتي. أراك لاحقاً.
– تحياتي.
بعد ثلاثة أسابيع وبينما كنت أسير في أحد شوارع المدينة متوجّهاً إلى حيّ “زاروبة الإجاصة” لزيارة صديقٍ يقيم هناك وبصحبتي والدتي التي جاءت من مخيّم اليرموك لزيارتي, وأحمل بين يديّ طفلي روبين أثارت انتباهي سيّارةً معدّةٌ بإحتراف لكي لا تثير الانتباه. سيارةٌ عتيقةٌ وصغيرةٌ من نوع (فيات) غير المرغوب وغير الشائع, تشبه قطعة خردة ولونها البرتقاليّ الباهت تزيد في تشويهه العديد من لطخات “معجونة الحديد” بيضاء اللون المعدّة لطلاء لم يقيّض له الإكتمال. بينما كنت أهمّ بعبور الشارع للإنتقال إلى الرصيف الآخر تقدّمت سيّارة الفيات ببطء شديدٍ من جهة اليسار متوجّهة نحو مكان وقوفي ولمحت داخلها إيهاب وأخاه ثائر. هذا شارعٌ خالٍ من المارّة تقريباً في هذه الساعات ويشكّل موقعاً لا بأس به لإطلاق بضعة رصاصات من كاتم صوتٍ نحو هدفٍ ما ثم الانطلاق بهدوء دون ان يلحظ أحدٌ ما الذي حدث. عندما لمحتهما ناولت طفلي لوالدتي وتابعت سيري نحو الرصيف الآخر تابعت السيارة التي يقودها ثائر طريقها ولم يطلق أحد من راكبيها النار. يبدو أنهما بانتظار شخصٍ آخر سواي إذ ان هذه المنطقة قريبةٌ من حيّ دلاعة الراقي الذي يقيم فيه عددٌ لا بأس به من الكوادر الفتحاويّة المتموّلة.
———————————————————-–
أخيراً. معملٌ لدبغ الجلود لم أكن أعلم بوجوده من قبل, وصادفته أثناء تجوالي اليوميّ ويقع بالقرب من الشاطئ الجنوبيّ لمدينة صيدا في منطقةٍ غير مطروقة بسبب قربها من “مطمر النفايات” الضخم الذي كان قد بلغ حجم جبلٍ صغيرٍ, وتفادياً للروائح الكريهة.
– هل تحتاج إلى عمّال؟
– هل سبق لك ان عملت في مجال دبغ الجلود؟
– لا ولكنني قادرٌ على التعلّم بسرعة.
– نحن بحاجة لبضعة عمّال. يمكنك البدء غداً لفترةٍ تدريبيّة. العمل يبدأ من الساعة 8 صباحاً وينتهي في السادسة عصراً.
يتكوّن العمل اليوميّ من بضعة مراحل يتوزّع فيها العمال البالغ عددهم 15 عاملاً بين هذه المراحل المتعدّدة من دبغ الجلود ويتنقّلون بينها حسب الحاجة. المرحلة الأولى هي إستلام وتعداد جلود الخراف والعجول التي تأتي إلينا من المذبح الرئيس في المدينة صباح كلّ يوم ويتمّ تجميعها في كومةٍ ضخمةٍ في إحدىزوايا المعمل. يتمّ بعدها نقل الجلود بعربة ذات عجلةٍ واحدة إلى داخل مقلابٍ ضخمٍ يشبه مقلاب خلط الإسمنت المستخدم في تشييد المباني ويضاف إليها كميّة من الزرنيخ ويتم تزويدها آليّاً بالماء الساخن أثناء دورانها الذي يستمر لنصف ساعة نخرج بعدها الجلود وقد فقدت صوفها تماماً (والطبقة الخارجيّة للجلد في حالة العجول). المرحلة الثالثة هي معالجة الجلود على ظهر مكواةٍ ضخمةٍ ويتمّ خلال المعالجة قشط الجذور المتبقيّة من الشعر يدويّاً ثم كيّها لبضعة دقائق وتنشر بنفس الطريقة التي تنشر فيها الملابس بعد غسلها والمرحلتين الآخرتين هما رشّها بالألوان حسب الطلب ثم تطريقها بآلةٍ خاصةٍ حتى تستعيد ليونتها التي فقدتها أثناء مراحل المعالجة.
العمل في مدبغة الجلود مرهقاً ويستمر بشكلٍ متواصلٍ بحيث يقوم أصحاب المعمل وهم أربعة أخوة بالتواجد الدائم والعمل على نقل العمال من منطقة عملٍ إلى أخرى بحيث لا تتاح لك الراحة إلى لمدة ربع ساعة لتناول طعام الغداء. وليس هناك وجودٌ لأي نوعٍ من الملابس الواقية من الزرنيخ والدماء العالقة بالجلود حديثة السلخ التي نقوم بنقلها من وإلى ماكينة نزع الصوف مما يسمح لخليط روائح الزرنيخ والدماء والرائحة الأصليّة للخراف قبل ذبحها بالإنتقال إلى ملابس العمّال ومنها إلى داخل جلودهم بحيث تصبح رائحتهم مماثلةً تماماً لرائحة الخراف ولا تزول إلّا بصعوبة. الراتب اليوميّ هو 4 دولارات احتاج إلى تخصيص دولارٍ ونصف منها ثمناً لعلبتي سجائر لي ولزوجتي أما الباقي فهو لبقيّة مصاريف الحياة من مأكلٍ وملبسٍ وحليب أطفال وتنقّل. ليس بالإمكان إستخدام سيّارات التاكسي للذهاب إلى العمل والإياب منه إذ ان ذلك سيستنزف بقيّة الراتب تقريباً مما يضيف على ساعات الدوام الرسميّة 90 دقيقةٍ أخرى هي ما تستغرقه الرحلة من وإلى المدبغة.
إذا صدف وانعدم وجود ما يكفي من المهام لإشغال جميع العمّال كافة الأوقات يقوم أصحاب العمل بإجتراح مهامٍ جديدة كالطلب من العامل غير المشغول بكنس مكتبهم او تنظيف أرضيّة المعمل أو ما شابه. لذا فإنني “أصلّي” دائماً (مجازاً) ان لا تأتي عليّ لحظةٌ واحدةٌ لا أكون فيها منهمكاً بالعمل لكنّ الصلوات لا تستجاب دائماً ويحدث ان أذهب لكنس المكتب. لم تعد رائحتي فقط هي التي تشبه رائحة الخراف بل أصبحت انا نفسي خروفاً يؤكل لحمه ويدبغ جلده مقابل مبلغٍ زهيدٍ من المال لا يوازي ثمن العشب الذي يأكله. بلغ الإكتئاب النفسي الذي صرت أعاني منه أوجّه وصرت على قاب قوسين أو أقلّ من الانهيار العصبي التام الذي ما لبث ان حدث.
ضربات قلبٍ غير منتظمة, آلامٌ في المفاصل والعضلات, تعرّقٌ ودوران وإرتجافٌ. إضطرابٌ معويٌّ ومعديّ . قلقٌ شديدٌ غير مبرّرٍ طوال الوقت .. وجعٌ دائمٌ في الرأس, آلامٌ أخرى لا تفسيرات لها وانعدامٌ تامٌّ للطاقة في جسدك وحزنٌ شديدٌ يخيّم على الروح يرميانك في فراشك لا حول لك ولا قوّة. تفقد قدرتك على الكلام أو الإنصات للأحاديث أو الإبتسام أو السير في الطرقات, وتتوقّف قدرتك على الإستمتاع بالعيش أو بأيّ شيئٍ آخر, حتّى الجنس يصبح مجرّد أداءاً ميكانيكيّاً لا متعة فيه. تبقى طوال النهار محدّقاً باللا شيء, ميّتاً لا يجد من يدفنه.
مرّت ستّة أشهرٍ وانا طريح الفراش أمضي كلّ وقتي في قراءة الجرائد القديمة المجّانية وحلّ كلماتها المتقاطعة أو محدّقاً في جهاز التلفاز في الساعات القليلة التي يزورنا فيه التيار الكهرباء المقنّن في معظم الأوقات. لم أتعافَ أبداً من الإكتئاب الحاد الذي رافق انهياري العصبي إلّا في السنوات العشر الأخيرة, لكنني تمكّنت بعد الأشهر الستّة الأولى وبمؤازة الأدويّة التي وصفها لي طبيب أعصاب, انتشال نفسي من الفراغ الروحيّ المطلق إلى حافة العيش الضروريّ لتأمين قوت طفليّ بعد ان رزقت بولدي الثاني محمّد أواخر العام 1992 ولم يكن قد أكمل بعد العام الأوّل من عمره عند انهياري تحت وطأة الذلّ والهوان.
لم تكن ظروف العمل الجديد الذي استطعت الحصول عليه بعد طول بحث بأفضل من ظروف العمل في المدبغة. فإن رائحة الخراف التي تلبّستني في المدبغة استبدلت برائحة المازوت والبنزين والراتب الشحيح الذي لا يطعم من جوعٍ بقي على حاله كذلك بقي الإستغلال المفرط لقوّة عملي. كانت مهامي في “محطّة ضاهر” الواقعة بجانب السراي الحكومي في مدينة صيدا متعدّدةً بحيث أبقى أتنقل بينها طوال النهار ولا تنتهي إلّا بانتهاء العمل عند الساعة السادسة مساء. تعبئة البنزين لسيّارات الزبائن ومحاسبتهم, غسيل السيّارات في المغسل وتنشيفها, كنس أرضية المحطة, ومساعدة ولديّ صاحب المحطّة في محليّ الحدادة وإصلاح المكيّفات الموجودين على أرض المحطة. الشيء الوحيد المختلف في هذا العمل كان اكتسابي مهارةٍ جديدة هي الأولى في حياتي العمليّة خارج نطاق “النضال الوطني ومقاومة العدو الصهيوني المتغطرس“, إذ ان خليل ضاهر الأبن الأكبر لصاحب المحطّة وبهدف إستغلالي كعامل رخيص الأجر وتوسيع نطاق الخدمات التي أؤدّيها أثناء العمل دون أيّة زيادة في الراتب عمل تدريجيّاً على تدريبي على عمليّةيتغيير الزيت والفلاتر والبواجي وتعيير البلاتين والتشحيم لجميع انواع السيّارات إضافةً إلى غسيل محرّكات السيّارات وطرق إعادة تشغيلها بعد الغسيل وإلى منا هنالك مما يتعلق بأمور المشاحم والمغاسل بشكلٍ عام.
————————————————————-
في إطار عمليّة سلام الشرق الاوسط التي بدأت في مدريد في شهر تشرين أول عام 1991 عقد في واشنطن بتاريخ 13/أيلول/1993 حفل توقيع اتفاقية أوسلو بين إسحق رابين رئيس الوزراء الإسرائيلي وياسر عرفات رئيس منظّمة التحرير الفلسطينيّة برعاية الرئيس الأمريكي بيل كلينتون. ولقد نصّت هذه الإتفاقيّة على إقامة سلطة حكمٍ ذاتيٍّ للفلسطينيّين في مناطق الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة مقابل إعلان م.ت.ف عن نبذ العنف ووقف كافة الاعمال المسلّحة واعترافها بدولة إسرائيل وحقّها في الوجود على ما يقارب ال78% من أراضي فلسطين التاريخيّة. جاء هذا الإتفاق ليتوّج عامين من المفاوضات السريّة الثنائيّة والثلاثيّة بين م.ت.ف وإسرائيل والولايات المتّحدة الأمريكية سبقها عقدان من الإتصالات غير المباشرة بين المنظّمة والولايات المتّحدة عبر وكالة الإستخبارات المركزيّة.
في الرابع من أيّار 1994 تمّ في القاهرة عقد إتفاقيّة إستكماليّة لإتفاق أوسلو وقّعها كلٌّ من ياسر عرفات ورئيس الحكومة الإسرائيليّة إسحاق رابين بحضور الرئيس المصري حسني مبارك ووزير خارجية الولايات المتّحدة وارن كريستوفر, ووزير خارجيّة روسيا اندريه كوزيريف. وقد نصّت هذه الإتفاقيّة على انسحاب إسرائيل من قطاع غزّة ومدينة وأريحا أولاً وتسليمهما لمنظّمة التحرير لتقوم بإدارتهما كمرحلةٍ أولى (إختباريّة وتدريبيّة). على أثر هذه الإتفاقيّة تشكّلت السلطة الوطنيّة بتاريخ 29/أيّار/1994 الفلسطينيّة بموجب قرار من منظّمة التحرير باعتبار السلطة امتداداً لها. وفي الأول من تموز 1994 دخل ياسر عرفات مع عدد كبير من جماعته إلى المنطقتين المحدّدتين.
أثارت إتفاقيتيّ أوسلو والقاهرة حفيظة نظام حافظ الأسد الذي سعى جاهداً إلى ربط المسارات التفاوضيّة ببعضها البعض بحيث لا توافق أيٌّ من الوفود المتفاوضة مع إسرائيل على توقيع إتفاقٍ ثنائيّ قبل اكتمال المفاوضات التي تجريها إسرائيل مع بقيّة الوفود العربيّة وتوصّلها إلى إبرام إتفاق سلامٍ شامل. هذا المسعى الأسدي هدف إلى تجيّير مكامن القوّة لدى جميع الوفود لصالح الوفد السوريّ الذي أضحى بدون أوراق, لكنه لم ينجح سوى على المستوى اللبناني الذي فرض على حكومته ما سمّاه إعلامه بوحدة المسارين, محتفظاً بذلك بالورقّة اللبنانيّة ومقاومتها المسلّحة الممثّلة بحزب الله الإيراني الذي تصالح معه بعدما تبيّن لديه عدم قدرته على إلحاق الهزيمة به وإحلال حركة أمل محلّه, فاتّفق مع المرشد الإيراني الجديد علي خامنئي الذي خلف روح الله الخميني على تقاسم عوائده السياسيّة.
شنّ الإعلام السوريّ ومعه أغلبيّة وسائل الإعلام اللبناني المواليّة له هجوماً شرساً على إتفاقية اوسلو ثم على إتفاقية غزّة أريحا أولاً التي أسماها إتفاقيّة “غزّة – أريحا اولاً وأخيراً ” واطلق على م.ت.ف إسم “زمرة عرفات – الوزير” من جديد, وعادت العلاقات السوريّة الفلسطينيّة إلى سابق عهدها من التوتّر والعدائية بعد فترةٍ وجيزةٍ من التقارب المرحلي. ومع افتتاح هذه المرحلة تصاعدت من جديدٍ حملات التضييق من قبل المخابرات السوريّة ومخابرات الجيش اللبناني التابعة لها على الفلسطينيّين في لبنان وسوريا.
يدرك قادة الصفّ الأوّل في م.ت.ف جميعا ان شعار “عودة اللاجئين الفلسطينيّين إلى أراضيهم” زائفٌ ومستحيل التحقيق لكنّه يشكّل ورقة ضغطٍ رئيسة في المفاوضات حول القدس الشرقيّة والمستوطنات الإسرائيليّة. وهو يشكّل في نفس الوقت شعاراً رومانسيّاً خلّاباً يتحكّم بأفئدة فلسطينيّي الشتات ويسهل على القيادة ركوبهم واستخدامهم في سبيل مصالح سياسيّة وشخصيّة لعشرات من السنوات, بل على الأرجح العقود, القادمة. لذا فقد بادرت م.ت.ف بعد ان أُستنفذ مشروع تجويع الكوادر الفتحاويّة في لبنان بشكلٍ خاصّ وفي بقيّة دول الشتات بشكلٍ عام بهدف تطويعهم وضمان انصياعهم لخيار السلام (غير العادل), إلى استئناف صرف جزءٍ من رواتب الكوادر في لبنان بشكلٍ تدريجيّ بهدف إستعادة ولاءاتهم ولقد عمد سلطان أبو العينين مستعيناً بزبانيّته أمثال خالد الشايب وخالد عارف وبلال أصلان وغيرهم إلى تقسيم المئات من الكوادر المتروكة لمصائرها على سلّم يتكوّن من خمسة درجات هي ألفٌ, وباءٌ, وجيمٌ, ودالٌ, وهاء نسبةً إلى درجة قربهم أو بعدهم عن السلطان والزبانيّة. بحيث يتلقى أصحاب الدرجة الأولى راتباً كاملاً ويتلقى أصحاب الدرجة الثانية نصف راتب , والثالثة ثلثاً والرابعة نصف الثلث أما أصحاب الدرجة الخامسة فان نصيبهم من الرواتب المستأنفة يساوي خمسة دولاراتٍ شهريّا. هذه الرواتب الزهيدة أصلاً لا يتمّ صرفها دوريّاً بل إعتباطيّاً ولا على التعيين فقد تصرف هذه الشهر ولا تصرف في الشهر القادم والذي يليه أو قد تصرف شهرين متتاليّن ثم تقطع لشهرين إثنين آخرين. أُعتمدت في توزيع الكوادر على فئاتهم عناصر وسمات مختلفة مثل القرب أو البعد عن القائد وزبانيـته إضافةً إلى الأخذ بعين الإعتبار مهاراتٍ معيّنة مثل القدرة على التزلف والمداهنة ومدى تفاني الكادر في خدمة القائد وتفنّنه في محبته ومديح ذاته المتضخمّة وإشباع نرجسيّته. بالنسبة لي فقد افتقدت دائماً كلّ هذه المهارات لذا فقد إدرج إسمي في الخانة الثالثة على الكشف الماليّ الرئيس في صيدا الذي تسلّمه خالد الشايب بعد نشوب صراعٍ على النفوذ بين سلطان أبو العينين ومنير المقدح نتج عنه انتصار سلطان وإزاحة المقدح عن قيادة ما يعرف بإسم “قوّات الميليشيا” واستبداله بخالد الذي تعتبر أكبر بطولاته هو قتله لشقيقته في ماضي الزمان بعد اتهامها بالزنا.
يحتاج الكادر إلى سرعة بديهةٍ وليونة في الحركة ومتابعة دقيقة للإشاعات إذ ان بدء صرف الرواتب لا يعني بالضرورة ان الجميع سيتلقّون رواتبهم إذ ان القسم الأكبر من الرواتب يتوزّعه اللصوص في الصفّ الأول بينما يصرف ما تبقّى على القاعدة وقد يحدث أحياناً ان تذهب لإستلام راتبك فيقال لك ان الأموال قد نفذت ونصيبك في الجنّة. ان التتبّع المستمرّ إذن للإشاعات وأخبار المال يجعل المرء من الجزء المحظوظ الذي يتناهى إليه أمر بدء الصرف ويكون من أوائل من يتوجّه إلى منزل خالد الشايب الذي يقوم بصرف الرواتب برفقة أحد موظفّي الماليّة, غالباً تيسير قدّورة الذي خرج من المخيّم في أحد الأيام متجها إلى وسط المدينة لإستلام الحوالة الماليّة من “البنك العربيّ” ثم انتصف الليل ولم يعد. صباح اليوم التالي ظهر تيسير في المخيم وأعلن انه قد تمّ توقيفه من قبل بعض المسلّحين الملثّمين عند مستديرة فرن العربيّ على أطراف مخيّم عين الحلوة ثم اقتيد معصوب العينين إلى مكان ما واستولى الخاطفون على كامل المبلغ الذي يحمله واطلقوا بعدها سراحه. لم يستلم أحد من مئات الكوادر في عين الحلوة رواتبه ذلك الشهر رغم انهم كانوا جميعاً يعلمون ان المبلغ المحوّل بكامله قد جرى تقاسمه بين تيسير قدّورة وخالد الشايب ومنير المقدح وربما طال بعض الشبّيحة الآخرين جزءاً من هذه الثروة الصغيرة.
احتفظت بعملي زهيد الأجر في محطّة ضاهر لمدّة ثلاثة سنوات بسبب انعدام الخيارات وفي الوقت الذي كنت أعمل فيه في غسيل السيّارات وتشحيمها وتغيير زيوتها مقابل راتبٍ ضئيلٍ لا يتجاوز ال80 دولاراً شهريّا كان سلطان أبو العينين الذي استقرّ في مخيم الرشيدية وأصبح لقبه هو “أمين سرّ م.ت.ف في لبنان” يقوم بشراء شقةً سكنيّة هي الأعلى سعراً في مدينة صيدا بسبب وقوعها في الطابق الأعلى من مبنىً تمّ تشييده حديثاً ويتكوّن من 11 طابقاً ويقع مباشرةً على كورنيش صيدا البحريّ وقد أعدّها سلطان لإستقبال عائلته المقيمة في قبرص خلال زياراتها إلى لبنان. أما أكرم هوّاري فقد قام بشراء شقّةٍ سكنيّةٍ جديدةٍ تضاف إلى بقيّة ممتلكاته وانتقل إليها بعد ان ضاقت الشقّة ذات غرف النوم الثلاثة عليه وعلى زوجته وبناته الثلاثة, فيما أبقى على شقّته القديمة مقفلةً إذ لم يكن له حاجةٌ في إستثمارها. بعد انتقاله إلى منزله الجديد قام بالتسجيل في الجامعة اللبنانيّة لتزجية أوقات فراغه ولم يحتج إلى عملٍ أبدا رغم ان سلطان أبو العينين قد أوقف راتبه لأكثر من سنتين بعد ان طلب منه تسليمه ممتلكات حركة فتح التي بحوزته وامتنع عن ذلك.
عام 1996 تركت العمل في محطّة ضاهر وكنت قد أتقنت مهنتي الجديدة واكتسبت مهارة أداء عملي بالسرعة القصوى المحبّذة في هذا المجال فتنقّلت في ثلاثة من المشاحم الرئيسة الملحقة بمحطات البنزين في المدينة, ثم أستقرّيت في محطةٍ واقعةٍ في محلّة عبرا الصيداويّة تملكها عائلةٌ مسيحيّة ويديرها أحد أفراد هذه العائلة بالشراكة مع سمسار أراضٍ شيعيٍّ يقطن في نفس المنطقة التي بدأت تشهد نهوضاً إعمارياً بعد ان تلقّى المهجّرين مبالغ ماليّة من الدولة اللبنانيّة للمساعدة في إعمار قراهم التي كانت جميع بيوتها قد سوّيت بالأرض تماما. إن عودة المهجرّين المسيحيّين إلى بلدة عبرا القديمة (المجاورة لحيّ عبرا) وبقيّة القرى القريبة من مكان عملي والواقعة شرق صيدا كمجدليون والصالحيّة وكفرجرّة ولبعا ضاعفت دخلي الشهريّ أكثر من خمسة مرّات إذ ان مسيحيّي لبنان يتميّزون عن مسلميه بطيبتهم وأخلاقهم السمحة وكرم أنفسهم. فالمهنة التي كانت تدرّ عليّ 80 دولاراً شهريّا في المناطق المسلمة صارت تدرّ 300 دولاراً كراتب شهريٍّ مضافاً إليها حوالي ال800 دولارا على شكل إكراميات لم يسبق ان سمعت بها اثناء عملي وسط المسلمين. من النادر ان تغسل سيارة رجلٍ أو أمرأةٍ مسيحيّة او تقوم بتشحيمها أو تغيير زيتها أو أداء أيّة مهمّة أخرى دون ان يدفع/تدفع للعامل إكراميّة تساوي أحياناً ما يُدفع لصاحب العمل كأجرةٍ رسميّة ولقد تراوحت الإكراميّات بين 1000 – 10000 ل.ل. عملت في محطّة عبرا لمدة أربع سنواتٍ متواصلةٍ كانت هي الفترة الوحيدة في حياتي التي لم أعاني فيها أية مشاكلٍ ماديّةٍ أو أحتاج إلى الإستدانة من البقّاليات.
خلال هذه الفترة انفصلت عن زوجتي ونصّت وثيقة طلاقنا عن تخلّي الزوجة عن حق الإحتفاظ بطفلينا ومنح هذا الحق للأب على ان يقيما عند جدّتهم لأبيهم في مخيّم اليرموك. وقد قامت والدتي برعايتهم والإعتناء بهم وكنت انا أرسل لها مبلغاً شهريّا لمصاريفهما . بعد ان تركت منزل الزوجيّة لطليقتي استأجرت منزلاً في منطقة الطوارئ التابعة لمخيّم عين الحلوة والتي تعتبر معقلاً للإسلاميّين الأصوليّين وبعضهم ينتمي للقاعدة بينما ينتمي معظمهم إلى منظّمة “عصبة الانصار” المتطرفة. شهد مخيّم عين الحلوة قبل وبعد انتقالي للإقامة فيه المئات من المعارك والإشتباكات المسلّحة والإغتيالات والتفجيرات. وقد جرت بعض هذه المعارك بين أقطابٍ متنافسة داخل حركة فتح نفسها فيما دارت معاركٌ أخرى بين حركة فتح من جهة وتنظيم عصبة الانصار الأصولي. اما الإغتيالات والتفجيرات الغامضة فان جزءاً منها ارتكب لأسبابٍ شخصيّة وأجزاء أخرى لأسبابٍ ودوافع سياسيّة.
——————————————————–
لم تكتف القيادة الإيرانية بعد الثورة الإسلاميّة التي أتت برجال الدين إلى سدّة الحكم ببناء ودعم الأحزاب والزعامات الطائفيّة والإجتماعيّة ذات الانتماء الطائفي الشيعي بل ان طموحاتها الإقليميّة ونزعاتها الإمبراطوريّة جعلاها تركّز على مدّ نفوذها في البلدان العربيّة وداخل الطائفة السنيّة نفسها مستخدمةً أموالها النفطية والشعارات القوميّة (العروبيّة) والدينيّة الموجودة سلفاً والتي تدعو إلى تحرير فلسطين ومجابهة الإمبرياليّة الأمريكيّة.
عدا حزب الله, فإن الحرس الثوري الإيراني ورث دور معمّر القذافي وأحياناً شاركه في تمويل كلّ ما تقع عليه يده من أحزابٍ وجمعيّاتٍ وشخصيّاًتٍ سياسيّة وإعلاميّة ومراكز دراساتٍ من كافّة الطوائف والأعراق والإنتماءات العقائديّة. من كمال شاتيلا العائد من منفاه القسري الذي اضطّر إليه بعد سيطرة الجيش السوريّ على بيروت الغربيّة وتجريد حزبه “المرابطون” من أسلحته, إلى التنظيمات الإسلامية المتعدّدة في مخيم عين الحلوة وبينها انصار الله التابعة لجمال سليمان وعصبة الانصار التابعة للشيخ هشام شريدي والحركة الإسلاميّة المجاهدة التابعة للشيخ جمال خطّاب. ومن حركتي حماس والجهاد الإسلامي إلى تنظيم القيادة العامّة وأطرافٍ داخل حركة فتح اللجنة المركزيّة. ومن تنظيم فتح الإسلام في مخيّم نهر البارد إلى الجماعات الأصوليّة في مدينة طرابلس التابعة للعديد من شيوخ الطائفة السنيّة بينهم سعيد شعبان رئيس حركة التوحيد الإسلامية التائب على يد أجهزة الإستخبارات السوريّة بعد اعتقاله في زنازينها لسنوات, كذلك تنظيم الجماعة الإسلاميّة في مدينة صيدا وأخرى في مدينة بيروت. أمّا الأحزاب العلمانيّة المموّلة إيرانيّاً فمنها التنظيم الشعبي الناصري التابع لمصطفى سعد والحزب القومي السوريّ الإجتماعيّ والعديد من النوّاب اللبنانيّين على رأسهم النائب “اليساري” نجاح واكيم. هذا الجيش الضخم من الأحزاب والأفراد والمؤسّسات والتنظيمات من شتّى الإتجاهات لا يجمع بين قواه سوى خيطٍ واحد هو التمويل الإيراني.
لقد سبق ذكر علاقة الصداقة التي كانت قد بدأت تنمو بين جمال كايد والشيخ هشام شريدي والتي ما لبثت ان انقطعت بعد مشاركة الشريدي لجمال سليمان في قصفه لقوّات حركة فتح في شرق صيدا أبّان معركة جرجوع مع حزب الله. وقد غادر الشريدي وسليمان المخيّم بعد الهجوم التي شنّته حركة فتح على أتباعهما لكنها ما لبثا ان عادا إلى داخل المخيّم أوائل كانون الثاني 1991 قبل انتشار الجيش اللبناني في المنطقة ببضعة أشهر. بعد عودة شريدي إلى المنطقة تحوّلت علاقة الصداقة التي كادت ان تنمو بينه وبين جمال كايد إلى عداوة مبطّنة وتنافسٍ شديدٍ مبعثه ان الإثنين هما من بلدة “الصفصاف” في فلسطين وكلاهما يقيم في حيّ “الصفصاف” ويتنازعان فيما بينها ولاء أهالي بلدتهما. هذا التنازع الخفيّ بين القطبين انعكس على العلاقة بين أتباعهما المتجاورين في الإقامة وسبّب أواخر تشرين الأوّل 1991 تلاسناً بينهم تبعه إطلاق نارٍ على أتباع كايد فسقط شقيقه الشاب اليافع وابن عمّته قتيلين وجرح عنصرٌ ثالثٌ من عناصره. استنفر مسلحو الجانبين بعد هذا الحادث واستمرّت حالة الإستنفار والترقّب بضعة أيام وقتل في الليلة الاولى منها قريبي إبراهيم الشرقاوي الذي عملت معه في “مشروع” المجرور المسدود في بلدة الغازيّة. كان إبراهيم عائداً بعد منتصف الليل من منزل مسؤوله جمال كايد بعد يومٍ طويلٍ من الإستنفار المسلّح ومتّجها إلى منزله الكائن في الجهة المقابلة من حي الصفصاف التي تقع شرق الشارع الفوقاني, إي الجهة التي تقع تحت سيطرة العصبة وقد إطلق عليه النار أمام باب منزله ولقي حتفه مباشرة.
مساء الأحد 15/كانون أوّل/1991 كمن سائق العقيد أمين كايد لهشام شريدي في أحد الزوايا المعتمة في حيّ الصفصاف وعاجله عند مروره ببضعة طلقاتٍ من مسدّسه وفرّ هارباً فيما قتل شريدي على الفور. كان أمين كايد, الشقيق الأكبر لجمال, قد استبق الإغتيال الذي أعدّ له بالإيعاز لأهله وأشقائه بضرورة الانتقال إلى مخيّم الرشيديّة الذي يخلو من التنظيمات الأصولية, وقد نفذّوا جميعا ما أوعز به أمين عدا جمال الذي رفض المغادرة وأصرّ على البقاء في منزله. بعد شيوع نبأ مقتل شريدي شنّ عشرات من أنصاره حملةً عشوائية على منازل آل كايد واستهدفوها بالقنابل والبنادق الرشّاشّة مما أسفر عن إصابة جمال إصابةٌ بالغة ًفي بطنه نقل على أثرها إلى مستشفى لبيب في مدينة صيدا وما لبث ان تعافى من إصابته وغادر المستشفى ليلتحق بعائلته في مخيّم الرشيديّة.
بعد مغادرة آل كايد لمخيم عين الحلوة لم يجد تنظيم عصبة الانصار الذي تولّى قيادته بعد شريدي, أحمد عبدالكريم السعدي من يثأر منه سوى بقايا العناصر الذين خدموا في كتيبة جمال كايد. علماً ان منفّذ عمليّة الإغتيال قد أغتيل بدوره إلّا ان عبدالله شريدي النجل الأكبر لهشام رفض الكفّ عن عمليات الإغتيال التي يقوم بها ضد عناصر جمال كايد ومن استطاع الوصول إليه من آل كايد فقام بالانشقاق عن عصبة الأنصار وتشكيل تنظيم صغير أسماه عصبة النور وتابع القيام ما بدأ به حتى بلغ عدد ضحاياه في العام 1999 أكثر من ثلاثين قتيلاً كان آخرهم أمين كايد ومعه إحدىزوجتيه بعد ان كمن له اثناء زيارته لمنزله في بلدة سيروب المجاورة للمخيم وكانت تلك هي المحاولة الثانية لاغتياله بعد ان سبق ان كمن له فيما مضى على طريق صيدا – صور ولكنه نجى بإعجوبة.
إضافة إلى الإغتيالات, نشبت نزاعاتٍ عسكريّة عديدة بين حركة فتح وعصبة الانصار وكان التنظيمان في صراعٍ شبه دائمٍ على النفوذ والسيطرة على المخيّم الأكبر في لبنان من حيث عدد السكان. عادةً ما تستغرق هذه المعارك بضعة ساعات أو تستمرّ بضعة أيامٍ حسب موضوع النزاع المستجدّ في كلّ مرّة كما تتراوح شدّة الإشتباكات من وقتٍ إلى آخر فبعضها يقتصر على استخدام البنادق الآلية فيما تستخدم في بعضها الآخر الرشاشات الثقيلة والقذائف الصاروخيّة وأحياناً قذائف المورتار علماً ان المسافة الفاصلة بين معقلي التنظيميّن هي عشري متراً وان مساحة المخيّم بكامله هي, كما سبق ان ذكرت, كيلومترٍ واحد.
النوع الثاني من الحروب المعتادة في مخيّم عين الحلوة هو حروبٌ تدور بين الأقطاب متعدّدة الولاءات داخل حركة فتح أهمها وأكثرها تردّداً هي النزاعات المسلّحة التي تجري بين منير المقدح الموالي لتيّار “فاروق القدومي” عضو اللجنة المركزيّة الرافض لإتفاقية أوسلو والمموّل من قبل الحرس الثوري وبين جماعة خالد عارف مدعوماً بوحدةٍ عسكريّة يتزعمّها محمود عيسى “اللينو” الموالي للسلطة الوطنيّة والمقرّب من سلطان أبو العينين. وينطبق على هذه الحروب نفس الوصف الذي أطلقناه على الحروب مع عصبة الأنصار من حيث مدّتها الزمنيّة والأسلحة المستخدمة فيها. إضافة إلى معارك اللينو والمقدح جرت معارك أخرى أقلّ حدّةً شنّتها العناصر المواليّة لسلطان أبو العينين في مخيّم عين الحلوة ضد مجموعة كمال مدحت أحد منافسي أبو العينين على السلطة العليا في لبنان نتج عنها هزيمة كمال الذي تألفت مجموعته المسلّحة من أقل من 10 عناصر هم بمثابة حرسه الشخصيّ الذين يؤمّنون أيضاً حراسة مكتبه حين يغيب. ولقد غادر كمال المنطقة بعد المعركة الثانية واستقرّ في المنطقة الشرقيّة في بيروت ولم يعد يراه أحد إلى ان احتدم صراعٌ جديدٌ على ثروات م.ت.ف في لبنان بين سلطان أبو العينين الذي أصبح منذ العام 2007 عضواً في اللجنة المركزيّة لحركة فتح وبين عبّاس زكيّ وهو أيضاً عضوٌ في نفس اللجنة المركزيّة وعيّن ممثلاً للمنظّمة في لبنان. فقد تحالف كمال مدحت مع زكي ضد غريمه القديم أبي العينين وبدأ بالظهور العلني واتخاذ دورٍ سياسيٍّ بارز وهدّد هذا الظهور نفوذ سلطان وسيطرته المحكمة على م.ت.ف وثرواتها وأموالها في لبنان فما كان منه إلّا ان كلّف رئيس أمنه الشخصيّ ابراهيم الخطيب بإغتياله. قام الخطيب مع مجموعة تابعة له بزرع عبوة ناسفة بوزن 25 كغ من المواد شديدة الإنفجار عند مدخل مخيم الميّة وميّة وفجّرها لحظة مرور سيارة كمال وخروجها من المخيّم بعد أدائه واجب العزاء بأحد الكوادر الفتحاوية فيه وكان ذلك في آذار 2009. وتعتقد أجهزة الأمن اللبنانيّة ان العبوة كانت معدّة لتستهدف كمال مدحت وعبّاس زكي سويّاً أو أحدهما في حالة خروج كلٌ منهم على حدا ولقد طلبت من سلطان تسليم ابراهيم الخطيب إلى القضاء اللبناني لإستجوابه لكنه لم يستجب لهذا الطلب وبقي الخطيب متحصّنا داخل مخيّم الرشيديّة.
—————————————————————-
في العام 1998 طرأ ارتفاعٌ ملحوظٌ على الرواتب التي ترسلها السلطة الوطنيّة إلى الكوادر في لبنان وذلك نتيجةً لتعثّر مسار الانسحابات الإسرائيليّة المفترضة وعدم تطبيق إسرائيل لإتفاقيتيّ اوسلو والقاهرة وعدم إلتزامها بتعهداتها مما اضطر القيادة الفلسطينيّة إلى إعادة تفعيل ورقة فلسطينيّي لبنان وإعادة الروح إلى تشكيلة م.ت.ف العسكريّة هناك بهدف استخدامها في الضغط على الحكومة الإسرائيليّة. كان دخلي من عملي في المحطة لا يزال وفيراً لكنني وجدت ان السبب الذي جعلني أمتهن هذا العمل قد انتفى خصوصا ان الرواتب أصبحت تصرف بمواظبة ومواعيد منتظمة فأبلغت العقيد خالد عارف الذي كان راتبي قد انتقل إلى مقرّه بعد ان عُيّن قائداً لمنطقة صيدا انني اودّ ترك العمل المدني والتفرّغ كليّاً للعمل التنظيميّ وردّ بالموافقة مشترطاً ان لا أطالب ب“مهمّة ضابط” وان أكتفي بتحويلي إلى الفئة (أ) ومنحي راتباً كاملاً وهو ما وافقت عليه. كان شرطه هذا طبعاً نابعٌ من حقيقة ان الرواتب تصرف من خزينة الماليّة المركزيّة مباشرةً ولا علاقة له بها امّا المهمّة فتصرف من داخل موازنة العمل التي يتلقاها من أبي العينين شهريّا مما يعني ان المهمّة ستخرج من جيبه شخصيّاً إذ ان كلّ ما يستطيع توفيره من المبالغ التي تخرج من موازنته تذهب عمليّاً إلى جيبه الخاص.
هذا “التفرّغ للعمل التنظيميّ” لا يعني شيئاً سوى عدم مزاولة أية مهنة مدنيّة والإكتفاء بشرب الشاي و“طقّ الحنك” في مكتب قيادة المنطقة لبضعة ساعات يومياً وهو ما كان يناسبني إذ كنت قد خطّط للقيام بزياراتٍ دورية إلى سورية لرؤية أطفالي وأهلي وهو ما باشرت به مستخدماً طرقاً بديلة في كلّ مرّة. في زيارتي الأولى دخلت سوريّا عبر بلدتي الصويرة – جديدة يابوس مستخدماً حصاناً يملكه أحد المهرّبين مقابل 2000 ل.س (40$) وعدت من نفس الطريق انما وحدي وسيراً على الأقدام. ثم في المرّة اللاحقة ذهبت عبر المعابرالشرعيّة مستخدماً بطاقة إبن عميّ العسكريّة وإجازته الصادرة عن الضابطة الفدائية السوريّة بصفته عضواً في الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين. كما عدت فدخلتها ببطاقةٍ هويّة لأحد الأشخاص السوريّين, كان مقاتلي الحركة في عين الحلوة يتبادلون إستخدامها ولا أعرف طريقة حصولهم عليها.
ان منطقة نفوذ العقيد خالد عارف هي عبارةٌ عن مساحة 100 متر مربّع تقع على الجهة اليساريّة من مدخل مخيّم عين الحلوة الشمالي في حيّ يطلق عليه إسم “البركسات” وأغلب سكانه هم أصلاً مهجّرون من مخيّمات فلسطينيّة أخرى مثل صبرا وشاتيلا وتلّ الزعتر. تقوم وحدة عسكريّة تابعة للينو بتأمين حماية أمنه الشخصيّ وكذلك تقوم هذه الوحدة بالدفاع عن منطقة نفوذه ضد الهجمات التي يشنّها “شبّيحة” عصبة الانصار من وقتٍ إلى آخر . تتقاسم عصبة الأنصار النفوذ في الأحياء المكتظّة الواقعة في عمق المخيّم مع جماعة منير المقدح التابع لجناح فاروق القدّومي أمّا أطراف المخيّم الواقعة عند المدخل الجنوبي في حيّ حطّين فيتنازعها أطرافٌ عدّة بينهم اللينو وخالد الشايب. بعد بضعة أشهر من إلتحاقي بمنطقة صيدا أوعز سلطان أبو العينين إلى خالد عارف بتوسعة مناطق انتشاره داخل المخيم بإتجاه حيّ بستان اليهودي المواجه لحي البركسات وذلك على حساب منير المقدح. هذه التوسعة كما خطّط لها أبو العينين وعارف تتلخّص بإقامة مقرّ تابع لقيادة خالد عارف داخل أحد المباني في بستان اليهودي الذي تستخدمه الحركة كروضة أطفال وقد تمّ نقل هذه الروضة إلى مركز آخر يقع في منطقة جبل الحليب. رفض منير المقدح الوساطات الشعبيّة التي أرسلها خالد عارف إليه لتقنعه بالسماح بهذه التمدّد فاستدعاني وسلّمني مفاتيح المقر المعنيّ وكلّفني بالإقامة فيه بعد ان عيّنني ضابط إدارة “هيئة العمل الشعبي” وشدّد على ضرورة ان أبيت في مقرّي الجديد منذ الليلة وكنت وقتها أقيم في منزل أبن عمي وزوج شقيقتي .
بعد خروجي من مكتب خالد عارف حذّرني بعض الضبّاط من زملائي ممّا كنت أعلمه وهو ان عارف يستخدمني كأضحيّة وطعمٍ إمّا لإستدراج المقدح لإغتيالي أو لإستشفاف المدى الذي يمكن ان يذهب إليه في قراره بعدم السماح لعارف بالدخول إلى منطقته. اعرف شخصيّاً كثر من الكوادر الذين اغتيلوا لأسبابٍ أتفه مما يتصارع عليه هذان الديكان الآن وقد سرت شخصيّاً في جنازاتهم وبعضهم تمّ تأبينه بخطبةٍ عصماء من خطب خالد عارف الممجوجة والمكرّرة. لذا لم أبادر إلى النوم في المكتب مباشرةً كما أمرني بل قمت بزيارة منير المقدح في منزله وشرحت له موقفي وطمانته إلى ان المكتب سيكون مقرّا لهيئة العمل الشعبي وليس موقعاً عسكريّاً ووعدته بان لا يكون فيه أية بندقيّة. كان جواب منير لي بان خالد عارف يريد التضحيّة بي وان عليّ ان أحترس منه.
– أؤكّد لك من جديد ان هذا الرجل يريد ان يقتلك.
– أعلم ذلك أخي أبو حسن لهذا انا هنا في زيارتك.
– لن أسمح له بدخول الحيّ.
– انا لست من زبانيّته بل ضابطٌ من ضبّاط حركة فتح كما انت تماماً وأرفض ان يستزلمني فلان أو علّان. وأعدك ان يبقى المكتب مدنيّاً ومخصصاً للعمل الشعبي وفي اليوم الذي يبادر فيه خالد عارف إلى إرسال مسلّحين إليه سأقوم بإبلاغك بالأمر فوراً.
– لم لم يرسل أحد غيرك وتقصّد إرسالك بالتحديد أوليس لانك من خارج المخيّم مما يجعل قتلك مريحاً؟
– صحيح. لذا انا هنا لأطلب موافقتك على إقامتي في هذا المكتب وكذلك أطلب حمايتك لانني متيقّنٌ بان ثمّة من يعدّ لقتلي وقد يكون خالد عارف نفسه.
– انا استطيع إعطاؤك الأمان لكن من يضمن الطرف الآخر.
– انت أيضاً تضمنه فأنا في منطقتك وحمايتك ولولا انني بحاجة إلى مكان أقيم فيه بدلاً من الإقامة عند الأقارب لرفضت هذه المهمّة, وانا طامعٌ في فتحاويتك.
– حسنا, تستطيع الانتقال إلى هذا المقرّ لكن كن حريصاً وحافظ على يقظتك فلا أريد ان يتمّ اغتيالك من قبل جماعة خالد عارف وإتهامي انا بدمك.
– شكراً أخي أبو حسن أقدّر موافقتك وأرجو ان أكون عند حسن ظنّك.
نقلت فراشي إلى أحد غرف المقرّ الجديد الذي يحتوي على أربعة حجرات ومطبخ وبعد يومين من انتقالي إليه باشرت هيئة العمل الشعبي المشكلّة من أعضاء من حركة فتح والحزب الشيوعيّ الفلسطينيّ وجبهة التحرير الفلسطينيّة (جماعة أبو العبّاس) العمل فيه من التاسعة صباحاً حتى الثالثة ظهراً موعد انتهاء العمل ومغادرة جميع الأعضاء فيتحول المكتب إلى منزلٍ لي حتى التاسعة من صباح اليوم التالي. أمّا الوظيفة الرئيسة لهذه الهيئة فهي المشاركة في الإعتصامات والمسيرات وإصدار البيانات والتنديدات بوكالة الأونروا أو زيارة مدرائها للمطالبة بتحسين الخدمات وكذلك الخدمة كتجمّع وجهاء ينقلون الرسائل بين خالد عارف وبقيّة الأطراف السياسيّة داخل المخيّم وخارجه على مستوىً صغير.
————————————————————–
العقيد خالد عارف أمين سرّ منطقة صيدا القادم إلى العمل التنظيميّ والسياسيّ من باب الأجهزة الأمنيّة التي خدم فيها لم يخلع أبداً هواجسه الأمنيّة التي اعتاد عليها. كلّ من يعمل لديه أو يتّصل إليه يجب ان يكون عيناً له على بقيّة زملائه وصحبه من العناصر والكوادر والضبّاط. عامل الشاي في المقرّ, حراسه الشخصيّين, ضابط تسليحه, ضابط إدارته, ضابط ماليّته, أعضاء هيئة العمل الشعبي, سائقه, حارس باب مكتبه, ضبّاط ملاك المقرّ كلّ من يمتّ بصلةٍ له هو جاسوسٌ له. أدق وصفٍ لهذا المناضل الذي لا يشقّ له غبار هو ما جاء في النكتة التي ألقاها على مسامعي ضابط ماليّته مروان ناصر, قال: زعموا ان خالد عارف تلقّى طرداً بريديّاً وعندما فتحه اكتشف انه مليء ببودرة بيضاء اللون, فسارع عبد معروف (ضابط إدارته) إلى تحذيره من ان هذه المادّة قد تكون “الجمرة الخبيثة” ورجاه ان يسمح له بتذوقها قبله حرصاً على سلامته فنظر إليه خالد عارف نظرةً هازئةً وأجابه:”انا من علّم الجمرة الخبيثة مهارة الخباثة”.
يعكف خالد عارف منذ سنواتٍ على مهمّة واحدةٍ كرّس لها نفسه بتفان عظيم وإتقان محكم وهذه المهمّةرهي تسويق نفسه إعلاميّاً. هذا الهاجس الدائم الذي يشغله ويدفعه إلى الظهور على سطح الإعلام لا ينبع فقط من نرجسيّته بل من إدراكه الفطريّ وأيضاً المكتسب لجوانب اللعبة السياسيّة التي خبرها أثناء عمله لدى القادة الأمنيّين – السياسيّين أمثال أبو إياد وأبو الهول. فإن الظهور الإعلامي غالباً ما يترجم إلى نفوذٍ سياسيّ وجاهٍ إجتماعيّ وما يلبث ان يخلق قاعدةً جماهيريّة ستلفت بالعادة انظار القيادة “الحكيمة” فتسارع إلى تقريبه مع قاعدته إليها وتمهّد له الوصول إلى مناصب أعلى بشرط ان يعلن وفاءه وإخلاصه لها. هذه القاعدة الجماهيريّة التي يحلم عارف بتشكيلها وإستثمارها لها على الأرجح الدور الأبرز في دوائر العسس الذي يحترف تشكيلها بحيث لا يعود أحد من العناصر والكوادر التابعة لمنطقة صيدا التنظيميّة يجرؤ على انتقاده أو التعرّض إلى مواقفه وأساليب عمله بل يصبح الكلّ من مدّاحيه خشيةً على ما يتلقّونه من فتات موائده.
من الطريف ان الذين يؤبّنون الشهداء ويرثونهم ثم يعاهدونهم على إكمال المسيرة غالباً ما يعمّرون طويلا, وخالد عارف محترفٌ للخطابة الخشبيّة من كلّ الانواع وفي كلّ الظروف. خطابةٌ من النوع الذي لا يصغي إليها أحد بل يكتفي المحتشدون في مهرجاناته الخطابيّة بالتصفيق عند كلّ ذكرٍ لتعبير “القائد الرمز ياسر عرفات” فليس الخرفان وحدها هي التي تتشابه بل كذلك الخطّابون. لا يكاد يمرّ أسبوعٌ واحد دون مهرجان خطابيٍّ أو مسيرةٍ تضامنيّةٍ أو وقفةٍ إحتجاجيّة لعارف وجماهيره في مخيّم عين الحلوة. يوم الشهيد, يوم الأرض, يوم القدس, يوم الشهيد الفلاني, يوم الشهيد العلّاني , أيام الإحتجاجات على تقليص خدمات وكالة الأونروا “لجماهير شعبنا الفلسطينيّ البطل“, يوم التضامن مع العراق, يوم التضامن مع لبنان, يوم التضامن مع فيديل كاسترو, يوم الدفاع عن القرار الفلسطينيّ المستقلّ, وكلّ ما يمكن إختراعه من أيام.
يبدأ الحفل بتجميع جميع المدرجين على قوائم الرواتب في منطقة صيدا ومخيّماتها وهم بالمئات, عند مدخل المخيّم أمام مكتب شعبة عين الحلوة التابعة تاريخيّاً لماهر شبايطة التابع تاريخيّاً بدوره لخالد عارف. يضاف إليهم عند الإمكان بعض المجموعات من الفصائل المواليّة لحركة فتح مثل الحزب الشيوعيّ الفلسطينيّ وجبهة التحرير الفلسطينيّة وحزب “فدا” الوليد الذي أسسّه ياسر عبد ربّه ومعهم راياتهم التنظيميّة خافقةً فوق رؤوسهم. وكذلك تضاف البهارات الضروريّة المتمثّلة بطوابير الأشبال الذين يتشكّلون أبناء الكوادر الفتحاويّة مضافٌ إليهم 35 ألف ليرة لكلٍّ منهم شهريّا ورغم ان أبناء وبنات خالد عارف وكذلك أبناء وبنات ضابط ماليّته وضابط إدارته هم من هؤلاء الأشبال ويتلقّون نفس الراتب إلّا انهم لم يحضروا يوماً هذه المسيرات أو الإحتجاجات بسبب خطورتها. إذ ان الحالة الأمنيّة في المخيّم وتعدد الفصائل المسلحة المتناحرة فيه تجعل من هكذا تجمّعاتٍ سياسيّة هدفاً شبه دائم للخصوم السياسيّين خصوصا منهم الأصوليّون ودائما ما تحدث خلالها إشتباكاتٌ أو تفجيراتٍ أو تهديدات. بل ان الدور الرئيس لطوابير الأشبال التي ترافق المسيرات “العارفيّة” في اختراق مخيّم عين الحلوة عبر الشارع الفوقاني ثم العودة من الشارع التحتاني والتوقف أمام مكتب الشعبة من جديد لإلقاء الخطب البتراء هو الإحتماء بهم والتمترس وراءهم.
في فترة تجميع “الجماهير” وبانتظار ان يطلّ عليها خالد عارف وأورطته ليتصدّروا المسيرة وأمامهم حرّاسهم الشخصيّين المدجّجين بالسلاح يقوم إبراهيم الشايب المسؤول الإعلامي لخالد عارف بالتوصيلات الكهربائية اللازمة فتصدح المايكروفانات بالإغاني الثورية القادمة من زمن السبعينات مثل “غلّابة يا فتح” و“انا صامد صامد” وتخالطها أحياناً بعض الإغاني الحديثة التي تمتدح القائد الرمز وكوفيّته. وفي نفس الوقت وقبل ظهور القادة ببضعة دقائق يتسلّل بين الجماهير عبد معروف ضابط أدارة منطقة صيدا حامل كشوفاً بأسماء المنضوين فيها ويضع علامات أمام أسماء الغائبين. في النهاية يطل خالد عارف ومعه رهطٌ من الكوادر العليا ثم تدور المسيرة دورتها المعتادة داخل شارعيّ عين الحلوة بينما “الصحفي” عصام الحلبي “يطقّ” الصور ليرسلها مع الخبر إلى مدير المجلّة التي تصدرها حركة فتح في لبنان وعصامٌ هذا يعرف تماماً ان خالد عارف سيغضب عليه إذا خلت الصور المنشورة في المجلّة من شخصه الكريم. يحدث أحياناً ان ينفرط عقد المسيرة قبل عودتها إلى مكان انطلاقها بسبب إشتباكٍ مسلّحٍ أو إطلاق نار ويحدث أحياناً عند العودة ان يتمّ رمي المتفجرات أو العبوات المزروعة سرّاً فيتدافع المتدافعون وسط دعوات عارف عبر الميكروفانات للجماهير بالصمود وإكمال الإستماع إلى خطابه.
الخطب البتراء هذه تشبه إلى حدٍّ كبيرٍ صحف النظام السوريّ “الثورة” و“تشرين” و“البعث” التي لا يتغيّر فيها شيءٌ من يومٍ إلى يوم سوى تاريخها وكلّماتها المتقاطعة. وأجزم ان عبد معروف الذي يكتبها له لا يقوم بشيء سوى تغيير بعض التعابير حسب نوعيّة المناسبة الوطنيّة التي ستلقى بها إذ لا يجوز مثلاً ان تركّز على يوم الأرض في خطابك الذي تحتجّ به على ممارسات وكالة الأونروا المجحفة بحق الشعب الفلسطيني والعكس صحيح. عادة ما تبدأ خطاباته بنداء الجماهير والإخوة والأخوات ثم حشوٌ كثيرٌ من شعاراتٍ ممجوجة وركيكة عن الإدارة الأميركيّة والجمهوريّين الجدد وعن الدفاع عن المقدسات وحقّ تقرير المصير, و“نحن ضيوفٌ على الأراضي اللبناني” (رغم ان 98% من فلسطينيّي لبنان ولدوا في لبنان) و“التأكيد على حقّ العودة” و“لن نسمح لأيٍ كان بالعبث بأمن المخيّم” (رغم انه أوّل العابثين) . وفي النهاية تأتي “الكليشيهات” الختاميّة المعهودة عن “العهد هو العهد, ووالقسم هو القسم” والتحيّة إلى القائد الرمز ثم “واننا لعائدون”.
كل هذا الصخب شبه الإسبوعيّ يهدف إلى تحقيق نتيجةٍ واحدةٍ هي جملةً في الصفحة الرابعة أو الخامسة من الصحف اللبنانيّة فحواها ان مسيرةً ما قد جرت في عين الحلوة و“قد ألقى العقيد خالد عارف في ختامها خطبةً في الجماهير المشاركة أكّد فيها على الثوابت الوطنيّة “.
مع تعييني ضابطاً لإدارة هيئة العمل الشعبي صار من حقّي تلقّي بدل “مهمّة ضابط“, مما حسّن من وضعي الماليّ بعض الشيء رغم ان قيمتها كانت 50 دولاراً فقط, بسبب رفضي المستمرّ لدعوات خالد عارف لي بنقل أحاديث الأعضاء ورئيس الهيئة في عين الحلوة (أبو مجدي) وكلّ ما يدور في الكواليس وإبلاغه بالتفاصيل. لا يمكن التقدّم أو تحصيل الحقوق الماليّة في حركة فتح دون ان يكون المرء نذلاً ونتيجةً لهذه القاعدة فان الأشدّ نذالةً بين الكوادر هم أولئك الذين يرتقون إلى أعلى المناصب ويتجمّعون في رأس الهرم بينما يتساقط الآخرون على الطريق.
بعد ثمانية أشهر من عملي في الهيئة قرّر خالد عارف ان يتقدّم خطوةً أخرى نحو معقل غريمه اللدود منير المقدح فدعا أعضاء الهيئة إلى الإجتماع في مكتبه وأبلغنا انه قرّر ان يرسل أحد العناصر المسلّحين للدوام في المكتب والنوم فيه فاعترضت انا وأبلغته انني في هذه الحالة سأستأجر منزلاً خاصاً بي وأترك النوم في المكتب لأنني بحاجة إلى الخصوصيّة, وبعد نقاش طويل بقي موضوع النوم معلّقاً وتمّ إرسال العنصر للدوام النهاري مبدئيّاً. كانت خطوة عارف هذه إستطلاعيّة وتمهيديّة وتهدف إلى جسّ النبضّ وإلتقاط ردّات الفعل الأوليّة لمنير.
بعد بضعة أيامٍ إستغرقها خبر استقدام الحراسة المسلّحة للوصول إلى المقدح, حضر صباحاً إلى مقرّنا شقيق منير المعروف بإسم “الطاووس” ومعه بضعة مسلّحين وطلب منّا مغادرة المكتب فحاولنا المماطلة والتفاوض معه إلّا ان ردّه كان بتهديدنا بالتصفية الجسديّة مباشرةً إذا لم نغادر خلال خسمة دقائق. في هذه الأثناء كان العنصر المسلّح المكلّف بحماية المكتب قد تسلل إلى الداخل لإخراج بندقيته من خزانةٍ معدنيّة ثم ولّى مسرعاً إلى منطقة البركسات حيث يوجد مكتب خالد عارف. وبعدها بدقائق حمل أبو مجدي بعض أغراضه المكتبيّة وغادرنا المكتب جميعا لاحقين بالحرس. جنّ جنون خالد عارف حين أبلغناه بما حصل وبدأ يرعد ويزبد ويجري إتصالاتٍ تلفونيةً بوجهاء المخيّم لتهديدهم بأنه سيقتحم منطقة بستان اليهودي بالقوّة العسكريّة لإستعادة المكتب وذلك لدفعهم إلى التراكض للتوسط بين الطرفين وممارسة بعض الضغوط السياسيّة على منير. بعد إجراء إتصالاته أمرنا بان نعود إلى المكتب وأن نرفض المغادرة مهما حصل. لم يكن بيننا مسلّحين, إضافةً إلى ان جميع أعضاء الهيئة (عداي) هم من الطاعنين في السنّ وأصغرهم قد تجاوز الخمسين من العمر لكننا بعد إصرار عارف انصعنا للأمر وغادرنا مكتبه (وكنّا ستّة أعضاء) عائدين إلى مكتبنا. استوقفنا أبو مجدي, رئيس هيئة العمل الشعبي في عين الحلوة في أحد الأزقة عند منتصف الطريق وقال لنا:”طبعا لن يهتزّ أحدٌ من الطرفين لمقتلنا أو مقتل بعضنا وسيتصالحون بعد إسبوع ويقيمون الولائم عن أرواحنا” فعلّقت موافقاً على ما قاله.
– إسمعوا, أرى ان نقف هنا لمدة عشرة دقائق ثم نعود إلى مكتب خالد عارف لنخبره بأننا حاولنا الدخول لكن مسلحي منير قد منعونا. أضاف أبو مجدي.
لاقى كلامه إستحسانا وموافقة مباشرتين إذ ليس بين هؤلاء العجائز المخضرمين في حركة فتح من لم يخبر العشرات من هذه المواقف التي سقط خلالها الضحايا ثم لفلفت قضاياهم بعد أكل سدور مناسف اللحم الضان المزيّنة بالصنوبر واللوز. عند عودتنا إلى مكتب عارف كان العشرات من الوجهاء وأعضاء “اللجنة الشعبيّة” التابعين لبقيّة الفصائل غير المشاركة في هيئتنا التابعة لحركة فتح, و“فروعها الخارجية” قد تجمّعوا فيه وراحوا يتناقشون مع عارف ويدعون إلى التهدئة والحوار بدلاً من إشعال معركةٍ جديدة يكون أغلب ضحاياها, كالعادة , من سكان المخيّم الأبرياء الذين لا ناقة لهم ولا جمل. استمرت مساعي اللجنة الشعبيّة وتنقل وفودها جيئةً وذهاباً بن مقرّي الطرفين دون جدوى حتّى حلول المساء ثم تبعثر أعضاؤها وكان أعضاء هيئة العمل الشعبي قد سبقوهم بالمغادرة إلى منازلهم. عند الثامنة مساء استدعاني عارف من جديدٍ إلى مكتبه وطلب منّي الذهاب وحدي إلى مكتب الهيئة وقضاء الليلة فيه.
– يا أخّ أبو أدهم انا لست من سكان عين الحلوة, مما يسهّل كما تعلم مسألة اغتيالي لأن ليس هناك من يطالب بدمي فعشيرتي في بلدٍ آخر.
– نعم لكن حركة فتح هي عشيرتك.
– حسنا بما ان حركة فتح هي عشيرتي إذن يجب ان تؤازني بدلاً من الطلب إلي بإعادة إحتلال المكتب وحدي.
– انت لست وحدك! فتح بكاملها من ورائك!
– أعتقد ان حركة فتح يجب ان تكون في هذه الحالة أمامي وليس ورائي.
– لن يجرؤ أحد ان يمسّك بسوء لانهم يعلمون ان حركة فتح وراءك.
– سبق للكثيرين ان اغتيلوا رغم ان الحركة كانت وراءهم أرى ان ترسل أحد الكوادر من أبناء مخيم عين الحلوة فلربّما ينجو بعشيرته أما انا فلست بذاهب.
دار هذا النقاش أمام العديد من ضبّاطه وبينهم اللينو قائد الوحدة العسكريّة التابعة لمنطقة صيدا, وكذلك “اميّة” القائد العسكريّ لمنطقة صيدا وحول المكتب والمقر أكثر من عشرين مسلّحاً تابعين له. وإذا كان قد اختار المواجهة (قلت لنفسي) فليستعن ب“جحافله” العسكريّة بدلاً من إرسال ضابطٍ أعزل كطعمٍ رخيص. وغادرت بعدها متّجها إلى منزل ابن عمّي حيث كنت أبيت قبل هذه المسألة رغم توجيهه التهديدات لي والتوعّد بفصلي من حركة فتح إذا لم انفذ أوامره.
بقيت بعد هذه المجادلة معتكفاً لبضعة أسابيع ومستنكفاً عن العمل في هيئة العمل الشعبي التي انتقل مقرّها إلى أحد مكاتب الحركة في حيّ البركسات وكذلك أمتنعت عن زيارة مكتب خالد عارف. خلال هذه الفترة أفلحت في إيجاد منزلٍ صغير مؤلّفٍ من غرفةٍ وأحدةٍ صغيرة مع مطبخ ومرحاض في منطقة البركسات ومعدّاً للإيجار. كان حجم المنزل الصغير ومبلغ إيجاره الشهريّ مناسباً لحالتي ودخلي فسارعت إلى توقيع العقد مع أصحابه.
منزلي الجديد قريبٌ من مقر قيادة المنطقة إذ ان حيّ البركسات بكامله هو عبارة عن حارتين أو ثلاثة والجميع قريبٌ من الجميع. ولكون منزلي مشغولٌ من شخصٍ أعزب فقد أصبح ملتقىً لزملائي من كوادر الحركة خصوصاً وقت لعب “الشدّة” مساءً او شرب الشاي أمام بابه عند العصر.
بعد ثلاثة أسابيع وأثناء جلوسي أمام عتبة داري مع بعض الأصدقاء مرّ خالد عارف من حارتي متّجها إلى المكتب المستحدث لهيئة العمل الشعبي ولمّا راني دعاني لمرافقته قائلاً:
تعال يا ضابط زعلان تعال.
- ثم أمسك بذراعي واكمل طريقه. فأجبته بان عليّ ان أضع حذائي في قدميّ إذ لا يجوز ان أرافقه إلى الإجتماع وفي قدميّ “شحاطة” لكنه أصرّ وقال لا يهمّ.
————————————————————–
في العام 1999 استشعرت دوائر النظام السوريّ الذي أصبح يشكّل وصيّاً على الدولة اللبنانيّة بعض الخطورة من تنامي القوّة العسكريّة لمقاتلي ياسر عرفات في مخيمات الجنوب اللبناني رغم ان الإبقاء على السلاح الفلسطينيّ داخل المخيّمات ,وخارجها, جاء نتيجة رغبة سوريّة بإعتبار هذا السلاح جزءاً من سلاح المقاومة. وقد كان موقف النظام السوريّ الدائم من هذا الموضوع ينطلق من ان تجريد الفلسطينيّين من هذا السلاح هو بمثابة إهداء إسرائيل ورقة مجّانية من أوراق الضغط ذات الأهميّة في المفاوضات الجارية بين سوريا ولبنان من جهة وإسرائيل من جهةٍ ثانية. لكن ورقة السلاح الفلسطينيّ من وجهة نظر نظام الأسد شيء, والسلاح العرفاتي شيءٌ آخر خصوصا ان سلطان أبو العينين الرجل الأول في قوّات عرفات المتواجدة في لبنان قد أخذ يوسع من دائرة إتصالاته في الفترة الأخيرة وقام ببعض الجولات على بعض المطارنة الموارنة المشكوك في ولائهم لسوريا. كما ان علاقة حركة فتح قد تنامت مع بقايا قيادات القوّات اللبنانيّة المنحلّة بحكمٍ قضائي, الذين فرّوا من لبنان وتوزّعوا في دول أوروبا الغربيّة بعد ان تمّ زجّ زعيمهم سمير جعجع في السجن بتهمٍ ملفّقة. إلى هذا وذاك, فقد قام عرفات مؤخّراً بإستقبال سومر الأسد أبن رفعت الأسد شقيق الرئيس السوريّ المبعد من سوريّا بعد قيامه بمحاولةٍ انقلابيّة ضد أخيه.
في 27/تشرين1/1999 أصدر القضاء اللبناني بإيعازٍ من جهاز المخابرات السوريّة العاملة في لبنان حكماً قضائيّاً غيابياً بالإعدام على حسن أبو العينين (المعروف بسلطان أبو العينين) بتهمة تشكيل عصابة مسلّحة وتنفيذ العديد من الإغتيالات في الفترة الواقعة بين 1991 – 1993, ايّ فترة الإغتيالات المتبادلة بين فتح اللجنة المركزيّة وفتح المجلس الثوري. ورغم ان الدولة اللبنانيّة وأجهزتها المعنيّة لم تحاول العمل على تنفيذ الحكم وإحضار أبو العينين أمام القضاء بالقوّة إلّا ان الحكم نفسه قد حقّق مراد الجهات التي تقف خلفه إذ انه قد حدّ من قدرته على الحركة وجرّده بالتالي من أيّ وزنٍ سياسيٍّ كان ليكتسبه في جولاته على رجال السياسيّة اللبنانيّين وجعله أسير مخيم الرشيديّة المعزول, حرفيّاً وسياسيّاً.
على أثر صدور هذا الحكم القضائيّ أعلن أبو العينين ان الحكم الصادر بحقّه هو حكمٌ سياسيٌّ ولا علاقة له بأيّة وقائع قانونيّة. كما أشار إلى انه لن يسلم نفسه للقضاء وسيبقى على رأس عمله في مخيّم الرشيديّة ولن يغادره وحين سأله أحد الصحفيّين عن الكيفيّة التي ينوي قضاء الوقت فيها داخل معقله بعد انعدام قدرته على الخروج منه أجاب بأنه يعتزم تعلّم اللغة الانجليزيّة, رغم انه بالكاد يجيد العربيّة.
بدل دراسة اللغة الانجليزيّة انشغل سلطان بلعب البلياردو ومراكمة المزيد من الثروات كما أرسل إلى دمشق من يشتري له بعض النعامات والحيوانات الأخرى وأقام داخل المخيّم حديقة حيواناتٍ خاصّةٍ به وفي نفس الوقت أعلن عرفات عن ترقيته من رتبة عقيد إلى رتبة عميد.
أحد أهم الهوايات التي يتسلّى بها سلطان أبو العينين شبه الأميّ والمصاب بجنون العظمة هي هواية إستغلال سلطاته لإذلال الضبّاط الفتحاويّين, فحسن أبو العينين المعروف بين أبناء جيله بحسن أبو خنّة, هو متنمّرٌ سايكوباثيّ سوقيّ أوصلته الظروف إلى أعلى المناصب دون ان يكون مؤهلّاً لها. ورغم انه يرتدي في معصمه ساعة يدٍ من نوع رولكس مذهّبةً ومرصّعة بالماس , يوازي ثمنها راتب ضابطين كبيرين لمدة عامين (30000$) وان بذّاته الفخمة وربطات عنقه مستوردةٌ من إيطاليا وان الإسم الحركيّ الذي أرتداه هو “سلطان“, ورغم أن سلطته وثروته قد أقامتا له سلطاناً حقيقيّاً إلّا انه بقي في داخله حسن أبو خنّة المتنمّر الباحث عن السطوة لتحقيق ذاته النرجسيّة. ببساطة, كان سلطان أبو العينين نسخةً بائخة من معمّر القذافي.
بعد تقييد حركته وإجباره على الإقامة الدائمة داخل مخيّم الرشيديّة أزدادت أخلاق أبو العينين سوءاً وتفاقمّت عصبيّته فتراه يشتمّ ضبّاطه المعيّنين في مناصبهم بأوامر صادرة عنه, بأقذع وأبذأ الشتائم رغم كونهم مقرّبين منه. أمّا صغار الضبّاط الذي يحجّون يوميّاً إلى معقله في الرشيديّة لإمورٍ أغلبها تتعلّق بطلبات مساعدةٍ ماليّة, فتراه يأمر حراسه الشخصيّين بمنعهم من الدخول ويتركهم مرميّين في الساحة الواقعة أمام مكتبه حتى يملّوا ويعودوا من حيث أتووا بينما هو يراقبهم داخل مكتبه عبر الكاميرات المزروعة على الجدران الخارجية للمبنى والموصولة بالشاشة الموضوعة على طاولته. وقد حدث أكثر من مرّة ان بعض الضبّاط الذين كانوا يعانون من ظروفٍ ماليّة صعبة قد حاولوا الدخول إلى مكتبه رغم منع الحرّاس لهم, معتقدين ان الحراس يمنعونهم دون علم قائدهم, فتعرضوا إلى الضرب المبرّح على أيدي عصابة ابراهيم الخطيب كلاب السلطان الشرسة بينما السلطان العظيم يراقبهم على شاشته متشفيّاً.
عدا عن الأرصدة البنكيّة المتخمّة التي يمتلكها سلطان فإن هناك العديد من الإستثمارات والمشاريع التي انشأها كأفران خبزٍ ومحطّات بيع البنزين ومزرعة أبقار والعديد من المشاريع الأخرى. إن مصدر ثروته الأساس هو الحوالات الماليّة الضخمة التي يتلقّاها من السلطة الوطنيّة بشكلٍ دوريٍّ كمصاريف ورواتب لآلاف الضبّاط والمقاتلين الفتحاويّين, وهذه الحوالات الماليّة لا يدري أحد سواه ومعه ضابط ماليّته بحجمها. فلا مؤسّسات رقابيّة ولا شفافيّة ولا جرأة لدى أعضاء اللجنة القياديّة الصوريّة التي شكّلها للإستفسار عن هذا الموضوع إذ ان أعضاء هذه اللجنة هم مجرد شهود زور يقومون بما يمليه عليهم مقابل فتاتٍ خزائنه العامرة, بل ان بعض أعضاء هذه اللجنة القيادة ليسوا سوى مخبرين صغار يعملون لديه مثل بلال أصلان مسؤول الإدارة العسكريّة عنده. بل ان هذا الأصلان رضي في كثيرٍ من الأحيان ان يكون ممسحةً للأرجل على عتبة السلطان فتراه مثلاً بعد وفاة ياسر عرفات في تشرين2 2004 واحتدام الصراع في أراضي السلطة الوطنيّة حول خلافته, وإختيار سلطان للوقوف في صفّ محمود عبّاس بعد طول تردّدٍ ومقارنةٍ بين العروض التي قدّمها له المتصارعون, قد قام بتكليفٍ من سلطان بجمع مئات الكوادر في جلسة تنظيميّة (هي الأولى من نوعها) ليحدّثنا عن إقليميّة وعنصريّة أهل الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة ويحرّضنا على الوقوف إلى جانب محمود عبّاس إبن الأراضي المحتلّة العام 1984 أيّ إبن المنطقة الجغرافية التي ينتمي إليها معظم فلسطينيّو لبنان وسوريا. أذكر يومها ان أحد الضبّاط المنحدرين من الضفّة الغربيّة قد طلب الكلام وقتها وأسمع ذلك المحرّض “الشِللي” المستزلًم ما يليق به.
هذا الأسلوب التحريضي نفسه أعاد حسن أبو خنّة (سلطان أبو العينين) استخدامه قبيل انتخابات حركة فتح (المفبركة دائماً) واصطحب معه ناخبيه! من أزلامه والمتكسبين منه, إلى الضفة الغربية حيث أنتخب, طبعاً, عضواً في اللجنة المركزية.
إضافةً إلى المبالغ التي يقتطعها لنفسه من الموازنة العامّة ويحوّلها إلى أرصدةٍ خاصّة به في الخارج, ثمة العديد من الحيل الأخرى التي مكّنته من جمع ثروته الضخمة:
– إستلام رواتب المئات من المقاتلين الوهميّين الذين لا وجود لهم إلّا على كشوفه الماليّة.
– تأخير صرف الرواتب لفترات قد تتجاوز الأشهر بهدف احتساب أعلى نسبة من الفائدة البنكيّة عليها.
– الإستيلاء على الكثير من المساعدات التي تقدّمها الجمعيّات والوكالات الدوليّة عبره للاجئين الفلسطينيّين في لبنان. (يتساوى في هذا مع خالد عارف ومنير المقدح)
– الرشاوى التي يتلقّها من سياسيّين لبنانيّين (آل الحريري) مقابل إصدار المواقف السياسيّة التي تلائمهم. ( يتساوى في هذا مع خالد عارف ومنير المقدح)
– إرغام آلاف الكوادر والعناصر على شراء أشياء تافهة لا تساوي أكثر من 500 ليرة (مفكّرات,لفحات, شعارات نحاسيّة) مقابل عشرة أضعاف تكلفتها ويجري خصم هذه المبالغ من رواتب الكوادر قبل تسليمها لهم وكثيرين منهم لا يحصلون على ما أرغموا على شرائه بسبب نفاذ الكميّة!.
– تأخير ترفيعات الضبّاط وعدم إحتساب الفارق بين رواتبهم عند ترفيعهم. فقد احتفظ مثلاً بأمر ترفيعي من رتبة ملازم أوّل بحري إلى رتبة نقيب بحري منذ 1/3/1994 حتى 1/8/1998 وحين اضطر إلى إظهار الأمر الإداريّ بسبب إقتراب موعد ترفيعي إلى رتبة رائد بحري أمر بترفيعي إلى رتبة النقيب إعتبارا من 1/3/1994 بالرتبة فقط دون الراتب على ان يبدأ ترفيعي بالراتب اعتباراً من 1/8/1998 سارقاً بذلك الفارق بين الرتبتين على مدى ما يقارب الخمس سنوات.
ثمّة طرقٌ أخرى للسرقة يتّبعها ذوي النفوذ الأقل شاناً وهي متعدّدة إيضا انما أقل حجماً بكثير. فبلال أصلان مثلاً يبيع الرتب العسكريّة وأعرف شخصيّاً حالةً واحدةً على الأقلّ كنت مطّلعاً على تفاصيلها من صاحب العلاقة إذ انه كان وقتها يعمل معي في محطّة عبرا وهو عصام الحلبي الذي اشترى رتبة ملازم ثاني مقابل ان يستلم البائع كامل رواتبه على مدى ستّة أشهر. أمّا بقيّة القطعات العسكريّة فيقوم مسؤولوها بإقتطاع مبلغٍ معيّن من راتب كلّ عنصر لصالح دعم موازنة الكتيبة أو الوحدة ويتراوح المبلغ المقتطع شهريّا بين 5000 و10000 ل.ل. (7$ الحد الأقصى). لا يشعر أحد من هؤلاء اللصوص بأيّ تأنيب ضمير نتيجة سرقاتهم بل تجدهم يتفاخرون بها ويعتبرون مداخيلهم غير الشرعيّة وغير الأخلاقيّة تعبيراً حقيقيّا عن نفوذهم, فترى ضابط الماليّة مثلاً أو سواه “يتفشخر” بحصوله على مئات الدولارات شهريّا من أموال الحركة (أبو أشرف مروان وقد سبق ذكر هذا الموضوع).
لعلّ اللص الفتحاوي الوحيد الذي تفاجأت به هو صديقي المقرّب السابق, النقيب سليمان شحادة (أبو نضال وهو حالياً برتبة عقيد) الفتحاوي الطاهر والعصامي الذي يتباهى بفتحاويّته والحافظ لأناشيد الحركة وصاحب هواية توثيق أسماء شهداء الإنتفاضة الفلسطينيّة على حاسوبه مع تواريخ استشهادهم, والمستعد لأن يطلق عليك النار إذا ما نلت ياسر عرفات بكلمة سوء, والمتمنطق بجعبته العسكريّة وبندقيّته عند أي إستنفار فتحاويّ. إذ ما كاد هذا الصديق ان يصل إلى منصبٍ يتيح له السرقة بعد ان تمّ تعيينه ضابطاً لإدارة كتيبة شكّلها سلطان خصّيصاً لتكون قوّته الضاربة الشخصيّة في عين الحلوة, حتى أصبح من أمهر اللصوص. ليس هذا فحسب بل صار لصاً يتباهى بلصوصيّته كبقيّة اللصوص الفتحاويّين الظرفاء. فقد حدّثني يوما بعد صرف الرواتب المعتادة بأنه تبقّى من أموال الصرف مبلغ مليون ومائتا الف ل.ل هي عبارة عن رواتب مقاتلين قد تركوا الحركة لكن أسماءهم لم تزل بعد عن الكشوف.
- ذهبت إلى بيت أبو عرب (قائد الكتيبة) لأبلغه بأن صرف الرواتب قد تمّ وناولته إثنيّ عشر ورقة من فئة المائة ألف ل.ل فعدّهم وناولني منهم ستمائة الف ثم وضع الستمائة الأخرى في جيبه. قال لي أبو نضال متباهياً.
إضافةً إلى الموازنة الشهريّة المخصّصة لرواتب المنضويّين في حركة فتح هناك موازنتين ماليتين أخرتين لا تقلّا عنها حجما أحد هاتين الموازنتين مخصّصةٌ لمعالجة المرضى المصابين بأمراضٍ مستعصيّةٍ من المدنيّين الفلسطينيّين بسبب عجز وكالة الانروا عن تمويل علاجها المعزو إلى قلّة الموارد وامتناع العديد من الدولة الداعمة عن دفع حصصهم المستحقّة. تعتبر المستشفيات في لبنان من أغلى المستشفيات في العالم وقضاء ليلةٍ في إحداها (دون احتساب ثمن الأدوية والعلاج) يكلّف أكثر من قضاء ليلةٍ في أفخم فنادق الدرجة الأولى ذات الخمس نجوم. لم تمتنع وكالة الانروا كليّاً عن تمويل علاج الأمراض المستعصيّة بل جزئيّاً, إذ انها تساهم بما يقارب ال10% أو ال20% من مصاريف العلاج بينما تقوم م.ت.ف بتغطية ما يتراوح بين 10% و 90% وتعتمد نسبة التغطيّة على حالة أبو العينين المزاجيّة لحظة عرض الحالة عليه. وكذلك يعتمد طبعا على عوامل أخرى (قرابة, نسب, بلديّات, محسوبيّات, قرابة من نساء جميلات, تزكيّة من المقرّبين .. إلخ). وهنا أيضاً لا لجان رقابيّة ولا لجان إداريّة أو طبيّة مما يجعل مئات الآلاف من الدولارات منها تذهب بشكلٍ متواتر إلى غير أصحابها ومستحقّيها. في حالةٍ واحدةٍ من الحالات التي تمّ كشفها كانت عصبةٌ من موظّفي الماليّة (الأرجح بمعرفة من المسؤول العام لجهاز الماليّةالمركزي في لبنان , الأسدي) تقوم بالتواطؤ مع بعض موظفي المستشفيات بصرف مبالغ ماليّة طائلة على حالات سرطان وهميّة وتقاسم الأموال في ما بينهم. حين بدأت روائح هذه السرقات تفوح تمّ التضحيّة بأحد أعضاء العصابة واستعماله ككبش فداء فطرد من الحركة بينما بقيّ الآخرون في أماكنهم وتابعوا أعمالهم كان شيئاً لم يكن.
الموازنة الثالثة مخصّصةٌ لصرف رواتب أُسر الشهداء والجرحى الذين سقطوا أثناء عملهم في م.ت.ف والتطرّق إلى هذا الموضوع مؤلمٌ ومقزّز. روت لي أرملة شهيدٍ فلسطينيّ انها حين ذهبت لإستلام راتب زوجها الشهيد للمرّة الأولى, وأثناء انتظارها لانتهاء المعاملة الإداريّة في مكتب المسؤول الماليّ عن أسر الشهداء “الشيخ العبلّيني” الواقع عند مدخل مخيّم عين الحلوة الشمالي, سمعت “الشيخ” يهمس للموظّف الجالس خلف طاولة المكتب المجاورة لها ويقول:”قلّ لها ان تحلق شواربها في المرّة القادمة” ثم انفجر الإثنان بالقهقهة. أصيبت المسكينة بالإحراج وتظاهرت بأنها لم تسمع ما تهامس به الرجلان وانتظرت حتى سلّمها أحدهم راتبها وخرجت مسرعة إلى الطريق حيث انفجرت بالبكاء. بكت أياماً طويلةً بعدها ولم تعد تدري أيهما أولى بالبكاء, روح زوجها الشهيد أم جرحها وذلّها والأيام المريرة التي تنتظرها. من المعروف ان الأرامل في المجتمعات عامّةً وفي الشرق الأوسط خاصّة يتوقّفن عن اتّخاذ زينتهنّ أو الإعتناء بمظهرهن طوال أشهر الحداد وان من ضمن المحرّمات عليهن نزع الشعر الزائد عن الوجه. والشيخ العبلّيني لا بدّ قد شاهد مئات من الأرامل واخوات وبنات الشهداء خلال عمله كمديرٍ لمكتب صرف رواتبهن فكم مرّة تراه تهكّم عليهن وكم منهنّ سمعت تهكّماته يا ترى. ونحن هنا بصدد الحديث عن شخصٍ متديّنٍ في الخمسينات من عمره فما أدراك ما الذي يقوم به الأقل تديناً.
ما ان ينتهي المناضلون من دفن الشهداء وتأبينهم ومعاهدتهم على إكمال الدرب حتى تبدأ معاناة ابنائهم وبناتهم واخواتهم وامّهاتهم وزوجاتهم بدءاً من الرواتب الشحيحة وانتهاءً بفقدانهم عماد دارهم واضطرارهم للوقوف على عتبات القادة المناضلين الذين لا يرون فيهم سوى لقمةٍ جنسيّةٍ قد تكون متاحة ان كنّ جميلات أو إزعاجاً دوريّاً فيوصون بوّابيهم بالتصرف معهم وصرفهم وعدم السماح لهم بالدخول إلى مكاتبهم الوثيرة. هذان الصنفان من نساء الشهداء غالبا ما تراهم أمام مكتب سلطان أبو العينين وإحداهن كانت والدتي العجوز أرملة الشهيد روبين أبو العلا الذي كان قبل اغتياله عام 1980 مسؤولاً مباشراً عن سلطان. وحين شكت له العوز والفقر واضطرارها إلى العمل كخادمةٍ في المنازل أمر لها بمساعدةٍ قدرها 50 دولاراً رفضت استلامها وغادرت خالية الوفاض. أمّا الجميلات اليافعات فأحضانه مفتوحةٌ لهن وكرمه الحاتميّ تُحدّث به الألسن. لآل الشهيد وأهله في حركة فتح مصيران محتملان اوّلهما الجوع والفقر وثانيهما تمريغ كرامتهم على أبواب القادة الانذال.
——————————————————————–
حين تخلّيت عن عملي في محطّة عبرا وعدت إلى التفرّغ الكامل للعمل في حركة فتح كنت قد تصالحت مع أكرم هوّاري بوساطة من صديقٍ مشترك. كرّرت القول للصديق المشترك يومها يوم عرض مصالحتنا انني لا أملك موقفاً قيميّا من قضية شذوذ أكرم فهو حرٌّ في ميوله وممارساته طالما انه لا يسخّر سلطاته في سبيل خدمة نزواته. فأكرم هوّاري حين يكون خارج السلطة يتحوّل إلى شخصٍ ودودٍ طيب المعشر ولا يجرؤ على ممارسة تحرّشاته بأحد. بعد بضعة أشهر من المصالحة عرض أكرم عليّ العمل في جهاز التسليح في عين الحلوة بعد ان كلّفه أبو العينين بترؤسه بتزكيّةٍ من العقيد مهاجر جار أكرم وصديقه ولكنني اعتذرت مفضّلاً العمل تحت قيادة خالد عارف الذي لم يسبق ليه العمل معه من قبل ولكن قيل لي انه كان في الماضي صديقاً لوالدي.
إثر خلافي مع خالد عارف واكتشافي مدى انتهازيّته واستعداده للوقوف على جثث الكوادر الفتحاويّة في سبيل تحقيق مصالحه الخاصّة قرّرت ان أتركه العمل عنده. كانت الخيارات قليلة أمامي فإمّا منطقة صيدا بقيادة خالد عارف أو اللجنة العسكريّة برئاسة “أسد بغداد” وهي تشكيّلة لا تشبه إسمها بل مجرّد إطارٍ لتجميع أكثر من مائة وعشرين ضابطاً فتحاويّا لا عمل لديهم سوى شرب الشاي ولعب الورق, أو جهاز التسليح الذي كلّف أكرم برئاسته. وقد اخترت الأخير بسبب معرفتي بضبّاطه وصداقتي مع ضابطين منه هما علي الخليل وعمر تركيّة.
عندما طلبت من خالد عارف نقلي إلى الإدارة العسكريّة تهيئةً لانتقالي إلى جهازٍ آخر رفض طلبي وأصرّ على بقائي تحت أمرته ليتسنّى له التضييق عليّ والانتقام منّي بسبب موقفي الآخير ورفضي التضحيّة بنفسي خدمةً لمآربه. طلبت من محمود عيسى “اللينو” التوسّط لدى خالد عارف وقد وعدني بذلك ولكن الأمر طالت مدّته وبدا عارف متشبّثاً بعناده فقمت بالإتصال بنسيبي جمال سليمان وإبلاغه بالموضوع وسألته عمّا إذا كان بمقدوره فعل شيئاً بهذا الخصوص فردّ بالإيجاب وقال لي لا تقلق. رغم ان جمال سليمان كان قد طرد من حركة فتح منذ سنوات إلّا ان أغلب قادة حركة فتح وبينهم خالد عارف يطلبّون ودّه ويسعون لإرضائه بسبب علاقاته الوطيدة بالإستخبارات السوريّة المبنيّة على انتمائه لحزب الله حليف النظام السوريّ الأساس منذ سنواتٍ عديدة.
بعد خمسة دقائق من إتصالي بالحاج جمال سليمان, طلبني خالد عارف إلى مكتبه وكان بشوشاً بوجهي لأوّل مرّة منذ شهور, وأخذ بالمزاح معي امام الضبّاط الجالسين في غرفته فطلب منّي مازحاً تأدية التحيّة العسكريّة ثم سألني مازحاً ايضاً عمّا إذا كان أكرم لوطيّاً فأجبته :”انت أعلم” ثم سألني ما إذا كنت انا ألوط به فأجبته بأنني أفضّل النساء لكن عند انعدام وجودهن لا أدري ما إذا كنت سأفعل إذ لم يسبق ان وجدت نفسي في هذا الظرف. انتهى اللقاء القصير بكتابته أمرٍ إداريّ يقضي بنقلي إلى مرتّبات الإدارة العسكريّة تمهيداً لإعادة نقلي منها إلى جهاز التسليح.
عند بدء العام الدراسيّ 2000 – 2001 أرسلت في طلب ولداي روبين ومحمد الذين أصبحا في التاسعة والعاشرة من عمريهما لإستكمال دراستهما في مدارس الانروا في لبنان حتى يكونا بقربي وتحت رعايتي وكنت قد استأجرت شقّةً في مبنى من أربعة طوابق يقع على مدخل الشارع الفوقاني من مخيم عين الحلوة وعلى بعد ثلاثين مترّا من نقطة التفتيش الفلسطينيّة. وقد وافقت أمّي مشكورةً على ان تقيم معي وتساعدني في رعاية الولدين. جرت الأمور على ما يرام عدا بضعة عشراتٍ من الإشتباكات المسلّحة الفجائيّة التي كانت تعرّض حياة أطفال المخيّم جميعاً إلى الخطر خصوصاً عند وقوعها في أوقات الدوام المدرسي فيهرع الناس من كلّ حدبٍ وصوب نحو مدارس أبنائهم لإصطحابهم منها. أغلب الإشتباكات تقع في الشارع الفوقاني بسبب تجمّع مكاتب حركة فتح فيه وتواجد مقاتليها على تماسٍ بعصبة الانصار (المنافسة) في حي الصفاف وكذلك في حيّ الطوارئ مما جعلني أدرّب طفلي على التوجّه من مدرستهما عند حدوث الإشتباكات إلى منزل والدتهما في طريق الهمشري عبر الشارع التحتاني, وقد حدث أكثر من مرّة ان أرغمتهما الإشتباكات على سلوك هذا الطريق. ليس أشدّ على المرء من العيش في ظلّ تهديدٍ يوميٍّ لسلامة أطفاله ولكننا نحيا في عين الحلوة ضمن الحدّ الأدنى من العيش المتاح, كغرقى يجهدون لإبقاء أنوفهم فوق سطح الماء ويترقّبون بقلق اللّحظة التي يضطرّون فيها إلى الإستسلام من شدّة الإرهاق.
كان العمل في جهاز التسليح سلساً ومملّاً كالعمل في بقيّة المواقع الحركيّة واقتصر على الدوام بضعة ساعات في النهار دون القيام بأية مهام والمناوبة الليليّة الإسبوعيّة والتي تعني النوم داخل المكتب, ودون أية مهام أيضاً. كان أكرم يمارس هواياته المعتادة مع الجميع وقد حاول التحرش بي مرّةً واحدةً ولمس عضوي الذكري من فوق بنطالي فدفعته بشدّة وأوضحت له انني لا لن أقبل أي تحرّش يقدم عليه, فلم يعد إليها ولكنه ثابر على المزاح الجسدي المعهود مع البقيّة. ثم اصطفى لنفسه الشاب العراقي الأملط الذي جاء ذكره في بداية الكتاب واتخذه رفيقا وعشيقا ونديماً, وهو شيعيٌّ في العشرينات من عمره يذهب نهاراً إلى العمل المدنيّ ويعود عصراً لتناول طعامه والإستحمام ثم النوم في مكتب أكرم وعلى سريره الخاص.
عملت في جهاز التسليح مدّة سنتين التحقت خلالها بدورتين تعليميتين أولاهما دورةٌ لتعليم اللغة العبرية أقامها أسيرٌ سابقٌ قضى عشرين عاماً في السجون الإسرائيليّة أتقن خلالها اللغتين الانجليزيّة والعبريّة وكانت لغته الانكليزية جيدة نوعاً ما لكن مهارته في اللغة العبريّة عظيمة وكان يتكلّمها ويكتبها ويقرأها بطلاقة كما لو كانت لغته الأم. كنا مجموعةٌ من خمسة عشر كادراً بينهم “أبو نضال” و“الشيخ أحمد” و“اللينو” وجميعهم نقباء وكذلك كان معنا مجموعة من الصبايا الذي يعملون في روضة الأطفال التابعة لحركة فتح في المخيّم. استمرّت الدورة 9 أشهر وقد كنت انا من بين المتفوقين فيها وقدّمت بمناسبة التخرّج كلمةً باللغة العبريّة كتبتها بنفسي وقام الشيخ أحمد بترجمتها أثناء إلقائي لها.
بعد انتهاء الدورة العبريّة إلتحق بدورةٍ لتعليم الكومبيوتر القادم إلى لبنان حديثاً ورغم انني لم أكمل الدورة بسبب امتناع أكرم عن دفع القسط الذي وعد بها إلّا انني تابعت دراستي بنفسي بعد ان تركت المعهد ورحت أستكشف كنه الكومبيوتر القديم (أبيض وأسود) الموجود في المكتب والمخصّص للعب الورق. كنت أضغط على وصلة “المساعدة” في كلّ خطوة أقدم عليها أو برنامجٍ أفتحه ثم أقوم بدراسة ما جاء فيها وساعدتني في هذا المضمار لغّتي الانكليزية الجيدة وكذلك نشّطت هذه القراءة قدرتي اللغويّة التي كنت نسيت الكثير من كلماتها. بعد أربعة أشهر من بدء الدراسة الشخصيّة أثمرت جهودي جيداً وصرت مشغّل حاسوب لا بأس به وفي هذا الوقت كان بعضهم قد انشأ مركزاً للإتصال بالشبكة العنكبوتيّة داخل المخيم ووضع فيه بضعة حواسيب وفي هذا المحلّ كانت اتصالي الأوّل بهذه الشبكة التي سريعاً ما أدمنت عليها ومعي صديقيّ أبو نضال ومحمود الصفدي وصار قسماً لا بأس به من الراتب يذهب رسوما للساعات التي نقضيها في مركز الإتصال بالانترنت.
———————————————————————-
لإن كان أبو العينين قادراً على التحصّن في مخيّم الرشيديّة الذي اشترى ولاء سكانه فإن خالد عارف القاطن في مدينة صيدا لا يستطيع التحصّن في مخيّم عين الحلوة أولاً لأن زوجته وأولاده يأنفون من سكنى المخيّم وثانياً بسبب انعدام الحاضنة الشعبيّة لحركة فتح فيه, بعد ان خسرت جميع مواليها لصالح التنظيمات الأصوليّة وهذا ما جعله لقمةً سائغةً للمخابرات اللبنانيّة التي قامت بإعتقاله بتهمٍ من نفس النوع. وفي النفس الوقت قامت الأجهزة الأمنيّة بإعتقال العديد من الكوادر بنفس التهم وزجّهم في السجون لنفس الفترة وكان بينهم خالد الشايب وبين المتهمين المحكومين غيابياً كان هناك النقيب نزيه سلام وتيسير قدّورة وعنتر سلامة.
خلال فترة إعتقال الخالدين عارف والشايب حصل تطورٌ نوعيٌّ في الظروف المحيطة بالمنطقة أربك نظام الأسد وجعله يتخبّط بين مواقف وتصريحات تبدو لأوّل وهلةٍ كما لو انها جزءٌ من كوميديا سوداء من فرط لاعقلانيتها. إذ أعلنت الحكومة الإسرائيليّة على لسان رئيس الوزراء إيهود باراك عن نيّتها تطبيق قرار مجلس الأمن رقم 425 وسحب قوّاتها العسكريّة من كامل الأراضي اللبنانيّة دون أية شروطٍ او تسوياتٍ سياسيّة أو أمنيّة. جنّ جنون حافظ الأسد الذي أيقن انه سيفقد آخر أوراق قوّته المتمثلّة ب“المقاومة اللبنانيّة” التي اعتادت ان تنفّذ له ضرباتٍ عسكريّة غبّ الطلب ضد القوّات الإسرائيليّة وحلفائها في الجنوب اللبناني. ان هذا التوجّه الإسرائيلي الطارئ عنى فصل المسارين اللبناني والسوريّ الذي أصرّ النظام السوريّ على وحدتهما في المفاوضات مع الإسرائيليّين مجيّراً ضربات حزب الله لصالحه مما سينقل الأسد في هذه المفاوضات من موقع الندّ إلى موقع المتسول الذي لا خيار أمامه سوى القبول بما يعرض عليه.
استنفر الأسد أجهزة إعلامه في سوريا ولبنان وأرسل وزير خارجيته فاروق الشرع إلى القاهرة للقاء وزير الخارجية المصري عمر موسى علّه يتوسط له عند الإسرائيليّين لتأجيل انسحابهم المزمع الذي تحاول إسرائيل من خلاله “ان تتهرّب من استحقاقات السلام ومتطلباته تحت عناوين مختلفة” حسبما صرّح الشرع في 9 أيار 2000 بعد لقائه مع عمر موسى. كان حافظ الأسد أشد تمسكاً ببقاء الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان وبقاعه الغربي من الكثيرين من اليمينيّين الإسرائيليّين المتديّنين والمتشدّدين الذين يرون ان أرض إسرائيل يجب تمتدّ من الفرات إلى النيل. لقد ظن الأسد ان وعد رئيس وزراء اسرائيل أيهود باراك الانتخابي الذي أطلقه في أيار 1999 بأنه سيغادر لبنان إذا ما نجح في الانتخابات وتولّى رئاسة الحكومة بعد سنة من تاريخ تسلّمه السلطة مجرد وعدٍ انتخابيٍّ لن يستطع تطبيقه. حين نفّذ باراك وعده وبدأ بالانسحاب في 24 أيّار 2000 أسقط في يد الأسد حتى ان وزير خارجيّته أدلى أمام المشاركين في اجتماعٍ للقيادة القطرية لحزب البعث الحاكم بالتصريح المضحك التالي ” ان الانسحاب الصهيوني من لبنان مناورة إسرائيليّة لن تنطلي على أحد، وان إسرائيل إذا أرادت حقاً الانسحاب من لبنان فعليها أولاً الانسحاب من الجولان”.
عند إعلان إسرائيل عزمها بالانسحاب اوعز النظام السوريّ إلى ميليشيا حزب الله بتسخين الجبهة الجنوبيّة فبادرت الآخيرة إلى إمطار المستوطنات الإسرائيليّة الشماليّة بصواريخ الكاتيوشيا وقد كان مجموع ما أطلقته في يومٍ واحد من هذه الصواريخ 40 صاروخاً سقطت في 5 أيّار 2000 على مستوطنة كريات شمونة وأدّت إلى إصابة 24 إسرائيليّاً. لم تكتف الميليشيا الشيعيّة بعمليّات إطلاق الصواريخ على المستوطنات بل عملت على شنّ العديد من الهجمات على مواقع جيش لبنان الجنوبي الموالي لإسرائيل وكذلك على مؤخّرة القوّات الإسرائيليّة أثناء انسحابها. ردّت إسرائيل على هجمات حزب الله بقوة واستهدفت تجمّعاته بالغارات الجويّة والقصف المدفعي لكّنها تابعت انسحابها ولم تقع في فخّ حافظ الأسد. إعتبر الأسد انه سيخسر بذلك الدنيا والآخرة، فجاء اختراع مسمار جحا للحفاظ على ذريعة “مقاومة” حزب الله في لبنان من خلال مسألة مزارع شبعا. فقد أعاد اللواء الشيعي جميل السيد الذي عيّنته سوريا مديرا للأمن العام اللبناني (بعد ان كان هذا المنصب من حصّة الموارنة) والذي ترأس اللجنة العسكريّة اللبنانيّة في مفاوضات الإنسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان التي أشرفت عليها الأمم المتّحدة, أعاد رسم خارطة لبنان التي رسمها سابقاً جاعلاً شبعا ضمن الأراضي السوريّة، فرسمها من جديد ضمن الأراضي اللبنانيّة، ليستمر حزب الله في القتال تحت ذريعة تحرير مزارع شبعا السوريّة في خرائط نظام دمشق وخرائط الأمم المتّحدة على حدٍّ سواء واللبنانية في خرائط جميل السيّد وحسن نصرالله.
بعد إقرار الأمم المتّحدة بان إسرائيل قد أكملت انسحابها من الأراضي اللبنانيّة ونفّذت القرار 425 بالكامل تضاءلت قدرة حزب الله ومن خلفه النظام السوريّ على المناورة رغم إختراع قضيّة “مزارع شبعا” وأضحت الحاجة إلى أوراقٍ جديدة ترفد ورقة المقاومة اللبنانيّة ماسّةً وكان هناك كالعادة الورقة الفلسطينيّة. يدرك نظام حافظ الأسد جيداً ان الفصائل الفلسطينيّة المسلّحة التي تدور في فلكه كالقيادة العامة والمجلس الثوي وفتح الانتفاضة ليس لها أوزان حقيقيّة على المستويّين السياسيّ والعسكريّ وان الورقة الفلسطينيّة الرابحة هي حركة فتح اللجنة المركزيّة (قبل اشتداد عود حماس التي نشأت عام 1987) لذا كان لا بدّ من مصالحةٍ جديدة معها. ولقد عزّز هذا التوجه الجديد اندلاع الإنتفاضة الفلسطينيّة الثانية أواخر أيلول 2000 ثم وفاة حافظ الأسد في تشرين1 2000 واغتنام ياسر عرفات لهذه الفرصة للقيام بزيارة إلى سوريّة بدعوى تقديم العزاء لإبنه بشّار الذي عيّن خلفاً له بعد تعديل الدستور السوريّ في مجلس الشعب ليتسنّى له ان يكون رئيسا للجمهوريّة وهو بعد في سنّ ال34. أسفر التقارب الفلسطينيّ السوريّ الذي بدأ بعد وفاة حافظ الأسد ببضعة أشهر عن تحسّن العلاقة بين م.ت.ف. المؤسّسات اللبنانيّة وخصوصاً منها المؤسّسات الأمنيّة التي يسيطر عليها حزب الله وأهمّها مخابرات الجيش اللبناني وتمّ الإفراج عن ضبّاط المنظمة المعتقلين وكذلك قامت هذه المؤسّسات بوضع ملفّ الحكم على سلطان أبو العينين في أدراجها بعد سحبه من التداول القضائيّ والإعلامي.
من جهتها وافقت القيادة الفلسطينيّة على التعاون الأمني مع المخابرات العسكريّة اللبنانيّة (الشعبة الثانية) وعقدت معها إتفاقاً سريّاً تعهدت بموجبه القضاء على الفصائل الإسلاميّة الأصوليّة في المخيمات الفلسطينيّة خصوصاً منها تنظيم عصبة الانصار الذي أتهمّته الشعبة الثانية بدعم وتدريب مقاتلي “جماعة التكفير والهجرة” التي أقامت العام 1999 معسكرات تدريب في جرود عكّار – الضنيّة واشتبكت مع الجيش اللبناني الذي حاول اعتقال اعضائها ليلة رأس السنة الميلادية 1/1/2000 وقتلت 11 من جنوده وضبّاطه وقتل منها 16 عنصراً بينهم زعيم الحركة بسام كنج المعروف بإسم أبو عائشة القادم من أفغانستان حيث كان يقاتل مع تنظيم القاعدة فيها واعتقل 37 فيما توارى عن الانظار أكثر من 60 من العناصر بعضهم نجح بالتسلّل إلى مخيّم عين الحلوة والإلتحاق بتنظيم عصبة الانصار الذي يتزعّمه أبو محجن (أحمد السعدي).
ابتدأت الشحنات العسكريّة السريّة من بنادق وقواذف وذخائر تتدفّق إلينا في جهاز التسليح آتيةً من مخيم برج الشمالي حيث قامت الحركة بشرائها من السوق المحليّة. كان على الضابط المناوب إستلام هذه الشحنات عند وصولها الساعة الرابعة فجراً بالتنسيق مع الشعبة الثانية التي كان عليها تبليغ نقطة التفتيش التابعة للجيش اللبناني على مدخل المخيّم بعدم التعرّض للسيّارة التي تنقله. في أغلب المرّات يقوم بنقلها صف ضابط فلسطينيّي سوريا يطلق على نفسه إسم “تحرير” فيما يبقى السائق داخل السيّارة وأقوم انا أو أي ضابطٍ مناوبٍ بإستلامها والتوقيع على وصل يتضمّن ذكر عدد ونوعيّة العتاد أو الذخائر ثم يغادر تحرير مع السيّارة الناقلة مباشرةً على ان يعود عند تجهيز الدفعة التالية.
وفي نفس الوقت أنشأ سلطان أبو العينين كتيبةً خاصّة في عين الحلوة ولّى عليها المقدّم صبحي أبو عرب وأطلق عليها إسم كتيبة شهداء شاتيلا وكانت مهمّة هذه الكتيبة الأساسة القضاء على عصبة الأنصار وعمل على تطعيمها بالعديد من الضبّاط قادة السرايا من سكان مخيم عين الحلوة الأصليّين بحيث تتاح لهم حرّية الحركة داخل المخيّم ويكون بإمكانهم إنشاء مواقع عسكريّة داخل المخيم وفي أحيائهم السكنيّة التي يقيمون فيها وهو امرٌ غير ممكن في حالة الضبّاط القادمين من خارج المخيّم. وكان ضابط الإدارة لهذه الكتيبة سليمان شحادة (أبو نضال) الذي سبق ذكره.
في آذار 2003 صحا نظام الأسد (الصغير) ليجد نفسه وقد أضحى جاراً للولايات المتّحدة الإمريكيّة بعد ان قامت الأخيرة بغزو العراق والإطاحة بصدّام حسين وتنصيب قيادة عراقيّة جديدة (شيعيّة) جلبتها معها من بلدان المهجر. أيقنت أجهزة الأسد الأمنيّة ان رأس الأسد الصغير سيتدحرج عمّا قريب ويتدحرج معه حكم الأقليّة العلويّة لسوريا الذي استمرّ منذ ستّينات القرن الماضي, إذا ما استتبّ الأمر للقوّات الأمريكيّة في العراق. فجأةً تحوّل النظام “العلماني, القومي” السوريّ إلى أكبر راعِ للإسلام الأصولي وفصائله المسلّحة وعلى رأسها تنظيم القاعدة فانشأ لها معسكرات تدريب داخل الأراضي السوريّة وتم دعمها بالمال والسلاح (الإيرانيّين) واستجلب لها المتطوّعين من شتّى أرجاء الأرض مركّزاً على الأردن ولبنان ودول الخليج العربيّ بل ومن سوريّا نفسها التي كانت تهمة الانتماء إلى تنظيم إسلامي أصولي فيها فيما مضى توصل إلى حبل المشنقة.
عاد الإسلام الأصولي في لبنان للتنامي برعايةٍ إستخباريةٍ سوريّة وإيرانية ولبنانية وكذلك استعادت تنظيمات فلسطينيّة أصولية كعصبة الشام وحزب التحرير وعصبة الأنصار نشاطها بعد ان كادت المخابرات اللبنانيّة ان تستأصل شأفتها وأوقفت الحرب التي أعدّها سلطان أبو العينين لهذا الغرض. وتمدّدت المجموعات الإسلاميّة السنيّة التي انشأها أو رعاها وتكفّلها ماليّاً الحرس الثوري الإيراني في لبنان وبدأت الجميع في ضخّ “المجاهدين” السنّة لحساب “المجاهدين” الشيعة واخوانهم “المجاهدين” العلويّين. لم تكتف أجهزة الأسد بهؤلاء الحزبيّين بل انشأت أيضاً أيضاً فرعاً سوريّاً لتنظيم القاعدة اطلقت عليه إسم “غرباء الشام” ووضعت على رأسه شيخاً حلبيّاً من أصولٍ تركمانيّة يدعى محمد قول غاس ويكنّى بأبي القعقاع وأوعزت إلى مئات الآلاف من مخبريها بالعمل على رفده بما أمكن من المتطوعين السوريّين واللبنانيّين والفلسطينيّين ليتمّ إرسالهم عبره إلى العراق لقتال القوّات الأمريكيّة.
استمرّ عملي في جهاز التسليح لمدّة عامٍ كاملٍ وانتهى عمليّاً لحظة نهرت “علي العراقي” العشيق الأملط للشيخ أكرم هوّاري بعد ان حاول التمادي ومخاطبتي مخاطبة الندّ للندّ وقد جاء ذكر هذه الحادثة في الصفحات الأولى لهذا الكتاب ولا داعي لتكرارها. خلال هذه الفترة زارني في مقرّ دوامي شخصٌ قدّم نفسه على انه ينحدر من بلدة “شفاعمرو” الفلسطينيّة التي انحدر منها أنا وعرّف عن نفسه بإسم أبو ثائر وقال انه في الأصل من مخيّم نهر البارد لكنه يقطن حاليّاً في مدينة صيدا. اصطحبت أبو ثائر إلى منزلي لشرب القهوة وإكمال محادثاتنا التي أثارت فضولي إذ كرّر خلالها أبو ثائر قوله انني من عائلة مناضلة وانه يرى فيّ الوطنيّة والإستعداد للنضال. بعد نصف ساعة من الحديث المكرّر أفصح أبو ثائر عن هدفه وأبلغني ان هناك جماعةٌ من المحسنين الذي يودّون دعم الانتفاضة الفلسطينيّة ومدّها بالمال والسلاح وانه يبحث بالنيابة عنهم عمّن يستطيع تأمين وصول هذا الدعم إلى أراضي السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة. أستفسرت مراراً عن ماهيّة هذه المجموعة ودوافعها وكان أبو ثائر يردّ في كلّ مرّةٍ بطريقة مريبة غير واضحة ويكتفي بتعريفهم بصفتهم أثرياء عرب يودّون التبرع للمجاهدين لوجه الله تعالى. كان عليّ التصرف بحذر إذ ان قبولي بهذه المهمّة المريبة قد يدخلني في متاهاتٍ انا في غنىً عنها وكذلك فان رفضي سيقطع إتصالي بهذه المجموعة المفترضة التي هي على الأرجح جهةٌ إستخباريّة أو تابعةٌ لتنظيم القاعدة فقرّ رأيي على إيصال أبو ثائر بمنير المقدح الذي يملك خيوط إتصالاتٍ مع كتائب شهداء الأقصى في أراضي السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة. وهي أحد أجنحة حركة فتح التي تتلقى دعماً مالياً إيرانيّاً عبر المقدح وقائده فاروق القدّومي عضو اللجنة المركزيّة لحركة فتح المقيم في سوريا والمترأّس لجناحٍ “ممانعاتي” سوريٍّ وإيرانيّ الهوى.
كانت صلتي بمنير المقدح هو الصديق القديم مصطفى عودة الذي لجأ إليّ في عين الحلوة مع عائلته بعد ان توّرط بمشروعٍ إستثماريٍ وهميّ تمكّن من خلاله من استدرار تمويلا ضخماً من بضعة أفرادٍ نجح في خداعهم وبينهم أحد ضبّاط المخابرات السوريّة ثم فرّ هارباً بعد ان انفق المبلغ بكامله كعادته على السهر و“الفرفشة“. لم يجد مصطفى مكاناً يأويه من ضابط المخابرات السورية سوى مخيّم عين الحلوة, فأقام في منزلي حوالي الشهرين ثم انتقل إلى العمل في “الجيش الشعبي” الذي أسسه المقدح وقام بإستئجار منزلٍ قريب من منزله.
رتّبت لقاءً بين الرجلين وعرّفتهما على بعض ووافق مصطفى فوراً على مطلب أبو ثائر فهو معروفٌ بإستعداده لتجشم أعتى المخاطر في سبيل المال الذي يقوم بانفاقه يمنةً ويسرةً ما ان يصل إلى جيبه حتى كوّن حوله عصبةً صغيرةً من “الأصدقاء” المتنفّعين بأمواله دون حساب. بعد أيام زارني مصطفى ليبلغني ان “فاعلي الخير” المزعومين ليسوا سوى مجموعةٍ من الحرس الثوري الإيراني التي تودّ إفتتاح فروعٍ “نضاليّة” جديدةٍ لها تضيفها إلى قائمة الفروع التي تمتلكها فقمت بتزويد أبو العينين بهذه المعلومات. وقد تمكّن مصطفى ومن خلفه منير من سحب بضعة آلاف من الدولارات مقابل خدماتٍ كان منير يقوم بها على أيّة حال لصالح فاروق القدّومي ومن خلفه الحرس الثوري الإيراني نفسه. وهذه الخدمات هي تحويل بعض المبالغ الماليّة إلى متزعمي كتائب شهداء الأقصى عبر فرع البنك العربيّ في مدينة صيدا, وبسبب دوره هذا غالباً ما يصرّح المقدح بانه قائد ومؤسّس كتائب الأقصى بينما في حقيقة الأمر أن مؤسّس كتائب الأقصى هو الحرس الثوري الإيراني. بعد هذه الصفقة سافر أبو ثائر إلى الولايات المتّحدة الأمريكيّة التي سبق ان كان بها واضطر إلى مغادرتها بسبب عدم حصوله على الإقامة. ولكنه صادق إحدىالسيدات الأمريكيّات قبل المغادرة, وقد زارته هذه السيدة في لبنان حيث تزوجها وغادر معها أمّا مصطفى عودة فقد دأب على اجتراح طرائق تحصيل الأموال عبر طرق بالغة الخطورة مما ورّطه في قضيّة كشف خليّة لتنظيم القاعدة في البقاع اللبناني كان بعض أعضائها قد استأجروا شقّةً من حماته بتدبيرٍ منه. كذلك فإنه قد تورّط حسب بعض المعلومات غير المؤكّدة في الإتصال بجماعة سعد الحريري مدعيّا (لا أدري صادقاً أو كاذباً) إمتلاكه معلوماتٍ خطيرة تتعلّق بتفجير موكب رفيق الحريري الذي قام به حزب الله بطلبٍ من المخابرات السوريّة وإستعداده لتسليم هذه المعلومات مقابل المال. وقد اختفى مصطفى منذ أكثر من عشر سنوات والأرجح انه قتل نتيجةً لإحدىالمجازفتين الأخيرتين ولم يعثر أبداً على جثّته.
بعد تعنيفي للعشيق الرقيق لأكرم عدت مضطراً من جديد لمخاطبة اللينو ليتوسط لي عند خالد عارف ليعيدني إلى مرتّبات منطقة صيدا وهو ما حصل. وقد فرزني عارف في البدء إلى مكتب الإدارة لمراقبة أبو أشرف مروان وعبد معروف المفروزين أصلاً من قبل سلطان لمراقبة خالد عارف. وحين لم يجد مني جدوى وتأكّد من انني لن أقوم بهذه النذالة عاد وعيّنني ضابط إدارة “الإتحادات” العماليّة والرياضيّة وما شابه ثم عيّنت في النهاية مسؤولا للإتصالات. وفي هذه الفترة بالتحديد أجتمع بي أبو حسين شاهين, أحد ضبّاط منطقة صيدا التنظيميّة العاملين في مقرّ قيادة المنطقة وأوضح لي أنه ضابط أمن يعمل لصالح سلطان أبو العينين ومهمّته مراقبة خالد عارف وأبلغني أوامر أبو العينين بضرورة تسليمه نسخاً مصوّرة عن كلّ مراسلات خالد عارف الداخلة والخارجة عبر الانترنت. أجبت أبو حسين بانني أريد أمراً مكتوباً أو شفهيّاً من أبي العينين نفسه إذ انني لا أعلم نظريّاً ما إذا كان هو يعمل لصالحه أو لصالح جهةٍ أخرى ولم أقصد بكلامي إتهام أبا حسين فهو من الضبّاط الخلوقين والمهذّبين لكن كانت غايتي من هذا الطلب هي حماية نفسي في حالة اتهامي من قبل خالد عارف بالعمل لصالح جهاتٍ خارجيّة. وافق أبو حسين على طلبي وضرب لي موعداً عبر ضابطٍ آخرٍ يدير مخبري سلطان أبو العينين في المنطقة هو وليد ورد فتوجهت على الأثر إلى مخيّم الرشيديّة وتلقيت أمرا شفويّاً من سلطان يؤكّد ما قاله لي أبو حسين.
——————————————————
بداية العام 2003 افتتح زميلي محمود الصفدي مركزاً للتزويد بالإنترنت ورغم البطء الشديدة التي اعترى شبتكته بسبب تحميلها فوق طاقتها من الزبائن إلّا انها فتحت أفاقاً جديدة أمامي وأمام العديد من الزملاء. مدهش حجم المعلومات والبرامج (الان تضاعف حجمها مئات أو ربما آلاف المرّات) والكتب وطرق الإتصال المتعددة في الإنترنت. أصبح العالم بأكمله موجوداً في العلبة المعدنية الصغيرة الموضوعة في زاوية الغرفة. إن الإستعمال الآول للانترنت عند العرب (وانا منهم) هو البورنوغرافيا لكن المرء لا يلبث ان يتخم من الكمّ الهائل من الصور الجنسيّة التي يقلّبها ويتقلّب بينها من عنوان إلكتروني إلى آخر فيبدأ بإستكشاف آفاقٍ جديدة. أوّل الآفاق الجديدة التي بدأت بإستكشافها كانت مواقع المنتديات الفكريّة والسياسيّة فاشتركت في العديد منها مستخدماً إسماً مستعاراً هو “سزيف” وانغمست في الكتابة فيها والتعليق عمّا يكتبه الآخرون وتبادل السباب والشتائم معهم في أغلب الأوقات بسبب خلافاتٍ في الآراء السياسيّة. أما ثانيها فكانت مواقع الدردشة (التشات) حيث تعرّفت على كثير من الصديقات من مختلف البلدان ولم يكن بينهم أصدقاء ذكور لسببٍ بسيط هو انني افضل الحديث مع النساء فهو أكثر متعةٍ خصوصاً حين يتاح لك بعد فترة مشاهدتهن مباشرةً على الكاميرا وأحياناً قد تفلح في إقناع الصديقة بممارسة الجنس عن بعد أو على الأقل ان تريك شيئاً مما خفي من جسدها.
خلال تنقلي بين مواقع الدردشة تعثّرت بكاتبة انجليزيّة مغمورة تعيش في شمال انكلترا وتعود أصولها إلى منطقة الحدود الانكليزيّة – السكوتلاندية ولقد أثارت فضولي بآرائها السياسيّة والفكريّة المميّزة مما جعلنا أعود إلى محادثتها أكثر من مرة. مع مرور الوقت بدأت أوقات دردشتنا تطول وتتشعّب وبدأنا نميل لبعضينا وما لبث هذا الميل ان تحول إلى حبٍ جارف جمعنا لأكثر من سنة أدمن خلالها كلٌّ منّا على الآخر. بعد سنة من علاقتنا الرومانسيّة الجميلة قرّرنا ان نلتقي وفي تموز 2004 جاءت إلى زيارتي في صيدا وكنت قد استأجرت شقة أكرم الفارغة سوى من سريرٍ وثلّاجة وموقد غاز مقابل 200$ لمدة شهرٍ واحد وقامت برندا (وهذا إسمها) بإرسال قيمة الإيجار عبر شركة الويسترن يونيون.
منذ اللّحظة الأولى التي شاهدتها فيها حقيقة في مطار بيروت وعانقتها أدركت انها المرأة التي أبحث عنها منذ زمن طويل. وقد توطدت علاقتنا الغرامية خلال هذه الزيارة وقررنا الزواج. صباح 31 تموز 2004 توجهنا إلى المحكمة الشرعيّة في مدينة صيدا طالبين ان يعقد قراننا وكان الشيخ الموكّل بهذه الأمور شخص من آل البابا وقد رفض ان يعقد هذا القران إلا بوجود مترجمٍ رغم انني أبلغته بإجادتي للغة الانكليزية وقدرتي على الترجمة لخطيبتي, فذهبت إلى أحد مكاتب الترجمة واتفقت مع أحد المترجمات على ان تلحق بي إلى قاعة المحكمة في ساعةٍ معيّنة. عند عودتي إلى مبنى المحكمة وإبلاغ الشيخ بان المترجمة ستلحق بنا, انتحى بي جانباً وعرض عليّ ان يقوم بعقد قراننا في منزلنا دون الحاجة إلى مترجمة. من الواضح ان هدفه كان تلقي الرشوة مقابل هذا ورغم ذلك فقد وافقت حتى لا يقوم بوضع المزيد من العوائق امامنا واتفقنا ان يزورنا عصراً وأعطيته عنوان الشقّة التي أقيم فيها ثم غادرنا برندا وانا للتسكع في مدينة صيدا كعادتنا بعد ان مررنا بمكتب الترجمة لإلغاء الموعد المضروب مع المترجمة.
مساءً حضر الشيخ المعمّم المرتشي وقام بعقد قراننا على شرفة الشقّة بحضور شاهدين من الزملاء ونهض بعدها للمغادرة فناولته 30 ألفاً لكنه رفضها وطلب المزيد فبدأت أزيدها تدريجيا وهي يرفض حتى وصل المبلغ إلى 70 ألف ل.ل (50$) فأخذها وخرج تلاحقه شتائمي غير المسموعة.
بعد بضعة أيامٍ غادرت زوجتي لبنان عائدةً إلى موطنها بعد ان اتفقنا ان أقوم بإجراء المعاملات اللازمة لإستصدار جواز سفر على ان نقرّر لاحقاً ما إذا كنّا سنقيم في لبنان لفترةٍ ما أو نغادر مباشرةً إلى بريطانيا. كانت عمليّة استصدار جواز سفر لي طويلة ومعقّدة بسبب حكمٍ قضائيٍ غيابيٍّ بالسجن خسمة سنوات قد صدر بحقّي منتصف التسعينات بتهمة التزوير . إذ ان قاسم قمح قام بعد امتناعي عن العمالة لصالحه, بإرسال بطاقة هويّتي إلى الأمن العام متهماً إياي بتزويرها. وقد استغرقت معاملة تسجيل زواجي في دوائر النفوس اللبنانيّة والحصول على براءتي بعد الإستعانة بأحد المحامين أكثر من ثمانية أشهر ولولا الدعم المعنوي الذي تلقيته من زوجتي عبر محادثاتنا اليوميّة لما استطعت المواظبة حتى اكتمالها لكثرة ما واجهت من عراقيل.
—————————————————————
بعد جهودٍ مضنية وطويلة من رفيق الحريري المدعوم من المملكة العربيّة السعودية وصديقه الرئيس الفرنسي جاك شيراك نجح في إستصدار قراراً من مجلس الأمن الدولي بتاريخ 2/أيلول/2004 حمل الرقم 1559 والذي جاء في بنوده ان مجلس الأمن:
- يطالب جميع القوّات الأجنبية المتبقيّة بالانسحاب من لبنان.
- يدعو إلى حل جميع الميليشيات اللبنانيّة ونزع سلاحها.
- يؤيد بسط سيطرة حكومة لبنان على جميع الأراضي اللبنانيّة.
- يعلن تأييده لعمليّةانتخابية حرة ونزيهة في الإنتخابات الرئاسية المقبلة تجري وفقا لقواعد الدستور اللبناني الموضوعة من غير تدخل أو نفوذ أجنبي.
- يطالب جميع الأطراف المعنيّة بالتعاون تعاونا تاما وعلى وجه الاستعجال مع مجلس الأمن من أجل التنفيذ الكامل لهذا القرار ولجميع القرارات ذات الصلة بشأن استعادة لبنان لسلامته الإقليمية وكامل سيادته واستقلاله السياسيّ.
- يطلب إلى الأمين العام ان يوافي مجلس الأمن في غضون ثلاثين يوما بتقرير عن تنفيذ الأطراف لهذا القرار، ويقرر ان يبقي المسألة قيد نظره الفعلي.
كان لهذا القرار وقع الصاعقة على النظام السوريّ إذ انه ببساطة سيجرده من كل نفوذه الإقليمي ويدعوه للإنكفاء داخل حدوده عارياً من كلّ أوراقه السياسيّة, كما يدعو إلى تجريد حلفائه في حزب الله من أسلحتهم وبسط سيادة الدولة اللبنانيّة على أراضيها. جنّ جنون الأسد الصغير وقرّر خلع قفّازه الحريري والعودة إلى الأساليب القديمة التي ورثها عن أبيه وافتتح عصر الإغتيالات السياسيّة بعد أقلّ من شهرٍ واحد على صدور هذا القرار بادئاً بأحد حلفاء الحريري المقرّبين وهو النائب الدرزي مروان حمادة. إذ انفجرت بتاريخ 1/تشرين1 /2004 سيارة مفخّخةٌ أثناء عبور موكبه في محلّة الريفيرا في بيروت قبل ساعات قليلة من موعد تقديم الأمين العام للأمم المتّحدة كوفي انان تقريره لمجلس الأمن حول التطورات المتعلقة بتطبيق القرار 1559. نجا مروان حمادة من الموت بإعجوبة لكنه أصيب مع مرافقيه بجروح نقلوا على أثرها إلى المستشفى.
جاء القرار 1559 لينهي مرحلةً طويلة من التجاذب السياسيّ بين النظام السوريّ والمملكة العربيّةالسعودية في لبنان مرّر خلالها حلفاء سوريا في مجلسيّ النوّاب والوزراء الكثير من المشاريع الإستثماريّة لصالح شركاتٍ مملوكةٍ لرفيق الحريري مقابل رشواتٍ ماليّة ضخمة قدّمها الحريري لرئيس المخابرات السوريّة غازي كنعان وخليفته رستم غزالي وحلفائهما من الساسة اللبنانيّين.
قبل صدور هذا القرار ببضعة أشهر نشبت خلافاتٌ حادّةٌ بين بشار الأسد ورئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري تتعلّق بتمديد ولاية الرئيس اللبناني إميل لحود أحد رجال سوريا في لبنان. إذ ان الحريري وكتلته النيابيّة وحلفائه في كتلة وليد جنبلاط كانوا معارضين بشدّة لهذا التمديد مما حدا ببشار الأسد لإستدعاء الحريري إلى دمشق وجرى بينهما لقاءٌ عاصف هدّد في الأسد رفيق الحريري موضحاً ان إميل لحود هو ممثله في لبنان ومن يرفضه فانه يرفض بشّار ثم قال له حرفيّا:”نحن قادرون على ان نطالكم ونطال عائلاتكم وأولادكم“, وقد ذكر جاك شيراك تفاصيل هذه اللقاء كما نقله له صديقه رفيق الحريري وكذلك ذكره العديد من حلفاء الحريري خلال شهاداتهم أمام المحكمة الدوليّة الخاصة بإغتيال الحريري.
ولقد ذكّر وليد جنبلاط في شهادته انه لولا التمديد للحود لما كان هناك القرار 1559 وأضاف:” بعد زيارة الحريري لدمشق اتصل بي عندما وصل إلى طريق بيروت وزارني برفقة النائب باسم السبع وكان شكله مكفهراً وغاضباً حزيناً وغريبا. وقال له الأسد انا أريدك ان تمدد للحود. وتابع الأسد: إذا أراد شيراك إخراجي من لبنان سأكسر لبنان فوق رؤوسكم وإذا كان لجنبلاط جماعة من الدروز فأنا أيضا لي جماعة من الدروز. قلت للحريري إذهب ومدد لأنني كنت أخاف على سلامته الشخصيّة وأعرف ماذا تستطيع ان تفعل هذه الجماعة“. حين روى رفيق الحريري ما جرى معه أثناء لقائه ببشار الأسد والتهديدات التي وجّهها له ولجنبلاط نصحه جنبلاط بعدم الإصطدام بنظام الأسد والموافقة على التمديد للحود ثم الإستقالة ومغادرة لبنان. وقد صوّت الحريري وكتلته النيابيّة بالموافقة على اقتراح التمديد لإميل لحود الذي حظي بأغلبيّة في جلسة عقدت في نفس اليوم الذي صدر فيه قرار مجلس الأمن 1559.
——————————————————-
في 11/تشرين2/2004 أعلن رسميّاً وفاة ياسر عرفات الراقد في مستشفى بيرسي العسكريّ في إحدىضواحي العاصمة الفرنسيّة باريس بعد ان قضى أيامه الآخيرة في حالة غيبوبة من الدرجة الرابعة لا يفصله عن الموت سوى أجهزة التنفس الإصطناعي الموصولة بجسده . إكتنفت وفاة عرفات وحقيقة مرضه بالغموض وزاد في غموضها تكتّم زوجته سهى عرفات حول الموضوع ورفضها إطلاع القيادة الفلسطينيّة على التقرير الطبيّ. وحين أعلنت السلطة الوطنيّة عن تشكيل وفدٍ رباعيٍّ يضم أمين سرّ اللجنة التنفيذيّة ل م.ت.ف محمود عبّاس, ورئيس الحكومة الفلسطينيّة أحمد قريع ووزير الخارجيّة نبيل شعث ورئيس المجلس التشريعيّ روحي فتّوح ليتوجّه إلى باريس للإطلاع على حالة الرئيس الفلسطينيّ عن كثب, شنّت سهى عرفات هجوماً إعلامياً على أعضاء هذا الوفد وأتصلت بوليد العمري مراسلة قناة الجزيرة الفضائية في فلسطين وطلبت منه ترتيب بثّ تصريحٍ مباشر لها قالت فيه “ان حفنةً من المستورثين قادمون إلى باريس ويريدون دفن ياسر عرفات حيّاً, أقول للشعب الفلسطينيّ ان ياسر عرفات حيّ وسيعود إلى عمله, الله اكبر”.
أربك تصريح سهى أعضاء الوفد القيادي وأعلنوا إلغاء سفرهم لكنهم عادوا وقرروا الذهاب قدماً ووصلوا إلى باريس في 8 تشرين ثاني وعقدوا صفقةً ماليّة مع أرملة الرئيس (جاء ذكرها سابقاً) فسمحت لهم بزيارته على ان لا يدخل إلى غرفته إلّا شخصٌ واحد. ورغم تصالحها مع قيادة السلطة الفلسطينية إلّا ان سهى اصرّت على الإحتفاظ بالملفّ الطبي للرئيس ومنعهم من الإطلاع عليه مما أفسح مجالاً للتكهنات والتحليلات التي تحاول التوصل إلى معرفة حقيقة مرض عرفات خصوصاً بعد ان أعلنت أكثر من جهة قياديّة فلسطينيّة ان اسرائيل قامت بتسميمه. وقد أشار تقرير طبي فرنسي مقتضب صدر عن مستشفى بيرسي في 14 تشرين الثاني 2004 إلى التهابٍ بالأمعاء وتخثرٍ “شديدٍ” للدم لكنه لم يوضح اسباب الوفاة.
تحوّلت قضيّة وفاة ياسر عرفات إلى لغزٍ غامض وأصر أغلب قادة الصفّ الأوّل في م.ت.ف على التشبّث بفرضية موت عرفات مسموماً على يد عملاء الموساد الإسرائيلي دون ان يقدّموا أيّ دليلٍ على هذه الفرضيّة رغم تشكيلهم للعديد من لجان التحقيق. ولقد استخدم المتصارعون على خلافة عرفات هذا الغموض المبهم والذي يبدو مقصودا كسلاحٍ رفعوه في وجوه بعضهم البعض عبر تقاذف الإتهامات بين الأطراف كلٌّ منها يرمي تهمة إغتيال عرفات على الطرف الآخر حتى انحصرت التهمة مؤخّراً بين المتنافسيّن الرئيسن محمود عبّاس ومحمد دحلان.
في 10 تشرين2 2013 بثّت فضائية الجزيرة القطريّة فيلما وثائقيّاً من إعدادها ادّعت فيه تلقّيها تقريرا من أحد المخابر السويسريّة التي قامت بفحص قطعٍ من أغراض عرفات الشخصيّة قدّمتها سهى عرفات بعد ان احتفظ بها سائقه في شقّته لمدة ثمانية سنوات وقد أكّد التقرير تسمّم عرفات بمادة البولونيوم المشع. قدّم الفيلم شهادات من شخصيّاتٍ كانت قريبة من الحدث، ومما يورده كبير المفاوضين الفلسطينيّين صائب عريقات ان ناصر القدوة –وهو ابن شقيقة عرفات وكان في عام 2004 يشغل منصب وزير الخارجية في السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة– اتصل به وقال له “صائب، اتصل من فضلك بالأميركيين وقل لهم ان يطلبوا من الإسرائيليين إعطاءنا الترياق.. فقمت بذلك“. ويورد أيضا تصريحات للطبيب الشرعي البروفيسور ديف باركلي ومنها “ليس هناك أدنى شك –في اعتقادي– في ان البولونيوم هو الذي أفضى إلى وفاة ياسر عرفات. ونحن الان لدينا الدليل الدامغ على ذلك، فما علينا إلا ان نعرف من الذي قام بذلك“. لكن النيابة العامّة في ضاحية نانتير «غرب باريس» فتحت تحقيقا في وفاة ياسر عرفات عهدت به إلى ثلاثة قضاة، وذلك بعد ان رفعت سهى عرفات في تموز 2012 دعوى بالحق المدني ضد مجهول بتهمة القتل مع سبق الاصرار، بناء على معلومات ترجح مقتله مسموما بمادة البولونيوم المشعة العالية للسمّية والتي وجدت أثارٌ منها على بعض حاجياته. وقد أعيد فتح ضريح عرفات خلال التحقيق وأخذت حوالى 60 عينة من رفاته وزّعت لتحليلها على ثلاثة فرق من الخبراء في كلٍّ من سويسرا وفرنسا وروسيا. وقد خلص التحقيق الفرنسي إلى انه لم يمت نتيجة تسمم ولكن لأسباب طبيعية وان الإختبارات الطبية التي أجريت على رفات عرفات أظهرت انه “توفي نتيجة لتقدمه في العمر عقب إصابته بعدوى” وليس نتيجة للتسمم بمادة البولونيوم. وأشارت كاترين دوني مدعية نانتير في بيان ان الخلاصات الجديدة للفرنسيين “تنفي فرضية التسمم الحاد بمادة البولونيوم 210 في الأيام التي سبقت ظهور العوارض على ياسر عرفات“. وأضافت دوني ان الخبراء “ما زالوا يعتبرون ان مصدر البولونيوم 210 والرصاص 210 اللذين رصد وجودهما في ضريح عرفات وفي العينات التي اخذت لدى دفنه هو المحيط البيئي“. وأوضحت المدعية انه للتوصل الى هذه النتائج، عاود الخبراء درس “المعطيات” الناتجة من الفحوص التي اجراها العام 2004 جهاز الحماية الشعاعية التابع للجيش على عينات من بول عرفات خلال وجوده في المستشفى ولم يعثروا فيها على أثر للبولونيوم.
كذلك استبعد الخبراء الروس المكلّفون بتحليل قسمٍ من العينات التي أُخذت من جثمان الراحل ياسر عرفات تعرضه لتسمم بمادة «البولونيوم»، مؤيدين بذلك نتائج التقرير الفرنسي وقال رئيس فريق الخبراء الروسي ومدير الوكالة الفدرالية للتحاليل البيولوجية فلاديمير أويبا ان ياسر عرفات “مات ميتة طبيعية وليس بسبب إشعاع“. أما فريق الخبراء السويسريّين فقد أعلن عن وجود نسبة من مادة البولونيوم في العيّنات المأخوذة من جثمان عرفات لكن لا يمكن التأكيد ان هذه المادة هي التي سبّبت وفاته.
إسرائيل من جهتها زعمت عبر أكثر من مصدر ان وفاة عرفات جاءت نتيجة إصابته بمرض نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) ويقول عاموس هرئل في مقالٍ نشرته صحيفة هآرتس الإسرائيليّة “يظهر تحليل المعطيات الواردة في التقرير الطبي السري حول وفاة ياسر عرفات، عدة احتمالات رئيسية إزاء سبب الوفاة: يظهر من التقرير ان رئيس السلطة الفلسطينيّة، مات بالايدز أو بالسمّ“. ويضيف ” لدكتور أشرف الكردي، الطبيب الشخصيّ لعرفات الذي أبعد عن معالجة الرئيس في الأسابيع الأخيرة من حياته، يقول انه يعرف بأن الأطباء في باريس عثروا على عوارض مرض الايدز في دم عرفات. ويرفض الكردي كشف المصدر الذي استقى منه هذه المعلومات. ومع ذلك يقول انه تم تسريب جرثومة الايدز الى دم عرفات لتمويه عوارض التسمم التي توفي الرئيس بسببها“.
في حوارٍ أجرته صحيفة عمون في عمّان مع الدكتور أشرف الكردي وزير الصحّة الأردني الأسبق وطبيب عرفات الشخصيّ في 8/آب/2007 قال “كنت أصرح، وأطالب دائما بأن يرسلوا لي أي تقرير عن حالة الرئيس الصحية، لكن أحداً لم يستجب. وعندما مات موتا دماغيا، تلقيت إيميل من المستشفى الذي كان يتلقى العلاج فيه، يقول “جاءنا فلان الفلاني في التاريخ الفلاني ودخل المستشفى وبفحصه وجدنا ان دمه مليء بHIV أي الفايروس المسبّب لمرض نقص المناعة المكتسبة (الإيدز)”. وأضاف: “مؤكد ان أبو عمار قد تم تسميمه، وان السم الذي دس له، بعد ان يعطي مفعوله لا يظل له أثر في الدم، ويبقى فقط أثر للفايروس المسبب للإيدز. وفايروس الإيدز الذي كان لديه لا يميت في حينه، وقد ارادوا ان يقولوا انه مات بمرض الإيدز حتى لا يترحم الشعب الفلسطينيّ عليه”.
كذلك زعم أحمد جبريل أمين عام الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين – القيادة العامّة والخصم اللدود لياسر عرفات خلال مقابلة أجرتها معها قناة المنار التابعة لميليشيا حزب الله العام 2007 ان أحد أعضاء الوفد الفلسطينيّ الذي زار دمشق في كانون الثاني من نفس العام برئاسة محمود عبّاس أبلغه أثناء إجتماعه بهم ان ياسر عرفات قد مات بالإيدز وقد جاء هذا الكلام في معرض ردّ عضو الوفد على تساؤل جبريل عن مصير التحقيقات التي أجرتها السلطة الوطنيّة في قضية إغتيال ياسر عرفات.
مهما كانت أسباب وفاة ياسر عرفات فمن المؤكّد انها قد دفنت معه وما يثيره القادة الفلسطينيّون وكذلك سهى الطويل بين الحين والآخر حول هذا الموضوع سواءً بهدف الإبتزاز الماليّ كما في حالة سهى أو بهدف الإبتزاز السياسيّ وتوجيه الضربات إلى الخصم كما في حالة عبّاس وصحبه ودحلان ورهطه, لن ينتهي في المدى المنظور إذ ان الشعبيّة الكبيرة التي حظي فيها عرفات عند الفلسطينيّين ولازا , تجعل منه مادةً ممتازة للإستخدام الإعلامي والدعائي عند رفاق الأمس المتخاصمين.
بداية العام 2005 حضرت زوجتي إلى لبنان من جديد وقد أقامت هذه المرّة في منزلي المستأجر داخل مخيّم عين الحلوة – حيّ البركسات. توجّب عليّ طبعا الحصول على تصريحٍ مكتوبٍ من المخابرات العسكريّة اللبنانيّة ليتسنّى لها عبور نقاط التفتيش العسكريّة التي تحيط بالمخيّم من جميع الجهات. ولأجل إستصدار هذا التصريح توجّب علي اصطحاب زوجتي إلى مكتب المخابرات في ثكنة هنري زغيب حيث كنت اعتقلت قبل سنوات وكان مدير المكتب لا يزال هو نفسه قاسم قمح. دعانا للجلوس ثم بدأ التحقيق معّي حول العلاقة التي تربطني بالمرأة التي معي فأظهرت له عقد الزواج وبقي يحاول إستنطاقي لمدّة ربع ساعة عن كافة الظروف التي التقيت بها بزوجتي وأسباب زواجي منها وما إلى هنالك من الأسئلة الغبيّة اضطر بعدها إلى منحي التصريح قائلا: احذر ان يخطفها الأصوليّون في المخيم.
أحب ولداي ووالدتي برندا وكذلك أحبّتهم هي واعتاد الجميع بعضهم البعض. اقمنا في المخيّم لمدة ثلاثة أشهر تجولنا خلالها في أغلب المناطق والأحياء البحريّة والجبليّة في مدينة صيدا سيراً على الأقدام وتنقّلنا ما بين شواطئ المدينة الشماليّة والجنوبيّة وتلال عبرا ومغدوشة وزرنا أحياء المدينة القديمة والقلعتين البريّة والبحريّة وخان الإفرنج. كذلك زرنا آثار مدينتي صور وبيروت وتجولنا في أحياء المدينتين وكثيراً من هذه الأمكنة والأحياء لم يسبق لي زيارتها رغم عيشي في لبنان أغلب سنوات عمري.
في 14 شباط 2005 توجّهنا برندا وولداي وأنا إلى بيروت لنقدم طلبات الحصول على تأشيرات دخول من السفارة البريطانية فيها. عندما أصبحنا في وسط العاصمة وقبل عشرة دقائق من وصولنا إلى موقع السفارة هزّ انفجارٌ ضخم أرجاء المدينة وعلت سحابة سوداء سماءها من الناحية الغربيّة القريبة من الشاطئ. تابعت السيّارة سيرها وشغّل احمد المصري (صديقي القديم الذي استأجرنا سيّارته للذهاب إلى السفارة) جهاز الراديو وبدأ يتنقل بالإبرة من إذاعةٍ إلى أخرى حتى نتبيّن طبيعة الإنفجار إلا ان الإنفجار كان قد حصل للتوّ ولم يتسنّى للمؤسّسات الإعلامي التعرف إلى كنهه بعد. ركن أحمد سيارته في أحد مواقف السيّارات القريبة من مبنى السفارة حيث اتفقنا ان ينتظر عودتنا فيه بينما ترجّل بقيتنا واتجهنا نحو ملّالتيّ الجيش اللبناني اللتان تحرسان مجمّعٍ للسفارات إحداها هي السفارة البريطانيّة. عند اقترابنا منهما كان الجنود يتراكضون من جهةٍ إلى أخرى وينصبون العوائق المعدنيّة والإسمنتية لإغلاق الطريق كليّاً وسمعت أحد الجنود يخاطب زميله عبر جهاز اللاسلكي قائلا:”انه رفيق الحريري“ ثم أشار إلينا بيده بعدم الإقتراب وأبلغنا ان السفارات قد أغلقت أبوابها.
عند عودتنا إلى مدينة صيدا التي ينتمي إليها رئيس الوزراء اللبناني المقتول رفيق الحريري, ومع اختراق سيّارتنا لأحيائها الشماليّة شاهدنا الدواليب المحروقة وسط الطرقات والتجمعات البشريّة الغاضبة موزّعةً على الأرصفة والمحلات التجاريّة مغلقة وبدت المدينة بأكملها كما لو كانت على وشك الإنفجار من شدّة الغضب الذي يعتمل في صدور أهلها والبادي على وجوهم وفي صرخاتهم التنديديّة. تجاوزنا الحرائق والتجمّعات بصعوبة واضطررنا إلى استخدام طرقٍ جانبيّة للوصول إلى المخيّم.
كانت سيّارةٌ مفخّخةٌ بأكثر من 1000 كغ من مادة ال TNT قد انفجرت أثناء مرور موكب رفيق الحريري في منطقة الفنادق في السان جورج عائداً من مجلس النوّاب في ساحة النجمة ومتّجها إلى قريطم حيث يقيم. وقد قتل مع الحريري 21 شخصاً بينهم صديقه الوزير باسم فليحان الذي كان يرافقه والعديد من مرافقيه الشخصيّين وقد بلغ عدد الجرحى الذين أصيبوا جرّاء الإنفجار الذي خلّف حفرة عمقها 5 أمتار وقطرها 10 أمتار , 127 جريحاً. ورغم ان كل المعطيات والكثير من الأدلّة تشير إلى حزب الله كمنفّذ للجريمة بأمرٍ من النظام السوريّ إلّا ان المحكمة الدوليّة التي أنشئت بطلب من الحكومة اللبنانيّة لا تزال معقودةٌ إلى اليوم دون إدانة أحد.
عدنا إلى السفارة البريطانيّة بعد إسبوعٍ من هذا الحادث وتمكّنا من الحصول على التأشيرات بسهولةٍ وسرعة وبعد بضعة أيام سافرنا برندا وانا إلى سوريّا لزيارة الأهل في مخيّم اليرموك لتتعرّف عليهم زوجتي ويتعرّفون عليها وأمضينا هناك اسبوعا ممتعاً وزرنا جميع أخواتي وإخوتي وعوائلهم ثم عدنا إلى معقلنا في عين الحلوة لإستكمال جولاتنا السياحيّة. كانت الأشهر الثلاثة الأخيرة التي عشتها في لبنان مع زوجتي الثانية أسعد أيام حياتي ولم ينغّصها سوى حدثٍ واحدٍ اختار القدر ان أختم به خدمتي وسط الخديعة التي طالت من اذار 1978 حتى نيسان 2005. فقد كان من عادتي ان أصرف دوائي الشهري مجّانا من صيدلةٍ تابعة لحركة فتح بعد توقيع ضابط الإدارة في منطقة صيدا الذي هو نسيب سلطان أبو العينين وكان أبو العينين بعد ان ترقّى ليصبح مسؤولاً عن م.ت.ف في الساحة اللبنانيّة قد استدعاه من إحدى دول الخليج العربيّ حيث كان يعمل لينتقل إلى العمل لديه وعيّنه ضابطاً للإدارة في منطقة صيدا. ولكن علاقة المصاهرة مع القائد الأعلى جعلته يتصرف كأنه هو نفسه قائدٌ أعلى ويتنمّر على الضبّاط ويعاملهم بجلافة. ولقد اختار في الشهر السابق من سفري الإمتناع عن توقيع وصفتي الطبيّة ورغم محاولتي إقناعة باللين إلّا انه تشبث بموقفه مما أفقدني أعصابي وجعلني أهاجمه وأضربه على وجهه. لم يطل الشجار العنفي بيننا إذ تدخّل الضبّاط المتواجدين في المكتب وفضّوا بيننا. إلّا ان الخبر سرعان ما تمّ نقله إلى خالد عارف في منزله, وقد كان يتهيّأ للحجّ في اليوم التالي فاتصل باللينو هاتفيّاً وأمره بإعتقالي وزجّي في السجن الملحق بالطابق الأرض لمبنى المقرّ لكنّ اللينو وبسبب علاقة الزمالة التي تربطنا أرسل أحد مقاتليه إلى منزلي ليشرح لي الأمر ويطلب مني المبيت في المكتب لليلةٍ واحدةٍ فقط كما لو كنت ضابطاً مناوباً ففعلت.
صباح الأوّل من نيسان 2005 قمت بتسليم بندقيتي مع جعبة الأمشاط إلى ضابط التسليح في منطقة صيدا “أبو حسن” الذي وقّع لي على وصل إستلام, ثم بعت أثاث منزلي بعد ان كنت قد حدّدت مع بعض الجيران مسبقاً نهار السفر كموعدٍ لهذا البيع. ثم ودّعنا والدتي التي ستمضي الليلة في منزل قريبتها المتزوجة من الناطور التركي ثم تسافر في الغد إلى سوريا. عند المساء كنا جميعا زوجتي وولداي وانا على متن طائرة ال KLM المتجهة إلى مطار مانشستر عبر مطار ميلانو في إيطاليا.
قائمة المراجع
- الدين والتحليل النفسي, أريك فروم, ترجمة فؤاد كامل,مكتبة غريب, طبعة 2003.
القوقعة, مصطفى خليفة, دار الآداب, 2008.
- التحالف السوري الإيراني والمنطقة, عبدالحليم خدام. نشر خاص 2010.
- مغدوشة – قصّة الحرب على المخيّمات, ممدوح نوفل, مؤسسة مواطن للدراسات الديموقراطية, 2006.
- بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار, محمد باقر المجلسي, دار إحياء التراث العربي – بيروت, الطبعة الثالثة, 1983.
- روضة الكافي, محمد بن يعقوب الكليني, منشورات الفجر, بيروت, الطبعة الأولى 2007.
- The Good Spy – The Life and Death Of Robert Ames, Kai Bird, Crown Publishers, USA, 2014.
- Red Horizon, Ion Pacepa, William Heinemann LTD, London, 1988.
- State of Failure – Yasser Arafat, Mahmoud Abbas and the Unmaking of the Palestinian State, Jonathan Schanzer, Palgrave Macmillan, USA 2013.
- The Selfish Gene, Richard Dawkins, Oxford University Press, USA 1976.
- www.lebanese-forces.com
- www.dailymail.co.uk
- www.haaretz.com
- www.aawsat.com
- www.aljazeera.net
- www.alshiraa.com
- www.alrai.com
- www.alraimedia.com
- www.alwatan.com
- www.alwatannews.com
- www.alwatan.com.kw
- ولد غسان أبوالعلا في العام 1963 في مخيّم اليرموك للاجئين الفلسطينيّين الواقع جنوب دمشق.
التحق يافعاً بحركة فتح العام 1977.
- انتسب للأكاديمية البحرية الباكستانية في كراتشي العام 1978.
أنهى دراسته أواخر تشرين اول 1981.
- خدم في حركة فتح حتى العام 2005 حيث تقاعد برتبة مقدّم بحري.
- تخلل فترة عمله في حركة فتح انقطاعٌ دام أربع سنوات بسبب سوقه للخدمة الإلزامية في جيش التحرير الفلسطيني التابع للنظام السوري.
انتقل بعد تقاعده للعيش في بريطانيا.
- إصدار Write-Place Publishing 2016
تصميم الغلاف: لين غاننغ
صدرت الطبعة الأولى في كانون ثاني 2016
كل الحقوق محفوظة للمؤلف
وضعت نسخة من هذا الكتاب في المكتبة البريطانية
الرقم الدولي للكتاب: 978-0-9559013-3-1
يمنع نسخ هذا الكتاب أو تداوله دون إذن من المؤلف